السريالية والأزمة الإنسانيَّة: الشعر في مواجهة الحرب

كريم نعيم كطان صياد و وسام محمد خضير جواد

مركز التعليم المستمر، الجامعة المستنصرية، العراق

الملخص

ظهرت الحركة السريالية كرد فعلٍ على الواقع المرير الذي خلفته الحروب والنزاعات العبثيّة، بدءاً من الحرب العالمية الأولى ومروراً بالثانية وما بينهما من فترة مرّت عصيبة على العالم وجعلته منهاراً ومفككاً، فقد قُتل وهجّر وفقد العشرات من الملايين، وترك هذا كلّهُ واقعاً مأزوماً على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والإنسانيَّة. والإنسان عادةً إذا واجه واقعاً مأزوماً وعنيفاً وفوق مستوى تحمله فلا شكّ أنه سيحاول أن يعبّرَ عنه بطريقة ما، وتختلف هذه الطرق بين شخص وآخر، كلّ حسب إدراكه ومستوى فهمه، لذلك نرى الفنان والأديب يفرغ ما بداخله ويتخذ موقفاً من خلال ما يملكه من أدوات فنيّة، فهو يحارب العالم أجمع من خلال القصيدة والصورة واللوحة، ويرفض بشكلٍ واضح العبث بمصير الشعوب وحاضرها ومستقبلها. لذلك برزت في تلك الفترة حركات ثقافية أعضاؤها من الفنانين والأدباء الذين رفضوا كلّ أشكال الحرب وعبروا عن أفكارهم بهذا الشأن بصورة لا تقبل الشك أو التأويل، ومثال ذلك الحركة الدادائيّة، والسريالية، التي تعدّ من الحركات البارزة والمؤثرة في كلّ ما له علاقة بالفنّ آنذاك، سواء كان ذلك أدباً أو شعراً أو رسماً، وحتى فيما يتعلق بالفنّ الفوتغرافي ونظريات الفن والمسرح. إنّ الحركة السريالية ومنذ ظهورها في فرنسا وحتى اليوم ظلّتَ حركةً تستقطب الكثير من الشعراء والأدباء لأنهم وجدوا فيها الملاذ الذي يعبر عن رؤيتهم اتجاه الفنّ والأدب والحياة، فلا شك أن أصدق تعبير إنسانيّ عن الذات والمجتمع، هو الأدب والفنّ، وكلّ المحن التي مرّ الإنسان قديماً وحديثاً كان الأدب والفن أصدق الأشكال في التعبير الإنساني عنها وعن الأفكار والهواجس التي تمسّه بأكثر الطرق تأثيراً وفعالية، بما يمتلكه الأدب والفنّ من سلطة على الإنسان وتأثير عميق، وسنتعرف في هذا البحث عن ماهية الحركة السريالية وتأثيراتها وظروف نشأتها، وإبراز دور الشعر في الوقوف ضد الحرب ورفض عبثيتها وآثارها المدمرة على الإنسان والمجتمع ككل.

الكلمات المفتاحيّة: السريالية، الحرب، الشعر، إنسانية، أزمة.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

المبحث الأول – السريالية- قراءة في المصطلح والمفهوم

تُعرّفُ الحركةُ السرياليّة بأنها اتجاه معاصر في الفن والأدب يذهب إلى ما فوق الواقع ويعول خاصة على إبراز الأحوال اللاشعورية (خياط، 1974، صفحة 15)، وتعني الكلمة حرفيّاً ” فوق الواقع “، وقد عرفها اندريه بريتون بأنها ( آلية نفسانيّة خالصة تُعتمد إما كتابياً أو بأي طريقة أخرى، للتعبير عن الاشتغال الفعلي للتفكير في غياب كلّ رقابة يمارسها العقل، وخارج أي اشتغال جمالي أو أخلاقي) (بريتون، 2022، صفحة 6)، فالحركة السريالية بعيدة تماماً عن أي اهتمام بالطرق والأساليب التقليدية التي تهتمُّ بشكلٍ كبير بمضمونها الأخلاقي أو رسالتها الأدبية وتحاول إظهاره جاهدة بطرق جمالية معينة متعارف عليها، فالأدب السريالي يقع بعيداً عن كلّ هذه الرقابات التي يرى السريالي أنّها ترف برجوازي ينبغي الوقوف ضدّه وتغييره تغييراً شاملاً وأكيداً.

إذ ترفض السريالية بشكل قاطع أي تحكم خارجي بل وأيّ رقابة يمارسها العقل تقع ضمن الاشتغال الجمالي أو الأخلاقي، وتركز على كلّ ما هو متناقض ولاشعوري وصولاً إلى ما فوق الواقع، فالسرياليّة بعيدةٌ تماماً عن القوالب التقليدية المتعارفة.

بدايات النشأة

لا يمكن أن نحيط بثورة أو حركة أو مذهب اجتماعي أو أدبي دون أن ننظر إلى الظروف المحيطة به، أو الأوضاع التي شكلته أو تشكل بها، فلا شكّ أنها أسهمت في نشوئه بشكل مباشر أو بطريقة ما، فإذا ما اطلعنا تاريخيَّاً على كلّ الأشكال التي مرّت نجد أن البيئة المحيطة كانت عاملاً فاعلاً ومسهماً مباشراً في ظهوره، فالصدمات التي يمرّ بها المجتمعُ سياسيةً أو اجتماعية أو اقتصاديّة تحدث هزّات عنيفة في داخل المجتمع، وتشكل منعطفاً كبيراً لا يشبه ما بعده قبله ، وتطفو بسبب ذلك إلى الواقع حركات ومذاهب وتضمحل أخرى وكلّ ذلك بسبب معطيات مختلفة .

وقد أدى بروز الفلسفة الفرويدية في تلك الفترة وانتشارها تزامناً مع ما مرّ على العالم أجمع من محنٍ إنسانية، فضلاً عن الواقع المؤلم والويلات التي خلفتها الحروب إلى اهتزاز القيم وتخلخلها والاستخفاف بالحياة بعد انتشار الفساد في كل مكان، وأعقب ذلك كلّه رغبات قوية للانحلال والبعد عن الأخلاق والميل إلى الاستمتاع باللذات، وسادت نزعات ورغبات لتحرير النفس البشرية وغرائزها وإشباعها دونما قيد وبحرية تامة دون أي أهمية لأي اعتبارات اجتماعية، لم تقتصر هذه النزعات على الحياة فقط، بل امتدت إلى الفن والأدب. (مندور، 1970، صفحة 147)

ولا شكّ أنَّ أيّ إنسان بطبعه، إذا واجه واقعًا فوق مستوى تحمله، يتصف بالعنف والقسوة، فإنه يلجأ للتعبير عنه بمستويات مختلفة حسب إدراكه ومستوى فهمه، لذلك نرى الأديب أو الفنان يعبّرُ عن مواقفه بأدواته الفنية، ليحارب بذلك الواقع المأزوم بالقصيدة أو الصورة أو اللوحة، ويعلن رفضه العبث بمصائر الشعوب ومستقبلها.

وقد ظهرت العديد من الحركات الثقافية في تلك الفترة ، ضمّت فنانين وأدباء والأدباء قد رفضوا الحرب بشكل مطلق، مثل الدادائية، وتعدّ من الحركات المؤثرة جداً ، فالحرب العالمية لم يقتصر تأثيرها على بروز حركات فنية جديدة إلى السطح فقط، بل تسببت أيضًا وبشكل مباشر بتفكك عدة حركات فنية مثل حركة الفارس الأزرق، حيث تحول أعضاؤها بين ليلة وضحاها إلى أعداء بسبب تغير الظروف، فبعد أن جمعهم الفن بوصفه مظهراً يتعدى الحدود واللغات والمعتقدات، تفرقت هذه الحركة وتشتت أعضاؤها بسبب الحرب، كان من بين هؤلاء الأعضاء ثلاثة فنانين روس هم: ماريانه فون فرفكين، وأليكسى فون يافلنسكي، وفاسيلي كاندينسكي. يذكر مؤرخ الفن شنيده أنهم استقروا في ميونيخ وعملوا مع الفنانين الألمان فرانز مارك، وأوغوست ماكه، وغابريله مينتر، ولكن عند اندلاع الحرب، اضطروا إلى الفرار ومغادرة ألمانيا، مما أدى إلى تفكك المجموعة، لاحقاً لقي أوغوست ماكه حتفه في شمال فرنسا عام 1914، بينما توفي فرانز مارك عام 1916 قرب فردان في شمال فرنسا. (بيرغيت غيرتس، 2013)

ولا شكّ أنَّ تأثيرات الحروب والنزاعات تكون شمولية ومدمرة، تتعدى كل الحدود، حيث يعلو صوت المدفع أمام صوت العقل، وترتفع رايات الدم والتمييز على أساس اللغة والدين والمذهب والحدود، التي طالما عمل الفن والأدب على إذابتها وجعل هوية الفرد الإنسانية فوق كل اعتبار.

ومنذ ظهور الحركة السريالية في فرنسا وحتى اليوم، استمرت في جذب العديد من الأدباء والفنانين، وأصبح لها مريدون من بقاع العالم كافة، فقد وجدوا فيها ملاذًا يعبر عن رؤيتهم تجاه الفن والأدب والحياة، حين ضاقت بهم السبل، واختلت الموازين، وأطبقت عليهم الظروف الاقتصادية والاجتماعيّة جرّاء الحروب وكثرة النزاعات، فما كان منهم إلا أن ينتموا لهذه الحركة ويجسدوها في نتاجاتهم وأعمالهم، على الرغم من كلّ المؤاخذات عليها ، إلا أنه لم يكن أمامهم من مذهب يعبّر عن تصوراتهم بشكل حرّ ويحاكي آثار تلك المعاناة الإنسانية إلا السريالية بكلّ ما تمتلكه من تفرّدٍ وتأثير.

البواعث والتداعيات

بينّا فيما سبق الإرهاصات الأولى لبوادر ظهور السريالية إلى الواقع، الان نشير إلى البدايات الحقيقة لهذه الحركة، كيف نشأت وكيف تشكلت، ومن هم أبرز أقطابها المؤسسين؟

إنّ السريالية لم تنشأ عن فراغ، ولم تكن فصلاً زائداً في فصول الحركات والمدارس الأدبية، بل كانت لها مبررات ودوافع أدت بالنهاية إلى ظهورها على السطح لتأثر فيما بعد بقطاعٍ واسع من المبدعين في الفنّ والأدب، وإذا أردنا أن نفهم تلك البدايات لا بدّ أن نكون ملمين بالخلفية التاريخية التي سبقت بداية الحركة لأنها أسهمت بشكل مباشر بتشكيل انطلاقتها وظهورها إلى حيز الوجود، فالسريالية ظهرت نتيجة واقع دموي وعصيب مرّ على العالم أجمع في ذلك الوقت؛ حيث الحرب العالمية الأولى مروراً بالثانية وما بينهما من نزاعات وصراعات أثرت سلباً على واقع الإنسان وغيّرته بصورة مختلفة عمّا سبق، ففي الحرب يبدأ تاريخ جديد، ويمرّ المجتمع بتحولات كُبرى تمسُّ مختلفة المجالات سياسيةً كانت أو اجتماعيةً أو اقتصادية أو أدبية وفنيّة أيضاً، فالتغيير يلقي بظلاله على الميادين كافة، ويُحْدث انقلابات فكريّة عميقة في ذات المجتمعات وتكوينها الثقافي.

