انفعال اللّغة الروائية في ظلّ المتغيّرات السياسيّة رواية (الرّعب) لأيمن العتوم أنموذجًا

د. أمل يونس محمد إرحيم

قسم اللغة العربية وآدابها، كلية معرفة العلوم الإسلامية والإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية، ماليزيا

الملخص

في ظلّ متغيّرات الأحداث المتلاحقة في العالم، تحاول الرواية العربية أن تقوم بدورها الثقافي المجتمعي، فهي وسيلة تواصل بين المجتمعات، وبذلك فإنّ الرواية تسعى إلى مواكبة التطوّرات الواقعية ومنها الأحداث السياسية، الأمر الذي دفعها إلى تحسين جودة وسيلتها التواصلية، وذلك بالعمل على خلق انسجام بين المتغيّرات الحياتية ولغة السرد، وإنتاج حركة تعبيرية متناغمة مع الحدث، الأمر الذي يعزّز الفعالية اللغوية في الخطاب السردي، فاتّجهت نحو مزامنة الحدث، واستفادت من هذه المزامنة بتشكيل فضاء لغوي ذي كثافة تعبيرية أعمق أثرًا. في هذا البحث وقفت الباحثة على رواية “الرعب” لأيمن العتوم، والتي تناول فيها أحداث غزة في ظلّ متغيّرات السابع من أكتوبر؛ حيث رصدت الباحثة في بحثها انفعالات اللغة الروائية، وقد تناولت الموضوع من ثلاثة محاور: المحور الأول وقفت فيه عند مظاهر انفعال القالب السردي، فتناولته من بعدين: انفعال القالب الوصفي ونزعة التساؤل، أمّا المحور الثاني فوقفت فيه عند الانفعال اللفظي من جهتين: خصوصية المكان وخصوصية الحدث، لتنتقل للمحور الثالث، وتقف فيه على الحقول الخدماتية للموضوع، وقد استخدمت الباحثة المنهج الوصفي التحليلي في بحثها؛ لتصل إلى خلاصة مفادها أنّ الروائي استفاد من مزامنة النصّ للحدث في تشكيل فضاء لغة السرد، وقد تجلّى انفعال اللغة السردية في مواطن عدّة نتجت عن التأثر الشديد بالحدث السياسي، الأمر الذي يؤكد حالة المعايشة الشعورية للحدث عند الروائي، كما يؤكد على دور اللغة في التعبير عن التوتّرات السياسية وصراعاتها وانعكاساتها على الحالة المجتمعية.

الكلمات المفتاحيّة: رواية الرعب، السابع من أكتوبر، أيمن العتوم.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

مقدّمة

شهدت الرواية العربية تحوّلات جذرية في لغتها، حيث اعتمدت أشكالًا تعبيرية جديدة بعيدًا عن نمطية السرد وطرقه الكلاسيكية، ف”الرواية العربية منذ انطلاق صيرورتها وهي تعرف تطوّرات وتحوّلات في الشكل والموضوع، بفضل تطوّر بنيات المجتمع ونمو بنياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية”،(1) فهي تقوم بدورها التوعوي والتثقيفي من خلال وقوفها عند المشهدين: الاجتماعي والسياسي، وذلك بمتابعتها التطوّرات السياسية والمجتمعية، فهي تعمل كوسيط أدبيّ قادر على اختزال الانفعالات المجتمعية التي تختص بالقضايا الإنسانية. من بين الروائيين الذي تميّزوا في هذا الجانب الروائي أيمن العتوم(2)، والتي تميزت رواياته بقدرتها على استنطاق حالة الاضطراب السياسي، ورصد توتّراتها، فقد تناول الواقع المأزوم لحال الأمة العربية في روايات عدّة له. في روايته (الرعب) استطاع أن يكشف عن أبعاد الرعب الاجتماعي والنفسي الذي يعيشه أهل غزة منذ أحداث السابع من أكتوبر ، وقد استخدم لغة انفعالية عالية الكثافة، حاول من خلالها أن يسبر أغوار الواقع الإنساني في غزّة في ظلّ المتغيّرات السياسية التي طرأت على المنطقة، ويقف عند تأثير هذه التغيّرات على الحالة العامّة للمكان، مستخدمًا شبكة من التشكيلات اللغوية غير النمطية في خطّه السردي، فاستخدم الوصف كأداة للتعبير عن حالة الصراع الخارجي والداخلي، فلم تقتصر وظيفة الوصف على تأدية دور الناقل الصوري فحسب، بل كان يشحن  تلك الصور بخصائصها الانفعالية؛ لتتناغم وحالة التشظّي التي يعيشها أهل المكان، كما استخدم نزعة التساؤل في محاولة لفهم علاقة الصراع بين الحقّ والباطل، وقد أولى عناية فائقة لمنتخباته اللغوية التي شكّلت ملمحًا أساسيًا من ملامح الانفعال اللغوي.

يهدف البحث إلى دراسة الحالة الانفعالية للغة النّص السردية في رواية (الرعب)، وذلك بتحليل نصوصها وتسليط الضوء على الكيفية التي وظّف فيها العتوم لغته الروائية التي جسّدت حالة التحوّل السياسي التي حدثت، في سعي منه لفهم العلاقة الجدلية بين اللغة وبين السياق السياسي، وقد استخدمت الباحثة المنهج الوصفي التحليلي لرصد حالة الانفعال للمتتالية اللغوية.

أولًا: انفعال القالب السردي

تتأثّر لغة السرد بما حولها من ظروف الواقع وطرق صياغته على الأرض، فتنفعل اللغة بانفعال صاحبها، فكلّ ما هو قابل للتأثر قابل للانفعال، ومن مظاهر الانفعال الصيغ التعبيرية، والتي تتأثّر بالمثيرات حولها؛ لتنعكس على الأديب، فتؤثر على شبكة الخيال لديه، ليتمثّل هذا الانعكاس سلوكيًا _فيما بعد_ كنتاج أدبي ذي صبغة خاصة.

الانفعال لغة: (فعل) الشيء فَعْلًا وفِعالًا: عمِله. (افتعل) الشيء: اختلَقَه وزَوَّرَه… (انفَعَلَ): مطاوع فَعله. فهو مُنفَعِل، انفعل بكذا: تأثّر به انبساطًا وانقباضًا.(3)

الانفعال اصطلاحًا: في علم النفس، هو “استثارة وجدان الفرد وتهييج مشاعره، وهو أمر متعلّق بحاجات الكائن الحي ودوافعه… ويُستثار الانفعال عندما يُستثار الدافع، ويأخذ الشكل الذي يناسبه ويتّفق معه”.(4)

عٌرّف على أنّه حالة من التوتر مصحوبة بتغيّرات فسيولوجية مدفوعة بالدوافع، غير مقتصر على العلامات الجسدية،(5) فهو ردة فعل إدراكية، قد تتحوّل إلى عملية وعي مؤثرة على مدركات الشخص وعلى علاقته بالحياة. والانفعال له معنى “فهو يدل على شيء، وبهذا لا نعني فقط أنّه يأتي كصفة صرفه، بل يُلقي بنفسه كنوع من علاقة كياننا النفسي مع العالم، وهذه العلاقة أو بالأحرى الوعي الذي ندركه فيها… هي هيكل منتظم قابل للوصف”.(6) فهو شيء قابل لأن يتحدّد.

إنّ الأثر الذي تتركه الانفعالات في النفس البشرية قد يظهر عبر سلوك تعبيري، ليس بالضرورة أن يكون هذا التعبير فيسيولوجيًا، فقد يكون تعبيرًا إدراكيًا؛ إذ إنّ الانفعالات بمثابة الشاحن لأفضية الخيال عند الكاتب، واللغة الروائية المنفعلة هي نتاج تعبيري مؤثّر فرضته المزامنة الحدثية، ترعرع بين المرئي والمسموع للواقع الإنساني، إنّ “هذا الواقعَ الإنسانيَ نفسَه يتحقّق على شكل (انفعال)… من المستحيل اعتبار الانفعال بمثابة اضطراب نفسي فيزيولوجي، فإنّ له جوهرَه، وهياكلَه الخاصة، وقوانينَ ظهوره، ودالتَه، ولا يمكن أن يتأتّى من خارج الواقع الإنساني، بل بالعكس، إنّ الإنسانَ هو الذي يتحمّلُ انفعالَه، ويصبح الانفعالُ بالنتيجة شكلًا منتظمًا من أشكال الوجود الإنساني”،(7) هذه الأشكال المنتظمة من الانفعال قد تتراءى لنا في شكل لوحة أو قصيدة شعرية أو أغنية، وقد كانت “الانفعالاتُ _دائمًا_ مصدرَ إلهام للأدباء، ومنبعًا لأعمالهم، ومحرّكًا للسلوك الإنساني في الروايات والأقاصيص والقصائد والمسرحيات. ألم يكن غضبُ أخيلَ لمصرع صديقِه باتريوكولس على يد الأمير الطروادي هكتور هو الشرارة التي أطلقت ملحمة هوميروس (إلالياذة) في القرن الثامن ق. م … ألم يكن حزنُ الخنساء على مصرع أخيها صخر هو ما أسال دموعَها دمًا في مراثيها؟ ألم يكن غضبُ المتنبي على كافور الإخشيدي… علّةَ الصواعق التي رمى بها المتنبي كافورًا”.(8) إنّ الطاقة الناتجة عن الانفعال ليست بالضرورة طاقةً سلبيةً، فقد تمثّل محرّكًا ديناميًا على الصعيد الأدبي، فهي تثري التجربةَ الأدبية، وتَصبُغُها بالمصداقية، تنثرُ في أرجائها الدفقاتِ الشعوريةَ العاليةَ التي تعملُ على تناغم الاتساق اللّغوي، ف”الانفعاليةُ ليست في الواقع سوى طاقةٍ مخزونةٍ أو مكبوتةٍ يُحرّرُ منها كلُّ حادثٍ وكلُّ صدمةٍ مؤثرةٍ جزءًا يكبر أو يصغر تبعًا لأهمية الصدمة أو الحادث، ويمكن تشبيه الانفعالية بطاقة كهربائية تعطي جزءًا من إمكاناتها إذا عالجها محرّك”.(9) إنّ مقدار تفاعل اللغة الروائية وانفعالها يعتمد على نوع المثير وقوّته، فقد يرتدي النصُّ أرديةً لغويةً تتماهى مع المثير، هذه الأرديةُ تتعالقُ فيما بينِها لتتّخذَ أشكالًا وهّاجة، بحيثُ لا تدعُ مجالًا لركود النصّ، فهي تبثُّ حركيّةً فاعلةً في المسار السردي، هذه الحركيّة تحمل في طيّاتها تمواجاتِ الكِيان اللُّغوي وحالتَه الانفعالية.

يتجلّى الانفعالُ اللغويُ في استبطانِ خصائصِ اللغة الروائية ذات الكثافة، فاللغةُ تعدُّ دالًّا ووسطًا تتحقّقُ فيه بنودُ الحكاية، وتترسّمُ في فضائِها حدودُها بكلّ فيضها الوجداني، تتكشّفُ حالتُها الانفعالية من خلال استبصار ملامحها عبر نوافذ التأويلِ ومدِّ جسورِ التحليل.

