إبراهيم بن عبد الله بن سالم آل ثاني
قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الجنان، لبنان
الملخص
ناقش هذا البحث مواضع الحذف في سورة الضحى من خلال مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة، فعرّف في المبحث الأول مصطلحات البحث وذكر مواضع الحذف التي ذكرها المفسرون والنحاة تصريحا، وكذلك ما يلزم من أقوالهم، وهي أربعة عشر موضعا، وناقش في المبحث الثاني الجانب النحوي من هذه المواضع، موازنا بين الأقوال ومختارا الصحيح منها حسب رأي الباحث، ثم ناقش في المبحث الثالث الأغراض البلاغية للحذف في المواضع التي ثبت فيها الحذف، ثم ختم البحث بالنتائج التي توصل إليها، وخلص إلى أن مواضع الحذف في السورة سبعة فقط، وأن الأغراض البلاغية للحذف في سورة الضحى قسمان: أغراض تراعي اللفظ وهي: الاكتفاء بما ذكر، ومراعاة فواصل الآيات، وأغراض معنوية؛ وهي: التكريم والتعظيم، والتأكيد على النفي، وإرادة العموم والإطلاق، وأنه يمكن أن تجتمع أكثر من علة بلاغية في الحذف الواحد، وأن ذكر بعض العلماء لعلة معينة لا يلزم منه أنه ينفي العلة الأخرى، وأنّ ما لا يصح من التقديرات النحوية للمحذوف يخلّ بنظم القرآن ولا ينسجم مع بلاغته، وأنه لا يصح تقدير المحذوف بكلمة معينة لا دليل عليها.
الكلمات المفتاحيّة: العدول، البلاغة، سورة الضحى، الحذف، التقدير.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
فهذا البحث يناقش مواضع الحذف في سورة الضحى، وذلك في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة، فعرّف في المبحث الأول مصطلحات البحث، ثم حصر مواضع الحذف التي ذكرها المفسرون والنحاة تصريحا، وكذلك ما يلزم من أقوالهم، وهي أربعة عشر موضعا، وناقش في المبحث الثاني الجانب النحوي من هذه المواضع، موازنا بين الأقوال ومختارا الصحيح منها حسب رأي الباحث، ثم ناقش في المبحث الثالث الأغراض البلاغية للحذف في المواضع التي ثبت فيها الحذف، ثم ختم البحث بالنتائج التي توصل إليها. وقد اتبع الباحث منهج الوصف التحليلي، مجيبا عن هذه الأسئلة البحثية:
ما مواضع الحذف في سورة الضحى؟ وهل يثبت كل ما ذكر فيها من المحذوفات؟ وما تقدير المحذوف؟ وما موقعه من حيث الإعراب؟ وما الغرض البلاغي من حذفه؟
وهذا الموضوع تناوله النحاة والمفسرون والبلاغيون مفرقا في كتبهم، على حسب سياق حديثهم وبحسب ما يعنُّ لهم من مسائل، فأحببت جمعه في موضع واحد ومناقشة ما قيل فيه، ثم الاختيار للأقوال التي يعضدها الدليل.
1 المبحث الأول: مصطلحات البحث ومواضع الحذف في السورة
1.1 أولا: مصطلحات البحث
- البلاغة: البلاغة في اللغة الوصول(1)، وفي الاصطلاح: مطابقة الكلام لما يقتضيه حال الخطاب مع فصاحة ألفاظه(2).
- العدول: مأخوذ من الجذر عدل، قال ابن فارس: «(عَدَلَ) الْعَيْنُ وَالدَّالُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، لَكِنَّهُمَا مُتَقَابِلَانِ كَالْمُتَضَادَّيْنِ: أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِوَاءٍ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى اعْوِجَاجٍ»(3). والثاني منه أخذ معنى العدول في اصطلاح اللغويين، فهو بمعنى الابتعاد أو الخروج عن المسار المعتاد، ففي اللسان: “وعَدَلَ عَنِ الشَّيْءِ يَعْدِلُ عَدْلًا وعُدولًا: حَادَ، وَعَنِ الطَّرِيقِ: جَارَ، وعَدَلَ إِليه عُدُولًا: رَجَعَ”(4). وهو في الاصطلاح بمعنى: الخروج عن الأصل اللغوي المعتاد إلى تعبير آخر. وقد عبر الباحثون في الدراسات الحديثة عن العدول بمصطلحات أخرى كالانحراف والانزياح والانتهاك وغير ذلك، كما عبر عنه القدامى بمصطلحات كثيرة أيضا، كالنقل، والانتقال، والتحريف والانحراف، والصرف، ومخالفة مقتضى الظاهر، وشجاعة العربية، وغير ذلك(5).
- الحذف: جاء في الصحاح: «حذف الشيء: إسقاطه»(6)، وهو المعنى المناسب للمعنى الاصطلاحي، فهو في الاصطلاح: إسقاط شيء من الكلام لدليل يدل عليه. و”الحذف ظاهرة لغوية عامة تشترك فيها اللغات الإنسانية، حيث يميل الناطقون إلى حذف ما قد يمكن للسامع فهمه اعتمادا على القرائن المصاحبة حالية كانت أو عقلية أو لفظية”(7).
- سورة الضحى: هي السورة الثالثة والتسعون بحسب ترتيب المصحف الشريف، وهي سورة مكية، وفيها إحدى عشرة آية، فهي من قصار السور، ونزلت بعد إبطاء الوحي عنه صلى الله عليه وسلم، حتى قال له المشركون أو اليهود أو غيرهم قد ودعك ربك وقلاك، وقيل: أبطأ بسبب جرو كلب كان في بيته صلى الله عليه وسلم، على اختلاف في سبب النزول(8).