ونظراً لكلّ المآسي التي خلفتها الحروب ظهرت عدة حركات معادية للحرب قبل بزوغ فجر السريالية كان من أبرزها الحركة الدادائيّة، التي ظهرت عام 1916م أثناء الحرب العالمية الأولى في مدينة زيوريخ بسويسرا على يد الكاتب تريستان تزارا، وأعلنت رفضها العنيف لكلّ الصراعات الجارية، وحاربت بشكل غير مسبوق كلّ الأطر التقليدية، ودعت إلى هدم الطرق المعتادة في التعبير عن الفن والأدب، بل وحاربت كلّ ما يسمّى فنّاً في ذلك الوقت، وسعت إلى تهشيم علم الجمال التقليدي، وبناء صورة جديدة في كلّ ما له علاقة بالفنون البصرية، كالأدب والفن، الشعر، والفن الفوتوغرافي، المسرح وغيره.

ففي كبريه فولتير تُلي أول بيان ضد الحرب جاء فيه (لقد فقدنا الثقة في ثقافتنا، كل شيء يجب أن يهدم، سنبدأ من جديد بعد أن نمحي كل شيء، في كبريه فولتير سيبدأ صدام المنطق، الرأي العام، التعليم، المؤسسات، المتاحف، الذوق الجيد، باختصار كل شيء قائم)، فالدادائيّة أعلنت منذ بداية بزوغها أنها حركة هدم لكل المعايير والمُثل والأديان والذوق العام، داعية إلى فنّ جديد، وأدبٍ مختلف، ومقاييس أخرى في كلّ المجالات، ولم تنحصر الحركة الدادائيّة في دائرة الأدب والفنّ، بل أخذت تتجه بعيداً في الدخول نحو قضايا سياسية واجتماعية وذلك عبّر تنظيم مظاهرات ووقفات احتجاجية على الواقع والمجتمع والظروف السياسية والاقتصادية التي خلفتها الحروب، ومما قرأ في أحد بياناتهم ، وهو مقطع يلخص أفكار الدادائيّة ( من الآن فصاعداً، لا رسامون ولا أدباء، ولا موسيقيون، ولا نحاتون، ولا أديان، ولا فلكيون، ولا امبراطوريون، ولا فوضويون، ولا اشتراكيون، ولا بولشفيك، ولا سياسيون، ولا بورليتاريون، ولا ديمقراطيون، ولا جيوش، ، ولا شرطة، ولا أوطان، وأخيراً كفانا من هذه الحماقات كلها، لا شيء ، لا شيء، لا شيء ) (نادو، 1992، صفحة 35).

إنّ العنف الذي نجده في رؤية الدادائيين تجاه الأدب والفنّ والحياة والمجتمع ما كان إلا نتيجة للظروف القاسية التي مرّ بها العالم آنذاك ، حيث الحرب العالمية تستعر نيرانها في أغلب أرجاء العالم، والخنادق تلتهم ملايين من البشر، ومع ذلك يلهجون بالأناشيد القومية التي تذْكر غليوم وقيصر وصاحب الجلالة، ويبنون لذكراهم قوسا للنصر مزيناً بشعلة من نار، فكل هذا التناقض العجيب كان يستحق أن يقابل ويسفّه على الطريقة الدادائيّة، كما فعل جان دوبريه؛ حيث بال على شعلة النار تحت قوس النصر بباريس وأطفأها! (الشوك، صفحة 6).

فالدادائية انبثقت من قاع مجتمع تنهشه الحرب لذلك عملت على أن تهاجم هذا المجتمع وتفضحه وتفضح الأعمال المخزية التي ارتكبت في ظله، فقد اعتقد الدادائيون أن المجتمع الذي ينتج حرباً بهذه البشاعة وبهذه الوحشيّة لا يستحقُ فنّا وأدباً بالمعايير المعروفة، لذلك عملوا بكلّ ما يمتلكون من قدرة على أن يكونوا ضدّ الفنّ، وذلك عن طريق محاربة الفن بالفن، وتجاهل علم الجمال التقليدي، ليعطوا للمجتمع الصورة الحقيقية التي يستحقها.

 فالفنّ عندهم جاء ليدمر كل شيء، فهو عبارة عن إحساس بالعبث واللاجدوى، وذلك تعبيراً عن رفضهم المطلق لما سببته الحرب العالمية الأولى وما رافقها من قتل للملايين وتهديم مدن بكاملها، فضلاً عن شيوع روح الهزيمة واليأس في المجتمعات، لتظهر عدميتهم بأشكال مأساوية جاءت في أعمالهم بصور مختلفة، بل وحتى بالسخرية والوقاحة والازدراء لهذا الواقع السخيف الذي أنتجه المجتمع، فقد أهانوا كلّ شيء ونقدوا كل شيء نقداً لاذعاً لتنقلب المعادلة ويصبحُ ” ما كان ضد الفن أن يكون فنا”! (الكنجي، 2016) .

إن حركة دادا على الرغم من كونها فوضوية إلا أنها لا تخلو من الثورية، فقد دعت لنزع الهالة الإيقونية في الفن، وجعله شيئا معاشا يستطيع الجميع أن يمارسه، مع تحريره من طابعه السلعي “دور الأوبرا.. المسارح … المتاحف.. ” والنزول به إلى الخارج إلى الشارع، كما سعت إلى إذابة الفوارق ورفع الحدود بين الفنون وتخطي طبيعتها النوعيّة (الشوك، صفحة 7).

ولكنَّ الذروة التي وصلت إليها حركة دادا في فرنسا وباقي الأقطار الأخرى سرعان ما تلاشت وأخذت تخبو نتيجة الصراعات الداخليّة المتعددة والحادة، ونتيجة لموقفها الرافض لكلّ شيء، فقد دعت لممارسة الهدم على مختلف الاتجاهات، فدعوا إلى إلغاء كلّ التقاليد وكل المدارس الأدبية، القديمة والحديثة، ووقفوا ضدّ المنطق لأنه رأوا فيه أساس كلّ المأساة التي عاشوها، لذلك الطريق الوحيد للخلاص هو رفض المنطق والقبول باللاعقلانية والفوضى، كما وقفوا ضدّ الفن الذي لا يحرك ساكناً وهو يرى العالم من حوله ينهار ويتداعى ويتفكك، لقد كانت الدادائيّة حالة من الاحتجاج الحاد والعنيف ضد المجتمع وما فيه؛ ضد قيمه الأخلاقية والدينية ولغته وأيديولوجيته وثقافته، فضلاً عن أنظمته التي أسهمت فيما ما أحدثته الحرب من فوضى وتدمير شمل مختلف الاتجاهات (صالح، 2010، صفحة 14ــ 15) ، وبسبب هذه الحالة الاحتجاجية ضدّ كلّ شيء وأيّ شيء غير المنطقيّة فوَّتت دادا فرصة ثمينة في التطور والمضي قدماً نحو مصير واعد.

وفي ظلّ تلك الأجواء المضطربة بدأت الانشقاقات تضرب بالحركة الدادائيّة، وذلك لأسباب شتّى، ذكرنا قسماً منها أعلاه، وقد أشار بريتون ” مؤسس السريالية” والذي كان أحد أعضاء حركة دادا وانشق لاحقاً إلى أنّها أصبحت لا تُحتمل، وغدت ديكتاتوريّة بشكلٍ لا يطاق، ومستبدة إلى أبعد حدّ، وبسبب هذا وأيضاً إثر فشل المؤتمر الذي عقد خلال عام 1922 لوضع توجهات وركائز الفكر الحديث؛ قطع بريتون، فضلاً عن آخرين، مثل أراغون، ايلوار، بيريه، علاقتهم بالدادائيّة بسبب التباين في وجهات النظر والفوضى التي عاشتها دادا منهجاً وسلوكاً (نادو، 1992).

إننا لن نستطيع فهم السريالية بشكل عميق إلا إذا فهمنا الحركة الدادائية التي جاءت السريالية على أنقاضها، فقد أخذ الأدباء والفنانون يغادرونها الواحد تلو الآخر لشعورهم بلا جدواها وعبثيتها ويأسها.

لقد بدأ نشاط الحركة السريالية الفعلي عام 1919وامتدّ إلى عام 1939، وقد بدت خلال هذه السنوات حركة منظمة وثوريّة ، لها قادة ومريدون، وبيانات ومنشورات، فضلاً عن معارضها ومظاهراتها، حتى أصبحت حركة عالمية اشترك في معرضها الذي أقيم في باريس 14 عشراً بلداً عام 1938، والذي يعتبرُ أكبر تظاهرة قام بها السرياليون على الإطلاق (فاولي، 1981، صفحة 7).

إنّ السرياليّة كانت الوريث الشرعي لحركة دادا، لذلك ظهرت خلال السنوات الفاصلة ما بين الحربين العالميتين بصورة ثوريّة وكأنها معنية وقائمة على الرفض بكلّ أشكاله وصورهِ، فدعت إلى هدم المُثل والمعايير، والوقوف ضد الشعر بصورة خاصة والأدب عامةً، وحاربوا بلا هوادة النظرة التي ترى أن الأدب تعبير عن المجتمع، واعتبروا هذا هدفاً للأدب البرجوازي القانع بنفسه، بل وكانوا لا يرضون إلا بتغيير الحياة تغييراً شاملاً وتاماً، وقد تولد لديهم شعورٌ قويّ بالحاجة إلى الصدق في التعبير الأدبي، فحالات الوعي كما يعتقدون لم تعد كافية، وبأن اللاشعور يتضمن جانباً أكثر أصالة ودقة ، فما يصدر عادة في حالة الوعي والسلوك اليومي المعتاد نجده متناقضاً مع ذواتنا الحقيقة ورغباتنا الأعمق، فالقواعد التي يسيرُ بها الواقع والتي يسير ضمن نطاقها السلوك البشري قد كوّنته عوامل اجتماعية، لا رغباتنا وذواتنا الداخلية أو أمزجتنا الخاصة وقد لخص بريتون هذا الشيء  بعبارة موجزة ( الدافع الخفي لأفعالنا يفلتُ منّا) (فاولي، 1981، صفحة 12ــ 13).

إنَّ الأدب الجديد هو أدب لا يمثل الواقع بل يهرب منه، فالسريالية هدفت إلى خلق عالم يعوض نقص العالم الواقعي، لذلك يصحُّ أن نسميه أدب التملص والهروب إلى الأمام بعيداً عن رتابة الواقع وتقليديته وزيفه، لا يقوم به البطل بالتجوال في العالم الذي يعرفه جيداً، بل يغامر في أرض جديدة وغريبة كليّاً، أو بالولوج واستسقاء عالم الأحلام من أوسع أبوابه، لذلك يعدُّ البطل الجديد هو الإنسان غير المنسجم ، هو مقترف الأفعال اللامنطقية والحالم، أو كما يدعوه علماء النفس بالمزاج الانفصامي، لذا من يريد فهم نفسه عليه أن يبدأ بها ويبحر في عوالمها الشاسعة.

