قسم اللغة العربية، كلية الآداب واللغات، جامعة امحمد بوقرة بومرداس، الجزائر
الملخص
إنّ الانتماء الجغرافي للقارة الإفريقية يُحتّم علينا كباحثين الاهتمام بالأدب الإفريقي بشقيه الشعري والنثري، خصوصا وأنه لا يزال أرضا خصبة للدراسة، وموضوعا مهما في الدراسات الكولونيالية وما بعدها. وتأتي مناقشتنا لقضايا الرواية كما عرضها ج. م. كويتزي في محاضرته انطلاقا من مقاربة ثقافية، نتتبع فيها مسار الرواية في إفريقيا وقضاياها بما تحمله من حمولات تاريخية، وجغرافية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، خصوصا وأنه عُرف عن الإفريقي غناه بموروث ضخم من ألوان الفنون الشفوية مقارنة بالرواية التي يعتبرها البعض نوعا أوروبيا جاء بالاستعارة مع الهجمة الإمبريالية على القارة السمراء. وخلافا لذلك، خلصنا إلى نتيجة مفادها أنّ الرواية كنوع أدبي ليس محصورا بهوية مركزية واحدة ما دامت أنها قد رضعت من الأساطير والميثولوجيا عبر تاريخها الطويل وهو ما يجعلها متاحة للجميع. ثم إن الرواية قد تجد مستقبلها في إفريقيا بعدما استنفذت ماضيها وتجاربها في أوروبا. إنّ التراث الشفهي المتنوع في إفريقيا المتعالق مع نص الرواية المكتوب سيجعل منها أكثر تميّزا وأكثر حساسية وأكثر غنى. على أنّ الكتابة بلغة المستعمر تظلّ قضية دائمة الحضور، لكن قد يكون لها دور إيجابي إن نُظر إليها من زاوية أخرى، فهي ستوسع مساحة المقروئية من جهة، ومن جهة أخرى، سيكون ذلك عاملا من العوامل التي تؤدي بالرواية الإفريقية إلى العالمية إنْ تمّ استيعابها بعيدا عن أية حساسية، لكن مع تشجيع اللغات المحلية أيضا التي تمّ إفقارها إبان الاستعمار وإعادة إحيائها من جديد. وأخيرا، لا بد للمؤسسات الحكومية في إفريقيا بذل جهد أكبر في إبراز الأقلام الجادة بدل دفعهم إلى الهجرة بعيدا عن أوطانهم.
الكلمات المفتاحيّة: الرواية، إفريقيا، الإمبريالية، ما بعد الكولونيالية، الفنون الشفوية.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
مقدمة
يأتي اهتمامنا بالرواية تحديدا، بسبب القضايا التي شغلت هذا الجنس الأدبي، فعلى خلاف الشعر والدراما والمسرح، عرفت إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تحديدا، “خلافا مريرا ثار في عهد الحرية والاستقلال حول الأنواع الأدبية الأخرى التي طورتها أوروبا، وقدمتها إلى العالم في صورة ناضجة، وعلى رأسها الرواية والقصة القصيرة والسيرة. فمن الثابت أنّ هذه الأنواع الأدبية الثلاثة الأخيرة دخلت إفريقيا كلها عن طريق الاحتكاك المباشر بالآداب الأوربية الحديثة”. (شلش، 1978، صفحة 125)
إنّ اهتمام ج. م. كويتزي J .M. Coetzee بالرواية في إفريقيا ينجم عن كونه روائيا أولا، وفردا ينتمي إلى هذه القارة ثانيا. وهو ما سنعرضه في هذه البحث بالتفصيل.
ألقى ج. م. كويتزي محاضرة بعنوان “الرواية في إفريقيا” على جمهور متميّز من جامعة بيركلي بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1998م، استجابة لدعوة كان قد تلقاها من مركز تاونسند للعلوم الإنسانية، لدورة محاضرات “آنا” السنوية. (كويتزي، 2004، صفحة 40)
تكمن أصالة محاضرة هذا الروائي والأكاديمي الجنوب إفريقي في اختياره موضوعا ينتمي إلى جغرافيا متمايزة ثقافيا عن الجمهور المستمع. إنّها “الرواية في إفريقيا” حيث يعيش ج. م. كويتزي الخبير بها وبسياق وجودها وتشكلّها. وبتحدّيه السقوط في فخ بحث أدبي نقدي صارم، نسج –كعادته- شكلا جديدا لهذا الطرح بحبكة قصصية تلائم الغرض المنشود.
على ما يبدو أن الجمع بين “الرواية” و”إفريقيا” عند ج. م. كويتزي يُحيل في الواقع إلى توأمة غريبة بين علامتين متضادتين، فالرواية جنس أدبي أوروبي بامتياز عند الكثيرين، وهي كما يصفها ميلان كونديرا- على سبيل المثال- بكثير من الزهو الذي لا يخلو من تعصب، “مبدع أوروبا، وتنتمي اكتشافاتها جميعا، حتى ولو تمت بلغات مختلفة، إلى أوروبا كلها”. أما إفريقيا المشبعة بإرث شفاهي لا ينتهي، فإن الرواية فيها تُعدّ حسب الناقد أ. ر. داثورني “الشكل الفني الأدبي الوحيد الذي دخل عن طريق الاستعارة الخالصة، وفُرض –فوق هذا- على تطور النموذج المحلي” (شلش، 1978، صفحة 125) . ولهذا لا نستغرب أن يُرشح كويتزي لموضوعه النقدي المحبوك قصصيا بطلين تخييلين مختلفين تماما، يُمثّل أحدهما الرواية في أوروبا من جهة، والآخر الرواية في إفريقيا من جهة ثانية: الكاتبة الأسترالية ذات الأصول الانجليزية إليزابيث كاستلو، والكاتب النيجيري أمانويل أجيدي، اللذيْن سيجمعهما مكان واحد (سطح سفينة بحرية “س. س. نورثرن لايتس”) لعرض محاضرة حول الرواية، لكن النقاش سيتجه أساسا نحو الرواية في إفريقيا، هذا الموضوع الغريب. فما الوصف الذي قدمه كويتزي لصورة الرواية في إفريقيا؟ وما هي أهم قضاياها؟ وأية حبكة ستكون ملائمة لهذا الغرض النقدي؟
ننوّه إلى أنّ ما يُميّز نص كويتزي هي النبرة الساخرة المكتومة، حيث يمكننا أن نسمع صوتين مختلفين لشخصية واحدة، وهي شخصية الراوي التي يبدو أنها تتطابق مع الكاتب كويتزي هنا، بل يجعلها مطية لبثّ أفكاره ورؤاه حول الرواية عموما، والرواية في إفريقيا خصوصا، وكذا موقفه منها. لقد اختار كويتزي لقصته النقدية راويا مجهولا بالنسبة للقارئ، كليّ الحضور، وعالِم بكل شيء، نسمع دائما منذ بدايتها وصفا ساخرا مستترا في غالب الأحيان من الكاتبة إليزابيث كاستلو في كل قول أو فعل، منذ اختيارها العرض المغري من شخصية مجهولة رمز لها كويتزي بالحرف “س”، لكنها معلومة عند البطلة ولها سابق معرفة بها، وسيسرّها عبر هذه الفرصة الثمينة أن تتسلّى وتُرفه عن نفسها، و تضع قدمها على جزيرة نائية من البشر “جزيرة ماكيري”، بعد أن تتخلص من عبء حديثها عن الرواية، نصها المكرر، القديم والجديد، الطويل والقصير، الذي لا تفتأ تكرره في كل المناسبات، إنّ “مستقبل الرواية” هو”حديث سبق أن قدمته من قبل، في الحقيقة، عدة مرات من قبل، مطولا أو مختصرا بما يعتمد على المناسبة .. لا شك أنّ هناك ترجمات مطولة أو مختصرة عن الرواية في إفريقيا، وعن الحيتان أيضا، وقد اختارت نصا مختصرا من أجل هذه المناسبة”. ولا شك أنّ الهُزء المشبوب في الحوار الداخلي لبطلتنا لا يخفى على أحد وهي تساوي بين الرواية في إفريقيا وبين الحيتان، مما يجعلها لاحقا عرضة للصدام مع أجيدي الكاتب النيجيري المشاكس الذي اختار أن يكون موضوع حديثه “الرواية في إفريقيا”.
سنحاول الآن فهم طبيعة أسلوب كلا المتكلمين وبيان الفروقات الموجودة على مستوى خطاب كل منهما وشخصيته بشكل مقتضب بما يناسب موضوعنا الأساس.
أ- “مستقبل الرواية” عند كاستلو ومتاعبها الإيمانية
نعتقد جازمين أن استعمال الرمز وبعض الإشارات الضمنية الموحية في تحديد كلا الطرفين عند كويتزي حاضرة بقوة في القصة، فالكاتبة الأسترالية المشهورة – ذات الأصول الأوروبية- التي ارتبطت شهرتها برواية واحدة عُرفت بها منذ زمن بعيد (رواية منزل في شارع أكسل)، لم تعد تحتفظ بذلك البريق في صباها، وهي التي يزعجها أن ترتبط بكتاب وحيد صدر منذ زمن بعيد.