1.2 ثانيا: سورة الضحى(9)
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
{ وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ٣ وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرࣱ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ٤ وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ٥ أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمࣰا فَـَٔاوَىٰ ٦ وَوَجَدَكَ ضَآلࣰّا فَهَدَىٰ٧ وَوَجَدَكَ عَآئِلࣰا فَأَغۡنَىٰ٨ فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ ٩ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ١٠ وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ ١١}.
1.3 ثالثا: مواضع الحذف في السورة
- حذف ما تعلقت به البسملة
- حذف فعل القسم في الآية الأولى وَٱلضُّحَىٰ 1
- حذف المضاف على قول بعض المعربين في الآية الأولى والثانية{ وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ٢}.
- حذف جواب القسم الثاني على قول من جعل الواو للقسم لا للعطف
- حذف فعل القسم في الآية الثانية على قول من جعل الواو للقسم لا للعطف وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ٢
- حذف مفعول الفعل قلى في الآية الثالثة مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ٣
- حذف فعل القسم والمقسم به على قول بعض المفسرين في الآية الرابعة: { وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرࣱ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَى ٰ}.
- حذف فعل القسم والمقسم به على قول بعض المفسرين في الآية الخامسة: { وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ}.
- حذف المبتدأ أنت من الآية الخامسة، وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ٥
- حذف المفعول الثاني للفعل يعطي من الآية الخامسة وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ٥
- حذف مفعول الفعل آوى في الآية السادسة ۡ يَجِدۡكَ يَتِيمࣰا فَـَٔاوَىٰ ٦
- حذف مفعول الفعل هدى في الآية السابعة وَوَجَدَكَ ضَآلࣰّا فَهَدَىٰ٧
- حذف مفعول الفعل أغنى في الآية الثامنة وَوَجَدَكَ عَآئِلࣰا فَأَغۡنَىٰ٨
- حذف المضاف في الآية السابعة: وَوَجَدَكَ ضَآلࣰّا فَهَدَىٰ7.
2 المبحث الثاني: مناقشة الحذف نحويا
تكلم المفسرون عن البسملة كثيرا في تفسير سورة الفاتحة، واختلاف القراء والفقهاء في عدها مع الآيات من عدمه مشهور، وكلامنا عنها هنا مبني على القول بأنها آية من كل سورة، وهو قول الإباضية والشافعية خلافا للحنفية، والمحذوف في البسملة متعلَّق الجار والمجرور (باسم)، قال الزمخشري: “فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ قلت: بمحذوف تقديره: بسم اللَّه أقرأ أو أتلو لأن الذي يتلو التسمية مقروء، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم اللَّه والبركات، كان المعنى بسم اللَّه أحل وبسم اللَّه أرتحل وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله بـ«بسم اللَّه» كان مضمرا ما جعل التسمية مبدأ له”(9). وهذا هو المتبادر في تقدير المحذوف، إلا أنه توجد في المسألة أوجه أخرى مفصلة، فقد قال الفخر الرازي:
“قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبَاءَ مِنْ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ، فَنَقُولُ: هَذَا الْمُضْمَرُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا، وَأَنْ يَكُونَ فِعْلًا، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، وَأَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا، فَهَذِهِ أَقْسَامٌ أَرْبَعَةٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا وَكَانَ فِعْلًا فَكَقَوْلِكَ: أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا وَكَانَ اسْمًا فَكَقَوْلِكَ: ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ بِاسْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا وَكَانَ فِعْلًا فَكَقَوْلِكَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَبْدَأُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا وَكَانَ اسْمًا فكقولك: باسم الله ابتدائي»(10). وسيأتي نقاش هذه الأقوال في الجانب البلاغي إن شاء الله.
2- حذف فعل القسم في الآية الأولى وَٱلضُّحَىٰ ١
المحذوف في هذه الآية فعل القسم، والتقدير أقسم بالضحى، وهذا الحذف واجب عند النحويين لاستعمال الواو في القسم، بخلاف الباء(11).
3- حذف المضاف على قول بعض المعربين في الآية الأولى والثانية{وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢}.
والمحذوف كلمة رب، جاء في معاني القرآن وإعرابه للزجاج (ت ٣١١هـ)،: “(وَالذَّارِيَاتِ) مجرور على القسم، المعنى أحلف بالذاريات وبهذه الأشياء، والجواب: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ)، وقال قوم: المعنى وَرَبِّ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، كما قال عز وجل: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ)»(12) ، وقال الثعلبي في تفسيره: “قال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: بإضمار الرب، مجازه: ورب الضحى”(13). وقال مكّيّ(ت ٤٣٧هـ): «والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه»(14). وعلى هذا القول جرى بعض المعربين، قال محمد الدرة: “حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: {وَالضُّحى}. {وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ} وغير ذلك فإن التقدير: ورب الضحى! ورب السماء! … إلخ، والدليل: التصريح به في قوله تعالى: {فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..}. إلخ الآية رقم [23] من سورة (الذاريات)»(15).
وما استدلوا به على المحذوف لا يرقى دليلا على ذلك، فإن ورود آية أقسم الله تعالى فيها بنفسه، لا يوجب أن تكون الآيات الكثيرة التي أقسم فيها بما يشاء من خلقه محذوفة المضاف، وقد ذكر بعض الفقهاء أيضا هذا التقدير عند ذكرهم مسألة عدم جواز القسم بغير الله(16)، ولا إشكال في ذلك فالله تعالى يقسم بما يشاء. كما أنه لا يوجد موجب لتقدير هذا المحذوف المدعى.