  • القالب الوصفي في المتتالية السردية

من مظاهرِ انفعالِ لغةِ السّرد انفعالُ القالبِ الوصفي وكثافتُه عبرَ المدّ الحكائي، فقد اعتمد الروائيُ الأسلوبَ الوصفيَ إلى حدّ كبير في سرده، باعتبار حيثياتِ الحالةِ الانفعاليةِ الجماعية. ويعدّ الوصفُ هو الوسطُ الذي تعملُ فيه حاسةُ البصر، أي أنّها تشكّلُ المشاهدَ بناءً على الوصوف التي تتراءى لها عبرَ اللغةِ المنتخبة، فالوصف هو “نشاط فني يُمثِّلُ باللغةِ الأشياءَ والأشخاص والأمكنة وغيرَها وهو أسلوبٌ من أساليب القصة، يتّخذ أشكالًا لغويةَ كالمفردات والمركب النحوي والمقطع، وأيّا كان شكلُه اللغويُ فهو يخضعُ لبنية أساسية”،(10) لا يمكنه التمرّدُ عليها، عرّفه (جيرالد برنس) على أنّه: “عرضُ وتقديمُ الأشياءِ والكائناتِ والوقائع والحوادث”،(11) وبذا فالأشياءُ والأشخاصُ والحوادثُ هي مادةُ الوصف، تُبثُّ فيها روح البصرية ويُشحن ضدُّها الخيال، وقد عرّفته (سيزا قاسم) على أنّه: “أسلوبٌ إنشائي يتناول ذكرَ الأشياءِ في مظهرها الحسّيّ، ويقدّمُها للعين، فيمكن القولُ أنّه لونٌ من التصوير بمفهومه الضيقِ يخاطبُ العين، أيّ: النظر، ويمثّلُ الأشكالَ والألوانَ والظلال”،(12) فخطابُ الوصف موجّهٌ لحاسّة البصر التي تترجمُه إلى لغةٍ مدركة بالوعي، وقد “اقترن الوصفُ منذ البداية بتناول الأشياء في أحوالها وهيئاتها كما هي في العالم الخارجي وتقديمها في صور أمينة تعكس المشهدَ وتحرِصُ كلَّ الحِرص على نقلِ المنظورِ الخارجي أدقَّ نقل، وارتبط وصفُ الأشياء بمفهوم المحاكاة الحرفي أيّ: التصوير الفوتغرافي”،(13) وبهذا فإنّ الوصفَ تقنيّةُ نقل، أو وسيطٌ تتشكّلُ فيه الأشياء أو الحالات ليسهلَ تحديدُ ماهيتها، كما يحملُ معانيَ متعدّدة، تُسهم في تطوّرِ الأحداثِ كما تسهمُ في الكشف عن الأبعاد النفسية للشخصيات، وبهذا فهي تحوي طاقةً فاعلةً في حركيّة النصّ.

أكثرُ ما يكون فيه الوصفُ منفعلًا حين ينقلُ المعاناة، وحين يتتبّعُ مأساوية المشهد الإنساني، وحين يكون مخبرًا عن حالة الحزن. اعتمد الروائي تقنيّة الوصف بشكل كبير، باعتبارها القالب الأكثر اتساعًا لحالة الواقع السياسي المزري.

الوصف وارتجاف المعنى

عندما تتذبذبُ الأمورُ ويتعالى علينا وضوحُها، ويعجزُ التعبيرُ عن نقل حقيقة الشعور، وتكتنفه الضبابية؛ بحيث لا يعود بإمكاننا فرزُ شفافيةِ معانيه عن بعضها، فإنّ المشهد أمامنا مرتجفُ المعنى، يتنقّل بالقارئ بين محطّات شعورية عالية الحساسية؛ فيشعر بارتباك المعاني نتيجة الدفقة الإنسانية العالية التي ضُخّت في المشهد،  وقد كان النصُّ سخيًا بهذا النوع من الوصف، ومن هذا الوصف:

“كانت هناك جثّةُ شهيد ممدّدٍ على الرماد، تحيط به موجودات البيت من خشب وبقايا أثاث، كانت تحترق، وكان شاب قريبٌ من عمره يضغط بكلتا يديه على صدر أخيه الشهيد دون أن يستجيب، وبين الرجاء والأمل واليأس والخوف واليقين والشك كان يصيح بكلّ ما فيه من فجيعة: (يا الله… يا الله) وجثة أخيه تهتزّ على إيقاع تحريكه”.(14) جاء الوصف مذبذبًا بين وصف الشخصية ووصف الحالة للمشهد ككلّ، وقد ذهب الروائي  إلى قلقة ثبات الحالة باستخدامه الألفاظ الضدّية (الأمل واليأس، اليقين والشك)، الأمر الذي أدّى لارتجاف المعنى الوصفي، فلم يستقر المشهدُ على ضفاف اليأس ولا على ضفاف الأمل.

الوصف التّأملي

لم يقتصر الروائي على وصف المكان والحالة التي هو عليها وتوابع هذه الهيئة فحسب، بل أعطى المشهدَ استحقاقَه الوصفيَ الكاملَ عبر التعليق الختامي للمشهد الموصوف، ومن هذا: “عدد كبير من الجثث المتطايرة عقب الانفجار كان يستقرّ في هذه الحفر العملاقة، وكنّا ننتشلها كأنّنا ننتشل قطعة أثاث مهترئة، لقد فعل الموت كلّ شيء بها، كانت بعض الجثث بلا ملامح، ولا وجوه، وكنّا أحيانًا لا نعرف إن كانت الجثة لرجل أو امرأة أو طفل أو طفلة… إنّ الموت أصعبُ كائن مُتخيل، بحيث يُعييك أن تنعته أو تعطيه وصفًا مهما كانت براعتُك”.(15) المشهد الوصفي يحاكي في هيئته وتعبيراته المشاهد الواقعية في غزة (انفجارات، حفر، جثث متطايرة بلا ملامح) إنها مكوّناتُ مشاهد الحياة اليومية في غزة، هذه المشاهد الوصفية منحت المحتوى الوصفي تأمّلاتٍ فلسفيةً، فكيف يمكن للغزي أن يتعاملَ مع الموت الذي يترصدُه من فوقه ومن تحته، يتفنّن في عمله. يعلّق البطلُ على هذا المشهد بنظرة تأملية وفلسفية عن الموت.

الوصف والمشهد التنبؤي 

بعض المشاهد الوصفية تقدّم تلميحات للقارئ تعينه على التنبؤ بما سيؤول إليه المشهد فيما بعد، أو تفصح عن بعض التطوّرات التي ستطرأ على الحالة الآنية في الزمن المستقبلي، وقد تمنح القارئ إشارات مرتبطة بالتحوّلات السردية المستقبلية، إنّها تقدّم الأوصاف كدوالٍ متّسقة تصبّ في مجرى تطوّرات المسار السردي؛ بحيثُ تشحنُ القارئَ بشحنة اندفاعية التوقّعات، الأمر الذي يتركه على وضعية انتظار النبوءّة المشهدية، ممّا يدفعه نحو مواصلة القراءة في رغبة منه لاكتشاف قدراته التنبؤية، ومن هذا الوصف:

“قريبًا من الحمامة كان رجل سبعيني يئن، لم نكن قد وصلنا إليه بعد. كانت ذراعه مع نصف كتفه الأيمن تقريبًا مهروسًا تحت كتلة من الباطون الثقيلة ويبدو أنّها تهتّكت، وأنّ مسألة فقده لها محسومة”.(16)

في هذا الوصف  للرجل السبعيني يقدّم الروائي مشهدًا مستترًا خلف المشهد المرئي، تراءى للقارئ عبر إشارة وصفية مأساوية (كانت ذراعه مع نصف كتفه الأيمن تقريبًا مهروسًا…وأنّ مسألة فقده لها محسومة) فالوصف الجديد الذي سيكون عليه هذا السبعيني في ذهن القارئ، شخص سبعيني بذراع واحدة، نبتت ملامح فقد الثانية على وجهه، المشهد مليء بزخم المأساة الغزية التي تشير إلى الواقع الأليم، هذا المشهد يشير إلى الحالة المستقبلية التي سيكون عليها الكثير من شباب غزة وأطفالها ونسائها، بإمكانك أن ترى في غزة مستقبلًا بعد سنوات من هذه الحرب، شبابًا مبتوري الأطراف، نساء مبتورات الأحلام، لا يستطعن الاعتناء بأطفالهم ولا ضمّهن، بعد أن فقدن سياج الحضن (أذرعهن)، كيف سيكون مستقبلُ كلِّ هؤلاء؟ وما هو الثأرُ الذي يمكنه إخماد لهب الفجيعة في صدور أهل غزة؟ وما هو الحجم الذي سيكون عليه هذا الثأر؟

الوصف وعشوائية الحدث

الوصف لا يكون عشوائيًا وإلا فهو عبءٌ على السرد، لكنّ الوصف قد تتلبّسُه حالةُ العشوائية، وكأنّك تشاهد مشهدًا مختلّ التركيب، والحقيقةُ أنّ الحدثَ قد يكسبُ الوصفَ نوعًا من الجموح، فلا تراه منطقيًا، إنّما جاء ليخدمَ الحدث أو يعزّزَ من القيمةِ الرساليةِّ للنصّ، وتُبرّرُ عشوائيتُه بعشوائيةِ الواقع وجموحه، كما حدث في غزة، ومن هذا: ” كنّا في المساحات التي يمكن أن نقف عليها بين طابقٍ وطابقٍ من بناية مهدّمةٍ نُخرجُ الجثث، وكنّا لقلّة النقّالات نجعلُ الجثثَ تنزلقُ هاوية على الباطون، أو نقوم برميها على عدد من المسعفين الذين يكونون ينتظرون تلقّفها في الأسفل. كان هذا سيكون محرّمًا ومجرّمًا لو كان الوضع طبيعيًا، ولكنّها الحربُ لها أحكام، وأحكامُها تفسدُ الأخلاق والذوق، وإنّنا لمضطرون”.(17)

 في وصف أفعال المشهد دلالة على عشوائيته من جهتين: جهة اللامنطقية الإجرائية، وجهة الدلالة اللفظية للأفعال المستخدمة: (تنزلق هاوية)، فلا هدف محدّد للانزلاق وفعل الانزلاق عشوائي النتائج. (نقوم برميها) وفي فعل الرمي دلالة على عدم الاكتراث. (تلقُفَها) فعل التلقّف يكون للشيء المرمي، أو لما يسقط من علوّ، وفي دلالة الفعل إشارة إلى احتمالية انحراف المرميّ وسقوطه بعيًدا عن المكان المراد له، وفي هذا كلّه جراحٌ عشوائية الوجع، لا تستطيعُ أن تميزّ صوتَ الآهِ فيها، هل هي آهُ الفقد، أم آهُ النزوح والتشرّد، أم آهُ الجوع، أم آهُ الحنين، أم آهُ المريض الذي لا يجدُ الدواء، أم آهُ الإصابة! يختم الروائيُ مشهدَه بتعليق يدلّلُ فيه على عدمِ منطقية الواقع (ولكنّها الحرب، لها أحكام، وأحكامها تفسد الأخلاق والذوق) لا تفسد الحرب الأخلاق والذوق فحسب، بل تفسد الضمير الإنساني بكلّه، هذا إن لم تهلكه بالموت، ففي فساده فرصةٌ للعلاج، لكنّ موتَه يعني انعدامُ فرصةِ علاجه وإحيائه من جديد، وقد أثبتت حربُ غزةَ أنّ العالمَ يكيل بمكيالين، تتقاذفُه يدُ ازدواجية المعايير.

