تهاني فندي الشمري و د. زاهر بن مرهون بن خصيف الداودي
قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، سلطنة عمان
الملخص
تهدف هذا الورقة البحثيّة إلى دراسة البعد الحجاجي لأسلوب القصر في الحديث النّبوي، وبيان آلية اشتغاله في السّياق القضائي، من خلال التّطبيق على المدونة اللغويّة (صحيح البخاري أنموذجًا)، ذلك أن أسلوب القصر يعد أحد أهم الآليات البلاغيّة المستثمرة في الحديث النّبوي القضائي، مع التأكيد على خصوصيّة هذا النّوع من الخطابات الغائيّة الموجّهة نحو تحقيق العدالة والإنصاف، وحث النّاس على ذلك. وسوف تستعرض الدّراسة مفهوم الحجاج في المقاربة اللسانيّة التّداوليّة، وبيان مفهوم أسلوب القصر، وبحث أبرز أدواته في المدونة اللغويّة، وتحليلها وفق معطيات مفهوم السّلالم الحجاجيّة. ونتطلع من خلال النّظر في نماذج المدونة اللغويّة إلى معرفة دور أسلوب القصر في التّعرف على خصائص تراكيب الكلام المؤدية للمعنى المقصود في الحكم القضائي، و كيف تبلور البعد الإقناعي في القيمة الحجاجيّة المتضمنة، وأثر ذلك في فض النّزاع بين المتخاطبين، لاسيما أنّ الاتجاه الحجاجي يصور القيمة من خلال دورها في إرجاع النّظام الخاص بالخطاب إلى نظام الملفوظات.
الكلمات المفتاحيّة: أسلوب القصر، الحجاج، الحديث النّبوي، تحليل الخطاب.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
يتصل الحجاج بمختلف مقامات التّواصل الإنسانيّة التي تسعى من خلال الملفوظات نحو إقناع المخاطب فردًا أو جمهورًا بتبني سلوكيّات محددة، أو تقبّل آراء معينة ومشاركتها، أو حشد أصواتٍ مؤيدة لجهة ما وغيرها، وكلّما كان توظيف الحجاج موفقًا استجاب المخاطبون فوريّا لدلالات الخطاب بشكل فعّال، حتّى باتت المجتمعات الإنسانيّة توصف بالديمقراطيّة بمقدار قدرتها على توظيف الحجاج في ممارساتها وأنشطتها، وقد نُرجع تفسير ذلك إلى استرسالات الخطاب الحجاجي ومضمراته الدلاليّة التي تجعله أحد آليات الإقناع المهمة، بحيث يراعي الخطاب مكونات السّياق، ويبرز في تضاعيفه الفهم العميق للخلفية المعرفيّة المشتركة بين المرسل والمتلقي ، بعيدًا عن الممارسات العنيفة التي تؤدي إلى مزيدٍ من التّصادم والتّنازع بينهما، لاسيما أنّ التوّاصل في مختلف الأغراض داخل الموقف الحجاجي “ينبغي من خلاله -بكل دقة- إقناع المتلقي في إطار مهني أو مجتمعي أو سياسي وفي سياق عائلي أو إخواني أيضًا“(1).
و قد أشار تمام حسّان في حديثه عن غايات الأداء اللغوي عند توظيف اللغة إلى غاية التّعامل التي تُستخدم اللغة “بقصد التّأثير في البيئة الطبيعيّة أو الاجتماعيّة المحيطة بالفرد فيدخل في ذلك البيع والشّراء والمخاصمة والتّعليم والبحث العلمي والمناقشات الموصلة إلى قرارات والتّأليف والخطابة والمقالة السياسيّة …“(2)، ويفهم من ذلك أنّ تحقق غاية الخطاب مرهونٌ بمدى انسجام اللغة ومكوناتها مع دور الفرد في السّياق، وهذا مصداق قول البلغاء “لكل مقام مقال“، كما أنّه من خلال النّظر في التّفاعل بين دور الفرد في الأداء وغاية الأداء -التي تشمل تحليل دور الفرد داخل المجتمع -يمكننا أن نفهم خصائص المقام الذي يقال فيه الخطاب أو المقال.