ومثل هذا التقدير نجده أيضا عند بعض النحاة إلا أنهم قالوه لسبب آخر، وهو اضطرارهم لاطراد قاعدة نحوية مسلم بها لديهم أوجبت التقدير، كما فعل الرضي الإستراباذي حيث قدر كلمة القسم بـ (وعظمة الليل)، في أول سورة الليل، وذلك حتى لا يلزم من العطف بالواو الثانية العطفُ على عاملين، قال: “وعلى ما قدمنا في باب الظروف المبنية أن التقدير وعظمة الليل إذا يغشى فالعامل في الليل على الحقيقة هو العظمة المقدرة، وكذا في إذا يغشى فيكون الواو قائما مقام العظمة وهي عامل واحد”(17). وهو تكلف يوجب تقدير ما لا يدل عليه ظاهر اللفظ.
4- حذف جواب القسم على قول من جعل الواو للقسم لا للعطف
اختلف النحاة في الواو التي تأتي في الآيات التالية للمقسم به الأول، أهي حرف عطف ، أم هي حرف قسم؟ قال سيبويه: (ت ١٨٠هـ) “قال الخليل في قوله عز وجل: ” والليل إذا يغشى. والنَّهار إذا تجلى. وما خلق الذَّكر والأنثى “: الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيدٍ وعمروٍ، والأولى بمنزلة الباء والتاء. ألا ترى أنَّك تقول: والله لأفعلنَّ ووالله لأفعلن، فتدخل واو العطف عليها كما تدخلها على الباء والتاء. قلت للخليل: فلم لا تكون الأخريان بمنزلة الأولى؟ فقال: إنَّما أقسم بهذه الأشياء على شيء واحد، ولوكان انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاماً آخر فيكون، كقولك: بالله لأفعلن، بالله لأخرجنّ اليوم، ولا يقوى أن تقول: وحقِّك وحقِّ زيد لأفعلن، والواو الآخرة واو قسمٍ، لا يجوز إلا مستكرها، لأنَّه لا يجوز هذا في محلوفٍ عليه إلا أن تضم الآخر إلى الأول وتحلف بهما على المحلوف عليه.وتقول: وحياتي ثمَّ حياتك لأفعلن، فثمَّ ههنا بمنزلة الواو»(18).
قال الرضي الإستراباذي: “فمذهب الخليل وسيبويه أن المتكررة واو العطف، وقال بعضهم هي واو القسم”(19)، ثم قال: “والأول أقوى”، وعلل ذلك بأنها لو كانت للقسم لما أفادت العطف وربط الثاني بالأول، ولتطلب ثلاثة أجوبة(20). ويقتضي ذلك تقدير جوابين محذوفين، ويستغنى بما بقي بعد الحذف، فيردّ هذا أن” الحذف خلاف الأصل”(21). وبهذا الجواب يكون الأولى عدم تقدير محذوف. وهو غير لازم على هذا المذهب إذ قد يجعل “هذا الواحد جوابا للمجموع، مع أن كل واحد منهما لاستقلاله يطلب جوابا، فهو أيضا خلاف الأصل”(22). وفي قول الخليل وسيبويه سلامة من التقدير والمخالفة للأصل.
5- حذف فعل القسم في الآية الثانية على قول من جعل الواو للقسم لا للعطف وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢
سبق أنّ النحاة اختلفوا في الواو التي تأتي في الآيات التالية للمقسم به الأول، أهي حرف عطف ، أم هي حرف قسم؟ وعلى الأول فلا محذوف، وعلى الثاني فينبغي تقدير فعل قسم محذوف لكل واو. وقد سبق أن هذا القول يوجب تقدير محذوف آخر وهو الجواب عن كل قسم منها، والأولى جعلها واو عطف كما سبق، فلا محذوف.
6- حذف مفعول الفعل قلى في الآية الثالثة مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣
قلى فعل متعدٍّ، فالمفعول محذوف، والتقدير وما قلاك، قال الفراء(ت ٢٠٧ هـ): «وَما قَلى» يريد: وما قلاك، فألقيت الكاف”(23). وحذف المفعول إن لم يضر جائز كما صرح به النحاة، وذلك في غير باب ظن(24).
7- حذف فعل القسم والمقسم به في الآية الرابعة: {ٰ وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرࣱ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ}.
8- حذف فعل القسم والمقسم به في الآية الخامسة: {وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ}.
«وذهب بعضهم بأن اللام الأولى للقسم، وكذا هذه اللام، وبقسميتها جزم غير واحد، فالواو عليه للعطف، فكلا الوعدين داخل في المقسم عليه، ويكون الله تعالى قد أقسم على أربعة أشياء اثنان منفيان واثنان مثبتان وهو حسن في نظري»(25). ويلزم من هذا الرأي تكلف تقدير فعل قسم ومقسم به، وهو خلاف الظاهر، ولا دليل عليه، فاللام الأولى لام ابتداء دالة على التوكيد، وسيأتي الكلام عن الثانية، ولا يوجد ما يوجب خروجهما عن هذا الظاهر، مع ما يلزم من هذا القول من إشكال نحوي، وهو أن لام القسم لا تدخل على المضارع إلّا مع النون المؤكدة، وقد أجاب الألوسي عن هذا الإشكال بقول من يرى عدم وجوب النون عند الفصل بسوف(26)، وعلى كّلٍّ فلا وجه لقبول هذا القول لعدم الدليل عليه، إذ لا يلزم من كل توكيد أن يكون قسما، فليس في الآيتين قسم محذوف.