يبدو أن الكاتبة ركنت إلى الخمول والكسل، تعيد اجترارها حديثا واحدا ووحيدا كلما سنحت لها فرصة ما أمام جمهور يشبهها. لكنها تملك من النباهة ما يجعلها تتوارى خلف الجهور عن أجيدي الذي ربطته بها علاقة عاطفية في ماضي شبابها، تُحقّره، وتُحقّر موضوعه الذي لا يثير اهتمامها، وتعتقد أن لا خصوصية في الرواية في إفريقيا غير أنّها جنس مشوّه على أيدي هؤلاء البشر الذين يواجهون قضايا شديدة التعقيد يعجزون عن إيجاد حل لها.
يحتل الحديث الذي قدمته الكاتبة كاستلو صفحة كاملة في أربع فقرات منها القصيرة، ومنها متوسطة الطول. عنوان كلمتها “مستقبل الرواية” يوحي إلى مستقبل الرواية الأوروبية التي تمثّلها. لكن هذه الكلمة التي استهلكتها أكثر من مرة، وأضافت إليها وحذفت منها بما يناسب كل حدث، لا تعنيها في الحقيقة، ولا تؤمن بها. فالقارئ لخطابها المفكك لا تربطه رابطة واضحة بين جمله ومعانيه، يشعر بعدم الثقة فيما تقوله. إنه خطاب مهزوز فاقد للحجّة، لا بريق له، ولا يضيف شيئا. لقد “بدأ التعب يبدو عليها، وكذلك عدم الاقتناع. من ناحية أخرى… لم تعد تؤمن بقوة شديدة أكثر من ذلك في الإيمان… (..) إذا كانت لديها متاعب إيمانية في مداخلتها، فإنّ لديها متاعب أكثر شدة في منع عدم الاقتناع بذلك من أن يظهر في صوتها، رغم أنها مؤلفة، مرموقة، (…) ورغم حقيقة أنّ مستمعيها من نفس جيلها، وهذا ما يعني أنّهم يشاطرونها ماضيا مشتركا، فإنّ التصفيق في نهاية محاضرتها كان يفتقد إلى الحماس”. (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، الصفحات 49- 50)
إنّ هذه العجوز التي ترمز للرواية ولقارتها الأوروبية، قد استهلكت كل قدراتها الفنية، كل ما تملكه من قوة. وهكذا هي الرواية في أوروبا، مستنفذة تماما وتواجه مستقبلا غامضا: “يختلف المستقبل… ليست لدينا قصة مشتركة للمستقبل… يبدو أن خلق الماضي قد استنفذ قدراتنا الجماعية على الخلق… وبالمقارنة مع قصتنا حول الماضي، فإن قصتنا حول المستقبل هي تجريد، قاحل، شأن شاحب، كما تؤول كل رؤى من السماء، إلى أن تكون: من السماء أو حتى من الجحيم”. (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 49)
جمهور كاستلو يشبهها، غير متحمس، إذ لا وجود للجدّة فيما يُطرح، وقد يغفوا بعضهم أثناء الحديث. إنه مدعو للتسلية ولمشاهدة الحيتان، ولاكتشاف جزيرة عانت سنوات طويلة من إبادة البطاريق لغايات صناعية. إنّ شغف الاكتشاف هذا لأرض لم تطأه قدم إنسان يُعبّر من الروح الإمبريالية في الفرد الأوروبي.
ب- “الرواية في إفريقيا” عند أجيدي ومتاعبها الجغرافية والتاريخية
بالنسبة لأجيدي الأمر مختلف تماما، شخصية واثقة من نفسها، متحمسة، تؤمن بموضوعها وتدافع عنه. تنعكس هذه الصفات بوضوح في طريقة أسلوبه المستفز الذي يتخذ شكل حوار علني يدعو فيه الجمهور إلى التفكير في خصوصية الرواية في إفريقيا وأهميتها.
يعتمد أجيدي أسلوبا حجاجيا في طرح أفكاره وهو ما يجعله أكثر إقناعا من كاستلو. ثم إنّ أجيدي لا يخشى طرق الأبواب المقفلة ومناقشة المواضيع الشائكة والخروج عن الحدود.
وعلى عكس كاستلو تماما، تحتل كلمة أجيدي صفحات طويلة بل ويستمر في النقاش بعدها في سهرة العشاء التي ستجمعه بكاستلو. ستناقَش المواضيع الحساسة، والممنوعة عن الظهور إلى الملأ كقضية الهوية اللغوية في الرواية الإفريقية ومستقبلها.
بصوته الجهوري الهادر، أيقظ أجيدي الحضور، وأقلق أذهانهم. فموضوعه غريب عجيب، محكم نشعر فيه بقوة الكلمة وشجنها أيضا، أما طريقة الطرح التي يعتمدها أجيدي فإنها تثير الدهشة والاهتمام. لقد أراد أن يختار موضوعا ثقيلا عن قصد لمناقشة ما يقوله هذا الكائن الإفريقي على سطح السفينة في رحلة بحرية مخصصة للاكتشاف والتسلية.
إنّ الملاحظات والقضايا التي يطرحها ويناقشها أجيدي نابعة من الطبيعة الجغرافية التي أفرزت هذه الرواية، والتي رافقت نضال الإفريقي مع الحركات السياسية من أجل إرثه الشفوي، وتقاليده، ولونه.
ج – قضايا الرواية في إفريقيا
سنحاول مشاركة أجيدي –بطل كويتزي- أسئلته، ومناقشتها، وفهم طبيعة هذه الرواية في إفريقيا بكل ما تحمله من حمولات تاريخية، وجغرافية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية.
افتتح أيمانويل أجيدي حديثه بسؤال مربك، هو في حقيقته الصوت الداخلي الذي سمعه هذا النيجيري في صدر كل واحد من هؤلاء الحاضرين، الذين من الممكن التكهّن أنهم لا ينتمون إلى القارة التي ينتمي إليها أجيدي: “ما الشيء شديد الخصوصية حول الرواية في إفريقيا؟ ماذا يجعلها مختلفة، مختلفة كفاية حتى تستحوذ على اهتمامنا؟” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 50)
يناقش أجيدي بثقة مسائل تخص الرواية في إفريقيا في شكل ملاحظات مترابطة مع بعضها البعض، وهي أربع تطول وتقصر بحسب أهمية ما يطرحه، وفي حقيقة الأمر تُشكّل هذه الملاحظات قضايا شائكة لا تزال بلا حل في بعض البلدان الإفريقية.
سنحاول الآن عرضها والغوص فيها:
1/ هوية الرواية في إفريقيا بين الكتابة والتراث الشفوي
ينتصب إيمانويل أجيدي قائما في عرض أول مسألة تتعلق بالرواية في إفريقيا، إنها مسألة الكتابة في مقابل كل ما هو شفهي حيث يقول بكثير من الحماس والعفوية : “حسنا، دعونا نرى .. نعرف كلنا، في المقام الأول، أنّ حروف الهجاء، فكرة حروف الهجاء، لم تبزغ في إفريقيا. أشياء كثيرة بزغت في إفريقيا، أشياء أكثر مما تعتقدون، ولكن ليس من بينها حروف الهجاء. لقد جُلبت حروف الهجاء إلى هناك، أوّلا بواسطة العرب، ثم مرّة أخرى بواسطة الغربيين .. لذلك فإنّ الكتابة في إفريقيا، كنص مكتوب –ولن نقول شيئا عن الرواية – هي أمر حديث.
“قد تسألون .. هل تكون الرواية ممكنة دون كتابة روائية؟ هل كان لدينا في إفريقيا رواية قبل أن يجيء أصدقاؤنا المستعمرِون؟ دعونا نرجئ ذلك السؤال في الوقت الراهن .. قد أعود إليه لاحقا.” ” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 51)
هكذا يعالج أجيدي قضايا الرواية بالمراوحة ذهابا وإيابا.