و يعد من أهم الأدوار التي يقوم بها الفرد في المجتمع الإنساني موظفًا الحجاج هو الدّور القضائي، الذي يستلزم فهمًا عمليًا لمقتضى أحوال المخاطبين، بحيث يكون الخطاب بآلياته وأساليبه مطابقًا لمقتضى الحال، وهذا مدعاة للتّأثير والإقناع سواء أكان ذلك على مستوى القاضي أم على مستوى الخصوم، فقد يجتهد القاضي في التّأثير على الخصوم أثناء عملية الاستجواب لفهم ملابسات الواقعة، ودوافع الضرر، وآثاره، كما أنه يجتهد في التّأثير على الخصوم بعد إصدار الحكم القضائي لتعليل الحكم القضائي أو ما يعرف (بالتّسبيب القضائي)؛ حماية للعقيدة القضائية أثناء التّحاكم التي تؤمن بضرورة بيان العلاقة السّببيّة بين الجرم والنّتيجة القانونيّة المترتبة عليه بعد الإفصاح عن رأيها في الدّعوى، بحيث يتسق الحكم القضائي مع منطوقه موضحًا الأسباب المسوغة المتفق عليها بحسب المنطق القانوني ومرجعيته، لاسيما أن التسبيب يتضمّن خلاصة الفهم لواقع القضية مقرونًا بالتّكييف القانوني السّليم الذي أنزل على الدّعوى، وما انطبق على وقائع الدعوى وحقيقتها من مواد قانونيّة(3). والهدف من ذلك هو الوصول إلى تحقيق غاية القضاء وهي (الإنصاف والردع).
بينما قد يستخدم الخصوم مختلف الحجج والبراهين والآليات للتّأثير على القاضي للمصلحة الذاتيّة التي تتفرع إلى شكلين: إقناع القاضي بجدوى قبول الدعوى والتّحاكم فيها، و إقناع القاضي ببراءتهم ووقوع المظلمة عليهم، وبالتّالي كسب غاية القضاء في الموقف التّواصلي (الإنصاف والردع).
وسوف نسعى من خلال هذا الورقة إلى دراسة البعد الحجاجي لأسلوب القصر (إنّما) في الحديث النبوي القضائي؛ خشية الإطالة، بحيث نسلط الضوء على البعد الإقناعي في القيمة الحجاجيّة المتضمنة، وأثر ذلك في فض النّزاع بين المتخاطبين.
1. مفهوم أسلوب القصر
يشير لفظ القصر لغةً إلى معنى يدل على خلاف الطول والحبس والغاية، فيقال:” قصر الشيء: جعله قصيرًا، والقصير من الشّعر: خلاف الطويل، وقصر الشّعر: كف منه وغض حتّى قصر…، والقصر: خلاف المد..، يقال: قصرك أن تفعل كذا أي حسبك وكفايتك وغايتك، وكذلك قصارك وقصاراك، وهو من معنى القصر الحبس لأنّك إذا بلغت الغاية حبستك“(4)، و”هذا قصرك أي أجلك وموتك وغايتك. واقتصر على كذا أي قنع به… والقصر: كفك نفسك عن شيء، وقصرت نفسي على كذا أقصرها قصرا…، والمقصورة: المحبوسة في بيتها وخدرها لا تخرج“(5).
ويعرف اصطلاحًا عند البلاغيين بأنّه “تخصيص أمرٍ بآخر بطريق مخصوص ويقال أيضًا إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه. وينقسم إلى قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف وكل منهما إما حقيقي وإما مجازي“(6)، وقد أشار القزويني إلى أنّه “تخصيص شيء “صفة أو موصوف” بشيء “موصوف أو صفة” بطريق مخصوص“(7)، وغاية ذلك الأمر “تمكين الكلام وتقريره في الذهن“(8).
ويمكن التّمثيل لدلالة قصر الموصوف على الصفة قولنا (ما عمر إلّا طالب)؛ أي أنّه لا صفة له غيرها، وشاهد قصر الصفة على الموصوف قولنا: (لا إله إلّا الله)؛ أي لا يوجد إله مثيل له في إلهيته وأسمائه وصفاته وربوبيته إلا هو سبحانه وتعالى.
ويكون القصر بأساليب أو طرق متعددة بلاغيًا، يمكن رصدها في الآتي(9):
- طريق النّفي والاستثناء، حيث يكون المقصور عليه مذكورًا بعد أداة الاستثناء دائمًا، ومثاله قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) [آل عمران: 144].