9- حذف المبتدأ (أنت) من الآية الخامسة، وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ٥
قال الزمخشري: “فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على سوف؟ قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف. تقديره: ولأنت سوف يعطيك، كما ذكرنا في: لا أقسم، أن المعنى: لأنا أقسم، وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم أو ابتداء، فلام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد، فبقى أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدإ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدإ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك”(27). وتبعه غيره من المفسرين في هذا التقدير كأبي حيان والألوسي.
والذي دعاه إلى هذا التقدير هو القاعدة النحوية التي تلزم أن يكون ما بعد اللام مبتدأ فتكون لام ابتداء أو لام قسم فيجب أن تلحق المضارع نون التوكيد، وهذا التقدير لا يتبادر إلى الذهن، ولا نجده في تفاسير السلف الأقرب ألسنتهم إلى السليقة العربية. وقد ذكر الألوسي في تفسيره عن ابن الحاجب ما ينقض هذا التقدير، ثم رد عليه بما يطيل البحث، إلا أنه اعترف في سياق رده على ابن الحاجب بمجافاة هذا التقدير للمعنى بقوله: “والنحويون يقدرون كثيرا في الكلام كما قدروا المبتدأ في نحو قمت وأصك عينه وهو لأجل الصناعة دون المعنى كما فيما نحن فيه”(28).
والذي يميل إليه الباحث ما رآه بعض النحاة من أن هذه اللام هي للتوكيد فقط وليست للقسم، وهي تدخل على الجملة الفعلية كما تدخل على الجملة الاسمية، وينظر في أدلة هذا القول ما بينه صاحب كتاب معاني النحو فيه(29). وممن انتقد هذا التقدير بنت الشاطئ في كتابها التفسير البياني للقرآن الكريم، ورأت أنه من جور الصنعة الإعرابية على البيان العالي للقرآن الكريم(30).
وبناء على أنها لام توكيد لا لام قسم تنتفي دعوى وجود مبتدأ محذوف.
10- حذف المفعول الثاني للفعل يعطي من الآية الخامسة وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ٥
11- حذف مفعول الفعل آوى في الآية السادسة أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمࣰا فَـَٔاوَىٰ٦
12- حذف مفعول الفعل هدى في الآية السابعة وَوَجَدَكَ ضَآلࣰّا فَهَدَىٰ٧
13- حذف مفعول الفعل أغنى في الآية الثامنة وَوَجَدَكَ عَآئِلࣰا فَأَغۡنَىٰ٨
حذف المفعول الثاني من الفعل يعطي، ومفاعيل الأفعال الثلاثة آوى وهدى وأغنى، وكله من الحذف الجائز في اللغة كما قرره النحاة، وقد سبق مثله في حذف مفعول قلى، والتقدير في الثلاثة فآواك فهداك فأغناك، وفي الثاني من يعطي تقديرات متنوعة سيأتي بيانها.
قال الزمخشري: “فَأَغْنى فأغناك بمال خديجة. أو بما أفاء عليك من الغنائم. قال عليه السلام: «جعل رزقي تحت ظل رمحي» وقيل: قنعك وأغنى قلبك”(31).
14- حذف المضاف في الآية السابعة: وَوَجَدَكَ ضَآلࣰّا فَهَدَىٰ7
قال أبو حيان (ت ٧٤٥ هـ) في تفسيره: “وَلَقَدْ رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ أَنِّي أُفَكِّرُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَأَقُولُ عَلَى الْفَوْرِ: وَوَجَدَكَ، أَيْ وَجَدَ رَهْطَكَ، ضَالًّا، فَهَدَاهُ بِكَ. ثُمَّ أَقُولُ: عَلَى حَذْفِ مضاف، نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ”(32). ومنشأ هذا التقدير التخلص من وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالضلال، وقد تقررت عصمته بأدلة الشرع، وليس هذا التقدير بمتجه ولا بمتبادر، ولا دليل عليه كالآية التي ذكرها، فإن القرية لا تُسأل ولا تتكلم فالمقصود أهلها، وقد ذكر المفسرون لهذه الآية تفاسير كثيرة، فيها ما لا يتسق مع البيان القرآني، قالت بنت الشاطئ: “فالاحتكام إلى القرآن الكريم نفسه، يعفينا من التزام المصطلح في لفظ الضلال بمعنى الكفر، وهو أيضاً يعفينا من تلك التأويلات العشرين التي تكلفوها في تفسير الآية لينفوا الكفر عن سيدنا محمد قبل أن يبعث”(33).
ومن الملاحظ في جميع ما لم يصح ثبوت حذفه مما سبق من الأمثلة أنه لا ينسجم مع بلاغة القرآن وحسن بيانه.
تنبيه: لا يوجد محذوف هو جواب الشرط بعد إذا في الآية الثانية: وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢، وذلك لأن “إذا” هنا متمحضة للظرفية وخارجة عن معنى الشرط، فلا تحتاج إلى جواب، فليس في الآية محذوف، قال ابن هشام ممثلا لهذا النوع (ت ٧٦١هـ)،: “ومن ذلك إذا التي بعدها القسم نحو {والليل إذا يغشى} {والنجم إذا هوى} إذ لو كانت شرطية كان ما قبلها جوابا في المعنى كما في قولك آتيك إذا أتيتني فيكون التقدير إذا يغشى الليل وإذا هوى النجم أقسمت وهذا ممتنع لوجهين: أحدهما أن القسم الإنشائي لا يقبل التعليق لأن الإنشاء إيقاع والمعلق يحتمل الوقوع وعدمه، فأما إن جائني فوالله لأكرمنه فالجواب في المعنى فعل الإكرام لأنه المسبب عن الشرط وإنما دخل القسم بينهما لمجرد التوكيد، ولا يمكن ادعاء مثل ذلك هنا؛ لأن جواب والليل ثابت دائما، وجواب والنجم ماض مستمر الانتفاء، فلا يمكن تسببهما عن أمر مستقبل وهو فعل الشرط. والثاني أن الجواب خبري فلا يدل عليه الإنشاء لتباين حقيقتهما”(34).