في إفريقيا، لم تُعرف الرواية في مجتمع ينتج ما يتخيله شفاهيا، فوجود الرواية كان لاحقا بعد الحرف في العالم أجمع، لكنه وجود متأخر زمنيا في إفريقيا. إنّ الرواية –خلافا لباقي الأنواع الأدبية الأخرى- “النوع الوحيد الذي لم يسبق الكتابة والكِتاب، والنوع الوحيد الذي طابق عضويا الأشكال الجديدة للاستقبال اللاصوتي، أيّ القراءة”. (باختين، 1982، صفحة 20)
إنّ الإرث الفني الشفهي المتنوع في إفريقيا، بقدر ما يجعل منها متميزة، بقدر ما يجعلها متأخرة عن تجربة الكتابة الفنية، مع الرواية تحديدا، وبالتالي بعيدة عن خلق تقاليد في هذا النوع الأدبي لتضاهي به الغرب. لكن تغفل كاستلو التي تُمثّل وجهة نظر الغربي هنا، أنّ الرواية جنس ماص، جنس قادر على امتصاص كل شيء، وعلى خلق منطقة حوارية، منطقة تماس كما يسميها باختي، تتلاقى فيها كل أجناس الخطاب الشفوية وغير الشفوية، الأدبية وغير الأدبية وشبه الأدبية. تعيد إنتاجها من جديد وتضفي عليها طابع الروائية إنها ماكينة الرواية التي تقوم على الامتصاص والتحويل وإعادة الإنتاج كما وصفته جوليا كريستيفا. (Kristeva, 1970, p. 18)
تتجلّى الرواية بهذا المفهوم، بطابعها الإمبريالي الذي يبتلع كل شيء لصالحه، ففكرة التوسع جزء مهم في تكوين هذا الجنس الأدبي، لكن يجب علينا أن ننتبه إلى أن الرواية وباقي الخطابات المعقدة التي يسميها باختين بالأجناس الثانية، تنتمي إلى الطبيعة نفسها التي تنتمي إليها أجناس الخطاب اليومية الشفاهية رغم اتسامها بالفورية والحساسية. بل تحتفظ أحيانا بشكلها ودلالتها داخل أسلوب الرواية، ساعية إلى كسر مونولوجيتها. هذا هو الدور الحواري الذي يلعبه الأدب الشعبي الشفوي، “فعندما يعتمد الأدب وفقا لاحتياجاته على الطبقات المماثلة (اللاأدبية) للأدب الشعبي، فإنه يعتمد بالضرورة على أجناس الخطاب التي يتم من خلالها تفعيل هذه الطبقات. ويتعلق الأمر في معظم الحالات على الأنماط المنتمية للجنس المتكلم المحاور، حيث أن الصوغ الحواري أكثر أو أقل وضوحا في الأجناس الثانية، والإضعاف للمبدأ المونولوجي لتركيبتها، والحساسية الجديدة للمستمع، والأشكال الجديدة لنهاية الكل .. إلخ، هناك حيث يوجد أسلوب يوجد جنس، وعندما نقوم بتمرير أسلوب جنس إلى آخر لا نحدّ من تغيير صدى هذا الأسلوب لصالح إدراجه في الجنس الذي يخصه، بل إننا نقوم بتفجير الجنس المعطى وإعادة تجديده مرة أخرى”. (Bakhtine, 1984, p. 271)
هكذا تغتني الرواية من جهة، ويندمج التراث الشفوي بسلاسة في جسد الرواية من جهة أخرى، على أن هذا الانتقال من مساحة الصوت والسماع والفرجة الفسيحة التي تسبح فيها الحكايات والقصص، والأشعار، والملاحم، والأساطير، والأغاني، والرقص، والألغاز، والاحتفالات الشعائرية، إلى مساحة الكتابة الروائية لن يكون انتقالا حياديا مفرغا من جوهره الثقافي والحضاري والإيديولوجي، بل ستتعامل معها الرواية كانعكاس مُحرّف لفظيا لهذا الوجود الإفريقي، “باعتبارها لغة مشبعة أيديولوجيا، وباعتبارها مفهوما للعالم بل وكأنها رأي ملموس”. (باختين، الخطاب الروائي، 1987، صفحة 38)
لنحاول أن نعالج الموضوع مرة أخرى من ناحية مختلفة، من وجهة نظر تاريخية إن صح القول.
تاريخيا، لم تعرف إفريقيا القراءة و الكتابة إلا القوافل العربية المسلمة، ليأتي بعده الوجود الغربي في القارة. من البديهي أن ترتبط الرواية في إفريقيا بالتعليم، “فالدراما والشعر (…) كانا جزءا لا يتجزأ من التراث الإفريقي. وكانا يؤديان وظيفتهما داخل التقاليد الشفهية، ويساهمان في المناسبات الشعائرية والاحتفالية. ولم تكن مثل هذه الوظيفة متاحة للرواية في المجتمع غير المتعلم. فلم تكن ثمة حاجة تشبعها. وليس من المدهش إذن أن تلقى الرواية الاهتمام الشديد من الأدباء الجدد عند دخول التعليم. فالرواية بطبيعتها تؤسس أرضا ذات اتصال واستجابة شخصيين، وتفعل ذلك –إلى حد ما- بصورة ملموسة”. (شلش، 1978، الصفحات 125-126)
تملك إفريقيا – كباقي الشعوب التي تؤمن بالأساطير وتمارسها في حياتها- إرثا شفويا ضخما لا نظير له، انتقل إلى الرواية باعتبارها نوعا يقوم على الحرف، ورغم اختلاف طبيعة كل منهما،”رأى الكثير من الأفريقيين أنّ الرواية ليست غريبة عن تراثهم الشفهي الحافل بالسير الشعبية والحكايات الخيالية والأساطير. وتوزعت القضية بين معسكرين: “أحدهما يرى القصة الأفريقية المعاصرة غريبة أساسا، والآخر يراها أفريقية أساسا، وكلاهما يحكم عليها بناء على رؤيته” على حد تعبير المستفرق الأمريكي بارتولد بوني الذي قدم حلا وسطا للخلاف. فقال إنّ الرواية غريبة على وجه الاصطلاح، ولكن إذا كتبها أفريقي تصبح أفريقية على وجه الاصطلاح أيضا. ومن ثمة سيجد الذين ينطلقون من كونها نوعا أدبيا جذورا غريبة في الرواية الأفريقية، وسيجد الذين ينطلقون من كونها وسيلة للتعبير الشخصي أو التعليق الاجتماعي جذورا أفريقية لها” (شلش، 1978، صفحة 126). وعلى كل، فإنّ الكثير من “علماء الاثنولوجيا والمتخصصين في الميثولوجيا والديانات والأدب المقارن يعيِّنون للأسطورة وضعية عالمية” (شارتيه، 2001، صفحة 31)، أثناء ذلك يتوجب علينا أيضا أن الرواية قد رضعت من التقاليد الشفهية في الحضارتين الإغريقية والرومانية، لكنها فُطمت بسرعة على عكس ما حال إفريقيا. ومادامت الأساطير ذات طابع شمولي في كل الحضارات التي يعتقد فيها الباحثون أنها مصدر الرواية –كنوع- الأوّل، فإنّ الرواية بالمحصلة كانت سلفا في كل مكان” (شارتيه، 2001، صفحة 31)، حتى في إفريقيا حتى دون أن يُدرك ذلك بطريقة صريحة، وقد أضفى الأفارقة “على هذا الشكل الفني الذي طورته أوربا –بلا شك- كثيرا من الطوابع المحلية، مما ورثوه من طرق متعددة في الحكي والسرد، وعناصر خاصة باللغة والبيئة، وأدوات مختلفة في رسم الشخصية والحوار والتعبير عن الزمن. ومن أنّ تجربتهم الروائية لا تبعد عن هذا القرن [ القرن العشرين] فقد تطورت على نحو هائل خلال ربعه الأخير كمًا وكيفًا على حد سواء”. (شلش، 1978، صفحة 126)
إنّ الأفارقة الذين لم يفقدوا لمسة الجسد في حياتهم، لا يزالون يعبرّون عنه/ وبه في رواياتهم وهم ينفخون فيها روح الحياة الإفريقية. لقد عانت إفريقيا في الماضي من إفقار ممنهج من قبل الموجة الامبريالية التي جلبت معها الكتابة/ الرواية. يستشهد هنا أجيدي بباحث بعيد عن إفريقيا، يجعل منه حجته الدامغة التي ستضفي ثقلا على كلمته أمام حضور أوروبي، إنّه “معلم الشفهية العظيم بول زومثور” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 57) الذي كتب ما يلي: “منذ القرن السابع عشر .. (..) نشرت أوروربا نفسها عبر العالم كسرطان، خلسة في البداية، لكن الآن ولبعض الوقت (راكضة) بجموح، مخرب في الحاضر لكل أنواع ( أشكال- حياة)، حيوانات، نباتات، بيئات حيوانية ونباتية، لغات. مع كل يوم يمر، تختفي عدة لغات من العالم، ويتبرأ منها، تنعزل بعيدا.. كان أحد أعراض هذه الكارثة منذ البداية .. ما نسميه أدبا: وقد كسب الأدب أرضا، حقق نجاحا، وأصبح ما هو – أحد أوسع أبعاد الإنسان- منكرا للصوت .. يجب أن نتوقف .. إنّ الكتابة البدائية .. ربما أفقرت إفريقيا العظيمة سيئة الحظ إفقارا شديدا بواسطة الاستعمار السياسي الصناعي، ستجد نفسها أقرب إلى الهدف من القارات الأخرى، لأنها أقل مسا بخطورة الكتابة؟.” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، الصفحات 57-58)
إنّ ما يناقشه أجيدي أدركته حركة الزنوجةLa Négritude قبلا، مثلما ستدركه باقي الحركات التحررية الأخرى، ومثلما ستنشغل به الفلسفة الإفريقية لاحقا. كان إيجاد أرض أدبية للمستعمِر بعبارة ألبير ميميA. Memmi أولى الأهداف لضرب الهوية الإفريقية التي تقوم ثقافتها على الشفاهية في العمق، وستتواصل الخطة بعد الاستقلال أيضا وهو ما ستنناوله لاحقا بشيء من التفصيل.