ولا شكَّ أنَّ السرياليَّة بكلّ ما تمتلكه من غرابة في أفكارها ما انتشرت في ذلك الوقت إلا لوجود خلل كبير عاشه المجتمع، فالحرب والهزيمة التي سادت بعد هدنة 1918 م وما تلاها من قتلى ومشردين جعلت الفرد ضائعاً وتائهاً، وهذا يفسر سبب هذا التأثير العميق الذي خلفته هذه الحركة في الفنانين والأدباء الذين كانوا يشعرون في ذلك الوقت بالعبثية التي وجدوا لها ملاذاً في مبادئ السريالية وتباشيرها، لذلك دعا بريتون رائد الزمّرة السريالية بعد(عملية الهدم، إلى عملية بناءٍ متفاعل مع المذاهب الفكرية الثورية والسياسية الجديدة، بغية معالجة هذا الإنسان المريض الذي خلّفته الحرب بعد أن فشلتْ في تخليصه وإسعاده كل الأديان والنظم والثقافات) (الأصفر، 1991، صفحة 171).

لقد أخذت الحركة السريالية تنتشر وتشقّ طريقها وتأثر في الأجواء الأدبية والفنية خصوصاً في مدينة باريس خلال فترة العشرينيّات وما بعدها، بل وأصبحت ضرورة لا غنى عنها، وقلّما يوجد عمل فني أو ديوان شعر أو كتابة أدبية يخلو منها، فنرى بيكاسو في مجال الفن التشكيلي سرياليا أو تأثر فيها لفترة حتى انتقل لمدارس فنية أخرى، وأيضاً سلفادور دالي الذي جسّد جنوناً كاملاً في الرسم والفن، وأنتج لوحات سرياليّة غاية في الإبداع ما زالت تدهشنا حتى الآن كلّما نظرنا لها، والواقع أن السريالية تريد تحرير الطاقات الدفينة الكامنة في أعماق الإنسان والمقموعة من قبل المجتمع أو أي سلطة كانت، فالمجتمع في كثير من الأحيان يمنع الفرد من التعبير عما يجول بداخله بحريّة وصراحة ووضوح بحجج عديدة؛ أنه نجس أو شاذ أو مجنون أو غير طاهر أو لا أخلاقي، لذلك تريد السريالية أن تقول: تحرروا من كل ذلك، عبروا عن أنفسكم، انطلقوا، لا تترددوا في كتابة حتى الأشياء المخجلة التي قد تخطر على ذهنكم حتى ولو صدمت المجتمع، فالسريالية في تحدّ مستمر مع المجتمع ومع كل السلطات والرقابات التي تفرض على الإنسان أو تتحكم فيما يريد أن يعبّر عنه بشكل جليّ وبيْن (هاشم، 2017).

خصائص السرياليّة

تتمتع السريالية بسمات عديدة، جذبت من خلالها العديد من الفنانين والأدباء الهاربين من الواقع والأنماط التقليديّة في الأدب والفنّ والحياة، لتكون بذلك قبلة لمن يبحثون عن كسر الرتابة وتشكيل أدب مضاد وفنّ مغاير غير معتاد، لذلك انتمى لها الكثير من الطامحين للتغيير والتمرد والثورة ضد الواقع المأساوي، لما تتمتع به من ميزات تلبي طموحهم ونزقهم لتكون بذلك قبلة لمن يبحثون عن الخلاص مما هم فيه، وإذا أردنا أن نوجز هذه السمات بنقاط فهي كما يلي (بيرقدار، 2010):

1ـ الاغتراف من سحر اللاوعي، والغوص عميقاً في أعماق الذات.

2ـ عدم إيلاء أهمية لكلّ الرقابات الذاتيّة، وتحطيم كلّ القيود المنطقية والدينية والأخلاقية والاجتماعية، والأدبية والفنيّة التي تنشأ مع الفرد بتأثير المجتمع الذي يعيش فيه.

3ـ السفر بعيداً نحو عالم الأحلام والهذيان، والاغتراف منهما، فمن خلال هذا السفر يبحر الفنان بعيداً عن عالم الواقع.

4ـ التشديد على عدم إيلاء أية أهمية لقواعد اللغة أو الخضوع لأطرها السابقة، بل جعل التداعيات تنساب من اللاشعور بكلّ حرية، يقول بيير روفيردي أحد أعضاء الحركة السريالية في ذلك “دع الكلمات تتكلّم وتقول ما تريد قوله، متناسياً ما كانت تحمله من المعاني في الآداب السابقة، دعها تعمل وتؤثر مستقلةً، تتزواج فيما بينها أو تتنافر، مؤلفة صوراً، وكاشفةً عن واقعٍ لم يقُلْه أحدٌ بالضرورة “.

5ـ التركيز على الأشياء الغرائبيّة، والابتعاد عن المألوف.

 

تقنيات السريالية

اعتمدت الحركة السرياليَّة تقنيات عديدة للوصول إلى طموحها في تحطيم كلّ الأنظمة التقليدية المعتادة وابتداع طريقة جديدة في الفن وطرح أدب مغاير، وذلك عن طريق طرق عديدة وفعالة (الأصفر، 1991، صفحة 173ــ 176):

1ـ الكتابة الآلية: يراد بها الكتابة دون تصميم سابق، أو أفكار معدة سلفاً، وذلك من خلال الابتعاد عن كل الرقابات والانسياب مع التداعي الحرّ.

2ـ لعبة الجيفة الشهيرة: وهي من الأنشطة التي كان يمارسها السرياليون، إذ يتناول واحد منهم ورقةً يتناوبها مع زملائه، ويدون كل فرد منهم كلمة أو عبارة، دون أن يتروّى ويفكر، بل يكتب ما يخطر بباله فوراً، وبدون أن يكون هناك أي ترابط بين هذه العبارات والكلمات، ويحصلون بالنتيجة على نصّ غريب كتبته الجماعة، ثم يحلل هذا النصّ ليكتشفوا حينئذ العقل الجمعي، وجاءت هذه التسمية لأن التجربة الأولى لهم أسفرت عن هذا النصّ: “الجيفة- الشهيّة -ستشرب- الخمر- الجديد”. وكرروا التجربة مرّة أخرى وحصلوا على نصّ آخر: “النجار المجنح يغوي الطير المسجون -بحّار السنغال سيأكل الخبز المثلث الألوان…”.

5ـ التعمق في اللاشعور وقراءة الأفكار الخفية فيه من خلال استنطاق الأحلام التي ينفلت فيها اللاشعور في واقعه الحقيقي قبل أن تضبطه وتفسره الثقافة والعادات والأخلاق.

6ـ – التنويم المغاطيسي: وقد لجأ إليه السُّرياليون وجربوه بين عامي 1922-1924م، ويعدّ روبير ديسنوس (1900-1945م) أحدّ أفضل من جرّبه، يقوم بتنويم شخص ويكلّمه فيتحدث دون وعي أو ذاكرة فيسجّل ما يقوله ثم يقوم بتحليله.

7ـ عرف عنهم أيضاً أنهمّ يطفؤون النور ويتكلمون دون وعي، وكأنهم سكارى لا يعرفون حدوداً لاستبصارهم الخيالي في جوّ فوضوي يعمّه الاختلاط، ويسوده الهذيان.

8ـ التقاط كلام المجانين وهذياناتهم مع رصد ما يقمون به من تصرّفات كوسيلة من وسائل معرفة ما في أعماق ذواتهم، فالجنون حلم ممتد يتمسك به المريض للهروب من واقع غير مرغوب فيه، ويصبح هذا الحلم عنده حقيقة، وهو يسمح بتدفق حر لتيارات الرغبات المكبوتة.

9ـ الدعابة الساخرة والناقد اللاذع: وقد دأب السرياليون على ذلك بشكل كبير، فلا يخلو منه اجتماع أو تجمع لهم، فهو وسيلتهم الأمثل للاحتجاج على الواقع وهدمه مع إحلال واقع جديد مكانه، فهي وسيلة أمينة لقول الحقيقة والتأثير في وجدان الإنسان العاديّ المملوء بالضغوطات المرهقة نفسيّاً.

شخصيات السرياليّة

تأسست الحركة السريالية في باريس عام 1924، وانتمى لها العديد من الأدباء والفنانين، ومرّت بتحولات دخل على إثرها وخرج وطرد الكثير ممن ينتمون لها، وإذا أردنا ان نتحدث عن أبرز شخصياتهم، فهم كما يلي (المغامرة السرياليّة، 2016) :

 أندريه بريتون: 

وهو مؤسس الحركة السريالية ومنظرها وأهمّ رموزها، ولد عام في فرنسا1896م، التحق بكلية الطب حيث كان له اهتمامات بالأمراض العقلية، لكنه انقطع بعدما طلبُ للتجنيد في الحرب العالمية الأولى، وقد عمل في ردهة الأمراض العصبية في مستشفى نانت الفرنسي، ارتبط بعلاقة وثيقة مع بول فاليري، وجاك فاشيه الذي يعتبر أحد أهم الملهمين لحركة الدادائية، حاول مع ديسنوس وكريفيل وبيريه أن يتعمق في الأبحات النفسية والاستفادة منها، واستثمارها في الكتابة عن طريقة عملية التنويم المغناطيسي، لكنه توقف عنها بعد تجارب كانت ستؤدي إلى القتل ، منها محاولة ديسنوس لضرب إيلوار بالسكين بعد تنويمه مغناطيسيّاً.

أصدر بريتون البيان السريالي الأول في عام 1924م، كما أشرف على إدارة مجلة ” الثورة السرياليّة ” بعدما كانت تحت إدارة بنجمان بيريه في العام 1925م .

له العديد من الإصدارات، منها: ” محل الرهون” و ” ضوء القمر ” و “الخطوات الضائعة” و ” السمكة القابلة للذوبان ” و ” ناداجا”، وغيرها.

فيليب سوبو 1897 ــ 1990

هو كاتب وشاعر وروائي وناقد وناشط سياسي فرنسي، انتمى للحركة الدادائيّة، وأسس مع بريتون لاحقاً الحركة السريالية، كتب مع بريتون أول نص سريالي عرف فيما بعد بعنوان” الحقول المغناطيسيّة ” في العام 1919م.

أصبح سوبو في عام 1920م صحفيّاً معروفاً في فرنسا، وهذا كان نقط خلافه بينه وبين بريتون الذي كان يعدّ هذا الشيء هدراً واستنزافاً للوقت.

طرد من الحركة السريالية في العام 1926 بسبب موقفه واعتراضه على انضمام السرياليين للحزب الشيوعي الفرنسي.

لويس آراغون 1897 ــ 1982

ولد آراغون في مدينة باريس، وكانت ولادته من علاقة خارج الزواج، فلم يرضَ أبوه أن يمنحه اسمه فسجله باسم المدينة الإسبانية المعروفة ” آراغون”، وظلّ هذا الجرح يرافقه طوال حياته، ويعدّ شاعراً وروائياً ومحرراً فرنسياً معروفاً، كان من المؤيدين للحزب الشيوعي الفرنسي، وارتبط ببريتون بعلاقة صداقة وطيدة في العام 1919، حيث التقى معه في مستشفى فال دو غراس وشارك في تأسيس مجلة ” ليتراتور ” والتحق بالدادائية ثم أسس مع بريتون الحركة السرياليّة.

وعلى الرغم من إصراره أنّه لم يتخلَ أبداً عن الروح السريالية، لكنه مرّ بتحولات بين الكتابة الآلية مروراً بالواقعية في فترته الشيوعيّة، من أعماله السرياليّة: ” دار الفرح ” أنيسة أو النوراما ” ” مغامرات تيلمياك ” خلاعة” ” فلاح في باريس ” وغيرها.

بنجمان بيريه : 1899 ــ 1959

ولد في مدينة باريس، وتعرّف على بريتون في العام 1920، استقر في باريس وعمل مصححاً في إحدى مطابع باريس.