الوصف وهذيان المشهد

وقد يحملُ الوصفُ على عاتقه تمثيلَ حالةِ الاضطرابِ بما فيها من شتات، وقد يسقطُ القارئُ تحت سطوةِ الذهول الذي يقمعُ فكرةَ وجودِ المشهد ولو في خياله، وكأنّه يمنحُ المشهدَ شيئًا من الهذيان، هذا الهذيانُ الذي يمنحُ القارئَ لذعةً قرائية، يتعاطى معها بمحاولته إعادة هيكلة التفكير في المنظومة الحياتية، مثل هذه المشاهد التي تعبّر عن ضياع المنظومة الأخلاقية، واضطراب الحالة الإنسانية؛ تدفع القارئ للتساؤل عن جدوى قوانين حقوق الإنسان، وعن جدوى حقوق الطفل وجدوى صراع الإنسان مع أخيه الإنسان، ومن هذا الوصف:

“أخرجنا طفلة من تحت الأنقاض، كانت نحيلة، وشعرها منكوشًا، وقد امتلأ بالغبار والرماد، وكانت إحدى عينيها مطفأة، فيما كانت تنظر برعب إلينا بعينها المفتوحة الأخرى”.(18) المشهد يعبّر عن جنون الحدث، فالأوصاف بحدّ ذاتها تهذي، طفلةٌ تحت الأنقاض، بكلّ ما في هذا الوصف من رعب متخيّل، (طفلة نحيلة، منكوشة الشعر وقد امتلأ شعرها بالغبار والرماد) هذه الحالة نتاج فعل الحدث (القصف)، الغبار والرماد دلالة التيه والألم وضبابية المشهد. (إحدى عينيها مطفأة) يلتمع هذيان الوصف في هذه العبارة، فماذا ارتكبت طفلة كي يكون عقابها إطفاء نور عينها؟! الوصف يقذف بالقارئ نحو محيط الألم عبر إثارة عاطفته الإنسانية.

ب-نزعة التساؤل وكثافتها في مسار السرد

لقد أفرد الروائي لصيغة التساؤل مساحات كبيرة في نصّه السردي باعتبارها باب الولوج إلى الفهم ومحرّك البحث عن الحقيقة، وأيّ صيغة كلامية هي مكوّن من مكوّنات النسيج اللغوي، “وتحتلّ الصيغة في نسيج السرد أهميّة خاصّة، إذ تنصبّ فيها أصوات الماضي والحاضر، وتتراءى في هندستها تعاريج الوعي باللغة والحياة معًا”.(19) شكّلت رواية (الرعب) أرضًا خصبة للتساؤلات، منها الوجودية ومنها ما يتعلّق بالبحث عن الحقيقة في ظلّ صراع الخير والشرّ، بوصفها رواية سياسية، يلتمع فيها الإبهام، وتختلط فيها الرؤى، وقد منح الروائي الشخصية الرئيسة مهمّة الاشتغال على هذه المساحة. “إنّ قيام المؤلف بجعل السارد هو منجم صياغة الأسئلة داخل النصّ سيجعل القارئ أكثر فاعلية من الناحية القرائية؛ تجاه استدلال أبعاد التساؤلات والوقوف على فحواها كما يكون أدنى قربًا من استحصال الإجابات لها، وأكثر استعدادًا لرصد ماهيتها عبر التأمل، الذي يوجّه قراءاته توجيهًا مدرّبًا محنّكًا وبمداومة فكرية”.(20) حاول الروائي أن يقدّم للقارئ نصًا غزير المداخل؛ ليضطرّه إلى ولوج هذه المداخل والمشاركة في وضع قوانينها عبر مساحة التساؤل، تلك المساحة التي تذكي من جذوة الفكرة وتعمل على تطوّرها، وتصبّ في خدمة مركزية النصّ.

 التساؤل طريق الفهم والإدراك والذي يتشكّل بموجبهما الوعي، وقد وظّفت “الرواية العربية الجديدة نزعة التساؤل في إطار جدلي إزاء العالم الروائي من خلال صناعة شخصية رئيسيّة لتكون فاعلة في توضيح المغلق واستنكاه الأسرار، لعلّها تتمكّن من الظفر بالفهم لما هو فوضوي أو غير مقنع أو ملتبس من الظواهر والمفاهيم والتصوّرات التي تحيط بواقعنا”.(21) اختار الروائي شخصيته التي تدير برنامج التساؤلات في المسار السردي بناء على مكانتها في الرواية كشخصية رئيسة، وبناء على دورها بوصفها المراقب الذي يروي الأحداث ويعايشها في الوقت ذاته، وحتى تكون التساؤلات أكثر فاعلية في النصّ لا بدّ أن تتماهى مع الرسالة النصية، بل وتحرّض القارئ على المشاركة في فتح الأبواب المغلقة، لهذا كان لا بدّ من وجود شخصية تمنح النصّ جرعة من التساؤلات، ف “تتداعى على لسانها متدفّقة في وعيها بعفوية وربّما بقصدية، والهدف من وراء ذلك هو الرغبة في إعادة تشكيل الواقع المفكّك وترميم المحيط المهشّم وإنقاذه من السقوط والتدهور والشذوذ”،(22) وفي رواية (الرعب) يتداعى الواقع أمام البطل بلامنطقية، وتتهاوى النظم الأخلاقية في ظلّ ما وصل إليه العالم من الانحطاط السياسي، ومن هذه التساؤلات:

  “لم كلّ هذا السعي المحموم إلى البقاء؟! لم كلّ هذا اللهاث وراء رغبات لم تكن إلا فقاعات هواء تنفثئ بأقلّ نسمة عابرة؟!… عمّا قريب سنكون نحن وأنتم أيّها الطغاة تحت الأرض، ما الفرق بيننا؟!… ستموتون بالشيخوخة، سنموت بالراجمات… ما الفرق؟!”.(23) يطرح البطل تساؤلاته تجاه صراع الوجود، يتساءل عن جدوى الصراع إن كانت النهاية الحتمية الفناء لكلّ شيء! وفي هذا إشارة إلى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان عندما يحتلّ أرضه ويستبيح عرضه ويتغوّل في همجيته، لماذا لا يحترم الإنسان إنسانيته؟ لماذا يطغى ويتجبّر؟! وراء هذه التساؤلات انفعال داخلي، يرتشح من باطن النفس البشرية المسحوقة، والمضطهدة، هذا الانفعال الشعوري يقابله انفعال لفظي، يتراءى من سلسلة التساؤلات التي شكّلت حركية تعبيرية متدفّقة، منبعها القهر والوجع، تستنكر الظلم وترفض التخلّي عن حقوقها الإنسانية. إنهّا تعكس حجم الضغط النفسي الذي يعانيه أهل غزة في ظلّ هذا الصراع، هذه الانفعالات التي تظهر في قالب التساؤل تشكّل جزءًا من البناء النصيّ، بل وتمنحه دينامية فنية.

“لماذا نحن نقول هذا كلّه؟ لمن نروي هذه الحكاية؟ أيّ كبير فائدة أن نسرد حكايانا الملطّخة بالوجع، المعجونة بعار أشقائنا العرب، هل يمكن أن يشعروا بالندم حين يأتي جيل غير فاسد من الأجيال القادمة…؟ أيمكن أن يحدث هذا؟”.(24) يتّبع الروائي الأنموذج ذاته في معظم مساحات التساؤل، فهو يميل إلى فتح باب التساؤل ثمّ يطلق العنان لانبثاق تبعاته؛ لتحلّق في فضاء النصّ بتجاورات متتالية، تشكّل دفقة انفعالية عالية الوتيرة. بدأ تساؤلاته ب (لماذا) ثمّ (أيّ) ثمّ (هل) ثمّ (الهمزة) وقد منح التسلسل منطقية، يتساءل عن جدوى الحديث، عن المظلومية، ثم جدوى طرح الحديث على مجتمعات لا تسمع ولا تعي، ثم يقف عند عدمية الفائدة من سرد حكايات الوجع على مجتمع له اليد الطولى فيه، فالصمت عماد استمرار الجريمة، هذه التساؤلات تصبّ في خانة الشك، الشك في مصطلح (الأشقاء)، الشك في جدوى القوانين والأنظمة التي يختلقها العالم لصناعة النظام وحفظ الحقوق، كما يصبّ في خانة الرفض، رفض كلّ الادعاءات، فقد أثبتت فساد صحتها بفسادها.

” لا أدري حتّام سيستمرّ كلّ هذا؟! إلى متى سنبقى نقتل والعالم كلّه يتفرّج… كيف يكون صلح على دم؟! كيف لا يكون ثأر إذا كان دم؟!”.(25) هذه التساؤلات تمثّل الحالة التي تنتاب البطل أمام كلّ ما يجري، فهي تضعه في متاهات البحث عن الحقيقة، ليقدّم من خلال رحلة بحثه التساؤلية استهجانًا للواقع، ليطرح المنطقية الوحيدة التي تصلح للمشهد الواقعي القائم عبر طرحه اللامنطقي (كيف لا يكون ثأر إذا كان دم؟) إنّه يتبرأ من فعل السياسة. وهنا يحاول الروائي أن يطرق نافذة العاطفة الإنسانية لدى القارئ، ليحشره في زاوية الاختيار (أنت مع من؟) تمثّل هذه التساؤلات قلقلة قرائية، تستجلب الصحوة التأمليّة عند القارئ، وقد نجح الروائي في إرباك الوصلة القرائية لدى القارئ لصالح دعم الأثر النفسي لرسالة النصّ الروائي لديه.

 “من هنا يمكنك أن تنظر، فترى الساحة قد غطّتها الجثث المصفوفة عن بكرة أبيها. أين يمكن أن ندفن هذا العدد المهول من الشهداء؟!”.(26) تتزاحم الأسئلة في رأس البطل متدافعة كاندفاع شلال الدم في غزّة، لا تتوقف، إنّه يبرز قلقه تجاه ما يحدث، يحاول أن يبحث عن مخرج يمنطق من خلاله الأحداث، يفتّش عن حلّ، محاولًا لملمة شتات المشهد، لكنّه يواجه استحالة حصر حدوده، فيتعذّر الفهم الممكن في ظلّ هذه الاستحالة. إنّ ما تقوم به الآلة العسكرية الصهيونية على أرض غزة شيء من الوحشية، يفوق قدرة إدراك العقل البشري، إنها تسحق كرامة الإنسان، تقصي عنه الأمان، تلاحق أنفاسه، تمنع عنه الطعام والشراب والعلاج، وتمعن في قتله حرقًا بنيران الصواريخ في الخيام وتقطيعًا بقذائف المدفعيات، وسحقًا تحت جنازير الدبابات، ورميًا برصاص القناصة وخنقًا تحت الأنقاض، ونزفًا بالجراح، وإبعادًا عن معنى الحياة بالكمد والقهر.