2/ الرواية بين النزعة الفردانية والروح الجماعية في إفريقيا
ارتبط اسم الرواية في العصر الحديث بظهور الطبقة البرجوازية في أوروبا، “ملحمة بورجوازية ” كما سماها لوكاتش،و التي كرّست فيها نزوعها الفرداني، فهي تصف بطلا فردا، يعيش فردا، ويموت فردا. ثم إنّ فعل القراءة في أوروبا يسير أيضا في الاتجاه نفسه، إذ يصفه أجيدي قائلا: “حين تزور مدنا أوربية عظيمة مثل باريس ولندن، ترى المسافرين يصعدون إلى القطارات، ويستخرجون فورا من حقائبهم وجيوبهم كُتبا، وينسحبون إلى عوالمهم المتوحّدة .. يبدو إخراج الكتاب في كل مرة مثل إشارة تنتصب. “دعني وحيدا”، تقول الإشارة: “أنا أقرأ .. إنّ ما أقرأه أكثر أهمية مما يمكنك أن تكون”. (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 51)
لطالما كان فعل الكتابة، والقراءة، وحتى فعل التفكير – الذي اختصره ديكارت في عبارته الشهيرة “أنا أفكر، إذن أنا موجود”- يُمارس بالطريقة نفسها، إنّ “الوقوف في مواجهة الكون وحيدا على هذا النحو موقف اعتبره هيجل بحق موقفا بطوليا”، (كونديرا، 2007، صفحة 20) لا يقلّ عن بطولة دون كيشوت، أو بطولة جوليان سوريل في الأحمر والأسود، أو عن مدام بوفاري، أو آنا كارنينا، أو عن أبطال كافكا وحتى كافكا نفسه. إنّه، “بفضل الرواية استطاع الإنسان، في الغالب الأعم، أن يحتل مشهد أوروبا بوصفه فردا. (…) وحدها الرواية تعزل شخصا وتنير سيرته الذاتية وأفكاره وأحاسيسه، وتحيله غير قابل لأن يُعوّض: تجعل منه مركز كل شيء” (كونديرا، لقاء، 2011، صفحة 49) تلك هي فلسفة الرواية في أوروبا التي فهمها أجيدي جيدا.
بعيدا عن اغتراب الفرد في الروايات الأوروبية، نعثر على فلسفة مغايرة تماما في الحياة في إفريقيا يصفها أجيدي بقوله: “حسنا، نحن لسنا مثل أولئك في إفريقيا.. نحن لا نحب أن ننزع أنفسنا عن البشر الآخرين ونرتد إلى عوالم خاصة. . نحن لم نعتد على جيراننا المنسحبين إلى عوالم خاصة. إفريقيا هي قارة يتشارك البشر فيها… ليست مشاركة أن تقرأ كتابا بنفسك. إنّ ذلك مثل أن تأكل وحدك أو تتحدث وحدك.. إنه ليس أسلوبنا.. نحن نجد ذلك عملا جنونيا إلى حد ما.”
“نحن، نحن، نحن” تفكر: “نحن إفريقيون.. إنه ليس أسلوبنا”. (…)
الإفريقية: هوية خاصة، قدر خاص” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 51)
طبعا، لم تعجب كاستلو بهذه التلميحات وما يتخللها من سخرية متواصلة. لا يمكن فهم هذه السخرية إلا باعتبارها مقاومة للعزلة، “فالأفريقي مشهور بروح السخرية والفكاهة، وكراهيته للانطواء والكآبة، ومن هنا قيل عن إفريقيا إنها “أرض الضحك”.” (شلش، أثر البيئة في الأدب الإفريقي، 1984، صفحة 60)
يُعدّ الأدب الشعبي في إفريقيا ظاهرة اجتماعية أقدم بكثير من ظاهرة الأدب المكتوب، أداته، لا تزال، هي الشفاه، ينتقل من خلالها ويشيع عبر الأجيال، متخذا عدة صور وأشكال. (شلش، من تراث الشعوب، الأدب الإفريقي في إفريقيا خارج مجال اللغة العربية، 1981، صفحة 191) وعلى عكس الأدب المكتوب، ينزع الأدب الشعبي نحو الجماعة، نحو النحن، “فالأدب الشعبي الذي نقصده هنا هو ذلك النشاط الإنساني الخلاّق الذي يتصف بالجماعية في الإنتاج والتوزيع أن صح التعبير. لا يعرف منتجا فردا، فالجماعة تشترك في إنتاجه، ولا يعرف مستهلكا فردا، فالجماعة تشترك في استهلاكه، أي في تلقيه وتذوقه. تلك سمته الأساسية التي تميّزه عن الأدب المكتوب الذي يتصف بالفردية بشكل عام في الإنتاج والتوزيع. فمنتجه فرد معروف، ومستهلكه فرد أيضا، يتلقاه ويتذوقه على انفراد.” (شلش، من تراث الشعوب، الأدب الإفريقي في إفريقيا خارج مجال اللغة العربية، 1981، صفحة 191)
يبدو أنّ الآلهة لم تغادر إفريقيا، ولم تقطع شعوبها أواصر ارتباطها بالأسلاف، وهو ما يجسد بحق الروح الجماعية في أدبها الشعبي، شعرا ونثرا، معبرا عن حساسية إفريقية خاصة تتجلّى في كل الأوقات، حيث ” إنه يمكن أن ينتقل في أي لحظة عن طريق أي شخص إلى أي شخص آخر، فالأم تُغنّي شعرا لطفلها حتى ينام في مهده، والأطفال يلقونه على بعضهم في شكل لعبة فوازير.
إنّ هذا النشاط الشعري الشعبي والتلقائي يظهر ويُعبرّ عن نفسه – في الواقع- وسط أكثر الظروف تنوعا، وبدلا من أن يصبح مناقضا للفعل، (كما هو الحال في التراث الأوروبي الذي يضع كلمة “شاعر” في مواجهة الفعل الملموس على أنه شخص حالم غير قادر على الحياة العملية) يُصاحبه ، دائما، إذا لم يستطع أن ينتجه.” (شوفرييه، 1995، صفحة 75) ويُعزي جاك شوفرييه حيوية هذا النشاط الشعري إلى أسباب عديدة لكن أهمها ” يعود إلى السمة المتقشفة للمجتمعات الإفريقية التي تحيا في ظل فقر اقتصادي شديد يحرمها من وجود أية وسائل إعلام ترفيهية سوى الأغاني والحكايات.” (شوفرييه، 1995، صفحة 76)
بغض النظر عن تفسير جاك شوفرييه Jacques Chevrier ، فإننا نعزوا ذلك أيضا إلى التصاق الأفريقي الوثيق بالأرض والعناصر، المستمد من الإحساس الحامي الكوني بالجنس، إلى درجة أدت بسارتر القول بأنّ الأسود ذكر الأرض العظيم، الذي لا يضاهيه أحد في هذا المعنى الكوني للجنس، ولا في قوة الحيوية التي تتصف بها أشعار الشعراء ورواة القصص الشعبي الأفريقي. (شلش، أثر البيئة في الأدب الإفريقي، 1984، صفحة 59) التي جعلت منهم يعتمدون الملاحظة الناقدة، والحدس. “إنّ الإفريقي لا ينتمي للشرقي الذي يهوي التأمل أو الغربي الذي يتميّز بالاتجاه العقلي القائم على الفضول وحب الاستطلاع، ولكن الأفريقي يلاحظ، هو ملاحظ نقاد، يعتمد أكثر ما يعتمد على الحدس. وإذا كان في الغرب ميل عام إلى أن يعيش الإنسان من أجل أن يعمل، فالأفريقي يعمل ليعيش، ولا غرابة إذا فضّل أوقات الفراغ. الحياة لديه هي السعي وراء السعادة أكثر من كونها سعيا وراء الجمال أو الحقيقة. كيف يكون ذلك؟ برفض العزلة والفردية والانفعالات السلبية من جهة، وبالتأكيد الطريقة الجماعية في الحياة وتشجيع الانفعالات الإيجابية والراحة، وكبح جماح الرغبات من جهة أخرى. (…)
وتتسع الروح الجماعية لديه حتى تشمل كافة مظاهر نشاطه، فتكون في الرقص والصيد وقص الحكايات والأساطير على الأطفال والكبار، كما تكون في البذر والحصاد والرعي، بل في احتساء البيرة، بل في الحزن” (شلش، أثر البيئة في الأدب الإفريقي، 1984، الصفحات 59-60)
إنّ غنى إفريقيا بمنجم لا ينضب من التراث الشفهي، يتصل اتصالا شديدا وبالغ الأهمية بالأسلاف والأجيال السابقة التي يستمر حضورها في الأجيال اللاحقة من الأبناء. إن هذا الاستمرار، والتوالد، والمشاركة الجماعية يُعتبران جزءا لا يتجزأ من أساليب الحماية لهذا التراث، “ومثل هذه البيئة بقاعدتها وقمتها لا يكون فيها مكان للعزلة والفردية”. (شلش، أثر البيئة في الأدب الإفريقي، 1984، صفحة 62) على عكس أبطال الروايات العظيمة في أوروبا التي انقطعت عن ماضي الآباء ومستقبل الأبناء باختيارها عدم الإنجاب. (كونديرا، لقاء، 2011، صفحة 48) وهذا له دلالته.