التحق في بدايته بالدادائيّة وأنصرف عنها فيما بعد إلى السريالية، أدار مجلة ” الثورة” مع بيير نافيل في عامي 1924 ــ 1925، والتحق بالحزب الشيوعي الفرنسي لكنه انفصل عنه لينضم إلى المعارضين للجزب من التروتسكين، وفي عام 1936 إنضم إلى حركة التمرد في اسبانيا ضد الفرانكوية واعتقل في العام 1940.

يقول جان لوي بيدوان أنَّ بيريه (كان من بين جميع الشعراء السرياليين الأكثر تلقائية ولغة بيريه هي الحرية الحقّة مجسدة في الكلام)، وهو الوحيد الذي ظلَّ وفياً للمشروع السريالي ولصديقه بريتون حتى آخر رمق في حياته.

بول إيلوار 1895 ــ 1952

اسمه الحقيقي هو يوجين إميل بول جريندل، ويعدّ شاعراً فرنسياً بين شعراء القرن العشرين، ومن من مؤسسي الحركة السريالية، وأحد أجمل من كتب عن الحب، وهو القائل ” لأننا نحب، نريد تحرير الآخرين من وحدتهم القاتلة (إيلوار، قصائد حب، 2003، صفحة 11)، والده كان عاملا أما والدته تعمل في خياطة الثياب، قام برحلة طويلة عام  1926م إلى بلدان شرق آسيا، وتعرف على العديد من الشيوعيين عام 1927، وانضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1932 ، وذلك في سياق علاقاته مع مجلس المقاومة الفرنسي ضد الاحتلال النازي.

ألفَّ إيلوار العديد من الكتب، من أهمّها «المهمة والثورة»، و«مت ْ وكنْ»، و«الحبّ والشاعر»،
و« الحرية»، و« سبع قصائد حب ّ أثناء الحرب»، و« قصائد لأجل السلام»، و« نحن والألم»،
و« الانتصار في قاف»، و« التيار الطبيعي»، و«أنشودة كاملة»، و«كتاب مفتوح»،و« الحياة المباشرة».

جاك بوافار: 1902 ــ 1961

ولد الفرنسي جاك أندريه بوافار عام 1902، ويعدّ أحد الأعضاء المؤسسين لمجلة ” الثورة السرياليّة”، ومساهماً رئيسياً في مجلة ” وثائق” فيما بعد، وقد ترك بعده العديد من الصور الفوتغرافية التي تعدُّ من أجمل ما أنتجته السريالية (جاك بوافار.. السورّيالي المطلق، 2015).

 

سلفادور دالي: 1904 ــ 1989

يعدُّ دالي من أبرز الفنانين الإسبانيين، ولد في فيغوبراس (دالي، 2005، صفحة المقدمة) ، بالقرب من الحدود الفرنسية، عاش حياة مرفهة في أسرة ثريّة توفر له كلّ ما يحتاج وكلّ ما يطلب، وكان يرتاد المتاحف والمقاهي ويشارك في النقاشات حول الأدب والفن والجنس والنساء، بعدما طرد من الأكاديمية وذلك نتيجةً لدفاعه عن أستاذ يساري له ، فرجع إلى كتالونيا، وقُبض عليه بسبب أفكاره المتمردة الثوريَّة.

 إنَّ أهمَّ ما يتميز به دالي في أعماله الفنيّة هو موضوعها وتشكيلاتها وغرابتها التي تصدم المُشاهد جدّاً، يضاف إلى ذلك ما تتمتع به شخصيته وتعليقاته وكتاباته غير المعتادة والتي تصل حد اللامعقول وتوحي بالاضطراب النفسي، لذلك يختلط وفي حياة دالي وفنه الجنون بالعبقرية، لكنه يبقى استثنائياً مختلفاً، في فوضاه، وإبداعه، في جنون عظمته، ونرجسيته الشديدة (سلفادور دالي، بلا تاريخ) .

ومما يجب التنبيه إليه أنَّ هذه الشخصيات قامت بفعلٍ سرياليّ مطلق، وأثرت في مسير الحركة السريالية وتاريخها، لكنَّ الوحيد الذي واصل مع بريتون رحلته مع السريالية وأخلص له حتّى النهاية هو بنجمان بيريه، فقد طرد الكثير منهم إثر بعض الخلافات، كسوبو وفيترام وكريفيل، وبعضهم أغرته الأفكار الشيوعية فالتحق بالحزب الشيوعي الفرنسي ، أما البعض الآخر فقد انتجه لنفسه طريقاً مختلفاً وكفَّ عن أن يكون سرياليّاً (المغامرة السرياليّة، 2016، صفحة 6).

ولا شكَّ أن السريالية كأفكار وتمثلات كانت موجودة قبل إعلانها كحركة لها روادها ومنشوراتها وبياناتها في العشرينيات من القرن الماضي، ، لذلك لم يشأ بريتون مؤسس الحركة السرياليّة وعرابها أن يجعل قائمة السرياليين تقتصر على روادها أو من التحق بها فقط ، بل أضاف إليهم الكثير، ومن عصور وأزمان عدة ، وعدّهم سرياليين لسبب ما ، منهم : (المغامرة السرياليّة، 2016، صفحة 7 ) :

  • هيراقليطس: سريالي في الديالكتيك.
  • لول: سريالي في التعريف.
  • سويفت: سريالي في الإساءة.
  • ساد: سريالي في السادية.
  • كارييه: سريالي في الغرق.
  • لويس: سريالي في جمال الشر.
  • آرنيم: سريالي في الزمان والمكان وفي كل شيء.
  • راب: سريالي في الموت
  • بودلير: سريالي في الأخلاق.
  • رامبو: سريالي في الحياة.
  • هيرفي سان دوني: سرالي في الحلم الموجه
  • كارول: سريالي في غياب المعنى.
  • ويسمانس: سريالي في التشاؤم.
  • بيكاسو: سريالي في التكعيبية.
  • روسيل: سريالي في الحكاية القصيرة.

فالسريالية فلسفة أكبر من أن تؤطر بزمن معين أو تاريخ ما، هي موجودة بوجود المبدع، تعيش في ذاته، وتتجلّى في أعماله الأدبية والفنيّة بوعي منه أو بصورة غير مباشرة، كما ظهر في نتاج العديد من المبدعين قديماً قبل ظهور المذهب السريالي فعلياً إلى حيز الوجود، حيث تتشابه وأفكار الحركة السريالية.

الشعر والحرب والمجتمع

لا شكّ أن أصدق تعبير إنسانيّ عن الذات والمجتمع، هو الأدب والفنّ، فهما إلى جنبِ بعضٍ يعبران بحرارة وعاطفيّة عن مشاعر الإنسان ومطامحه وأزماته الداخلية والنفسيّة، عن أحاسيسه وانفعالاته، وعن كلّ ما يختلج في صدره ويغور في أعماقه تجاه المجتمع والحياة، فكلّ المحن التي مرّ الإنسان قديماً وحديثاً كان الأدب والفن أصدق الأشكال في التعبير الإنساني عنها وعن الأفكار والهواجس التي تمسّه بأكثر الطرق تأثيراً وفعالية، بما يمتلكه الأدب والفنّ من سلطة على الإنسان وتأثير عميق.

وإذا ما عدنا إلى الوراء حيث عصور ما قبل الميلاد، وبحثنا في أقدم النصوص الواردة إلينا بهذا الشأن نجد العديد من الأعمال الأدبية التي عُنيت بهذا الشأن، وتعدّ ” الإلياذة والأوديسا ” للشاعر اليوناني هوميروس من أقدم الملاحم التي تناولت عدداً من الحروب منها معركة طروادة، فالحرب منذ سالف الأزمان من أكثر الموضوعات التي جرت حولها العديد من الأعمال الأدبية والشعرية، فمخلفاتها ومآسيها ودموعها وتراجيديتها تحفر عميقاً في المجتمعات، لما تتسم به من معاناة قلّ نظيرها، فهي لا تبقي ولا تذر، وتأكل الأخضر واليابس كما يعبر عامة الناس، وتشكل آثارها أزمات نفسيّة حادة، وتعيد تشكل المجتمعات البشريّة والدول والحدود بطريقة مغايرة وجديدة بحسب فلسفة الغالب والمغلوب، وهي كما يعبّرُ أحدُ الفنانين(1) ليست (( ساحة معركة؛ إنها معاناة وحقول ومدن مدمرة ونساء وأطفال تم التضحية بهم وعالم دمرته الكوارث ودمرته رياح الوحشية والجنون ..)) (الحرب والسلام ، 1957).

إنّ أسباب إندلاع الحروب كثيرة، منها ” الاختلافات الجوهرية بين النّاس، ولن تنتهي هذه الحروب طالما أنّ المجتمعات البشرية تعيش تحت ظروف شديدة الاختلاف. حروب اليوم، هي الأعنف عبر التاريخ، بسبب “الكمال المتزايد” للأسلحة الفتّاكة، وعلى رأسها أسلحة الدمار الشّامل. والأخطر من ذلك، فهي كذلك، الأكثر استخفافاً بالعقود والقوانين الدّوليّة التي التزمت بها الدول الكُبرى. لم تعد هذه الحروب تكترث بقيمة الإنسان، ولا بحقوقه” (الشِّعْرُ في زمن عولمة الحروب، 2019)، وبتعبير فرويد المختصر عن الحرب ، “تدوس تحت أقدامها بغضب أعمى كلّ ما يصادفها في طريقها (فرويد، 1981، صفحة 14)”.

وعلى الرغم من كلّ هذه الحروب وكلّ هذه الوحشية، وكلّ هؤلاء الضحايا على مرّ التاريخ، لا زالت الحرب اليوم تشتعل نيرانها في كلّ مكان، لكن هذه المرّة بصورة أشدّ وبضحايا أكثر، وبأسلحة فتاكة مجنونة لا تبقي ولا تذرُ.

قصائد من الحرب العالمية الأولى

لا شكّ أنّ الحرب عموماً والحرب العالمية الأولى والثانية على وجه الخصوص أسهمت في ظهور العديد من الأعمال الأدبية والشعريّة التي ناهضت الحرب ووقفت ضدها، وانتشرت في ذلك الوقت وأخذت صداها مشكلةً أداةً توعوية مؤثرة وصوتاً عالياً لمن نالتهم الحرب بويلاتها وقساوتها، وقد وصلت لنا العديد من القصائد في هذا الشأن، من أشهرها قصيدة في حقول الفلاندرز، للشاعر الكندي جون ماكريه، يقول فيها:

في حقول الفلاندرز

 أنفجر الخشخاش

بين الصًّلبان صفّـاً تِلْوَ الآخر،

ذاك هو علامة مكاننا؛ وفي السَّماء

ما تزال القبّرات، مترنِّمة دون وجل، تطير

لا تكادُ تُسمَعُ وسط أصوات البنادق تحت!

نحن الموتى. وقبل أيامٍ قلائـلَ،

كنا أحياءً، ونشعر بالفجر، ونشاهد غروب الشمس المتوهج

أحبَبْنا وكنا محبوبين، والآن نستلقي أمواتًا

في حقول الفلاندرز.