 “كيف يرتاح ذو همّ؟! كيف يهدأ قلب خائف؟!”.(27) يطرح البطل معادلة إنسانية، لا ينتظر إجابة بقدر ما ينتظر شيئًا من عدالة، إنّه يثير قضية الأمان، الأمان الذي يحقّق إمكانية الحفاظ على الوجود، الأمان الذي يعدّ شرطًا من شروط استمرارية الحياة الطبيعية لأيّ إنسان. “لماذا نكتب وقد رحلوا؟!(28) تصارعه التساؤلات التي تتأرجح بين الأمل المخذول واليأس اليانع، يخذله الفهم، يبحث عن سقيا جواب تروي عطش تساؤلاته وسط واقع تصحّرت إنسانيته. “بالأسئلة تتولّد الرؤى والأفكار وتُختبر ويشكّك فيها، ومن خلال التساؤل يطرح الفكر مشاكلة، ولا أسئلة من دون وجود صراع معين من الأضداد يولّد طاقة… فإنّ هناك تصارعًا عقليًا دائمًا يطوّر العالم ويحفّز الوعي بالتنافر أو بالتناقض الذي هو المحتوى الداخلي للحقيقة”.(29) نجح الروائي في إكساب النصّ الروائي زخمًا إنسانيًا حين اعتلى صهوة الإمدادات الفكرية بتنظيمه حركة انفعالية لغوية عبر نزعة التساؤل، محاولًا إحراج ضمير الإنسانية أمام فداحة ما يحدث، مع وجه الصمت السافر التي ارتدته الأنظمة العربية والغربية.

ثانيًا: مظاهر الانفعال اللفظي (خصوصية مكان وخصوصية حدث)

ومن مظاهر انفعال اللغة الروائية في رواية (الرعب) هو الانفعال اللفظي، ويتمثّل في تأثّر لغة الرواية بخصوصية المكان وخصوصية الحدث، فتجلّت ألفاظ المكان الخاصة بارزة في متتالية الخطّ اللغوي، ما بين لغة ألفاظ المكان التي فرضتها الحالة القائمة وبين تعبيرات أهل المكان التي شكّلت لغتهم الانفعالية كردّ فعل على ما يحدث وهي أصوات شفوية متعلّقة بالحدث وتعبيرات كتابية كانت آخر ما كتبه الضحايا على صفحاتهم والذين قضوا في الحرب.

أ-الألفاظ وخصوصية المكان

لكلّ مكان خصوصية مناخية واجتماعية وثقافية، لا يمكن للقارئ الوصول إلى خصوصية المكان الروائي إلا عبر جسر اللغة، باعتبارها الأداة السردية التي تتقولب فيها عناصر السرد كافّة، فكيف يتشكّل المكان داخل إطار اللغة؟ يتكوّن ملمح المكان الأول في ذهن الأديب، ثم يبدأ الأديب بتحديد دلالاته الجغرافية والتاريخية والثقافية، “فالحدث الروائي لا يقدّم سوى مصحوب بجميع إحداثياته الزمانية والمكانية، من دون وجود هذه المعطيات يستحيل على السرد أن يؤدي رسالته المكانية”،(30) فيفصح عنه عبر القيم اللغوية، تلك القيم التي تمنحه نوعًا من الخصوصية، ولا يمكن للروائي أن يستحضر تلك القيم بشكل اعتباطي، ففي ذلك هدم واضح لقيمة المسرود؛ لذا عليه تحديد المكان كخطوة أولى، “وذلك يستدعي وجود المكان كعنصر يمتلك الحيوية الكامنة لتحفيز شهوة الكتابة لدى الكاتب، ذلك الإغواء تنبثق منه الخطوة الثانية، حيث تتحرّك عناصر الأمكنة في وعي الكاتب والذي يتولّى نقل تلك الحركة عبر ما يمتلكه من أدوات تعبيرية إلى ذهن القارئ”،(31) ومفهوم المكان في الأدب “لا يُفهم من خلال الوصف العادي فحسب وإنما في العلاقة الجدلية التي بين الإنسان (البطل/ الأديب) والمكان، وفي العلاقة الدافئة أو الحادة التي تستشعرها الذات الأدبية في علاقتها بالمكان”،(32) فلا يمكن أن ينسلخ الأشخاص عن أماكنهم؛ لأنّها الوسط المؤثّر في شخصياتهم، والمثير الأول لانفعالاتهم.

الإيقاع اللغوي النفسي للمكان

للأمكنة طاقات متمايزة، تعدّ بمثابة شحنات تؤثر على نفسية الشخوص، وقد كان للطاقة المكانية في النصّ الروائي أثر على الإيقاع اللغوي في النصّ، فالأمكنة في الرواية تستظلّ بمظلّة الحرب، الأمر الذي استدعى تبنّى النصّ إيقاعًا لفظيًا مؤثرًا، فألفاظ المكان مثل (النزوح، الخيمة، الهدم، الأنقاض) فيها دلالة انفعالية عالية لطاقة المكان، هذه الطاقة تتسّلل بدورها إلى نفس القارئ، يستشعر برودها وقسوتها، ليتحول من حالة الخدر القرائي إلى حالة تماس مع الواقع، إنّه يتجوّل بين الخرائب، والخيام، والمدارس المكتظة بالبشر والأفواه الجائعة، إنها المشاهد ذاتها التي تحاول نشرات الأخبار اختصارها، ومن هذا:

“إنّه نزوح جديد”،(33) “نزحت أوّل الأمر إلى مستشفى الشفاء… سأنزح للمرة الخامسة”(34)، لقد وردت كلمة (نزوح) عشرات المرّات في النصّ، هذه الكلمة التي تصبغ المكان بصبغة الشتات، تشير إلى الترحيل القسري، كما تشير إلى الحالة التي يكون عليها النازح، هو الذي غادر مكان إقامته مرغمًا، يتّجه نحو المجهول، لا مكان آمن، لا وجهة محدّدة، نزوح يتلوه نزوح، لا يستطيع النازح أن يقيم علاقة ألفة مع المكان، فلا استقرار في ظلّ مطاردة آلة الحرب الدؤوبة. نزوح كلمة يملؤها الوجع، لفظة ما إن تذكر تُستدعى الذكريات الأليمة، فتُستدعى مشاهد التشرّد والفراق تحت زخات الرصاص، وتحت شظايا القذائف، تستحضر أصوات الانفجارات ومشاهد البيوت المعدمة والشوارع الخربة.

“المعتقلات كانت جحيمًا”.(35) لا يمكن أن تنفصل الحالة النفسية للأشخاص عن الحالة المكانية، وقد تعرّض الفلسطيني الغزي في هذه الحرب للاعتقال والتعذيب، فكان يعتقل من بيته من وسط أطفاله وزوجه، وكان يعتقل من مكان نزوحه في المدرسة أو المستشفى أو  مكان عمله الإنساني، وكان يعتقل عند مروره عبر (الممر الآمن) في طريق نزوحه نحو الجنوب، أيّ أمان هذا؟ كلمة (المعتقل) تمثّل رعبًا بالنسبة للغزّي، فهو المكان الذي لا يرى النورـ المكان الذي تُعصب فيه الأعين، وتُقيّد الأيدي، وتُشبح الأجساد، وتُشوّه القيم الإنسانية، إنّه مكان مليء بالطاقة السلبية، بمجرد ذكره تنتاب النفس حالة من الخوف والرعب، إنّه يشكّل مثيرًا سلبيًا.

“ومضت بنا السيارات وسط الركام والخرائب”.(36)”مربع سكني من حوالي أربعين بناية سوّى بالأرض… كتل منشطرة من الباطون والحديد”.(37) (الركام، الخراب، كتل الباطون) إنّها ألفاظ توحي بالخراب، توحي بانقلاب طبيعة المكان، ألفاظ تؤجّج ألم الصدور، فمن ذا الذي يقبل أن يعيش في الخرائب؟ كيف يمكن للشخص أن يتقبّل فكرة تحول بيته إلى كتل من الباطون المفتّت؟ إنّها قوالب لفظية لكبير ألم وعظيم مأساة، إنّها الرصاصات التي تصيب عين الرائي للمكان، والغصّة المؤبّدة التي توغر صدر صاحب المكان، هذا ما آلت إليه بيوت أهل غزة.

“لاحت لنا خيامها المبعثرة الحزينة”.(38) “النساء الكبيرات في السن يجلسن أمام الخيام”.(39)”من قوة الانفجار طارت خيمتنا”.(40) لا يمكن للمرء أن يتخيل أن يستحيل بيته خيمة. (الخيام) اللفظة التي تكرّرت على طول المدّ الحكائي، لفظة تعكس حالة الغزي المعيشية والنفسية. إنّ حالة النزوح تقضي بأن يكون بيتك عبارة عن أعمدة خشبية وأقمشة وبعض (النايلون) حتى تستطيع أن تفكّها إذا اقتضت الحاجة، إن أسعفك الوقت لتركض بها، كي تركض بأسرتك وبما تبقى من حياتك، الخيمة التي لا تقي من برد ولا من حرّ، التي تُنتهك فيها خصوصيتك، الخيمة التي تذكّرك أنّك خسرت بيتك، وخسرت أمانه، وخسرت ذكرياتك فيه، وربّما خسرت من كانوا فيه معك.

 إنّ الإيقاع اللغوي الذي اعتمده الروائي هو إيقاع مستوحى من الحالة الحدثية، وحالة المكان الطارئة، هذا الإيقاع الذي يترواح ما بين ألفاظ المكان القاتمة (الخيمة، الركام، النزوح) والأثر النفسي الواقع على القاطنين فيه، كما أنّ بعض الألفاظ حملت دلالات نفسية، لتكشف عن حالة الاضطراب النفسي التي يعيشها الغزّي، وبهذا فقد تناغمت لغة المكان النفسية مع الحالة العامة للحدث، وقد برع الروائي في إثارة عاطفة القارئ عبر لغته الوصفية، إنّه ينقل القارئ إلى مكان الحدث، يجبره على معايشة الحالة، فقد تنقّل به من مشاهد القصف إلى مشاهد النزوح إلى الخيام التي تمّ قصفها، إنّه يحاول الاستحواذ على مشاعره لاستثارة تصوّراته عن الحالة الإنسانية التي يعيشها الغزي.

تأثير الاحتلال على لغة المكان

لم يكن المكان مجرد جغرافيا فحسب، إنّه كيان، قائم، منتمٍ لأهله، تهينه الأيدي العابثة التي تحاول تخريب ملامح أصالته، وتحاول أن تفسد علاقته بأهله، من خلال العبث بمنظومته الجغرافية، وفرض بصمتها الآثمة التي لا دلالة لها إلا على جريمتها على تاريخ صفحاته، بصمة الإجرام. حين ينتزع من الوطن جوهره؛ ليتحوّل من موطن للأمان إلى معتقل أو مقبرة أو حقل تعذيب، فمن الطبيعي أن تجد مصطلحات دخيلة في قاموس هذا المكان، إنّه قاموس الاحتلال، لقد بسط لغته المقيتة التي أرهقت الوطن وأرهقت أهله، لقد شوّهت بصمة الاحتلال صفحة المكان، فنثرت فيه من لغتها التي لا تشي إلا بالقهر والظلم والتعسّف، حاول الروائي أن يقرّب الصورة للقارئ، فلم تغب عن ذهنه تلك التشوّهات اللغوية التي تعدّ منجز الاحتلال في قاموس المكان ومن هذا:

(منطقة الشمال ومنطقة الجنوب) تقسيم القطاع إلى شمال وجنوب هو تقسيم العدو الصهيوني في حرب غزة، حتى أصبح عبارة متداولة يعرف حيثياتها أهل الأرض، فقد قسّم قطاع غزّة إلى قسمين، فما بعد الوسطى (بعد وادي غزة) حتى معبر بيت حانون منطقة الشمال، وهي المنطقة التي انطلقت منها العمليات العسكرية ضدّ أهل غزّة بداية، وقد طُلب من أهلها الإخلاء، أمّا الجنوب فهي المنطقة ما بعد وادي غزة باتجاه الحدود مع مصر، والتي كان يسميها الاحتلال المنطقة الآمنة في بداية العمليات العسكرية، ليعلن بنفسه عن كذب ادعاءاته بما أحدثه فيها من قتل وتخريب واعتقال واحتلال فيما بعد.