أما في إفريقيا، فإن ما يجمع شعوبها هو استخدامها لتراثها الشفهي كحلقة وصل بين الليل والنهار، بين الأحياء والأموات من الأسلاف. إنّه يسمح بالتعبير عن تجانس المجموعة والحفاظ على هذا الأدب الحيّ أيضا وثقافته، كما يساهم في تسلية المجموعة وتأسيسها أخلاقيا في الوقت نفسه. (شوفرييه، 1995، صفحة 82) إنّ هذا التراث الشفهي في انتقاله السلس في شغاف الحياة اليومية يؤطر للجماعة وينبذ أولئك الذين يسعون من أجل مصالحهم الشخصية، وتتمّ إدانتهم. هذا على مستوى الأحياء أما على مستوى الأسلاف فيشكل الأدب التراثي الشفهي جزءا من موروث الأسلاف بتقوية الصلات بهم، والاعتراف بفضلهم، كما يسمح بالتصالح بين قوى الخير والقضاء على قوى الشر، وبهذا تتساوى قيمته مع قيمة الفعل. (شوفرييه، 1995، صفحة 82)
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
3/ الروائي الإفريقي والسلطة
إذا عمل المستعمر على إفقار إفريقيا لغويا طيلة سنوات من القهر، فإنّ الدول التي تنتهج سياسة ديكتاتورية ليست أقل خطرا منها. يواجه الروائي في أفريقيا جبهات من الداخل الإفريقي التي لا تساند الكتابة الروائية، وتعمل على تحويل كُتّاب كان من المقدر لهم أن يكون لهم مستقبل في الكتابة الروائية، ليتم توجيههم إلى الكتاب المدرسي لأنه يُدرّ مالا أكثر ويعين على العيش. أما الباقون فيُدفع بهم إلى خارج القارة.
إنّ الفقر، وخوف المؤسسات في بعض البلدان الإفريقية من الرواية يدفع بأبنائها إلى الغرب (أوروبا / وأمريكا)، أبناء يشعرون هناك في الأقاصي البعيدة بأنهم مجرد تابعين في محافلهم الثقافية. يقول أجيدي بكثير من الشجن وهو يصف هذه العلاقة المتوترة: “في النظام العالمي العظيم الذي نعيش اليوم تحت ظلاله، أصبحت إفريقيا موطن الفقر. ليس لدى الإفريقيين مال للرفاهيات. في إفريقيا يجب أن يمنحك الكتاب شيئا في مقابل ما أنفقت عليه من نقود. ماذا يجعلني أتعلم قراءة هذه القصة؟ سيسأل إفريقي ما: كيف ستطورني؟ قد يحزننا الموقف، ولكننا لا نستطيع ببساطة أن نتجاهله.. يجب أن نأخذ الأمر بجدّية، ونحاول أن نفهمه.” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 52)
إنّ الإشكالية التي يطرحها أجيدي متعلقة أساسا بطرفين: القراء ومنظومة المؤسسات الحكومية تجاه النتاج الفني. الإفريقي الذي يعيش تحت خط الفقر لا يريد أن يقرأ دون مقابل، أما سياسة المؤسسات الحكومية تقوم بوأد الأقلام الجادة في مهدها وتستعيض بالكتاب المدرسي لأنه أكثر نفعا، وأجنى مالا. لنستمع إلى ما يقوله أجيدي: “نحن نصنع كتبا فعلا في إفريقيا، لكن الكتب التي نصنعها تكون من أجل الأطفال، كتبا تعليمية بأبسط معنى.. إذا أردت أن تجني مالا من طباعة الكتب في إفريقيا، فإنّ أفضل حل لك هو أن تنتج كتبا ستقرر على الأطفال، لأنها ستُشترى بكميات بواسطة نظام التعليم، كي تُقرأ وتُدرس في حجرات الدراسة. إذا كنت كاتبا له طموحات جادة، يريد أن يكتب روايات عن البالغين وموضوعات تتعلق بهم، فستناضل من أجل النشر، وغالبا سيكون عليك أن تتطلّع إلى الخارج من أجل الخلاص.
(…) بطبيعة الحال، هناك ناشرون في إفريقيا، واحد هنا، وآخر هناك، سيدعمون الكُتّاب المحليين، حتى إذا لم يربحوا من ورائهم. على اتساع الصورة.. فإنّ القص وحكي القصص لا يمدّ بأسباب العيش، لا من أجل الكُتّاب ولا من أجل الناشرين..”. (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، الصفحات 52-53)
هنا نفهم جيدا وجود أجيدي على سطح السفينة البحرية، فهو لا يتجول للتسلية والسياحة وحسب، وإنما لكسب قوته. إنّ أجيدي الذي اختاره كويتزي كنموذج للمثقف الروائي الإفريقي يمثّل بحق صورة الإفريقي المشاكس الذي يناضل من أجل العيش بدل أن يكون مكانه وراء مكتبه: “أتخيّل أنكم تسألون أنفسكم، ماذا يفعل هذا الرفيق الإفريقي على سطح الباخرة؟ لماذا لم يتخلف على مقعده في أرض ميلاده، كي يفعل ما خُلق من أجله، إذا كان كاتبا فعلا، كما يُقال، يكتب كتبا؟ ماذا يفعل هنا، وهو يستمر في الحديث حول الرواية الإفريقية موضوع يمكن فقط أن يكون الأكثر بعدا في الأهمية بالنسبة لنا؟
إنّ الإجابة قصيرة، سيداتي وسادتي، هي أنه يكسب عيشه، لأنه لا يستطيع في بلده.. لا يستطيع أن يكسب عيشه. في بلده هو (أنا لن أسخر من هذه النقطة، بل سأستبعدها فقط، لأنها لا تمثل حقيقة لرفقاء عديدين من الكتاب الأفارقة).. هو في الحقيقة أقلّ من أن يُرحب به، فهو ما يُسمى، في بلده، مثقفا مشاكسا، ويجب أن يُداس المثقفون المشاكسون في نيجيريا بحرص في الوقت الراهن.” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، الصفحات 53-54)
إنّه في الوقت الذي كان فيه الإفريقي يحارب من أجل انعتاقه من المستعمر، نراه اليوم يواجه رقا من نوع آخر أشد. لقد لعب الروائي “دورا أساسيا في قول الحقيقة عن الواقع الإفريقي. ولكن الستينات أتت بالاستقلال واكتشف الكاتب أنّ المسألة ليست وجود غاز أوربي في مواجهة الوطن ولكنها أصعب من هذا. إنّ هناك صراعا بين مستغلِين ومستغلَين من أبناء البلد الواحد. وتوالت الكتابات منذ منتصف الستينات تُقدم رؤى نقدية للواقع الأفريقي بعد الاستقلال.
ولم يقف الأمر عند هذه الدرجة من الصراعات.. ولكن كانت هناك أسئلة حول دور المثقف وعلاقته بالتاريخ بعد الاستقلال. ما الذي نفعله بالتراث. هل هو عبء أو منحة أو ثروة نستفيد منها.
ولكن الذي حدث بعد الاستقلال في بعض الدول الإفريقية كان بالغ العنف بل وصل إلى حد الحرب الأهلية. وقد تعرض عدد من الكتاب للعنف البالغ وبدا الأمر كما يصف أحد الكُتّاب النيجيريين أن الصراع بين الأبيض والأسود هو ترف وصراع بالغ الرقّة بالنسبة لصراع بين الأسود والأسود..”. (عاشور، 1981، صفحة 114) إنّ أجيدي وهو يذكر كاتبه المفضل –أوكرى- أمام الحضور –صاحب التجربة المرشدة الواعية باللغة- في غمرة نقاشه لتيتولا، يُوقَف أثناء استطراده موضوعا شائكا عن علاقة المثقف بالسلطة. “كان مخططا “للرواية في إفريقيا”، مثل كل الأحاديث على سطح السفينة، أن تكون أمرا خفيفا.. لا يُخطط لشيء أن يكون موضوعا ثقيلا في برنامج سطح السفينة. ولسوء الحظ.. فإن أجيدي يهدّد بأن يكون ثقيلا.. يتدخل مدير التسلية، ذلك الولد السويدي الطويل بزيه الأزرق الخفيف بإيماءة حذرة، بإشارات من الذراعين، فيطيع أجيدي بسهولة وتقدير، منهيا حديثه.” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 61)
هكذا تتجلى محنة الكاتب الإفريقي في خطاب أجيدي كما في روايات الأفارقة كجابرييل أوكارا الذي ترجم علاقة المحكوم بالحاكم في روايته “الصوت”، والأمر نفسه مع تشنوا أتشيبي في روايته “أشياء تتداعى”، و وول سوينكا صاحب المسرحية الشهيرة “الموت وفارس الملك”، الذي قادته أحداث 12 حزيران (يونيو) إلى المنفى خارج وطنه نيجيريا، وهو حدث لا يمكن فهمه إلا بربطه بالحدث الثاني، “ففي العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1995 قامت الحكومة العسكرية بتنفيذ حكم الإعدام بالكاتب المعارض كين سارو- ويوا Kensaro- Wiwa صديق سوينكا إلى جانب ثمانية أعضاء من الأقلية الإثنية أوجوني Ogoniوسوينكا نفسه الذي هو أحد أفراد يوروبا Yoruba التي تُشكّل الأكثرية العرقية كان قد شنّ حملة شاقة عبر المجتمع الدولي من أجل إطلاق سراحهم، ومن أجل قضية أوجوني الذين شنوا حربا يائسة من أجل البقاء ضد الاحتكارات النفطية العالمية المتعاظمة.. “. (بيام، 1999، صفحة 190) يمكننا أن نتخيل المثقف الأفريقي تحت هذا الضغط الذي تمارسه حكومته من قيد للحريات، وتكميم للأفواه، إلى التقتيل، وهو يجبر على العيش خارج قارته التي لمّا يقطع صلته بها بعدُ. وأن يكتب بلغة غير لغته وهو يحاول أن يكون صادقا لجوهره في منفاه محاطا بأغراب موجودين “هناك – ناشرين، قراء، نقادا، طلابا، يأتي كل منهم إلى المناظرة مسلحا، ليس فقط بأفكاره الخاصة حول ماهية الكتابة، أو ما يجب أن تكون، ما الرواية أو ما يجب أن تكون، ما إفريقيا أو ما يجب أن تكون.. لكن أيضا حول ما يُسعد أو ما يجب أن يُسعد؟” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، الصفحات 54-55) إنه في مواجهة حالة نمطية من الكتابة، ومن التلقي، ومن اللغة التي يكرسها الآخر الغربي، بعد أن كان في مواجهة المؤسسات السياسية التي لعبت دورها جيدا كرقيب.