تعدّ هذه القصيدة من أبرز القصائد التي ظلّت عالقة في أدب الحرب العالمية الأولى، خصوصاً أنّها كتبت أثناءها، بالتحديد بعد مقتل أحد أعزّ أصدقائه ” ألكسيس هيملر” في معركة إيبرس الثانية(2). وقد دفنه بنفسه وتأثر لرحيل رفيقه كثيراً، وبعد أيام لاحظ نمو نبتة الخشخاش بسرعة حول قبور الجنود الذين ماتوا في المعركة، فكتب هذه القصيدة التي تعدّ أشهر قصيدة في عصرها إبان الحرب، ونشرت في العالم على نطاق واسع جداً، وأصبحت رمزاً لتضحية الجنود الذي فقدوا حياتهم أثناء الحرب العالمية الأولى.

وهناك قصائد كثيرة أخرى في الموضوع ذاته، من أشهرها:

  • روبرت بروك – “The Soldier” ” الجندي ” منها.
  • سيغفريد ساسون – “Attack”” هجوم “.
  • إدوارد توماس – “Rain”” مطر “.
  • آيزاك روزنبرغ – “Break of Day in the Trenches” ” يزوغ الفجر في الفنادق”.
  • ويلفريد أوين “Anthem for Doomed Youth” نشيد الشباب المكنوب”.

هذه هي أبرز القصائد التي قيلت في الحرب العالمية الأولى وعبّرت بحرارة عن فظاعتها ودمارها الشامل للإنسان والأرض والحياة، وتكتسب أهمية كُبرى لأنها من ناحية عبّرت عن مشاعر أجيال عاشت تحت وطأة الحرب وجحيمها، ومن ناحية أخرى أنّ بعض شعرائها جنود في الوقت ذاتهِ، لذلك اكتسبت صدقاً بمشاعرها وأحاسيسها بشكل أكبر، وجاءت معبرةً بحرارة عن معاناتهم التي عايشوها فعلاً في الحرب، بكلّ ما يحدث فيها من أحادث دامية وويلات، فكانت أكثر صدقاً وأعمق تأثيراً من غيرها.

الشعر السريالي

يختلفُ الشعر السريالي في تناوله للموضوعات عن الشعر التقليدي بناءً وأفكاراً وطرحاً، إنّه يرسم عالماً جديداً بعيداً عن كلّ الأوليات النفسية، وبغض النظر عن كلّ الرقابات: منطقية ودينية وأخلاقية ونفسية واجتماعية، التي يشدّدُ على تجاهلها تماماً والمضي قدماً نحو حرية مطلقة في التعبير عن كلّ ما يدور في خلجات النفس ودون أي وازع من أي نوع كان.

إنّ القصيدة السريالية رحلة إلى عالم الأحلام وسحر اللاوعي والجنون والهذيان، والسخرية والتهكم من كلّ الأوضاع المأساوية المعاشة التي فرضها الواقع على البشريّة، ولم يكن ذلك عبثاً بقدر ما كان موقفاً صارماً تجاه كلّ ما حصل ويحصل ، فالواقع المجنون يتطلبُ شعراً لا يقلّ جنوناً عنه، فملايين القتلى والمشردون والضائعون في شتّى بقاع العالم بسبب الحرب وآثارها لن تنفعهم قصيدة رثاء رومانسية شاعريَّة، بل يحتاجون لشيء يشبه هذا الواقع المريض، شيء صادم وبشع ومريع، لذلك نرى السرياليين لا يهتمون بالجانب الجمالي بقدر ما اهتمَّوا بغرائبيّة القصيدة وبنائها غير المألوف ليحقق مرادهم في صدم المتلقي عبر صورٍ تحرك في داخله الشيء الكثير، لأن منطلقاتها من أجل الإنسان وتحريره.

فالشعر السريالي تحدى كلّ المعايير الأخلاقية وضرب القيم بعرض الحائط، مجدداً ومغيراً، لقواعد البناء النحوي واللغوي، وذلك من خلال أشكالها المتنوعة للتعبير، فالشعر لذة ووجهة نظر واقعية تسعى لفهم جوهر الحقائق والتعبير عنها بشكل ذاتي حتى لو خالفت المعتقدات والثوابت والمراجع الدينية المقدسة والأعراف الاجتماعية الراسخة والقيم والقيود الأخلاقية، بالتالي فتح الباب واسعاً أمام طرق جديدة للاستكشاف الفني والذهني، من خلال استبدال الوصف الحرفي للواقع بالتمثيلات الذاتية والخيالية، وتوسيع آفاق التعبير الفني وفتح مساحات للتفسيرات الشخصية والعميقة، فهو في الواقع بحث عن الحقيقة وتصوير للواقع يتجاوز الحدود التقليدية لاستكشاف أعمق  للوعي البشري (عقبي، 2023).

ولا شكَّ أن مساحة الحرية التي يتمتع بها الشاعر السريالي أعطتهُ فسحة في التحرك والمضي قدماً نحو عوالم جديدة لا تهتم بأية قيود مهما كان نوعها؛ وهذا الشيء نابع من كونهم لا دينين، ولا يهتمون بأي حال من الأحوال بالقضايا الأخلاقيّة، فهم شيوعيون كأفكار ومبادئ، والكثير منهم انتمى فعلياً لتنظيمات الحزب الشيوعي، لذلك وقفوا ضد الدين وضد المجتمع وضد كلّ الأطر التقليدية المتعارف عليها في الحياة والمدارس الأدبيّة والفنيّة.

وقد حوربت السريالية من المدارس التقليديّة بشدة إلا أنّها لم تهتم لكلّ ذلك، وواصلت مسيرتها بثبات للثورة والتغيير، وإحداث معادلة جديدة تحطم المنظومات المألوفة التي توارثتها الأجيال جميعاً، بل ودعت إلى أن يُكتب الشعر من قبل الجميع، لا أن يكون مختصاً بفئة دون أخرى، بداعي الموهبة، وتأثر السرياليون بهذه الفكرة بحركة دادا، فلا بدّ أن يكتبه كلّ الناس، حتّى قال تزارا مؤسس الدادائيّة: من المعترف به تماماً في أيامنا، أنه قد يكون شاعراً من لم يكتب بيتاً واحداً من الشعر، وأن هناك نوعاً من الشاعرية في الشارع أو المتجر، وقد تأثر الحركة السريالية بهذه الآراء ، وقد تمخض عن هذا التأثر نتيجتان: إزدراء المواهب بل وإنكارها ، وعدم الاهتمام بالمهارة الفنية والحطّ من شأنها، وغالوا في نظرتهم ورأوا أن الجمال والتفنن غايتان تافهتان لا تستحق كل هذا الاهتمام، وأن الموهبة غير ذات قيمة، لذلك لا بدّ وعلى الجميع أن يكتبوا الشعر، فهو وقف للجميع على أناس بعينهم ، وكتب أراغون في الشأن ذاته : (تبدو المهارة الفنية رياء يلوث الكرامة الإنسانية بأكملها) (دندي، 1997، صفحة 86).

 والسريالية بهذه الآراء تحارب نظرة المدرسة الكلاسيكيّة التي كانت ترى بأن الإبداع عموماً مرتبط بالفطرة والموهبة المكتسبة لدى جزء معين من البشر، فهي ترى وتعمل على أن يكون الفنّ والأدب مشاعاً وممارساً من قبل الجميع، وهذه إحدى الرؤى الثوريّة التي دافع عنها السرياليون وآمنوا بها.

وإن كنتُ أرى أن هذه الرؤية متزمتة إلى حدّ ما، فلا يستطيع أي شخص أن يكون فناناً أو أديباً أو شاعراً، فلا من بدّ من توافر أوليتها النفسيّة في ذاته مع ما يكسبه من التدرب والمران لتصقل عنده الموهبة وتكتمل التجربة بأفضل طريقة ممكنة، فالقول بممارسة الأدب والفنّ من الجميع دعوى غير منطقيّة، وأتصور أنّ سبب ذلك هو تأثر السريالية بالعديد من المذاهب والحركات الاجتماعيّة في ذلك الوقت كالماركسية والشيوعية وغيرها التي دعت إلى العدل والمساواة وإزالة الطبقيّة، وهذا الشيء أثرَّ بنحو ما في السريالية وغيّر من نظراتها تجاه نواحٍ عدةٍ، منها ما ذكر أعلاه.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

المبحث الثاني – نماذج شعريّة سرياليّة في الحرب

أخذت الحرب عند السرياليين وغيرهم حيزاً كبيراً، ومساحة واسعة كتابةً وتفاعلاً، فالحروب العبثيّة خلّفت أوضاعاً إنسانيّة مزرية على مختلف الاتجاهات الإنسانيّة، وتركت الملايين من الضحايا، والجرحى، والمشردين، والضائعين في دروب اليأس، والفقر، والحرمان، لذلك ترك كلّ هذا أثراً وشرخاً في المجتمع، وأحدث هزة اجتماعيّة غيّرت من نظرة الكثير تجاه الأنظمة والدين والكنيسة والقيم والعادات وعبثها ولا جدواها في إيقاف معاناة الإنسان ووضع حدٍّ لكل هذا الجحيم الذي لا يطاق .

لقد شغلت الحرب المنتمين للحركة السرياليّة فنا وأدباً وسلوكاً، خصوصاً أنَّ العديد منهم قد جُنّدوا وأُرسلوا لجبهات القتال، لذلك شاهدوا بأعينهم حقيقتها البشعة بكلّ وضوح، فهذا لويس آراغون يقول:(أنا أنتسب إلى صفّ المجندين سنة 1917، أقول هنا، وربما يكون لي طموح في أن أحدث من خلال هذه الكلمات مُنافسة عنيفة لدى كل المُجندين، أقول هنا بأنني لن أرتدي الزيّ العسكريّ الفرنسيّ، ولن أضع الشارة التي وضعوها على كتفيّ قبل نحو 11 عاماً، ولن أكون خادماً للضباط، وأرفض أن أحيي تلك الكائنات المتوحشة ورتبها وقبّعاتها الملونة من نوع “غاسلار” ). وأيضاً كتب في مكان آخر : “سيكون لي الشرف في هذا الكتاب، وفي هذا المكان، أن أقول وأنا بكامل وعيي وبكامل مداركي العقلية، بأني أدوس على الجيش الفرنسي بكلّ أركانه” (المصباحي، 2024) ، ولم يكن باقي السرياليين يختلفون عن آراغون، فكلّهم أدانوا وحشيّة الحرب وكلّ ما يحدث فيها من عنف واستخفاف بالروح البشريّة، كجاك فاشيه صديق بريتون المقرّب إلى ذاته ، الذي رفض الحرب وعاداها وعارض كل ما يمتّ إليها بصلة، وقد قال في إحدى رسائله “أنا موجود في الخط الأمامي على بعد كيلومترين من العدو، خلف الجثث وغابة تروي (…) هيمنة الوحل مطلقة. يا للشيء الرهيب!، يا للوحل الذي لم أرَ مثله من قبل!، بيوت مهدمة، قتلى، كر، فر، حريق، ثورة – حقاً، هذا أفضل ما يتحقق خلال الحرب – الحرب مصيبة” (عثمان، 2019)، وقد انتحر فاشيه في النهاية، لأنه لم يجد حلّاً وخلاصاً سوى هذه الطريقة التي يعلن بها احتجاجه على الواقع والحرب والظروف المأساوية التي عاشها في جبهات القتال ورأى فيها أفظع ما يمكن أن تراه عينا إنسان على الإطلاق.