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
3 المبحث الثالث: مناقشة الحذف بلاغيا
بعد مناقشة المحذوف نحويا نناقش هنا علة هذا العدول إلى الحذف بلاغيا، إذ لا يكون العدول في الكلام البليغ إلا لغرض بلاغي، فكيف بالقرآن الكريم؟! ونقتصر في ذلك على ما صح حذفه دون ما لم يصح.
خلاصة ما ذكر في متعلق البسملة الخلاف في المحذوف أاسم هو أم فعل؟ وعلى كلا التقديرين أيقدّر مقدما أم مؤخرا؟ وظاهر كلام الرازي تجويز جميع الأوجه، وأما الزمخشري فيقدره فعلا مؤخرا، وهذا الوجه هو الأقرب، وذلك لعدة أمور: أما أولا فلأنه هو المتبادر، وأما ثانيا فلأنه هو المناسب للمعنى، فالقارئ في ذلك الحال يناسبه التعبير عنه بالفعل فهو يقرأ باسم الله، وليس يريد الإخبار عن أمر ثابت وهو أن ابتداءه باسم الله، وتؤيد هذا التقدير نظائره في كلام العرب، ومنها موضع الحذف التالي له وهو فعل القسم، وهو الذي رجحه السالمي في قوله: “الباء للاستعانة متعلقة بمحذوف مقدم عند النحويين، ومؤخر عند البيانيين؛ لفائدة القصر والاهتمام، وهل ذلك المحذوف اسم أو فعل؟ والحق أنه فعل مناسب لغرض المبسمل تقديره: بسم الله أبتدئ أو أألف أو نحو ذلك”(35). وتقدير المحذوف مقدما يؤيده أن الأصل في المحذوف أن يكون في موقعه لا مؤخرا، إلا أن العلة في تقديم الجارّ والمجرور حاصلة هنا فيكون تقدير الفعل مؤخرا أولى، أما تقديمه عند النحويين فلعلهم قالوا ذلك لأجل إيضاح المتعلّق به مع قطع النظر عن موضعه، وإلا فإن نظر النحوي ينبغي أن يلاحظ جانب البلاغة، كما أن نظر البياني ينبغي أن يلاحظ الجانب النحوي.
2- حذف فعل القسم في الآية الأولى وَٱلضُّحَىٰ 1
يكثر الحذف في أسلوب القسم، ويكون على أكثر من وجه، قال السيرافي(ت ٣٦٨ هـ):«وإنما احتمل الحذف الكثير في القسم، والتغيير لكثرته في كلامهم حتى حذف فعل القسم، ولا يكادون يذكرونه مع الواو والتاء»(36). فهنا يبين السيرافي أن الغرض من هذا الحذف الاختصار وذلك لظهور المراد بسبب كثرة الاستعمال، وذلك للاكتفاء بمعرفة المحذوف بسبب كثرة القسم في كلام العرب.
3- حذف مفعول الفعل قلى في الآية الثالثة مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ٣
ذكر الزمخشري [ت ٥٣٨ هـ] في الكشاف غرضا واحدا لحذف هذه الكاف فقال: «حذف الضمير من قَلى كحذفه من الذَّاكِراتِ في قوله وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ يريد: والذاكراته ونحوه: فَآوى … فَهَدى … فَأَغْنى وهو اختصار لفظي لظهور المحذوف»(37). وذكر الرازي (ت ٦٠٦هـ) ثلاثة وجوه في حذفها فقال: ” وَفِي حَذْفِ الْكَافِ وُجُوهٌ.
أَحَدُهَا: حُذِفَتِ الْكَافُ اكْتِفَاءً بِالْكَافِ الْأُولَى فِي وَدَّعَكَ، وَلِأَنَّ رؤس الْآيَاتِ بِالْيَاءِ، فَأَوْجَبَ اتِّفَاقُ الْفَوَاصِلِ حَذْفَ الْكَافِ.
وَثَانِيهَا: فَائِدَةُ الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ مَا قَلَاكَ وَلَا [قلا] أحدا مِنْ أَصْحَابِكَ وَلَا أَحَدًا مِمَّنْ أَحَبَّكَ إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ، تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»(38). فجمع مع الوجه الذي ذكره الزمخشري وجها آخر وهو مراعاة اتفاق القافية وجعلهما وجها واحدا، وكلاهما لا صلة له بالمعنى، وإنما يراعيان اللفظ. وعلقت عائشة بنت الشاطئ (ت ١٤١٩هـ) على وجه مراعاة اتفاق الفاصلة -بعد أن ذكرت الأول عن الزمخشري والطبري وأبي حيان، والثاني عن النيسابوري والرازي- بقولها: «وأما تعليل الحذف برعاية الفاصل، فليس من المقبول عندنا أن يقوم البيان القرآني على اعتبار لفظي محض، وإنما الحذف لمقتضى معنوي بلاغي، يقويه الأداء اللفظي، دون أن يكون الملحظ الشكلي هو الأصل»(39). أما الوجه الثالث فهو غرض بلاغي متصل بالمعنى، فالحذف للإطلاق فهو لم يقلك ولا أحدا من أصحابك ولا ممن أحبك إلى يوم القيامة، وهذا الإطلاق المقيد بهذه القيود محتاج إلى دليل، فإن كان الحذف دليلا على الإطلاق فما الدليل على تقييده؟ أما تقييده بالكاف المخاطب به مقام النبوة فواضح مدلول عليه بما سبق، وأما ما بعده فلا دليل عليه، وإنما قد تدل عليه الآية مع أدلة أخرى أو بلازمها، لذلك علقت بنت الشاطئ عليه بقولها: “وفي الإطلاق، على ما بينه الرازي، توسع لا يعطيه صريح السياق خطاباً للمصطفى صلى الله عليه وسلم بعد فتور الوحي”(40).