4/ إشكالية الهوية اللّغوية في الرواية الإفريقية
يُثير أجيدي أسئلة تدور حول جوهر الكائن الإفريقي، وجوهر الكتابة الإفريقية في عالم سريع التّغيّر: “كيف أبرر عمل الجوهر في هذه الأيام اللاجوهرية، أيام هويات سريعة الزوال، تلك التي نلتقطها ونرتديها وننبذها مثل الملابس؟” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 55)
إنّ الحديث حول ماهية جوهر الكتابة الإفريقية عند أجيدي يُفضي به إلى مناقشة إشكالية الهوية اللّغوية في الرواية الإفريقية. وهي إشكالية متعلقة أساسا بتاريخ القارة والوجود الاستعماري، فأمام اللّغات المحلية التي لا تجد دعما، ولا تلقى التقدير الواجب كونها تجسيد لانتقال الشفهي إلى الحرف المكتوب، نصادف مسألة الكتابة بلغة المستعمر (الفرنسي/ الإنجليزي/ البرتغالي) سواء في إفريقيا أو في الشتات الإفريقي. يقول أجيدي واصفا تلك الحالة الملتبسة التي يعيشها الروائي الإفريقي لغويا، متبنيا رأي الروائي والمفكر السينغالي شيخ حميدو خان في معالجة هذه المسألة:
“حول الماهية يوجد تاريخ من الاضطراب في الفكر الإفريقي الحديث. ربما سمعتم عن حركة الزنوجة في الأربعينيات والخمسينيات. وطبقا لمنشئ الحركة، تعتبر الزنوجة أساسا جوهريا يربط الإفريقيين معا ويجعلهم نوعا فريدا – ليس أفارقة إفريقيا، لكن أفارقة إفريقيا العظمى المشتتين في العالم الجديد، والآن في أوروبا.
“أود أن أستشهد لكم بكلمات من الكاتب والمفكر السنغالي العظيم، شيخ حميدو خان… سُئل شيخ حميدو بواسطة محاور “لدي بعض التحفظات” قال المحاور “بماذا تُسمي الكُتّاب الأفارقة والكتابة الإفريقية، على ضوء حقيقة أنّ الكُتّاب الأفارقة الذين أشرت إليهم يكتبون بلغة أجنبية (في هذه الحالة الفرنسية) وينشرون، ويقرؤون في الأغلب الأعم في بلد أجنبي (في هذه الحالة فرنسا)، هل يمكن أن نعتبرهم حقيقة أفارقة؟ أليسوا ببساطة كتابا فرنسيين من أصل إفريقي؟ لماذا يجب أخذ أصل الأسبقية على اللغة؟”
“هذه إجابة شيخ حميدو: “إنهم حقا أفارقة، لأنهم ولدوا في إفريقيا، هم يعيشون في إفريقيا، حساسيتهم إفريقية .. (ما يميزهم، يكمن) في تجارب حيوية، في حساسية، في أسلوب”، ثم استطرد “لدى الكاتب الإنجليزي أو الفرنسي تراث من آلاف السنوات من الكتابة (وراءه) .. نحن (على الوجه المقابل) نورث تراثا شفهيا”. (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، الصفحات 55-56)
تُعتبر الرواية في إفريقيا، رواية شفوية بامتياز ، وتلك هي حقيقة الرواية، “مكتوب فقط أنها نصف حيّة.. إنّها تستيقظ فقط حين تدبّ أنفاس الصوت إليها، حين تتحدث بصوت عال.” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 57) ناقلة عبرها الصورة والحركة، أو كما سماه أجيدي بالأسلوب، أسلوب الإفريقي في حياته اليومية بكل العناصر غير الملموسة التي تكوّنه، “التي ليس من السهولة أن توضع في كلمات، بل يسهُل عبورها، فهي في الأسلوب الذي يحيا به الناس، في أجسامهم .. في الأسلوب الذي يحركون به أيديهم .. في الأسلوب الذي يمشون به .. في الأسلوب الذي يبتسمون به ويعبسون.. في إيقاع حديثهم .. في أسلوب غنائهم.. في جرس أصواتهم.. في أسلوب رقصهم.. في أسلوب لمس كل منهم للآخر .. في كيفية تربيت اليد.. في حساسية الأصابع.. في أسلوب ممارسة الحب.. في أسلوب رقودهم بعد ممارسة الحب.. في أسلوب تفكيرهم.. في أسلوب نومهم”.
“نحن الروائيون الأفارقة يمكن أن نجسّد تلك الأشياء في كتاباتنا”. (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 56) إنّ هذا الصوت العالي، والجسد المتحرك في الرواية في إفريقيا، يجعل منها “أكثر الشهادات المعاصرة قُربا من الحيوية والصدق.. وهي هنا مثل مفتاح نحاول أن نفتح به الكثير من مغاليق الشخصية الإفريقية. (…) إنّ الأدب الإفريقي هو أدب تأكيد.. على الهوية الحضارية والهوية الشخصية.” (عاشور، 1981، صفحة 111)
إنّ نقل تلك العناصرغير الملموسة، غير المادية إلى صفحة الرواية كثيرا ما واجه رغم ذلك صعوبات من ناحية اللغة المكتوبة. فالرواية في إفريقيا روايات، واللغة فيها لغات، وهذا ما يجعلنا أمام إفريقيات متعددة داخل القارة وخارجها. إنّنا في الواقع أمام متخيِّل متنوع اللّغات لا نجد له نظيرا في قارة أخرى. هنا ستستفز كاستلو أجيدي وتضع يدها على الجرح التاريخي الغائر، وتطرح سؤالها في لؤم: لمن يكتب هذا الإفريقي بلغة المستعمِر؟
إنّ الكاتب الإفريقي يتوجّه بكتابه نحو جمهور مضاعف: فهو يكتب للإفريقيين من جهة ، ويشرح للغربي ما يريد قوله من جهة أخرى. ترى كاستلو الإفريقي يتقمّص دور المفسر لعالم إفريقيا حيث تقول:
“الرواية الإنجليزية” تقول: “مكتوبة في المقام الأول بواسطة بشر إنجليز، ومن أجل بشر إنجليز. الرواية الروسية مكتوبة بواسطة روسيين، ومن أجل الروس. لكن الرواية الإفريقية ليست مكتوبة بواسطة أفارقة ومن أجل الأفارقة.. قد يكتبون روائيون أفارقة عن إفريقيا، وعن تجربة إفريقية، ولكنهم يلتفتون وراء ظهورهم طوال الوقت، وهم يكتبون إلى الأجانب الذين سيقرأونهم. سواء يحبّون ذلك أم لا، فقد تقمّصوا دور المفسر.. تفسير إفريقيا للعالم. كيف يمكنك أن تكتشف عالما بكل عمقه، إذا كان عليك في الوقت نفسه أن تشرحه لمن في الخارج.. إنّ ذلك مثل عالم يحاول أن يمنح كل اهتمامه الخلاق لبحث، بينما هو في الوقت نفسه يشرح ما يفعله لفصل من الدارسين الجهلاء.. هذا كثير جدا بالنسبة لشخص واحد، لا يمكن إنجازه، ليس على المستوى الأعمق. ذلك، كما يبدو لي هو جذر مشكلتكم.. في قيامك بأداء حي لإفريقيتك وأنت تكتب في الوقت نفسه.” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، الصفحات 64-65)
يُشير أغلب الباحثين أن الرواية في إفريقيا قبل أن تصبح روايات بلغات المستعمِر – رغم منبعها الشفهي الذي ظل حاضرا ولا يزال – كُتبت أول ما كُتبت باللغات المحلية، “وعلى رأس هذه اللغات التونجا في زامبيا، الشونا في زيمبابوي، السوتو في ليسوتو، الزوسا والزولو في جنوب إفريقيا.” (حمّود، 2008، صفحة 50) إنّنا أمام تلوين لغوي وثقافي عجيب رغم أنّ بداياتها الأولى كانت في ظل حركات التبشير القوية التي مارست رقابة دينية على أغلب النتاج الروائي في ذلك العصر. ومن أبرز وجوه تلك المرحلة نجد توماس موفولو (1876- 1948) الذي كتب روايته “مسافر الشرق” ، و “تشاكا: ملحمة تاريخية” بلغة السوتو. نجد كذلك صامويل ميقايي (1875-1936) الذي كتب روايته “قضية التوأم” بلغة الزوسا، وألف بنيدكت فيلاكازي (1906- 1947) روايته “دنسجوايو بن جوبي” ورواية أخرى بعنوان “إلى الأبد” بلغة الزولو. وفي غرب إفريقيا نشطت محاولات كتابة الرواية بلغات محلية كاليوروبا والهوسا والأيبو وكلها في نيجيريا. كما نشطت لغات أخرى في الشرق باللغة السواحلية في تنزانيا، والكيكويو في كينيا، والأتشولية في أوغندا التي شهدت رقابة أقل مقارنة بما هو الحال في الجنوب. سنعثر على روايات متماسكة بلغة اليوربا مع دانيال أولورو نغيمي فاجونوا (1910- 1963) الذي مزج ثقافته المحلية بتعلميه المسيحي في روايات عديدة: “الصياد الشجاع في غابة الآلهة الألف”، و” غابات أولودو ماري”، و “سر أولودو ماري”. (حمّود، 2008، الصفحات 50-51-52)