وقد مدح بريتون جاك فاشيه(3) كثيراً، وذكره مرّات عدة مشيداً به، وبأنه الوحيد الذي كان يملك الدرع الذي حماه من كلّ عدوى، وعرّضَ بغيوم بمقولة أبولينير الذي مجّد الحرب ” يا إلهي كم هي جميلة الحرب ” كما وجّه انتقادات للشعراء الذين انخرطوا في ” الجوقة الوطنيّة” بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولم يغفر لهم ذلك، وحينما احتل الألمان بلاده عام 1942م غادر بريتون ولم يعد إلا عام 1947م، أما باقي أعضاء الحركة السريالية ورموزها فانخرط كثير منهم في حركة المقاومة ضد النازية وساندوها.

إنَّ الشعر السريالي شعرٌ غير واقعي يعبُّر عن الواقع بطريقة تَعْبُرهُ وتتجاوزه ، وتبني عالماً جديداً خالياً غير مألوف، فهو ينشأ عن ( دوافع لاشعورية تبتدع القصيدة كما تخلق الحلم، ويرى إيلوار أن القصيدة مجموعة من الهلوسة والجنون والتذكر والقصص القديمة والمشاهد المجهولة والأفكار المتضاربة، والتنبؤات البعيدة، وحشد العواطف والعري وتشويش العقل والعبث، إنها باختصار انطلاق الوحي الحرّ من أعماق النفس وتدفقه بحرية تامة مخترقاً جميع الحواجز) (الأصفر، 1991، صفحة 181) .

فالشعر السريالي ينطلقُ بعيداً ليرسم عالمه الخاص، ضارباً كلّ المنظومات الأخلاقية والأدبيّة التقليدية عرضَ الحائط، فهو شعرٌ متمرد لأبعد حدٍّ ممكن، لذلك نرى في نصوص شعرائه أنهم لا يبالون بأي شيء، فهم يرون كلّ ذلك رفاهية أمام واقع مروع يعاش، وصراع دموي لم يعرفه له التاريخ مثيلاً، خسر بسببه الملايين حياتهم، وتشرّد الباقين في أصقاع العالم بحثاً عن مكان يكون مهرباً وملجأ من كلّ هذا الدمار، يقول بول ايلوار في قصيدة جرنيكا(4)، (إيلوار، جرنيكا ، 2021 ):

 ولكن الوقت الذي سنزيل فيه آثار الجريمة

سيجيء متأخراً

رصاص المدافع الرشاشة

يقضي على القتلى

رصاص المدافع الرشاشة

يداعب الأطفال

أسرع مما تداعبهم الريح

بالحديد والنار

إلى أن يقول (إيلوار، أدب، 2021):

الأطفال تهيئوا للرحيل

بصورة قاطعة

ولسوف نعود نحن

إلى عصرنا البدائي الأول

هذا النص يقدم لنا صورةً شعرية سريالية تعكس فوضى الحرب وعنفها وعبثيتها ودمارها، ويحمل في طياته صوراً متناقضة؛ فالرصاص الذي عادةً ما يحمل الموت “يداعب الأطفال” بطريقة صادمة، فيتحول   إلى “مداعب” قاتل، دلالةً إلى وحشية الحروب التي تقتل الطفولة وتلغي البراءة وتحوّلها إلى مجرد ضحية ومجرد رقم في قائلة طويلة تبدأ ولا تنتهي.

 إنّ جرّاح الحرب لا يمكن أن تشفى، وإن بدأت فلن تنتهي إلا بحرق الأخضر واليابس، وتدمير الحرث والنسل، ولا يمكنُ أن تُزال تداعياتها وآثارها، لا بسنة ولا عقد ولا قرن من الزمن، فالأمل بالإصلاح عند الشاعر عبثي بعد الفوضى العارمة التي تخلقها الحرب وتعيد البشرية إلى “عصرها البدائي الأول”؛ أي، يُعيدها إلى نقطة الصفر كأنها لم تحرز أي تقدم على مختلف الأصعدة والاتجاهات، فالحرب دمار يطال كلّ شيء وأيّ شيء دونما استثناء.

إنَّ تناول الشعراء السرياليين للحرب كان من خلال أكثر المناطق المؤثرة في الإنسان، وهم الأطفال؛ والمرأة الخاسر الأكبر في أوقات الحروب والأزمات، يقول لويس أراغون في إحدى قصائده (بيتر.ك.رودس، 1959، صفحة 106):

 ومرة أخرى ستحول بعد اليوم بينك وبين المرآة

عيون الأطفال الموتى هذه

هذا المقطع من نصُّ شعري لآراغون ، نجد فيه رؤية عميقة تتجاوز السطحيّة حيث الجمع بين عناصر متناقضة: المرآة من ناحية كرمز للرؤية التي تتمحور حول الذات وعيون الأطفال الموتى الحاجز لا يمكن تجاوزه بأي شكل من الأشكال، فحتى مجر النظر إلى الذات (المرآة) يُعاق بذاكرة الأطفال الأبرياء الذين فقدوا حياتهم في حرب مدمرة بلا أي ذنب أو شعور بالمسؤولية.

إنّ الأطفال هم الحلقة الأضعف عند اندلاع الحرب، وعليهم يقع عبء كبير أثناء اندلاعها، ليس هذا فحسب، فهم يحرمون من أجمل سنين حياتهم، ويفقدون طفولتهم جرّاء الظروف المأساوية التي ترافق هذه الأزمات الإنسانية، لذلك نجد كثيراً من الشعراء يضمنون قصائدهم ما تمرّ به هذه الفئة البريئة من مشاهد مروعة وموت وفقدان لهم، يقول آراغون في نصّ آخر (بيتر.ك.رودس، 1959، صفحة 91):

النساء قد انحنين تحت حملهن

يبكين اللعب الضائعة

وأطفالهن قد فتحوا عيونهم الواسعة

يبكون لعبهم الضائعة

الأطفال يرون دون أن يفهموا

آفاقهم التي أُسيء حمايتها

الأطفال يرون دون أن يفهموا

المدفع الرشاش على تقاطع الطرق

وحانوت البقالة الكبير أصبح رماداً

المدفع الرشاش على تقاطع الطرق

الجنود يتكلمون بصوت خفيض

والكولونيل يقف في فناء

الجنود يتكلمون بصوت خفيض

يحصون جرحاهم وموتاهم

وفي مدرسة في أحد الفصول

يحصون جرحاهم وموتاهم

إنّ العنف بمختلف تمظهراته والذي يكون جسد الإنسان ساحةً له، ويؤدي إلى صراعات يكون الإنسان الخاسر الأكبر فيها، لذلك الشعراء يحاولون أن يعبروا بحرارة عن هذه التفصيلة التي تناولها الكثير منهم، فالشاعر هنا يعبّر عن آلام أمّة بكاملها، فهذه المرأة وقد انحنت تحت هذه الهموم التي زادت الحرب أعباءها حملاً ثقيلاً، وكأن المرأة هنا هي الأرض أيضاً التي تحمّلت لدرجة الانحناء من هذا العبث والجنون الذي يحصل عليها، وهذا الطفل الذي لم يفهم بعد ما يحصل حوله، ونرى الشاعر كيف كرر ذلك في قصيدته، وكأنه يؤكد على براءة الأطفال التي لم تتعلم بعد عالم الحروب وآلامه ومعاناته وصراعاته، لذلك بكوا ” لعبهم الضائعة” فالزمن فرض عليهم أن يكونوا شهوداً على مرحلة ” المدفع الرشاش” والصراع الذي لا يعرف عقلاً ولا منطقاً.

إنَّ استخدام المدفع هنا هو كرمزٍ للعنف والموت الذي يلاحق الجميع في الطرق والمدارس والمتاجر ويترك الناس بلا حيلة أمامه، ويحصد منهم فرادى ومجموعات.

يهبط الليلة

 فوق باريسَ

سلامٌ غريبٌ

سلامُ عيون عمياء

وأحلام لا لون لها

تصْطدمُ بالْجدْرانِ

وجباه منهزمة

ورجالٍ غائبينَ

نساءٍ مضيْنَ

شاحباتٍ ،

باردات ،

مالهن دموعٍ.

يهبط الليْلةَ في مناخ الصَمْتٍ

فوق باريس بريق غريبٌ

فوق قلب باريس الطيِّبِ الْعجوزِ

بريق أجش بريق الجريمةٍ

المبيتة الوحشية النقية

جريمةٌ ضِدَّ الجلادينَ

ضِدَّ الْموْتِ.

فالقصائد في تلك المرحلة الزمنيّة كانت مرآة للحرب وما تفضي له من تحطيم لأبسط صور الحياة الطبيعية، فهي تجعلها شاحبة بلا لون، وتفقد الإنسان القدرة على المضي قدماً تاركةً إيَّاه في دوامة المجهول.

إنّ قصيدة بول إيلوار أعلاه (مارسيناك، 1952، صفحة 104)هي رثاء للإنسان والمدينة: باريس، فكلاهما يعانيان معاً، جرّاء محنة غير مسبوقة ومجنونة هي محنة الحرب، لذلك نجد تناول الشاعر لها تناولاً إنسانيّاً عاطفيّاً، فهو يجعل لباريس ” قلباً طيباً عجوزاً” وكأنها بشر يحسّ بالمعاناة ويدركها، وربما اختار الشاعر هنا كلمة عجوزٍ ليشير لحقيقة أنّ المحن والمعاناة والظروف القاسية تحوّل الموجودات لغصنٍ يابس بعد أن كان غضاً طرياً يفيض عنفوانا وشباباً، فالمدينة أيضاً تكبر وتكهل لا الإنسان وحدهُ.

إنَّ الشعر السريالي في تلك الفترة الزمنية كان مليئاً بمعانٍ عميقة ومتناقضة، تعكس إرهاصات الحرب وتناقضاتها، وذلك بتصويرها بطريقة سوداوية تنسجم والرؤية السريالية في التعبير عن المضامين بصورة مرعبة (إيلوار، أدب، 2021):

الضحايا رعوا الدمع

جرعوه كالسم الزعاف

الإنسان تلطخه الدماء.

حتى أن السفاحين أصبحوا

أقل مرارة من العنب المر

العيون انفقأت

والقلوب انطفأت

والأرض أضحت باردة

تسري فيها برودة الموت

إنَّ الضحايا في الأزمات الإنسانيّة يتحولون إلى رقم عابر تتناقله وسائل الإعلام برتابة ومللٍ، ولا زال ضحايا الحربين العالميين وتلك الأرقام المهولة ترن في أسماعنا وذاكرتنا، حيث فقد عشرات الملايين أرواحهم دون أن يهتزّ للعالم أي طرف وأي ضمير، حالةٌ تطمس كلّ معالم الحياة، تتسم بالعبثية والضياع.

يعمد بول إيلور في هذا النص إلى رسم صورة بشعة تشبه بشاعة الحرب تماماً، فهو يترجم واقعاً مأساوياً بصورة شعريّة سوداوية، فالضحية أصبح راعياً لدموعه في صورة تجمع بين متناقضين بين ” الرعي” وبين “الدموع” من جهة أخرى، دلالةً على أنّ الدموع أصبحت واقعاً لا مفرّ منه ولا هروب، ففي أوقات الحروب يصبح الدمع جزءاً لا يتجزأ من حياة الإنسان، وسلوى عن الفقد؛ فقد العائلة أو الأصدقاء أو الوطن أيضاً، وهو نفسه يتحول لسمٍ زعاف لا مناص من تجرعهِ على الرغم من كونهِ قاتلاً في النهاية.