ثم قالت: “ويبقى القول بأن الحذف لدلالة ما قبله على المحذوف، وتقتضيه حساسية معنوية مرهفة، بالغة الدقة في اللطف والإيناس، هي تحاشي خطابه تعالى لحبيبه المصطفى في مقام الإيناس: ما قلاك. لما في القلى من الطرد والإبعاد وشدة البغض”. ويظهر من كلامها قبول الحذف للاختصار، ورد الحذف للفاصلة، مع أنهما كلاهما ملحظان لفظيان، ولا ما نع من قبولهما معا مع التأكيد على أن الملحظ المعنوي هو المقصود أصالة، وأيد ما ذهبت إليه من تعليل الحذف بالغرض المعنوي فاضل السامرائي فذكر أن “لهذا الحذف غرضا بديعا وسرا لطيفا علاوة على ما ذكروه(41)، وهو أن الحذف ههنا للإكرام والتعظيم وذلك أنه تعالى لم يرد أن يواجهه بالقلي فيقول (وما قلاك) وإنما اكتفي بالمفعول السابق أكراما لرسول الله من أن يناله الفعل”(42). وقد سبق إلى هذا الآلوسي (ت ١٢٧٠هـ) في تفسيره، فقد جمع جميع ما سبق فقال: “وحذف المفعول لئلا يواجه عليه الصلاة والسلام بنسبة القلى وإن كانت في كلام منفي لطفا به صلى الله عليه وسلم وشفقة عليه -عليه الصلاة والسلام-، أو لنفي صدوره عنه عز وجل بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم ولأحد من أصحابه ومن أحبه صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، أو للاستغناء عنه بذكره من قبل مع أنَّ فيه مراعاة للفواصل(43).
والذي يظهر للباحث أن الغرض البيّن في حذف الكاف هو الإكرام والتعظيم لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، فمِن إكرامه ألا يواجه بنسبة القلى إليه وإن كان منفيا، ويجمع إلى هذا الغرض ما قيل من مراعاة الفاصلة والاكتفاء بذكره سابقا للاختصار، إذ لا ضير في اجتماع أكثر من غرض بلاغي في الأمر الواحد، بل إن هذا هو الذي يناسب بلاغة القرآن ورفعة بيانه، إلا أن المعنى هو المقصود في المقام الأول لا اللفظ، ويمكن أن يضاف إلى هذه الأغراض أنّ الحذف أدلُّ على تأكيد نفي حصول القلى منه عز وجل في حقه صلى الله عليه وسلم، فنفاه وحذف المفعول، فإن قيل فكيف أثبته في التوديع؟ فالجواب أن بينهما فرقا، فالتوديع عادة يكون بين المتحابين والأصحاب(44)، بخلاف القلى، قال الآلوسي: “على أن التوديع مستعار [استعار]ة تبعية للترك، وفيه من اللطف والتعظيم ما لا يخفى فإن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقته كما قال المتنبي:
حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا … فلم أدر أي الظاعنين أشيّع»(45).
“فأنت ترى أن ذكر المفعول مع التوديع إكرام له صلى الله عليه وسلم، وحذفه من القلى إكرام له، فهو إكرام في الذكر وإكرام في الحذف، وهذا من ألطف مواطن الذكر والحذف”(46).
4- حذف المفعول الثاني للفعل يعطي من الآية الخامسة وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ٥
كثرت تقديرات المفسرين للمفعول الثاني ليعطي في هذه الآية، والظاهر أن تلك التقديرات على سبيل التمثيل لعطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن الغرض من حذف المفعول إرادة الإطلاق، قال الزمخشري: “وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى موعد شامل لما أعطاه في الدنيا من الفلج والظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح، مكة، ودخول الناس في الدين أفواجا، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم، وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة وأنهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام، وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين، ولما ادّخر له من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلا الله. قال ابن عباس رضى الله عنهما: له في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك”(47)، فكل هذه التفاصيل داخلة في مجمل العطاء، وقال الرازي: “وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْلَى حَمْلُ الآية على خيرات الدنيا والآخرة”(48). أما تخصيص المفعول بشيء معين لا يتعداه العطاء، فهو تخصيص بدون بينة قاطعة، ويذهب بالغرض البلاغي من الحذف في الآية.
5- حذف مفعول الفعل آوى في الآية السادسة أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمࣰا فَـَٔاوَىٰ٦
6- حذف مفعول الفعل هدى في الآية السابعة وَوَجَدَكَ ضَآلࣰّا فَهَدَىٰ٧
7- حذف مفعول الفعل أغنى في الآية الثامنة وَوَجَدَكَ عَآئِلࣰا فَأَغۡنَىٰ٨
سبق أن النحاة ذكروا جواز حذف المفعول للفعل المتعدي، وأنهم ذكروا أنه قد يحذف مراعاة للفاصلة، وهذا التعليل مناسب لهذا المقام في هذه الآيات، إلا أن هذا الغرض يراعي اللفظ فقط، وليس المقصود ذلك فحسب، بل المعنى أولى بالمراعاة هنا في الحذف، وقد ذكر الألوسي ما قيل في الغرض من الحذف هنا، فقال: «وحذف المفعول في الأفعال الثلاثة لظهور المراد مع رعاية الفواصل. وقيل: ليدل على سعة الكرم والمراد آواك وآوى لك وبك وهداك ولك وبك وأغناك ولك وبك وظاهر الفاء مع تلك الأفعال تأبى ذلك»(49).