عمل المستعمِر في إفريقيا على إفقار هذه القارة من لغاتها المحلية وفرض لغته (الفرنسية، أو الإنجليزية، أو البرتغالية) في الكتابة وحتى في طريقة الأسلوب، وهو ما خلق إشكالية الهوية اللّغوية في الرواية. إنّ كاستلو التي تتعامى عن الجذور التاريخية لأصل المشكلة، تتناول الموضوع وكأنّ الرواية سلعة مع عدم إيمانها بوجود “رواية حول بشر يعيشون في ثقافة شفهية” تراها تخدم أغراضهم الخاصة وحسب، (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 66) الذي يتعارض مع إيمان أجيدي بالاشتراك الإنساني في مخيلة واحدة رغم الاختلاف الهوياتي. إنه يستفزها أكثر محاولا الحصول على انتفاضة أخرى وهما يتناقشان أمام غريبين. “سأعود أنا وإليزابيث للوراء.. إنّ لدينا كثيرا مما لا نتفق عليه في الوقت الراهن، وذلك لا يبدل أشياء بيننا – أليس كذلك يا إليزابيث؟ نحن زميلان، كاتبان رفيقان.. نحن ننتمي إلى أخوية الكتابة العظيمة، الممتدة باتساع العالم.” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 66)
إنّ توجه الروائيين الأفارقة إلى اللّغات المحلية بعد سنوات من تجربة الكتابة بلغات المستعمِر – خصوصا الفرنسية والإنجليزية- قد أخذ منحى آخر، “إذ كيف يُعبرّ الكاتب عن آلامه وتطلعاته بلغة ليست لغته، بل بلغة المحتل الذي سبب له الآلام وحرمه من التطلعات وحاصره. إنّ اللّغة هي الوعاء الذي تتراكم فيه المعارف والتجارب هي التاريخ والتراث الحضاري.
(…) إنّ اللغات المتداولة في إفريقيا تقرب من سبعمائة لغة. إلا أنّ الغالبية العظمى من هذه اللّغات منطوقة وما يُكتب منها لا يتعدى الخمسين. كذلك نجد عددا هائلا من القبائل يعيش داخل نطاق الدولة الواحدة تتكلم كل قبيلة بلغة مختلفة عن الأخرى. وهكذا شكلت اللّغة الأجنبية التي جاء بها المستعمِر اللّغة الوحيدة المشتركة بين كل من يعرفون القراءة والكتابة بل إنّ السياسة التي اتّبعها الاستعمار لم تشجع أبدا أي ازدهار للّغات المحلية في الكتابة.
كيف يجتاز الكاتب الإفريقي هذا المأزق.. ؟..” (عاشور، 1981، الصفحات 111-112)
في الواقع، أخذ إيجاد حل لهذا المأزق أوجها شتى: اكتفى بعض الروائيين الأفارقة بالكتابة بلغة المستعمِر كوسيلة للرد، أو ما يعرف بالرد بالكتابة، وأحسن تجربة نجدها مع أتشيبي. “إنّ أهمية روائي عظيم للإمبراطورية مثل جوزيف كونراد لا تكمن في كونه أثار أتشيبي ودفعه للكتابة ضده فحسب، بل في أن بين هذين الكاتبين وشائج في الأسلوب والمخيلة تواصل الوجود رغم الفوارق السياسية الهائلة بينهما.” (سعيد، 2014، صفحة 11)
في المقابل، نعثر على روائيين تحوّلوا من اللّغة الإنجليزية إلى اللغة المحلية كما هو الحال في نموذج نغوجي واثيونغو Ngugi wa Thiong’o الذي قال في بيان نشره في كتابه “تصفية استعمار العقل”: “في سنة 1977نشرتُ “تويجات الدم” وقلتُ وداعا للّغة الإنجليزية، واسطة لكتابة مسرحياتي، ورواياتي، وقصصي القصيرة. وكل كتاباتي اللاحقة كتبتْ مباشرة بلغة الكيكويو:
(…) أمّا هذا الكتاب “تصفية استعمار العقل” فهو وداعي الأخير للإنجليزية بوصفها واسطة لأي من كتاباتي.
ومنذ الآن سأستخدم الكيكويو والكي –سواحلية دوما.
إلاّ أنني آمل، من خلال أداة الترجمة العتيقة، في أن أتمكن من متابعة الحوار مع الجميع.” (ثيونغو، 2011، الصفحات 13-14)
أمام هذا القرار الذي يلخص انعتاق الروائي من لغة المستعمِر، تتجسّد تجربة آموس تيتولا النيجيري الذي أشارت إليه السائلة الأولى من جمهور السفينة بعدما انتهى أجيدي من عرضه حيث تقول بلهجة وسط غرب الولايات المتحدة: ” (…) كانت لآموس تيتولا، نسيت الآن عنوانها “(نخلة نبيذ مسرفة)” خمن أجيدي: “نعم تلك هي” تجيب المتحدثة: كانت مأخوذة.. فكرت أنها كانت بشيرا لأشياء عظيمة ستأتي.. لقد خاب أملها، خاب أملها بمرارة، أن تسمع تيتولا ليس محترما في بلده الخاص، لأن النيجيريين المتعلمين يحطون من قدره، معتبرين أنه غير جدير بسمعته.. هل هذا صحيح؟ هل كان تيتولا شفهيا من ذلك النوع الذي ذكره محاضرنا؟ ماذا حدث لتيتولا؟ هل ترجمت كتب أخرى له؟” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، الصفحات 58-59) [ عنوان الكتاب مذكور هنا (الرواية في إفريقيا) والتهميش على طريقة APA يتأتى بطريقة أوتوماتيكية في حاسوبي بحيث يتعذر علي تغييره]
قبل عرض رأي أجيدي حول الظاهرة التيتولاتية، ينبغي القول أنّ هذا الرجل الذي لم يتلق تعليما جيدا، استطاع استعاضة هذا النقص بموهبته الفياضة وحسه الشعبي باختياره الكتابة بلغة إنجليزية خاصة لا تعترف بالقواعد، ولا بالبلاغة، بل تعتمد على تجربة إبداعية ذات خيال جامح. (عاشور، 1981، صفحة 112) لهذا كان رد أجيدي مفاجئا بخصوص الترجمة: “لم تُترجم لتيتولا أي أعمال أخرى، وفي الحقيقة فإنه لم يُترجم على الإطلاق، على الأقل إلى الإنجليزية. والسبب في ذلك هو، أنه لم تكن لديه حاجة إلى أن يُترجم، لأنه كان يكتب على مدار حياته بالإنجليزية، لكن ليست الإنجليزية النموذجية.. ليست إنجليزية الخمسينيات التي ذهب النيجيريون إلى المدارس والجامعات كي يتعلموها.. إنها لغة كاتب نصف متعلّم، رجل ليس لديه أكثر من التعليم الإلزامي، بصراحة يمكن فهمها كغريب، رُتب للنشر بواسطة ناشرين إنجليز. وبينما كانت كتابة تيتولا غير أدبية، تولّوا هم تصحيحها، كان ما بدا نيجيريا بشكل جدير بالتصديق بالنسبة لهم، هو ما أحجم عن تصحيحه، ذلك ما يقال، ما كان يبدو في آذانهم فاتنا، غريبا، فنا شعبيا.” (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 59)
ورغم عدم إعجاب أجيدي بالظاهرة التيتولاتية، إلاّ أنّنا لا ننكر أنّه “أعاد صياغة التراث الشعبي الإفريقي ومهد الطريق للرواية.. وكانت روايته الأولى “شريب عصير النخيل” خليط من الحكايات الشعبية والأساطير الإفريقية صاغها تيوتولا في قوة وتدفق.. تماما كحياته التي خلت من أي تعليم منتظم واعتمدت على العمل الحرفي ولكن خياله الفذ استطاع أن يستوعب ثراء الحكايات الشعبية وأن يجاريها بخلق حكايات تماثلها.. وقد كتب تيوتولا بعد ذلك “حياتي في غابة الأشباح” و”الصيادة الإفريقية الشجاعة”..” (عاشور، 1981، صفحة 112) لكنهما لم يحققان النجاح المرجو.