واستخدام الشاعر هنا ” السمّ الزعاف ” ذكي للغاية، وذلك تعبيراً عن معاناة الذين عاصروا الحرب ووقعوا ضحية لها، وكلّنا يعلم مدى ما يصاحبه من ألمٍ ووجع وأنين يؤدي بصاحبه في معظم الأحايين إلى موت أكيد أو حياة مشلولة بلا طعم أو لون أو رائحة.

إنَّ الشعراء السرياليين وقفوا ضدّ كلّ أنواع الحروب مهما كان غايتها، وقفوا ضد الدم والعنف والدمار، وقفوا ضدّ” إنسان تلطخه الدماء” ودعوا إلى إنسان حرّ متمرد حالمٍ وتلقائي على الطريقة السريالية.

فلقد هرب السرياليون من كلّ الرقابات المنطقيّة والأخلاقية والمجتمعيّة ليعبروا بطريقة جديدة عن واقع الحرب المجنون، فالعيون منقفأة، والقلوب مطفأة، دلالة على موت كلّ شيء، وسحق كلّ معالم الجمال، فالعين لا ترى إلاً دماراً من حولها، والقلب ينطفأ عن الحب والمشاعر والأحاسيس، وتنعدم فيه الرؤية الأخلاقيّة.

وعمد الشاعر أيضاً إلى أنسسنة الموجودات؛ الأرض عبر اكسابها صفاتاً بشريّة وإنسانية، فبرودة الموت التي تسري في جسد الإنسان بعد موته تسري في الأرض أيضاً، وكأن هناك ربطاً بين الضحايا والطبيعة، حيث تصبح الأرض وتتحول إلى جزء لا يتجزأ من فوضى كبيرة تسمّى الحرب، والبرودة هنا ليست حسيّة فحسب، بل هي تعبير عن مضمون أكبر بانعدام الحياة وفقدان الدفء في عالم مجنون تتلاعب به قوى الظلام.

 إنّ قصيدة إيلوار هي ترجمة عميقة لرؤية السريالية عن الحرب، حين يتحول كلّ شيء إلى ضده وتسحق الإنسانية تحت أصوات المدافع والقنابل، والأرض تموت كأي جسد، وتتتالى استعمال المشاهد المشوهة والمتناقضة، فالحرب كما يظهر النصّ الشعري أعلاه ليس دماراً مادياً فحسب، إنما هي تدمير لكل ما يجعل الإنسان إنسانًا: بدءاً من عواطفه، ورؤيته تجاه الحياة، ونهاية بانتمائه إلى الأرض والوجود.

كما نجد في القصائد السريالية نمطاً آخر مختلفاً يتمثل في السخرية والتهكم بصورة تتعدى كلّ الحدود الأخلاقية والاجتماعيّة، ومن ذلك قصيدة ” شاهدة نصب تذكاري لقتلى الحرب ” لبنجيمان بيريه ، يقول في بعض منها (المغامرة السرياليّة، 2016، صفحة 222):

قال لنا الجنرال

وأصبعه في إسته

ها هو العدو أمامكم

هيّا إليه

كان ذلك من أجل الوطن

وهرعنا إليه

وأصبعنا في إستنا

وقالت لنا القوّاد

أصبعها في إسته

موتوا أو

أنقذوني

إنَّ القصيدة السريالية تلعن الحرب ومن أشعلها ومن ساهم فيها وتسخر بطريقة لاذعة من الجنرالات وكلّ الذين يساهمون في تأجيجها من قريب أو بعيد، يقول فليب سوبو في إحدى قصائده (المغامرة السرياليّة، 2016، صفحة 203):

هؤلاء الأغبياء ذو الشارات الوطنية

من لا ينسون نشوة الدم

كلهم هنا

مجتمعين ومتعطشين إلى الدم

إلى أن يقول:

هل كان علينا أن نموت جميعاً

كي يبرد غليل الأرض

لأننا نقتل باسم الحرية والمجد والحقية

ويقول انطونين آرتو أحد الشعراء السرياليين في نص له (المغامرة السرياليّة، 2016، صفحة 237) :

أيها البابا أنت كرسي الاعتراف

إنما نحن

عليك أن تفهم هذا

وعلى الكاثوليكية أن تفهمنا

باسم الوطن باسم العائلة

أنت تدفع إلى بيع الأرواح وسحق الأجساد

وتبلغ السخرية حداً كبيراً عنّد بنجيمان بيريه في هذه القصيدة (المغامرة السرياليّة، 2016، صفحة 226):

أنا السيد تييه

بطني خراء وأقدامي أقدام الخنازير

رأس مرفوع

حررت الأرض

وزرعت البصل في فرساي

ومشطت باريس بالرشاش

إنّ هذه النماذج التي عُرضت أعلاه هي جزء من قصائد وقفت ضد الحرّب وسخرت من كلّ الذين أسهموا فيها، من جنرالات وجنود وذو شارات وطنية خادعة، ومن البابا نفسه، متحدية الجميع ودون أن تضع حدوداً لأي اعتبارات كانت، سواء أخلاقية أو دينية أو مجتمعيّة، فالشاعر السريالي شاعر متمرد لا يهتمّ إلا بحريته التي تتيح له مهاجمة من يشاء دون اكتراث.

وكلّنا يعلم أن السخرية متصلة اتصالاً وثيقاً بالسياسة، فمن خلالها يعبّر الشاعر عن واقعه البائس والذي يريد مخرجا منه، ولا شكّ أنها سلاح في أيدي المظلومين وكلّ مضطهد في وجه القياصرة والجنرالات وكلّ من أشعل نيران الحرب التي لم تهدأ إلا بعد أن أخذت معها ملايين الضحايا والمعاقين والمتأزمين نفسياً ، الذين خسروا فرصة العيش بكرامة وحرية وآمان، لذلك عمد الشاعر السريالي إلى التهكم والنقد اللاذع والسخرية، فهي بوابته للتعبير عن واقع مجنون يحتاج لشعرٍ وتعابير أكثر جنوناً وغضباً.

ومن جانب آخر نلاحظ أن القصائد جاءت فقيرة فنيّاً، وتميل للتقريرية والمباشرة، ومرد ذلك حسب تصوري أنّ الشاعر السريالي أصلاً لا يحبّ التزويق اللفظي وغير مكترث له أصلاً، فمن جملة ما خرج عليه هو الشعر التقليدي الذي يكتب بطريقة نمطية مزورقة، وثانياً لأن المقام أصلاً لا يسمح بغير ذلك، فالواقع المتردي والصعب الذي عاشه هؤلاء الشعراء وظروف الحرب المستعرة تحتاج لقصيدة تكتب بطريقة مغايرة، صادمة وفظيعة ، فالدماء في كلّ مكان ، والضحايا في كلّ مكان، والطريقة الرومانسية التقليدية في التعبير لا تنفع أمام واقع من هذا النوع، هذه كلها أسباب جعلت النصوص بهذا الشكل إضافةً لسبب آخر وجيه هو أن الترجمة تفقد الشعر الكثير من بريقه وعناصر الجمالية فيه.

ومما نلاحظه أيضاً في القصائد التي تناولت الحرب موضوعاً لها أن الشاعر يعمد إلى تكرار كلمات معينة في القصيدة أو تكرار تراكيب كاملة، كما توضح ذلك بعض النماذج أعلاه، وأيضاً هناك أمثلة أخرى ، منها (المغامرة السرياليّة، 2016، صفحة 224):

أعرني ذراعك

كي استبدل ساقي

التي أكلتها الجرذان

في فيردان(5)

في فيردان

أكلت كثيراً من الجردان

لكنهم لم يعيدوا إلي ساقي

ولهذا السبب منحت وسام الحرب

وساق من خشب

وساق من خشب

يقدم الشاعر هنا صورة مرعبة من صور الحرب، تعبّر بواقعيّة عن قسوتها على الإنسان جسداً وملمحاً ،لا سيما الجنود الذين يلتحقون في جبهات القتال ويكونون وقوداً لنيرانها، حيث يصبح رؤية أجساد مبتورة الأيدي أو سيقان مقطوعة هو المنظر العادي ، ورؤية الجثث وهي مرمية في كلّ مكان ومشوهة بطريقة مروعة هو الشيء المعتاد وأنت مجبر وسط هذا كلّه ان تعيش وتتعايش معه كأن شيئاً لم يكن، لذلك يعمد الشاعر إلى تكرار مثل هكذا أمور لأنها راسخة في ذاكرته بشدّة، وترسخ عند من يقرأها وحشية الحروب التي تطحن كلّ من يكون في دوامتها طحن الرحى بلا هوادة، لذلك تأتي السخرية هنا تعبيراً عن أقصى درجات الألم، فهي نوع من أنواع الكوميديا السوداء، واللعب مع الوجع، وتحضر بصورة ساخرة عنده لأنه لا يملك غيرها في وجه من أشعلوا تلك النيران التي أكلت البشر والحجر.

إنَّ السخرية سلاح فعّال لمن لا يمتلك غيرها في مواجهة آلة الحرب ومؤسسيها ومشعليها وقوادها وجنرالاتها، هي تنفيس عما

يتضح في نهاية هذا البحث أن السريالية كحركةٍ والسرياليين كأشخاص وقفوا ضد الحرب فعلاً وقولاً وسلوكاً، بل إنّ من أسباب ظهور الحركة السريالية هو الواقع المأساوي الذي خلفته الحروب، حيث تسبب بمقتل عشرات الملايين من الضحايا وخلّفت الباقين إما معاقاً أو يعيش أزمات نفسية واجتماعية واقتصادية صعبة، وهذا كلّه خلّف ردات فعلٍ على صعد مختلفة، لا سيما عند الشعراء كما تبين لنا في مظان هذا البحث.

أهمّ النتائج

بعد هذه الرحلة الطويلة مع السريالية والسرياليين والغوص عميقاً في الأزمات الإنسانيّة وتأثيرها على الشعر في تلك الحقبة الزمنية المهمّة من تاريخ العالم أدرج هنا بعضاً من النتائج التي توصلها لها:

– شكلت الأزمة الإنسانيّة منعطاً حاداً في نشوء الحركة السريالية، بل كانت سبباً مباشراً من أسباب ظهور هذه الحركة.

– أدان الشعراء السرياليين الحرب بصورة مباشرة وبأِشكال مختلفة، وذلك إما عبر قصائدهم كما بينَّا في مطاوي البحث أو من خلال منشوراتهم أو عبر ممارسة سلوكيات معينة كالتظاهرات وغيرها.

– على الرغم من أن بعض الشعراء السرياليين انخرط في الحرب وذلك عبر المقاومة المسلحة كلويس آراغون إلا أنهم كانوا رافضين لها جملة وتفصيلاً كما اتضح ذلك في قصائدهم، وانخراطهم جاء جبراً لا اختياراً منهم.

– كان الشعر السريالي مؤثراً وعاطفياً يبرز المأساة الإنسانيّة بكلّ وضوح.

– أبرز الشاعر السريالي في قصائده مأساة الإنسان الذي يعيش الحرب وهواجسه مسلطاً الضوء على معاناته خصوصاً تلك التي تتعلق بالطفل والمرأة الذين أثقلتهم الحروب بقسوتها.

  – يميل الشعر السريالي في موضوعة الحرب في النماذج المختارة إلى التقريرية والمباشرة، عدا بعض الاستثناءات القليلة.