(هدنة) هو لفظ فرضته الحالة القائمة، حالة الحرب التي تعيق الحياة الإنسانية والطبيعية، فكان من المنطقي أن تُطرح الحلول لإيقاف عجلة الحرب الطاحنة، فكانت (الهدنة) لا تدلّ هذه اللفظة على سلام كما يُتخيّل لها، إنها تدلّ على حالة الحرب، فالهدنة مجرد وقف وقتي لحالة الموت المتشظية، قد تنفجر لتعود لعفرتتها الطبيعية من جديد، وبهذا فإنّ لغة الاحتلال ليست لغة ودّية، إنها لغة المكر والتقسيم والتعذيب والمراوغة.

(الممر الآمن) هو ممرّ حدّده الاحتلال، يمتدّ ما بين الشمال والجنوب، وكما زعم أنّه ممرّ آمن يستطيع أهل غزة (الشمال) أن ينتقلوا عبره نحو الجنوب، هذا الممرّ الآمن ليس آمنًا على الإطلاق، فقد اعتقل الجيش الصهيوني الشباب الذين مرّوا عبره وبعض النساء والفتيات، كما تمّ إطلاق الرصاص على الكثيرين عند هذا الحاجز، فهو مجرد حاجز للتصفية، وكما أطلق عليه أهل غزة (الحلّابة) بمعنى آلة الحلب. كان لابدّ للروائي أن يسلّط الضوء على تأثير الاحتلال على المكان عبر اللغة، فاستدعى الألفاظ التي شوّهت معالم المكان وأربكت أمنه وأمانه، وبثّت فيه من طاقتها السلبية الآثمة، فلا يمكن للّغة الروائية ألا تنفعل مع كلّ الذي يجري على أرض غزة. لم يتسّع المقام لحصر كلّ الألفاظ والمصطلحات الاحتلالية.

الأثر النفسي للغة الأصوات الفردية على الذاكرة الجماعية

لقد تسلّط الحدث على لغة الرواية، فمال الروائي إلى تقديم مساحة توثيقية، توثّق بعض التفاصيل الحقيقية للحدث، في حركة تعزيزيّة لرسالة النّص، فاستدعى بعض أصوات الضحايا الموثّقة إعلاميًا، أولئك الذين نالت منهم يد العدوان إمّا باغتيال أجسادهم أو بطعن قلوبهم بسكين الفقد والوجع، وقد اختار بعض الأصوات الشفوية ليوّثقها، وهي عبارات حقيقة وُلدت في حناجر أصحابها في وسط فجائعي، في لحظة ألم فادحة، تداولتها شاشات التلفزة عبر نشرات الأخبار على القنوات الفضائية كشاشة (الجزيرة) كما اختار بعض الجمل التي تركها أصحابها على مواقع التواصل الاجتماعي كآخر أثر لأصواتهم غير المسموعة قبل أن يغادروا العالم بغير رجعة، إنّه يوثّق حالة الانفعال الجماعية لأهل غزة، ليرسخ الأصوات الفردية في الذاكرة الجماعية؛ لتبقى شاهدة على عذابات أهل غزة، وعلى خذلان العالم لهم، فهذه الأصوات تركت أثرًا نفسيًا على الذاكرة الجماعية، على صعيد ذاكرة المجتمع المحلي (أهل غزة) وعلى صعيد المجتمع الدولي، سيظلّ صداها محفورًا في ذاكرة الفلسطيني، صاحب الحقّ وصاحب الأرض، ستظلّ الوقود الذي يشعل ذاكرته على الدوام، فلا يرضخ لتهاون في حقوقه الإنسانية، هذه الأصوات دليل إدانة العالم، وتواطؤ الأنظمة.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

أصوات الضحايا ما بين الألم والتحدي

 منذ بدء الحرب الهمجية على غزة وأصوات أهل غزّة لم تتوقف، فلا العالم سمع ولا الصوت توقف، لكنّه صراع الوجود، فكان على الصوت أن يستمر، كلّما أخمدوا صوتًا علا آخر وحمل راية التعبير.

الألم والمعاناة

من الأصوات التي مثّلت حقيقة ما يحدث على أرض غزة صوت الشهيدة (هبة أبو ندى) الذي تمثلّ في عبارة مكتوبة على صفحتها الفيسبوكية قبل استشهادها بأيام: “في الجنّة توجد غزّة جديدة بلا حصار، تتشكّل الآن”،(41) هذه العبارة كتبتها الشهيدة الشابة الكاتبة (هبة أبو ندى) صاحبة رواية (الأكسجين ليس للموتى) وهي صديقة عزيزة، شابة مليئة بالطموح والأحلام، نزحت في بدايات الحرب من الشمال إلى الجنوب، لتُستشهد في الجنوب. في تلك الجملة التي كتبتها هبة دلالات مظلومية غزة، فقد أذاقها الاحتلال مرارة الحصار، فانقطع تواصلها بالعالم الخارجي، توالت على أهلها نكبات الحروب المتكرّرة، لتُسحق غزة بعد السابع من أكتوبر أمام مرأى العالم. الشهداء يغادرون نحو الجنة جماعات، أطفال ونساء وشباب وشيوخ، كانت هبة على يقين أنّ حال أهل غزة في السماء سيكون أفضل، فلا حصار، ولا قتل، ولا دمار. في مقولتها يحتدم الرجاء. لقد أُخمد صوت هبة، وسكت قلمها إلى الأبد.

“بدّي شعره منه”(42) هي عبارة قالها صبي، وهو يركض خلف من حملوا جثة أخيه في سيارة، كان يصرخ بهذه الجملة ويلهث، وهو يرجوهم أن يعطوه شعرة من رأسه ليحتفظ بها، شعرة واحدة فقط. كيف تحوّلت أحلام هذا الطفل من امتلاك الألعاب إلى امتلاك شعرة من رأس أخيه، تكون شاهدة على وفاء الحبّ واحتراق السنابل.

“هذه أمي أعرفها من شعرها ما أقدر أعيش من دونها… ورجوني إياها”،(43) هذه العبارة صرخة إنسانية لطفلة لم تتجاوز العاشرة، وثّقتها نشرات الأخبار، طفلة نجت من القصف، كانت تجلس في ساح المشفى حينما لمحت شعر والدتها يتدلّى من أسفل الغطاء الذي تُغطّي به جثة على نقّالة، يحملها بعضهم، وقد حاول من بالمشفى أن يثنيها عن ركضها تجاه النقالة، ويطمئنها بأنّ الجثة ليست لأمّها كما تظن، لكنّها كانت تصرخ فيهم، وهي تردّد: (هذه أمي أعرفها من شعرها). كانت تحفظ تفاصيل جنّتها، لا يمكن أن تغفل عن جديلة شعرها، فنحن نستطيع أن نميّز رائحة أمهاتنا، فكيف بتفاصيلهن؟! (ورجوني إياها)، رجاء طفلة كوى فؤداها جمر الرحيل، هي لا تفقه شيئًا في السياسة، ليس لها يد في صراعات الوجود، لم تحرم أحدهم الحياة لكنّ الاحتلال حرمها الحياة وحرمها المعين.

“أولادي تلاتة يا عالم… دوروا بلكي لقيتو واحد عايش… واحد عالأقل”.(44) صرخة أب تدوّي في فضاء ممسوخ الملامح بغبار البارود ورائحة الدخان، يقف على أطلال بيته الذي قصفته الطائرات الحربية (الإسرائيلية) فأحالته إلى فتات، صرخة قلب شقّته سكين الفقد، تداولتها شاشات التلفزة على الهواء مباشرة، إنّه يفقد أبناءه دفعة واحدة، يتعلّق بالرجاء: (دوروا بلكي لقيتو واحد عايش… واحد عالأقل) إنّه صوت أب مذبوح الأمان. ماذا جنت البيوت، وماذا جنى ساكنوها؟ لماذا يتذكّر العالم السابع من أكتوبر ولا يرى شيئًا من أهوال ما بعد السابع من أكتوبر؟! كيف تُضطهد الإنسانية بهذا الشكل الفاضح، ولا يتحرك العالم؟ لماذا ينكر العالم على أهل غزة بشريتهم؟! أمّا عن صوته المستغيث ب (يا عالم) فهذا كلّ ما استطاعته اللغة مع قلبه المفجوع، أن تمدّه بهذا النداء المشبع باللوم والعتاب. لقد انفعل قلبه، فانفعلت لغته، ولم ينفعل الضمير العالمي حتى لحظة إعداد هذا البحث.

“رايح أدفن أبويا بسيارتي”(45) إجابة شاب غزيّ عن سؤال وجهّه له صحفي، وقد مدّد جثة والده في المقاعد الخلفية لسيارته، وقد حدث هذا المشهد في بداية الحرب، فبعد ذلك لم يعد الغزيون يملكون رفاهية دفن موتاهم، ولم تعد جثث الشهداء تحظى برفاهية الارتحال جثة كاملة دون أن تتفتّت أو تضيع معالمها، قبل أن تظلّ الجثث مفقودة تحت الأنقاض لشهور طويلة حتى تتحلّل، وقبل أن تصبح الجثث غذاء لكلاب الشوارع الضالة؛ لأنّها لا تجد من يهبّ لكرامتها، فمحاولة الاقتراب تعني مجاورتها في المكان وفي النهاية. كيف استطاعت اللغة أن تختصر انفعالات الوجه بداخل قلب هذا الشاب في جملة كهذه؟! لا يستطيع أهل غزة الحصول على وقت كافٍ يفترشون فيه أحزانهم، إنّ آلة الموت تلاحقهم في كلّ لحظة، إنّهم يقضون أوقاتهم في محاولة البحث عن فرصة حياة.

أصوات التحدّي والأمل واليقين

لقد ضمّن الروائي نصّه بعض العبارات التي دوّنها بعض ضحايا الحرب على صفحاتهم على (فيسبوك)، وتناقلها الغزيون فيما بعد على صفحاتهم، لتكون شاهدة على انفعالهم الداخلي، فكيف عبّروا عن هذا الانفعال؟! لم تكن لغة الألم والحزن هي الوحيدة في أصوات الغزيين، هي جزء من الانفعال اللغوي الذي يعكس حالتهم الداخلية، ولا يقتصر ردّ الفعل الانفعالي على الحزن والألم بل إنّ الحزن والألم يشكلان بداية لحالة جديدة من الوعي، ومن بين أصوات الضحايا المكتوبة:

 “غدًا ستشرق شمسٌ جديدة”(46) لم تفنِ سحب الظلام أمل أهل غزة في غد أجمل، إنّهم يداومون على الأمل، يتعاطونه كوقود لأيامهم الكئيبة، حتى لا يتمكّن منهم اليأس. فإشراق الشمس دلالة على اندحار الليل، فهي سنة الله في الكون، فلا أبدية للأحوال، فكرة الأبدية غير ممكنة، وهذا الأمر ينطوي على راحة نفسية، فتغيّر الأحوال وتبدّلها هو السّمة الأصيلة في الكون، ولا بدّ لليل الظلم أن ينجلي، ولا بدّ لشوكة الجبروت أن تنكسر.