بالنسبة لأجيدي الذي ينظر إلى حالة تيتولا باعتباره “حالة مرشدة جدا” لكاتب شفاهي، كتب بطريقة بسيطة، بل أقل بساطة مما تكلّم مما جعله ينسحب بأسلوب خاص لا جدوى منه إلى كونه مجرد معبأ للغرب، كإفريقي غريب معبأ… رغم أن هذه الحالة يمكن تعميمها على كل الأفارقة في الغرب بأنهم غرباء. (كويتزي، الرواية في إفريقيا، 2004، صفحة 60) يظهر الكاتب المفضل عند أجيدي، إنّه أوكرى Gabriel Okara مواطن تيتولا. الذي لعب “دور الكاتب الإفريقي المثقف الذي يعرف لغته جيدا وكذلك يعرف اللّغة الأجنبية.. وهكذا يحاول الكاتب جابرييل أوكارا أن يُقلب نظام الجهة.. ويستخدم الأمثال الشعبية والتشبيهات المستمدة من البيئة. ولكن انجاز أفرقة اللّغة الإنجليزية لم يتم بصورة جيدة إلا على يد شينوا أشيبي Chinua Achebe الذي خلق أسلوبا خاصا ليس من موقف “البراءة” بل من موقع التجريب الواعي لإنسان يتمتع بحساسية عميقة تجاه اللّغة ويعرف أيضا أنّ هذه اللّغة نبتة حية قد تنمو في تربة بعينها أو تموت أو تتشوه في تربة أخرى وهو يقول: ” لا أعتقد أنّ المسألة مجرد مسألة كلمات. إنّ الكلمات مهمة لكن ليس بالدرجة الأولى. أتكلم عن اللّغة بمعناها الأعمق. إنّ رؤية الشخصيات للعالم، مشاعرهم، مفهومهم للوجود هي التي تختلف، ليس الأمر مجرد كلمات… مادامت تستطيع أن ترى هذه الأشياء بالشكل الصحيح فاعتقد أن الكلمات المناسبة سوف تأتيك”…” (عاشور، 1981، صفحة 112) والحالة تلك نجدها مجسدة أيضا عند السينيغالي سيمبيني عثمان. … “إنّها محاولات مستمرة من الكُتاب للتأصيل، وصراع دائم مع اللّغة الدخيلة ليهزموها في النهاية كما هزمتهم في البداية.” (عاشور، 1981، صفحة 112)
هكذا سترسم الرواية في إفريقيا صورتها الخاصة بإفريقيتها في فترة ما بعد الكولونيالية تتمايز تماما عن صورتها التقليدية الأولى.
د- أهم نتائج البحث
إنّ من أهم ما يمكن أن نستخلصه من نتائج بالتركيب بين كل تلك المعطيات، نجمله في النقاط التالية:
1/ رغم الإتفاق على الجذور الغربية الأوروبية للرواية بالمفهوم الاصطلاحي فإنّه لا يمكن أن تعدم أمم مشبعة بإرثها الشفاهي الذي صنعته الأساطير والقيم الميثولوجية، بل إنّ الرواية في الغرب رضعت الإرث الأوروبي الذي كان شفاهي هو الآخر أيضا، ومادامت الرواية جنسا تشبّع بذلك العالم وتلك القيم، ومادام أن الأساطير والخرافات كلية الوجود في العالم، فهذا يعني أنّ الرواية لا ترتبط بأمة واحدة ولو كانت متعلّمة، بل وقد تحقق نجاحات تساوي ما هو موجود من نتاج روائي في الغرب بالانغماس في الطابع المحلي.
2/ إنّ الموروث الشفهي الإفريقي الغني والمتنوع وجد لنفسه مساحة تماس مع الرواية باعتبارها نوعا ماصًا. بل يمكن القول أنّ مستقبل الرواية عموما يكمن في إفريقيا بعد استنفاذها كل نشاط إنساني خيالي منذ تاريخه الطويل، وهذا ما يسهم في اغتناء الرواية وضخ دماء جديدة وروح جماعية تدفع فيها الرواية المحلية، والرواية بلغات المستعمِر إلى الأمام، وفهم أحسن للجوهر البشري، وهو ما سيكسبها جمهورا آخر في الغرب.
3/ وجب على إفريقيا حسم مسألة النشر والهوية اللغوية وتدعيم الأقلام الجادة وإيجاد الحلول، بعيدا عن الرقابة وسياسة تكميم الأفواه.
4/ إنّ إشكالية الهوية اللغوية التي أفرزت بعد استقلال بعض البلدان الإفريقية، تعدّ مشكلة حقيقية إن لم يتم فهمها واستيعابها تاريخيا، خصوصا مع ضعف وسائل النشر أمام المثقف الروائي الإفريقي بعيدا عن عقدة الكتابة للآخرين، بل قد تخدم الرواية في إفريقيا بجهمور واسع، وإن بقي الأدب إنسانيا لا حدّ له، ونتاج مخيلة إنسانية واحدة.
ختاما، إنّه من خلال الطروحات والقضايا التي أثيرت في بحثنا، يمكن القول أننا أمام نوعين من القضايا: منها ما يخص الرواية كنوع أدبي حديث الظهور في القارة السمراء من جهة، ومنها ما يخص الروائي الإفريقي سواء باعتباره مواطنا إفريقيا داخل القارة أو خارجها. ونعتقد جازمين أنّه لو تم إيجاد حلول لبعض القضايا المذكورة آنفا (إشكالية الهوية اللغوية وكذا علاقة المثقف الروائي بالسلطة)، أو تُجوزت، و أُدركت طبيعة الثقافة الإفريقية باعتبارها تقوم على الشفاهية وعلى الروح الجماعية، لاستطاعت إفريقيا أن تغتني من نفسها وتجلي شخصية هذا الكائن الإفريقي وحساسيته، وجوهره، وأن تخلق لنفسها تقاليد تختلف عن التراكمات النظرية التي أنتجها الغرب، بصبر دؤوب وعمل متواصل. والحقيقة أنّ الرواية بدأت تسلك طريقها بثبات في كتابات هذا المبدع الإفريقي الذي ظنّه الغربي لقرون مضت تابعا لا ينهض.
قائمة المصادر والمراجع
1/ العربية
باختين، ميخائيل. (1987). الخطاب الروائي. ترجمة برادة محمد. الطبعة الثانية. الرباط. دار الأمان للنشر والتوزيع.
باختين، ميخائيل. (1982). الملحمة والرواية، دراسة الرواية، مسائل في المنهجية.ترجمة: شحيد جمال. الطبعة الثانية. بيروت. كتاب الفكر العربي. استرجعت من www.mediafire.com
بيام، ديل. (1999). الفن والمنفى والمقاومة في حوار مع وول سوينكا. مجلة الآداب الأجنبية، 99-100، 189- 197. استرجعت من archive. Alsharekh.org
حمّود، محمد. (2008). الأدب الإفريقي.بيروت. مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
سعيد، إدوارد. (2014). مقدمة الثقافة والإمبريالية. ترجمة: أبوديب كمال. الطبعة الرابعة. بيروت. دار الآداب. استرجعت من Kotobati.com
شارتيه ، بيير . (2001). مدخل إلى نظريات الرواية. ترجمة: الشرقاوي عبد الكبير. الطبعة الأولى. الدار البيضاء. دار توبقال للنشر.
شلش، علي. ((1978). الأدب الأفريقي.في سلسة كتب ثقافية شهرية. الكويت. يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. استرجعت من www.noor-book.com
شلش، علي. (1984). أثر البيئة في الأدب الأفريقي. مجلة الأقلام، 10، 52- 62. استرجعت من
archive. Alsharekh.org
شلش، علي. (1981). من تراث الشعوب، الأدب الشعبي في أفريقيا. مجلة التراث الشعبي، 8، 191- 204 استرجعت من archive. Alsharekh.org
شوفرييه، جاك. (1995). نظرة إلى التراث الشفهي في إفريقيا السوداء. ترجمة: أمين نورا. مجلة التراث الشعبي، 8، 75- 82. استرجعت من archive. Alsharekh.org
عاشور، رضوى. (1981). كتاب الشهر، التابع ينهض، محاولةلاستكشاف الأدب الإفريقي. مجلة الدوحة، 3، 110- 114. استرجعت من archive. Alsharekh.org
كونديرا، ميلان. (2007). ثلاثية حول الرواية. فن الرواية والوصايا المغدورة والستار. ترجمة عرودكي بدر الدين. المشروع القومي للترجمة. إشراف: جابر عصفور.
كونديرا، ميلان. (2011). لقاء. ترجمة: ينعبود محمد. الدار البيضاء. بيروت. المركز الثقافي العربي. استرجعت من FabulaBook.com
كويتزي، ج. م. (2004). الرواية في إفريقيا.ترجمة: حسين عيد. القاهرة. الدار المصرية اللبنانية.
وا ثيونغو ،نغوجي. (2011). تصفية استعمار العقل. ترجمة: سعدي يوسف، دمشق. دار التكوين. استرجعت من www.noor-book.com
2/ الأجنبية
Kristeva. Julia. (1970). Le Texte du Roman. Approche Sémiologique d’une Structure discursive transformationelle. The Hague. The Netherlands. Mouton Publishers.
Bakhtine. Mikhail. (1984). Esthétique de La Création Verbale. Traduit du russe par Aucouturier Alfreda. Préface de Tzvetan Todorov. Ed Gallimard.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)