- طريق إنّما، ويكون مع إنّما ذكر المقصور عليه مؤخرًا بشكل واجب، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10].
- طريق العطف، وينقسم إلى قسمين: 1- استخدام بلا ويكون المقصور عليه قبل لا، ومثاله: الحياة مستمرة لا متوقفة. 2- استخدام بل أو لكن ويكون المقصور عليه ما بعدهما، ويمكن القول تمثيلًا: ما الحياة متوقفة بل مستمرة.
- طريق تقديم ما حقه التّأخير بحيث يكون المقصور عليه هو المقدم، قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5].
وبالنّظر إلى جملة الأمثلة المذكور سابقة، وتحليلها، يظهر لنا أنّ الكلام المشتمل على القصر على حكم واحد يتضمن الإثبات القصدي والنّفي التّبعي؛ أي إثبات المقصور للمقصور عليه، ونفيه عن ما سواه إن عامًا فعام، وإن خاصُا فخاص، في جملة واحدة (10).
يرد الحجاج لغة بمعنى الغلبة، فيقال” حاججته أحاجه حجاجًا ومحاجة حتى حججته؛ أي غلبته بالحجج التي أدليت بها… والحجة: البرهان؛ وقيل: الحجة ما دوفع به الخصم؛ وقال الأزهري: الحجة الوجه الذي يكون به الظّفر عند الخصومة، وهو رجل محجاج أي جدل، والتّحاج: التّخاصم“(11)؛ أي أنّ اللفظ مشتق من الحجة وهي البرهان أو الدليل …، فيقال سقت البراهين على صحة ما أقول حتّى ظفرت، وهو بهذا المفهوم يلحق الحجاج بمعنى الجدل وهو “شدة الفتل“(12) ، ويأتي الحجاج أيضًا في الاستخدام المعاصر بمعانٍ أخرى كالذّريعة لإخفاء السّبب الرئيسي، والاحتجاج والخصومة، والحجة محل الثّقة، أو عالم ثبت(13).
وأما اصطلاحًا فهناك اختلاف في مدلولات مفهوم الحجاج من مجال إلى آخر، فهناك المفهوم المنطقي، والقانوني، والفلسفي، والمفهوم اللساني التداولي، والأخير هو ما يهمنا في مقام بحثنا، وهذه التّعددية ألحقت شيئًا من الغموض على المفهوم إلّا أنّها أكسبته بعدًا شموليًا للمعارف الإنسانيّة.
وقد عرّفت النّظريّة الحجاجيّة المعاصرة الحجاج من زوايا نظر شتى: أهمها السّمات الموضوعية العامة، أو البنى اللغوية المميزة، أو الغرض البلاغي والوظيفة الاتصالية وغيره، وإن مضينا قدمًا إلى أهم التّعريفات في الحجاج نجد أندرسين ودوفر يعرّفان الحجاج على أنه طريقة لاستخدام التّحليل العقلي والدعاوى المنطقيّة بغرض حل المنازعات واتخاذ قرارات محكمة والتّأثير في وجهات النّظر والسّلوك(14) .
بينما وصف بيرلمان وتيتيكا موضوع الحجاج على أنه “دراسة الفنيّات الخطابيّة التي تسمح باستثارة انضمام العقول إلى الأطروحات التي نعرضها على مُوافقتها أو زيادة في ذلك الانضمام“(15)، أي أنّ الحجاج لديه يوصف مرتبطًا بالأثر والغاية منه وهي الإقناع، فلا عبرة للحجاج مالم يولِ الإقناع اهتمامًا واضحًا ويجعله مركز العمليّة، وقد وسع بيرلمان وتيتيكا مجال الحجاج ” ليتجاوز الأجناس البلاغيّة التّقليديّة الكبرى وليطابق مفهوم المطارحة بكل أشكالها، بل أكثر من ذلك فالنّشاط الحجاجي في نظرية الحجاج كما في المنطق الطبيعي يتسع لنشاط الكلام “(16).