“إذا انقطعنا عنكم فسنلتقي في القدس أو في الجنة”.(47) هذا الصوت مشحون باليقين، اليقين الذي يحدّد الهدف بدقة، ويثبّتك على الطريق، فالفلسطيني يعرف طريقه، فيه من لغة التحدّي ما فيه، فلا متاهة طالما رُسم الطريق.

“وإذا لم يكن من الموت بدّ… فمن العار أن تموت جبانًا”.(48) إنّه صوت الثورة، صوت المقاومة، إنّها دعوة للإقدام، فمن العار أن يجبن المرء عند مطالبته بحقوقه، فالموت يحصد الأرواح، فإن كان الموت واقع لا محالة فليكن موتًا شريفًا.

“لن نرحل. وسنخرج من غزة إلى السماء وإلى السماء فقط”.(49) صوت مفعم بلهجة التحدّي، لماذا يطالب الغزي بالرحيل من غزة؟! أليست أرضه؟! موطن مولده؟ الترحيل القسري جريمة، لكن من يكترث لغزة وأهلها؟! هذا الصوت الأخير الذي تركته الضحية قبل أن ترحل إلى السماء. هذه اللغة التي كانت تُتداول على ألسنة الشهداء.

“ألف سلامة للعالم الخارجي، إحنا بخير، إن شاء الله تكونوا بخير؟”(50) جملة تردّدت عبر منشورات الغزيين على صفحات فيسبوك، يلمّحون فيها إلى موت الضمير العالمي، كتبها أحدهم على صفحته قبل أن ينتقل إلى العالم الآخر، لتشهد هذه العبارة على صوته الأخير الذي وجّهه للعالم. سلامة أهل غزة تتمثّل في صبرهم، وصمودهم، والخير الذي هم عليه هو خير اليقين الذي يتغشّاهم وسط محيط الشرّ الذي أحال حياتهم إلى جحيم.

لقد تمكّن الروائي أن يحدث أثرًا كبيرًا في نفس القارئ، فهذه الأصوات الحقيقية المستخدمة في النصّ الروائي بمثابة الومضة السينمائية العارضة لمن تابع أخبار غزة، هذه الأصوات تعيد للقارئ المشاهد الحقيقية التي شاهدها على مواقع التواصل في مقاطع فيديو وعلى شاشة التلفزة، وكأنّ الروائي يذكّر القارئ بحقيقية الأحداث، فهي لم تكن محاكاة للواقع فقط، لقد تشرّب النصّ شيئًا من أنفاس الواقع بهيئته دون أي لمسة فنية، الواقع الذي تنفّس دخانه الجميع وإن كان الحريق من نصيب أهل غزة.

ثالثًا: الحقول الدلالية الخدماتية

من مظاهر الانفعال اللغوي الروائي في رواية الرعب كثافة الألفاظ ذات الحقل الخدماتي الواحد، فالنصّ الروائي ليس “شكلًا فارغًا أو مجرّد تشكيلات لا دلالة لها، بل هو أيضًا مجموعة من المضامين المتشابكة، يأخذ كلّ جزء معناه من الأجزاء الأخرى”،(51) وقد شهدت الرواية كثافة لفظية في كلّ من حقلي الحرب والألم باعتبار ما بينهم من ارتباط، بالإضافة إلى حقل الألوان، والحقل الديني. الحقل اللغوي هو “مجموعة من الكلمات ترتبط دلالتها وتوضع تحت لفظ عام”،(52) وقد أحدثت هذه الحقول الدلالية حركة  لغوية تناغمية بين الحالة والمعنى.

 

  • الحرب وانعكاساتها اللفظية

حين نتكلم عن الحرب، فمن الطبيعي أن تستحضر أذهاننا وصوفها وآلاتها وأفعالها، أثرّ العدوان (الإسرائلي) على غزة على ففرض على المكان لغة الدمار، وقد استغرق الروائي جلّ ألفاظ حقلها عبر تدفّقه الكتابي، كيف لا وقد  انتهكت كلَّ القوانين والأعراف الدولية، وحصدت الأرواح بوحشيتها وبجموح حقدها، فلا تكاد تخلو صفحة من الرواية من ذكر أدواتها وأفعالها؛ لتشير إلى الحالة التسلّطية لمعاني الخوف والرعب والقهر، ومن هذا ما جاء من ألفاظ آلاتها: ( كواد كابتر، دبابة الميركافا، الجنازير، الصواريخ، القصف، القذيفة، الطائرات، الرصاص، القناصة، الجيش، القوات الخاصة، فوّهات البنادق الآلية، الجيش الإسرائيلي) هذه بعض النماذج التي ذكرها الروائي، لم تكن حصرًا لكلّ الألفاظ المتدفّقة من حقل الحرب. ذكر الأدوات والآلات الحربية يستدعي ذكر  أفعالها، فانفعال اللغة _هنا_ يكون برصد أفعال هذه الحرب: (انقصف، انفجرت، زحف، يطلقون النار، قنصوا، هجمت، استشهدوا) وهذه الأفعال تردّدت على مدار المسار السردي، فالقصف للطائرات، والانفجار للقذائف، وإطلاق النار للمسيرة والأسلحة الرشاشة، و القنص للقناصة، والهجوم للطائرات والأسلحة الثقيلةـ والاستشهاد لأهل غزة. كلّ هذه الأفعال تتعلّق بحالة الحرب في غزة، لقد ألقت بحمولتها اللفظية في حجر النصّ، فأكسبته أصواتًا مختلفة مثل أصوات الآلات المجنونة التي لا ترحم، وأصوات البشر المسحوقين الذين يئنّون تحت وطأة العذابات والقهر.

أمّا عن مخلّفات هذه الحرب فقد برزت كمتتالية لفظية عنيفة، شقّت أمان النصّ: (قبضة الموت، جوعنا، جرح، عطش، الشلل، الشاش الممزق، مقبرة، جثث، الدماء، الرعب، حصار، الوداع، أشلاء)، لا يمكن أن تكون حرب دون أن يحضر الموت بصحبة مشاهد الوداعات الأليمة، فلا يمكن لنزيف الجراحات المفتوحة أن يتوقّف، الخوف سيّد الدقائق والساعات، يعشّش في الصدور ككائن متطفّل يرفض الرحيل عنها، الحصار يطبق قبضته، فلا طعام ولا شراب ولا دواء، إنّها كارثة إنسانية بكلّ المعايير.

  • حقل الألم وانفعالية اللفظ

يعدّ الألم من أقوى الانفعالات التي تنعكس على مكوّنات الشخصية، وبما أنّ وهج الحرب يضرب في فضاء الرواية السردي، كان لا بدّ لها من مخلّفات انفعالية تعكس حالة الرفض والاستنكار، وقد تمثّلت هذه المخلّفات برصيد كبير من ألفاظ الألم والوجع التي عبّرت عن الحالة التي يعيشها أهل غزّة بكلّ ما فيها من المعاناة، هذه الحالة الانفعالية اللفظية تعكس الواقع في غزة، رصدت الباحثة بعض الأفعال والعبارات، منها: (يتعذّب، يئن، نهرب، ارتعاش، يصرخ، يحترق، ترتعش، يمزّق، ترتطم، يهوي، نخلع، وجع، خوف، صوته المتهدج، أنفاسه اللاهثة، التشوهات، القلوب المرتجفة). بعض الألم يتعلّق بالجسد وبعضها يتعلّق بالقلب، فالحرب لا ترحم، إنّها تأتي على خضرة الروح ونضارة الجسد. (يتعذّب، يئن، يحترق، يمزّق، ترتطم، يهوي)، هذه الأفعال تقوم على الجسد لكنها تنحت الألم في النفس لتنتج خواصًا جديدة ك (الارتعاش، الخوف، القلوب المرتجفة، الأنفاس اللاهثة، الصوت المتهدج) لقد باتت الآلام سمة من سمات وجوه أهل غزة، إنّه الظلم الذي يورث الإنسان القهر الذي يفتك بملامحه؛ ليحوّله إلى بقايا إنسان عند النيل منه.

لقد تصدّرت بعض الصّور سطور النّص لتنطق باسم الوجع مثل: “بطونًا منتفخة، وعيونًا مرعوبة”(53) “الأرجل المبتورة، والسيقان المكسّرة، والرؤوس المقطوعة، وتعبت من رائحة المحاليل واللحوم المشرشرة”،(54) هذه الأمثلة لم تكن خيالًا، هي صور قائمة بالفعل على أرض غزّة. لقد جرّب أهل غزّة جلّ أنواع التعذيب. ترك الروائي للقارئ إرثًا قرائيًا محموم الوجع، يعصف بالمشاعر الإنسانية، ليستنطق ثورتها.

  • حقل الدائرة اللونية

يحاول الروائي أن يذكي من حيوية مشاهده الرواية بمنحها طاقة بصرية عالية القيمة عبر القيم اللونية التي يطرحها في لغته، فأيّ “محلّل يعتبر الكلمات والعبارات التي تظهر في المدوّنة النصّية لخطاب ما دليلًا على محاولة المنتج توصيل رسالة إلى المتلقي”. (55) لم يأت توظيف الألوان في النصّ اعتباطيًا عند العتوم، بل كان استخدامًا ذكيًا منه، بوصفها رمزًا من رموز الانفعالات العميقة التي تعبّر عن الواقع المأساوي الحاصل، واستخدامه للألوان لم يكن استخدامًا وصفيًا فحسب، بل كان استخدامًا رمزيًا لحالة الاضطهاد والقمع التي يعيشها الفلسطيني في غزة. وقد تكرّرت الألفاظ اللونية بشكل كبير وملحوظ إمّا بلفظها الصريح أو بدلالتها، وقد كانت الدائرة اللونية تدور في فلك واحد تقريبًا، لم يفلت من مدارها الأساس سوى لونين (الأصفر والأخضر) في موضعين، أما بقية الألفاظ اللونية تراوحت ما بين (الأبيض، الأسود، الرمادي، الأحمر، الكحلي، الأزرق) والتي تشير في دلالتها إلى الحالة الانفعالية العامة، هذه الألفاظ اللونية شكّلت جزءًا من الحالة الانفعالية للغة الرواية، كثيرًا ما كانت تتجاور الألوان لتمنح المشهد زخمًا انفعاليًا، ومن هذا الزخم كان اللون الأبيض:

 “الخطوط التي تتلوّى لتشكّل حصانًا أبيض رائعًا”.(56) ” تشكّل النفاث الأبيض في السماء… تشكّل أعراف هذه الخيل، ما أجمل الأعراف البيضاء”.(57) “نشدّ على الجراح بالشاش الأبيض”.(58) “لماذا لون الكفن أبيض… أيّها البياض ارفق بنا، نحن نحبّك لأنّك تذكّرنا بالحياة. فلماذا تصرّ على أن تسوقنا للموت؟”.(59) “ولو كانت أرواح الشهداء تُرى لكانت حمامات بيضاء”.(60) “الصفّ الموشّح بالبياض لأربعة عشر قمرًا غُطّيت أجسادهم بأكملها”.(61)

استعان الروائي باللون الأبيض في مواطن كثيرة، لم تحصها الباحثة، لكنّها حاولت الوقوف على عينة منها. لقد اُستخدم اللون الأبيض للدلالة على الجمال كما في أعراف الخيل، ثمّ استخدم للدلالة على الصفاء والنقاء كما في الشاش الأبيض، ولون الأكفان وأرواح الشهداء، إنّه اللون قبل أن يصطبغ بأيّ صبغة، اللون الذي يستطيع أن يحتوي بقية الألوان ويمنحها حقيقتها دون أيّ تزوير، فهو يعدّ القالب الذي يمكنه تحمّل تطفّل أيّ لون ببساطة دون أي مقاومة عنيدة، وفي هذا سمة لنصاعته، وسمة لنقائه واتساعه واحتوائه، إنّه يمثّل الخير والطهر. لم يغب هذا اللون عن تأدية مهمّته، فقد حضر في أكثر المشاهد انفعالية (الجراح، الموت) وبذا، فقد حضرت دلالته الانفعالية في مشاهد الأكفان والوداعات.