– تتضح السخرية والنقد اللاذع في القصائد السريالية التي تناولت المأساة الإنسانية والحرب موضوعاً لها، متجاوزة كلّ الحدود المنطقية والأخلاقية والدينية، فالشاعر السريالي لا يقيم اعتباراً لأي رقابة كانت ذاتية أو اجتماعية، لذلك نجده يعرض بمشعلي الحرب وقادتها وجنرالاتها دون اكتراث.

– عمد الشاعر السريالي في أحايين كثيرة إلى التكرار في قصائده، ترسيخاً لمعاناة الإنسان وسط دمار الحرب وضياعاتها.

الهوامش

(1) كانديدو بورتيناري : رسام برازيلي شهير، استخدم أسلوباً واقعياً مؤثراً في لوحاته، ورسم ما يربو على ” 500″ لوحة.

(2) وهي معركة من معارك الحرب العالمية الأولى، حدث فيها القتال في 21 أبريل – 25 مايو 1915 للسيطرة على قرية الفلاميين إيبر في بلجيكا .

(3) توفي فاشيه في غرفة فندق في نانت في 6 يناير 1919 بسبب جرعة زائدة من الأفيون، وكانت إلى جانبه جثة جندي فرنسي آخر عارية. عُرف عنه عدم اللامبالاة بالثقافة الفرنسية المعاصرة، وكان يرتدي نظارة أحادية اللون، وعاش حياة مضطربة، لم يترك أية عمل أدبي مكتمل عدا رسائله من جبهة الحرب التي نُشرت عام 1919، وكتبت إلى بريتون ولويس أراغون وفراينكل وآخرين، والتي اكتسبت مكانة مهمّة لدى السرياليين.

(4) جرنيكا: قرية إسبانيّة دكها الطيران الألماني عام 1938، أثناء الحرب الأهليّة.

(5) فيردان: مدينة تقع في شمال فرنسا، حدثت فيها معركة تعدّ من أسوأ معارك الحرب العالمية الأولى عام 1916م ، استمرت 302 يومٍ ، وراح ضحيتها ما يقارب 770 ألف جندياً بين جريح وقتيل ومفقود.

 

المصادر والمراجع

1ـ الكتب الورقية

  • أمين صالح. (2010). السوريالية في عيون المرايا (المجلد 2). بيروت: دار الفارابي / دار الفراشة للنشر والتوزيع.
  • أندري بريتون. (2022). لا أفتح بابي إلا للمطر. (مبارك وساط، المترجمون) الدمام، السعودية: منشورات حِبر.
  • بول إيلوار. (2003). قصائد حب. (عصام محفوظ، المحرر) بيروت: دار الفارابي.
  • سلفادور دالي. (2005). يوميات عبقري. (أحمد عمر شاهين، المترجمون) مكتبة الأسرة، مصر.
  • سيجموند فرويد. (1981). أفكار لأزمنة الحرب والموت. (سمير كرم، المترجمون) بيروت: دار الطليعة.
  • عبد الرزاق الأصفر. (1991). المذاهب الأدبية لدى الغرب. دمشق: اتحاد الكتاب العرب.
  • علي الشوك. (بلا تاريخ). الدادائية بين الأمس واليوم. لبنان: المؤسسة التجارية للطباعة والنشر.
  • لويس باروث ، جان مارسيناك. (1952). بول إيلوار. (فؤاد حداد، المترجمون) مصر: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر.
  • عدنان محسن . (2016). المغامرة السرياليّة . بيروت: منشورات الجمل.
  • مالكولم كولي ، بيتر.ك.رودس. (1959). آراغون شاعر المقاومة. (عبد الوهاب البياتي، أحمد مرسي، المترجمون) بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
  • محمد إسماعيل دندي. (1 أكتوبر, 1997). السريالية والشعر العربي الحديث. المعرفة.
  • محمد مندور. (1970). الفن ومذاهبه. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.
  • موريس نادو. (1992). تاريخ السريالية . دمشق: منشورات وزارة الثقافة.
  • والاس فاولي. (1981). عصر السريالية. بيروت: دار العودة.
  • يوسف خياط. (1974). معجم المصطلحات العلمية والفنية (المجلد الرابعة). بيروت: المطبعة العربية.

2ـ المواقع الالكترونية

أحمد عثمان. (14 يوليو, 2019). جاك فاشيه… «نيزك» لا يعرف الخضوع. تم الاسترداد من مركز الاتحاد للأخبار: https://www.aletihad.ae/article/41337/2019/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%81%D8%A7%D8%B4%D9%8A%D9%87-%C2%AB%D9%86%D9%8A%D8%B2%D9%83%C2%BB-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B9%D8%B1%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B6%D9%88%D8%B9

الحرب والسلام . (6 سبتمبر, 1957). تم الاسترداد من الأمم المتحدة: https://www.un.org/ungifts/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8

الشِّعْرُ في زمن عولمة الحروب. (2019). تاريخ الاسترداد 10 12, 2024، من منشورات المتوسط: https://almutawassit.it/singlePost/68

بول إيلوار. (12 Jan , 2021 ). جرنيكا . تم الاسترداد من أدب: https://www.adab.com/post/view_post/70370

بول إيلوار. (28 2, 2021). أدب. تم الاسترداد من أدب:

 https://www.adab.com/post/view_post/70370

بول إيلوار. (28 2, 2021). قتل. تم الاسترداد من أدب:

 https://www.adab.com/post/view_post/70475

بيرغيت غيرتس صلاح شرارة. (25 11, 2013). مائة عام على الحرب العالمية الأولى. تم الاسترداد من قناة DW: https://2u.pw/a0mungG

حسونة المصباحي. (16 إبريل, 2024). السورياليون والحرب. تاريخ الاسترداد 20 6, 2024، من الشرق الأوسط: https://aawsat.com/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86/4965441-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8

حميد عقبي. (30 أغسطس, 2023). السرياليون ومفهوم الشعر: “يجب أن يُكتب من قبل الجميع”. تم الاسترداد من ضفة ثالثة: https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/opinions/2023/8/30/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D9%8A%D8%AC%D8%A8-%D8%A3%D9%86-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%85%D9%86-%

سلفادور دالي. (بلا تاريخ). تاريخ الاسترداد 7 6, 2024، من موسوعة ويكيبيديا: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AF%D9%88%D8%B1_%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%8A

صالح هاشم. (27 أيلول, 2017). السريالية فلسفة الحرية. تاريخ الاسترداد 19 5, 2024، من الشرق الأوسط: https://aawsat.com/home/article/1027556/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9.

فؤاد الكنجي. (10 10, 2016). السريالية و الكتابة الأوتوماتيكية في الشعر. تاريخ الاسترداد 31 5, 2024، من الجوار المتمدن: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=534246

قحطان بيرقدار. (10 6, 2010). السريالية والأدب. تم الاسترداد من الألوكة الأدبية واللغوية: https://2u.pw/h2FAiuW .

  

Sources and References

1ــPaper books:

  • Amin Saleh. (2010). Surrealism in the Eyes of Mirrors (Volume 2). Beirut: Dar Al-Farabi / Dar Al-Farasha for Publishing and Distribution.
  • Andre Breton. (2022). I Only Open My Door for Rain. (Mubarak Wasat, Translators) Dammam, Saudi Arabia: Hibr Publications.
  • Paul Eluard. (2003). Love Poems. (Essam Mahfouz, Editor) Beirut: Dar Al-Farabi.
  • Salvador Dali. (2005). Diary of a Genius. (Ahmed Omar Shaheen, Translators) Family Library, Egypt.
  • Sigmund Freud. (1981). Ideas for Times of War and Death. (Samir Karam, Translators) Beirut: Dar Al-Tali’a.
  • Abdul Razzaq Al-Asfar. (1991). Literary Schools in the West. Damascus: Arab Writers Union.
  • Ali Al-Shawk. (undated). Dadaism Between Yesterday and Today. Lebanon: Commercial Printing and Publishing Establishment.
  • Louis Baruth, Jean Marcinac. (1952). Paul Eluard. (Fouad Haddad, translators) Egypt: Dar Al-Kitab Al-Arabi for Printing and Publishing.
  • Adnan Mohsen. (2016). The Surrealist Adventure. Beirut: Al-Jamal Publications.
  • Malcolm Colley, Peter K. Rhodes. (1959). Aragon, the Poet of Resistance. (Abdul Wahab Al-Bayati, Ahmed Morsi, translators) Beirut: Arab Institution for Studies and Publishing.
  • Muhammad Ismail Dandi. (October 1, 1997). Surrealism and Modern Arabic Poetry. Knowledge.
  • Muhammad Mandour. (1970). Art and its Schools. Cairo: Nahdet Misr for Printing, Publishing and Distribution.
  • Maurice Nadeau. (1992). History of Surrealism. Damascus: Publications of the Ministry of Culture.
  • Wallace Foley. (1981). The Age of Surrealism. Beirut: Dar Al-Awda.
  • Youssef Khayat. (1974). Dictionary of Scientific and Technical Terms (Volume Four). Beirut: Arab Press.

2ــWebsites

Ahmed Othman. (July 14, 2019). Jacques Vache… A “Meteor” That Does Not Know Submission. Retrieved from Al Etihad News Center: https://www.aletihad.ae/article/41337/2019/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%81%D8%A7%D8%B4%D9%8A%D9%87-%C2%AB%D9%86%D9%8A%D8%B2%D9%83%C2%BB-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B9%D8%B1%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B6%D9%88%D8%B9

War and Peace. (September 6, 1957). Retrieved from United Nations: https://www.un.org/ungifts/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8

Poetry in the Age of Globalization of Wars. (2019). Retrieved 10 12, 2024, from Al-Mutawassit Publications: https://almutawassit.it/singlePost/68

Paul Eluard. (12 Jan, 2021). Guernica. Retrieved from Adab: https://www.adab.com/post/view_post/70370

Paul Eluard. (28 2, 2021). Literature. Retrieved from Literature: https://www.adab.com/post/view_post/70370

Paul Eluard. (28 2, 2021). Killing. Retrieved from Literature: https://www.adab.com/post/view_post/70475

Birgit Gertz Salah Sharara. (25 11, 2013). One Hundred Years of World War I. Retrieved from DW: https://2u.pw/a0mungG

Hassouna Al-Masbahi. (16 April, 2024). The Surrealists and War. Retrieval date: 20 6, 2024, from Middle East: https://aawsat.com/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%81%D9%86%D9%88%D9%86/4965441-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8

Hamid Aqbi. (August 30, 2023). Surrealists and the concept of poetry: “It should be written by everyone.” Retrieved from Third Bank: https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/opinions/2023/8/30/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D9%8A%D8%AC%D8%A8-%D8%A3%D9%86-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%85%D9%86-%

Salvador Dali. (undated). Retrieved 7 June 2024, from Wikipedia: https://ar.wikipedia.org/wiki/Surrealism_Philosophy_of_Freedom

Saleh Hashem. (September 27, 2017). Surrealism is a philosophy of freedom. Retrieval date 19 5, 2024, from Middle East: https://aawsat.com/home/article/1027556/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9.

Fouad Al-Kanji. (10 10, 2016). Surrealism and automatic writing in poetry. Retrieved 31 5, 2024, from the civilized neighborhood: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=534246

Qahtaan Birqadar. (10 6, 2010). Surrealism and Literature. Retrieved from Aloka Literary and Linguistics: https://2u.pw/h2FAiuW.

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)