وأنكرت بنت الشاطئ التعليل بمراعاة الفاصلة كموقفها مما سبق، وأقرت التعليل بالاختصار وبإرادة الإطلاق، فقالت: «وفي حذف كاف الخطاب من: “فآوى، فهدى، فأغنى” قال مفسرون بالحذف لرعاية الفواصل. وهو ما لا نرى البيان العالي يتعلق به. وأولى منه قول من قالوا بالحذف لدلالة صريح السياق على المخاطب. ونضيف إليها فائدة الإطلاق، فتحتمل: فآواك وآوى برسالتك اليتامى والمستضعفين، فهداك وهدى بك أمتك، فأغناك وأغناها بك»(50).
ويرى السامرائي أن الحذف لكل ذلك، ثم فصّل في معنى العموم المراد من الحذف بما عليه واقع سيرته صلى الله عليه وسلم وأحوال تابعيه (51)، إلا أنه لم يعلق على إباء الفاء لذلك المعنى، ويظهر أن الألوسي يقصد أن الفاء تجعل المعنى خاصا به صلى الله عليه وسلم دون غيره لأنها عاطفة على فعل متعد إلى الكاف المخاطب بها، فيكون التقدير بالكاف دون غيرها من التقديرات التي تتعدى بحرف الجر، وقد يجاب بأن ذلك غير لازم، وإن كان أدخل في المعنى وأمكن من غيره.
4 أهم النتائج
نخرج مما سبق عرضه بهذه النتائج:
- جملة مواضع الحذف في سورة الضحى تصريحا وتخريجا على أقوال النحاة والمفسرين أربعة عشر موضعا، يصح منها سبعة مواضع فقط.
- الأغراض البلاغية للحذف في سورة الضحى قسمان: أغراض تراعي اللفظ وهي الاكتفاء بما ذكر ومراعاة فواصل الآيات، ومنها أغراض معنوية وهي التكريم والتعظيم، والتأكيد على النفي، وإرادة العموم والإطلاق وما يلزم منه من تعظيم المحذوف.
- ما لا يصح من التقديرات النحوية للمحذوف يخلّ بنظم القرآن ولا ينسجم مع بلاغته وبيانه العالي.
- يمكن أن تجتمع أكثر من علة بلاغية في الحذف الواحد، وذكر بعض العلماء لعلة معينة لا يلزم منه أنه ينفي العلة الأخرى.
- ذكر المفسرين للمحذوف لا يلزم منه أنهم يجزمون أنه هو المقصود لا غير في الحذف، كما لا يلزم منه إنكارهم أن الحذف لغرض بلاغي.
- لا يصح تقدير المحذوف بكلمة معينة لا دليل عليها.
الهوامش
(1) لسان العرب: ابن منظور، 8/420.
(2) جواهر البلاغة: أحمد الهاشمي، ص40.
(3) معجم مقاييس اللغة: ابن فارس، 4/ 246.
(4) لسان العرب: ابن منظور، 11/434.
(5) ينظر: الأسلوبية والأسلوب: عبد السلام المسدي، ص،111، وص.120-129.
(6) الصحاح: الجوهري، 4/ 1341.
(7) ظاهرة الحذف في الدرس اللغوي: طاهر سليمان حمودة، ص4.
(8) موسوعة التفسير بالمأثور: مركز الدراسات والعلوم القرآنية بمعهد الشاطبي، 23/320-325.
(9) الغرض من إيراد السورة هنا كاملة تقريب الموضوع من ذهن القارئ الكريم، وتوضيح المسألة له ليكون متصورا مواضع الحذف مع سياق الآيات.
(10) الكشاف: الزمخشري، ج1 ص2.
(11) مفاتيح الغيب: الرازي، 1/99.
(12) شرح كتاب سيبويه: السيرافي، 4/237.
(13) معاني القرآن وإعرابه: الزجاج، 5/51.
(14) الكشف والبيان: الثعلبي، 29/ 473.
(15) الهداية إلى بلوغ النهاية: مكي بن أبي طالب القيسي، 12/ 8323.
(16) تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه: محمد الدرة، 7/ 415.
(17) انظر مثلا: المغني: ابن قدامة المقدسي، 13/438. وقد ذكر هذا الجواب ثانيا وقدم بأن الله يقسم بما يشاء.
(18) شرح الكافية: الرضي الاستراباذي، 4/315.
(19) الكتاب: سيبويه، 3/ 501.
(20) شرح الكافية: الرضي الاستراباذي، 4/314.
(21) شرح الكافية: الرضي الإستراباذي، 4/314.
(22) شرح الكافية: الرضي الإستراباذي، 4/314.
(23) شرح الكافية: الرضي الإستراباذي، 4/314.
(24) معاني القرآن: الفراء، 3/273.
(25) شرح ابن عقيل: ابن عقيل، 2/115.
(26) روح المعاني: الألوسي، 15/ 378.
(27) روح المعاني: الألوسي، 15/ 379.
(28) الكشاف: الزمخشري، 4/767.
(29) روح المعاني: الألوسي، 15/378.
(30) معاني النحو: فاضل السامرائي، 4/156-160.
(31) التفسير البياني للقرآن الكريم: عائشة بنت الشاطئ، 1/40.
(32) الكشاف: الزمخشري، 4/768.
(33) البحر المحيط: أبو حيان، 10/497.
(34) التفسير البياني: بنت الشاطئ، 1/46.