أمّا اللون الأحمر، فكادت صفحات الرواية أن ترشحه أمام القارئ، إنّه يغطي معظم المشاهد بصخبه، إمّا بوهجه الصريح، أو بدلالاته اللفظية ك (الدم، قاني، قاتم) ومن هذا: “نظرت إلينا بعينين احمرّتا”.(62) “حتى الماء صار قانيًا، اللقمة التي نأكلها مغموسة بالدم، كلمّا هممت بشرب الماء احمرّ، وكلّما هممت برفع لقمة الخبز سال.. منها الدم”.(63) استخدم الروائي اللون الأحمر في إشارة منه إلى أثر البكاء على العين، هذه الحالة الانفعالية للعين يسبقها حالة انفعالية داخلية ثمّ حالة تعبيرية لغوية سواء بالبكاء الصامت أو بالنحيب أو الكلام. في النموذج الثاني استفحلت القيمة اللونية حتى صبغت النصّ بصبغتها، فالماء يصبح قانيًا وفي هذا دلالة تحوّل من حالة الصفاء إلى حالة الكدر، واللقمة مغمّسة بالدم دلالة القهر، وقد تحقّقت الصورة على سبيل الحقيقة لا المجاز، فقد تمّ قصف الغزيين، وهم يقفون في طوابير الخبز والطحين، ومن ضمنهم أبناء عائلتي. (الماء احمر) دلالة على أنّ الحياة تحوّلت إلى جحيم، فالموت ينتشر في كلّ مكان، رائحته تفوح من الأزقة والشوارع والمخيّمات، الدماء طالت ماء الحياة ولقمة العيش، خبز أهل غزّة معجون بالعذابات، يدفع الغزّي عمره مقابل بضعة أرغفة، “صار لون الدم لون كلّ شيء”.(64)

أمّا عن اللون الأسود، فقد احتلّ مكانته في النصّ الروائي بناء على ظلامية الحدث، وقد حضر بلفظه الصريح أو بقالبه الدلالي، وكثيرًا ما اقترن باللون الأحمر، باعتبار العلاقة الحميمة بينهما، فالأفق يصبغ بالسواد حين تغوص ركب البشر في الدماء، حين يتفحّم الضمير الإنساني بالصمت، حين يصبح السواد ملمحًا حياتيًا وملمحًا نفسيًا عند أهل غزّة. “كان الدم الأحمر يختلط بسواد الشعر”.(65) “فجأة ضوء أحمر كبير كأنه بركان، ثمّ اسودّ كلّ شيء”.(66) “طار غراب أسود أبقع”.(67) “برك صغيرة تتجمع فيها السوائل السوداء”.(68) “جثث ذويهم متفحمة”.(69) لم يقصد الروائي بهذا اللون لغة تشاؤمية، بل قصد إبراز حقيقة المشهد وظلاميتة بما يحويه من القهر والعذاب. إنّ اختلاط الدم الأحمر بسواد الشعر يزيد من قتامة المشهد، إنّه قوام الحالة التي تسود. لقد تكرّر اقتران اللون الأحمر بالأسود، إنّها متلازمة الرعب. الضوء الأحمر الكبير الناتج عن الانفجارات يعقبه حالة من السواد، سواد الواقع الذي يسمح بتفحّم البشر على الهواء مباشرة دون أن يكترث أحد، إنّ قتامة الألوان تفصح عن قتامة المشهد.

أمّا عن اللون الرمادي فقد حجز لنفسه مقاعد متعدّدة في أفنية النصّ، فقد استخدمه الروائي للدلالة على ضبابية المشهد، وانزواء الحقائق خلف سرديات الزيف، وخلف سحب الادعاءات: ” كانت نحيلة وشعرها منكوشًا امتلأ بالغبار والرماد”.(70) “دشداشته البيضاء صارت من الرماد رمادية”.(71) قد عبّر الروائي عن حالة التحوّل، فلا يمكن للغبار والرماد أن يدلّلا على الصفاء، إنّها حالة انهيار القيم الأخلاقية، رماد يتولّد من الانفجارات ومن البارود، كيف له أن يسهم في اجتلاب الأمان؟ كيف يمكنه أن يعبّر عن صورة حقيقية ومنتمية دون حياد؟ كيف له أن يتبرّأ من تهمته الشهيرة تعكيره كلّ أبيض وإغراقه في الضبابية؟ إنّه اللون الذي تتخفّى خلفه مدلولات الحقائق، إنّه لون التمويه والمراوغة.

الصورة تتّضح بالأضداد، ولا يمكن أن تدوم هيمنة الحالة الواحدة، كان لا بدّ من أمل يقف قبالة كلّ هذا الألم المحشود في باطن النصّ وظاهره، ثمّة لجوء نفسي يحتاجه المرء كي يستطيع أن يداوم على حالة التنفّس، لقد استخدم الروائي اللون الأزرق لما فيه من دلالة هدوء، كما استخدم قوالبه اللفظية مثل: (السماء) بشكل ملحوظ: “أكثر لون كانت تلبسه الأبيض والأزرق”.(72) جاء وصف الأزرق في هذا النصّ للحديث عن الألوان التي تفضلها (سلام) في الملبس، ففي الأزرق شيء من الأنوثة الناعمة والهدوء الطاغي والتجدّد. “كان يحمل جوالًا أزرق فيه هدايا كثيرة للأولاد لا أدري من أين جاء بها… إذا سألته من أين سقطت في يدك يقول: من السماء، وكان الأولاد ينظرون إلى السماء حقًا”.(73)

أغرق الروائي نصّه أملًا وفسحة، ورجاء، ووصولًا، بدءًا بذكره الجوال الأزرق الذي يحمل الهدايا، ولربّما تأثّر الروائي بمشاهد الأخبار عن غزة واستخدامهم اللون الأزرق في الجوالات والأكياس البلاستيكية، لكنّه وهب الأزرق الأمل والرجاء عبر قالبه الدلالي (السماء) وقد كرّره في النصّ في سياق داعم للفكرة، الجوال يحمل الهدايا، فهو يحمل الفرح، الهدايا أتت من السماء حسب الإجابة أي: كانت رزقًا، وكان الأولاد ينظرون إلى السماء، يطلبون الرجاء، ينشدون الفرح، ينشدون السعادة، فالسماء هي محطّة الوصول، فمن غير الله يعينهم على الأمل؟

لقد حضر اللون الأخضر على استحياء بدلالته المكثّفة في موطن واحد: “تحتضن ابنها الشهيد… دموعها تسيل على وجنتيه فتشعر أنهما اخضرتا”.(74) تخضر وجنتا الشهيد حين ترتويان من دمع أمه: والاخضرار هنا إشارة إلى الحياة، تلك الحياة التي تدبّ في الصحراء بمرور الماء فيها، فتحيلها إلى جنّة، والخضرة دلالة الحياة، فاللون الأخضر لون يعيد التوازن النفسي.

أمّا اللون الأصفر فقد كان له حضور باهت ووحيد: “شاحنات الماء تعبر المخيم… يحملون الجرادل الصفراء”.(75) استحضره الروائي في مشهد تدافع الأطفال حول شاحنة الماء، وهم يحملون الجرادل الصفراء للحصول على الماء، فكانوا يحاولون وضع الجرادل في أماكن تتسرّب منها بعض قطرات الماء؛ ليحصلوا على شربة ماء مخافة أن ينفد الماء، ولم يأتهم الدور بعد، المشهد برمّته باهت الإنسانية، إنّه اصفرار لحقول الحياة.

الملاحظ أنّ الدائرة اللونية اجتاحت النصّ بغزارة، وقد استخدمها الروائي بحنكة واحتراف، محاولًا الاستفادة من مدلولاتها النفسية؛ لتدعيم لغته الانفعالية في الرواية.

  • الحقل الديني

إنّ أيديولوجية المكان تقضي بوجود حسابات عقدية لدى أهل المكان، حسابات تعيد إليهم توازنهم النفسي، وتحميهم من فرط جنون السياسة، وتمنحهم الأمل في الاستمرارية، كان لا بدّ من وجود لغة تفسيرية، تفسّر صبر أهل غزة، تفسّر قدرتهم على تحمّل ما لا يتحمّله بشر، فحضر المعجم الديني ليعبّر عن الحالة الإيمانية لأهل غزة، فوحده إيمان أهل البلاد يقف حاجزًا بينهم وبين شتات العقول، وحده يمنحهم القدرة على المواصلة، إنّه الأمل في الخلاص، إنّه الأمان الحقيقي: “أصبر على الانتظار… لنا الله”،(76) “من يدري ما يصنع الله بنا”،(77) إنّه التسليم لأقدار الله، فما حيلة الغزي أمام آلة الحرب غير المقاومة والصبر على ما لم يحط به خبرا.

 “أفي الله شك”،(78) هذا سياق اليقين، اليقين الذي يتعالى به الفلسطيني على جراحاته، قوته اليومي الذي يساير به الحياة ومعمعتها، “لا تقنط من رحمة الله”،(79) هو أمر الله للمسلمين المؤمنين بعدم القنوط، القنوط يعني التسليم لليأس، الانسحاب من الحياة وموت على ذمة الحياة.

لقد تجمّل النصّ بسلسلة من معالم الإسلام العظيم، فذكر :(يوم القيامة، شهر رمضان، العيد، نداء الفجر، الملائكة، ليلة القدر، الصلاة) كان لابدّ للروائي أن يتقرّب من المكان بكافة السبل، كان لا بدّ أن يفتح للقارئ أفق البعد العقدي الذي يتكئ عليه الشعب الأسطوري كما يراه الجميع، والحقيقة أنّ أهل غزّة أناس عاديون بسطاء، بشر ككلّ البشرـ لديهم قلوب تتوجّع، ولديهم طاقات محدّدة قد تنفد، يشعرون كما يشعر البشر، يعانون عند المعاناة ويفرحون عند الفرح، ما يمدّهم بطاقة التحمّل التي يراها العالم هو إيمانهم بالله قبل كلّ شيء، والإيمان بالله يقتضي الرضا، إضافة إلى إيمانهم العميق بعدالة قضيتهم، وبحقّهم الطبيعي المشروع في العيش.

 

النتائج

  • شكّلت اللغة عند (العتوم) في روايته الرعب أنموذجًا للّغة الانفعالية التي استطاعت تحليل المشهد السياسي، والوقوف على اضطراباته من خلال محاكاة المشاهد الحقيقية، وتحليل لغة المكان ورصد انفعالات الشخصيات.
  • تميزت اللغة الوصفية بقدرتها على منح المشاهد دفقة عالية من الدينامية، فكان الوصف بمثابة الأداة البصرية التي تمكّن القارئ من معايشة الحدث والالتحام معه.
  • تميّز الوصف بتعدديّة الغايات، فقد استطاع أن ينقل اضطرابات الحالة المكانية كما استطاع أن يربط هذه الحالة بالحالة الانفّعالية للشخصيات.
  • جنح الروائي لتكثيف نزعة التساؤل في لغته الروائية في إشارة منه لما كانت عليه الشخصيات من الحيرة والقلق، إضافة إلى تدعيم سرديته الرسالية التي تبحث حقيقة الصراع الوجودي، وتناقش حالة التشظي التي يعيشها الفلسطيني في ظلّ غياب الضمير العالمي.
  • حاول الروائي أن يخلق مساحة تفاعلية بين النصّ والقارئ عبر التساؤلات ليجعل منه شريكًا في البحث عن الإجابات المقنعة، ليقحمه فيما بعد في تحديد موقفه من إجابة هذه التساؤلات.
  • تأثّرت لغة الروائي بالمكان بشكل كبير، فلم تخل صفحة من صفحات الرواية من ذكر الأمكنة، فجاءت اللغة مشحونة بالانفعالات المكانية التي عكست حالة الرعب السياسي والنفسي.
  • التوتر اللغوي الذي تميزت به الرواية كان نتيجة الأحداث السياسية القائمة في غزة، الأمر الذي يدلّل على الحالة الانفعالية التي عاشها الروائي أثناء كتابته النصّ.
  • رصد الروائي الخصوصية اللفظية للحدث من خلال رصد بعض الأصوات الشفوية والمكتوبة لضحايا الحرب كجزء توثيقي للحقائق، ومحاولة منه لشحن القارئ عاطفيًا.
  • استخدم العتوم الحقول الدلالية الخدماتية بكثافة عالية، على رأسها حقلي الحرب والألم، وقد كان النصّ غنيًا بدلالات الخوف والرعب والقهر والظلم.

 

الخاتمة

  • في ختام هذا البحث يتبيّن أن اللغة الروائية في رواية (الرعب) لأيمن العتوم قد شكّلت أنموذجًا لانفعالية اللغة الروائية باعتبارها رواية سياسية، استطاعت أن ترصد حركّة التوتّر القائمة على أرض غزة منذ السابع من أكتوبر عبر لغة دينامية فاعلة، تقيس ذبذبات الانفعال الواقعي برصدها أثر الاضطرابات السياسية على المكان وعلى أهله في قالب سردي متميز، حيث أثبتت قدرتها على المزج بين الحالة السياسية والمجتمعية باستكشافها حالة الصراع النفسي، كما أثبتت قدرتها على تفكيك المشهد السياسي المعقّد وتحليله إلى عوامله الإنسانية الحقوقية والسياسية، فقد استطاعت أن تحمل على عاتقها رسالة توعوية، فهي أداة التعبير التي يمكن من خلالها فك شيفرة العلاقة بين سلطة السياسة وآمال المجتمع وتطلّعاته، ومحاولة فهم جدلية الصراع الوجودي. هذه الدراسة تثبت أنّ الرواية كفنٍ تستجيب بمرونة لمتطلبات تحوّلات الحالة الاجتماعية والسياسية.

 

الهوامش

(1) بو عزة، محمد، الدليل إلى تحليل النص السردي، تقنيات ومناهج، (ط)1، (الجزائر: منشورات الاختلاف،2010)، ص20.

(2)   روائي أردني، مواليد مدينة جرش 1972، له العديد من الروايات، منها يا صاحبي السجن ويسمعون حسيسها وغيرها من الروايات، بالإضافة إلى عدد من الدواوين الشعرية منها نبوءات الجائعين وخذني إلى المسجد الأقصى، يحمل شهادة الهندسة المدنية وشهادة الدكتوراه في اللغة العربية. (انظر: هندسة الكلمات، مهندسون شعراء، ص11.

(3)  انظر: مجمع اللغة العربية في القاهرة، الوسيط، (ط5)، (مصر: مكتبة الشروق الدولية، 2011)، ص720.

(4)  طه، فرج عبد القادر وآخرون، علم النفس والتحليل النفسي، (ط1)، (بيروت: دار النهضة العربية، د.ت) ص73.

(5)  انظر: إبراهيم، عبد الستار، أسس علم النفس، (د.ط)، (الرياض: دار المريخ للنشر، 1988)، ص410.

(6)   سارتر، جان بول، نظرية الانفعال، ترجمة، هاشم الحسيني، (د.ط،)، (بيروت لبنان: منشورات دار مكتبة الحياة، د.ت)، ص 25.

(7)  المرجع السابق، ص18.

(8)   ديسكون، توماس، علاقة الانفعالات بالأدب، موقع إلكتروني https://aawsat.com

(9)  الحاج، لويس، دائرة المعارف السيكولوجية، المجلد الثاني، (د.ط)، (بيروت: دار صادر: بيروت، د.تـ )، ص73.

(10)  الخبو، محمد، معجم السرديات، (ط1)، (تونس: دار محمد علي للنشر، 2010)، ص472.

(11)   برنس، جيرالد، المصطلح السردي، تر: عابد خزندار، مراجعة محمد البربريـ (ط)1، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003)، ص58.

(12)  قاسم، سيزا أحمد، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ، (د,ط)، ( القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتب، 1978) ص111.

(13)  المرجع السابق، ص111.

(14)  العتوم، أيمن، الرعب، (ط1)، (إسطنبول: دار الغوثاني، 2024) ص124.

(15)  المصدر السابق، ص.120.

(16)   السابق نفسه، ص120.

(17)  السابق نفسه، ص114

(18)   نفسه، ص114

(19)  فضل، صلاح، أساليب السرد في الرواية العربية، (ط1)، (سوريا: دار الدى للثقافة والنشر: 2003)، ص129.

(20)   هناوي، نادية، الشك عبر السؤال في الرواية الحديثة موقع إلكتروني https://aawsat>com

(21)  المرجع السابق.

(22)  السابق نفسه.

(23)  العتوم، أيمن، الرعب، (ط1)، (إسطنبول: دار الغوثاني، 2024) ص 102.

(24)  المصدر السابق، ص 104.

(25)  السابق نفسه، ص 121.

(26)   نفسه، ص 101.

 (27)  نفسه، ص 123.

(28)  نفسه، ص 124.

 (29) هناوي، نادية، الشك عبر السؤال في الرواية الحديثة موقع إلكتروني https://aawsat>com

(30)  بحراوي، حسن، بنية الشكل الروائي، (ط)1، (بيروت: المركز العربي الثقافي، 1990) ، ص29.

(31)  حميدة، بسام، من يؤثر على الآخر.. الكاتب أم المكان؟ (موقع إلكتروني) https://www.omandaily.oZ/

(32)  جمعة، مصطفى عطية مصطلح المكان.. المفهوم والسيموطيقا موقع إلكتروني https://www.alrimedia.com

(33) العتوم، أيمن، الرعب، ط1، (إسطنبول: دار الغوثاني، 2024)، ص381.

(34)  انظر: المصدر السابق، ص359.

(35)  نفسه، ص290.

(36)  نفسه، ص113.

(37)  نفسه، ص113.

(38)  نفسه، ص383.

(39) نفسه، ص356.

(40)  نفسه، ص357.

(41)   نفسه، ص122.

(42)   نفسه، ص122.

(43)  نفسه، ص123.

(44)  نفسه، ص123.

(45)  نفسه، ص123.

(46)   نفسه، ص122

(47)  نفسه، ص122.

(48)  نفسه، ص122.

(49)  نفسه، ص122.

(50)  نفسه، ص123.

(51) خمري، سرديات النقد،  (ط1)، (الرباط: دار الأمان، د.ت)، ص98.

(52)  مختار، أحمد، علم الدلالة، (ط2)، (منشورات عالم الكتب، 1988) ص79.

(53) العتوم، أيمن، الرعب، (ط1)، (إسطنبول: دار الغوثاني، 2024)، ص238.

 (54)  المصدر السابق، ص387.

(55) سعيد حسن، بحيري، علم لغة النصّ (المفاهيم والاتجاهات) (القاهرة: مكتبة ناشرون، الشركة المصرية العالمية للنشر، ط1، 1997م)، ص11، ص12.

(56)  العتوم، أيمن، الرعب، (ط1)، (إسطنبول: دار الغوثاني، 2024)، ص131

(57) المصدر السابق، ص131.

(58)   السابق نفسه، ص87.

(59)  نفسه، ص87.

(60)  نفسه، ص130

(61)  نفسه، ص91

(62)  نفسه، ص138.

(63)  نفسه، 86.

(64)  نفسه، ص86.

(65)  نفسه، ص139.

(66)  نفسه، ص90

(67)  نفسه، ص88.

(68)  نفسه، ص238.

(69)   نفسه، ص228.

(70)  نفسه، ص114

(71)  نفسه، 120.

(72)   نفسه ص172.

(73)  نفسه، ص384.

(74)  نفسه، ص137.

(75) نفسه، ص389.

(76)  نفسه، ص392.

(77) نفسه، ص383.

(78)  نفسه، ص392.

(79)  نفسه، ص379.

 

المصادر والمراجع

  • إبراهيم، عبد الستار، أسس علم النفس، (د.ط)، (الرياض: دار المريخ للنشر، 1988).
  • بحراوي، حسن، بنية الشكل الروائي، (ط)1، (بيروت: المركز العربي الثقافي، 1990).
  • برنس، جيرالد، المصطلح السردي، تر: عابد خزندار، مراجعة محمد البربريـ (ط)1، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003).
  • بو عزة، محمد، الدليل إلى تحليل النص السردي، تقنيات ومناهج، (ط)1، (الجزائر: منشورات الاختلاف،2010).
  • جمعة، مصطفى عطية مصطلح المكان.. المفهوم والسيموطيقا موقع إلكتروني https://www.alrimedia.com
  • الحاج، لويس، دائرة المعارف السيكولوجية، المجلد الثاني، (د.ط)، (بيروت: دار صادر: بيروت، د.تـ ).
  • حميدة، بسام، من يؤثر على الآخر.. الكاتب أم المكان؟ (موقع إلكتروني) https://www.omandaily.oZ/
  • الخبو، محمد، معجم السرديات، (ط1)، (تونس: دار محمد علي للنشر، 2010).
  • خمري، سرديات النقد، (ط1)، (الرباط: دار الأمان، د.ت).
  • ديسكون، توماس، علاقة الانفعالات بالأدب، موقع إلكتروني https://aawsat.com
  • سارتر، جان بول، نظرية الانفعال، ترجمة، هاشم الحسيني، (د.ط،)، (بيروت لبنان: منشورات دار مكتبة الحياة، د.ت).
  • سعيد حسن، بحيري، علم لغة النصّ (المفاهيم والاتجاهات) (القاهرة: مكتبة ناشرون، الشركة المصرية العالمية للنشر، ط1، 1997م).
  • طه، فرج عبد القادر وآخرون، علم النفس والتحليل النفسي، (ط1)، (بيروت: دار النهضة العربية، د.ت).
  • العتوم، أيمن، الرعب، (ط1)، (إسطنبول: دار الغوثاني، 2024).
  • فضل، صلاح، أساليب السرد في الرواية العربية، (ط1)، (سوريا: دار الدى للثقافة والنشر: 2003).
  • قاسم، سيزا أحمد، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ، (د,ط)، ( القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتب، 1978).
  • مجمع اللغة العربية في القاهرة، الوسيط، (ط5)، (مصر: مكتبة الشروق الدولية، 2011).
  • مختار، أحمد، علم الدلالة، (ط2)، (منشورات عالم الكتب، 1988).
  • هناوي، نادية، الشك عبر السؤال في الرواية الحديثة موقع إلكتروني https://aawsat>com

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)