(35) مغني اللبيب: ابن هشام، ص136.
(36) بهجة الأنوار: السالمي، ص43.
(37) شرح كتاب سيبويه: السيرافي، 4/ 239.
(38) الكشاف: الزمخشري، 4/ 766.
(39) مفاتيح الغيب: الرازي، 31/192.
(40) التفسير البياني: عائشة بنت الشاطئ، 1/35.
(41) التفسير البياني: عائشة بنت الشاطئ، 1/34.
(42) أي النحاة من أن الحذف لتناسب الفواصل.
(43) معاني النحو: فاضل السامرائي، 2/93.
(44) روح المعاني: الألوسي، 15/375.
(45) على طريق التفسير البياني: فاضل السامرائي، 1/148.
(46) روح المعاني: الآلوسي، 15/ 374.
(47) على طريق التفسير البياني: فاضل السامرائي، 1/150.
(48) الكشاف: الزمخشري، 4/766-767.
(49) مفاتيح الغيب: الرازي، 31/195.
(50) روح المعاني: الألوسي، 15/ 382.
(51) التفسير البياني: بنت الشاطئ، 1/50.
(52) على طريق التفسير البياني: فاضل السامرائي، 1/157-158.
- البحر المحيط: محمد بن يوسف، الشهير بأبي حيان الأندلسي، دار الفكر – بيروت، ط: ١٤٢٠ هـ / ٢٠٠٠ م.
- بهجة الأنوار (الشرح المختصر لمنظومة أنوار العقول): عبد الله بن حميد السالمي، مكتبة خزائن الآثار، ط1: 1437ه/2016م.
- التفسير البياني للقرآن الكريم: عائشة محمد علي عبد الرحمن المعروفة ببنت الشاطئ، دار المعارف – القاهرة، ط7.
- تفسير الثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن: أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي (ت ٤٢٧ هـ)، تحقيق: عدد من الباحثين، دار التفسير، جدة – المملكة العربية السعودية، ط1: ١٤٣٦ هـ – ٢٠١٥ م.
- تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه: محمد علي طه الدرة، دار ابن كثير – دمشق، ط1: ١٤٣٠ هـ – ٢٠٠٩ م.
- جواهر البلاغة: أحمد الهاشمي، تحقيق: يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، بيروت، ط: 2010م/1431هـ.
- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، تحقيق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1: ١٤١٥ هـ.
- شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: ابن عقيل ، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد، دار التراث – القاهرة، دار مصر للطباعة ، سعيد جودة السحار وشركاه، ط20: ١٤٠٠ هـ – ١٩٨٠ م.
- شرح كافية ابن الحاجب: رضي الدين محمد بن الحسن الاستراباذي، تحقيق: إيميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية-بيروت، ط1: 1419م/1998م.
- شرح كتاب سيبويه: أبو سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان ، تحقيق: أحمد حسن مهدلي، علي سيد علي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1: ٢٠٠٨ م.
- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين – بيروت، ط4: ١٤٠٧ هـ – ١٩٨٧ م.
- ظاهرة الحذف في الدرس اللغوي: طاهر سليمان حمودة، الدار الجامعية، الإسكندرية، ط:1998م.
- على طريق التفسير البياني: فاضل صالح السامرائي، دار ابن كثير، ط2: 1441هـ/2020م.
- الكتاب: سيبويه عمرو بن عثمان بن قنبر، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3: ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م.
- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: محمود بن عمر بن أحمد الزمخشري، وبهامشه أربعة كتب، تحقيق: مصطفى حسين أحمد، دار الريان للتراث بالقاهرة – دار الكتاب العربي ببيروت، ط3: ١٤٠٧ هـ – ١٩٨٧ م.
- لسان العرب: محمد بن مكرم ابن منظور الأنصاري، دار صادر – بيروت، ط3: ١٤١٤ هـ.
- المسدي؛ عبد السالم: الأسلوبية والأسلوب، الدار العربية للكتاب، ط،3.
- مطلوب؛ أحمد: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1415هـ1215:م.
- معاني القرآن وإعرابه: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب – بيروت، ط1: ١٤٠٨ هـ – ١٩٨٨ م.
- معاني القرآن: يحيى بن زياد الفراء، تحقيق: أحمد يوسف النجاتي – محمد علي النجار- عبد الفتاح إسماعيل الشلبي، دار المصرية للتأليف والترجمة – مصر، ط1.
- معاني النحو: فاضل صالح السامرائي، دار الفكر- عمّان، ط5: 2011/1432هـ.
- معاني النحو: فاضل صالح السامرائي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع –الأردن، ط1: ١٤٢٠هـ/٢٠٠٠ م.
- معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت ٣٩٥هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ط: ١٣٩٩هـ – ١٩٧٩م.
- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن هشام تحقيق: مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار الفكر – دمشق، ط6: ١٩٨٥م.
- المغني: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، تحقيق: عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، عبد الفتاح محمد الحلو، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض – المملكة العربية السعودية، ط3: ١٤١٧ هـ – ١٩٩٧ م.
- مفاتيح الغيب = التفسير الكبير: محمد بن عمر الرازي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط3: ١٤٢٠ هـ.
- موسوعة التفسير بالمأثور، مركز الدراسات والعلوم القرآنية بمعهد الشاطبي، دار وقف أضواء الشاطبية للنشر، جدة-المملكة العربية السعودية، دار ابن حزم، بيروت، ط3: 1443هـ/2022م.
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه: مكي بن أبي طالب القيسي، مجموعة بحوث الكتاب والسنة – كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة الشارقة، ط1: ١٤٢٩ هـ – ٢٠٠٨ م.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)