ويوافقه ب. شارودو في تعريف الحجاج بأنّه” نشاط يتضمن عدة أساليب، ولكن الذي يميز هذه الأساليب عن خصائص الخطاب الأخرى هو بالضبط اندراجها ضمن هدف مُعقلن وأداؤها دور البرهنة الذي يتميز بمنطق ما وبقاعدة عدم التّناقض“(17)؛ أي أنّ الحجاج يتوجّه مباشرةً نحو ملكة البرهنة فيكون حينها المحاجِح معبرًا عن قناعة تتطلب تفسيرًا عندما يكون بصدد نقله إلى المحادِث بغية إقناعه، والتّأثير على سلوكه.
وقد عرّف طه عبد الرحمن حد الحجاج على أنّه كل منطوق به موجّه إلى الغير بقصد إفهامه دعوى مخصوص يحق له الاعتراض عليها، ويراد بالمنطوق هو الخطاب الذي لا يراد به فقط الدّخول مع الغير في علاقة، وإنّما يراد به ذلك الخطاب الذي في حقيقته يقترن بتحصيل النّاطق لقصد الادعاء، و تحصيل المنطوق له لقصد الاعتراض، فيكون الأول قاصدًا التّوجه إلى الثاني وإفهامه المعنى المحدد، وبذلك يقوم الخطاب بتمام المقتضيات التّعامليّة الواجبة للحجاج على مقتضى الادعاء والاعتراض، وبهذا التًصور تتحدد ماهيّة الخطاب الحجاجي بالعلاقة الاستدلاليّة التي تفترض خطابًا يتضمن حجاجًا، ومخاطِبًا يقوم بوظيفة (المدعي)، ومخاطَبًا يقوم بوظيفة (المعترض)، دون أن يشير إلى البعد التّداولي وهو الإقناع والتّأثير في الخطاب الذي أشار إليه بيرلمان وتيتيكا ، و ب. شارودو سابقًا، والعلاقة الاستدلاليّة بحسب رأي طه عبد الرحمن تتحدد في ذاتها من جانب المخاطِب بالادعاء، فيصبح مستدلًا، ومن جانب المخاطَب بالاعتراض فيكون مستدلًا له، وبناءً عليه يمكن تصنيف الخطاب الحجاجي إلى نوعين(18): الحجاج التّوجيهي، والحجاج التّقويمي.
و العلاقة القائمة بين اللغة الطبيعيّة والحجاج من حيث أنّ الأولى هي العلامة المستعملة استلزمت ظهور ما يعرف بالوظيفة الحجاجيّة إلى جانب وظائف اللغة الأخرى: الوصفيّة، والإشاريّة والتّعبيريّة، لأنّ المرسل يستعمل اللغة بغرض الحجاج فينظم الحجج والتّفسيرات اللازمة(19)؛ ونظم الحجج المناسبة يتطلب “حسن التّدبير والتقاط المناسبة بين الحجة وسياق الاحتجاج في صورتها المثلى حتى يسد المتكلم السّبيل على السّامع فلا يجد منفذًا إلى استضعاف الحجة و الخروج عن دائرة فعلها، وربما نقضها بما يخالفها أو يباينها“(20).
و لذلك نجد أنّ كافة الخطابات تنزع نحو توظيف الحجاج غير أنّ أشكاله وأدواته ودرجته تتباين من خطاب إلى آخر، و بذلك تكون الوظيفة الحجاجيّة هي الوظيفة الأساس كونها المسؤول الأول عن “توليد الفعل الخطابي؛ فلا خطاب بدون وظيفة ولا وظيفة بدون حجاج“(21)، من أجل “تحريك اعتقاد، أو تبرير قرار، أو الدّفع إلى العمل؛ لأنّ الحجاج يتوجه إلى الاعتقاد بالدّرجة الأولى أي كل ما يتعلق بترتيب القيم، بدل ترتيب الحقائق”(22).
وهكذا يتبين أنّ الحجاج آلية يستعين بها الخطاب الإقناعي للوصول إلى مبتغاه، فتتشكل من خلال ذلك عناصره الأساسيّة، وهي: خبر عن العالم يمثل إشكالًا لشخص ما من حيث مشروعيته، وفاعل مقتنع أو ملتزم بهذه الإشكاليّة يسعى نحو البرهنة لهذا الخبر، وفاعل آخر مهتم بالخبر نفسه ويشكل هدف الحجاج، يتوجه إليه الفاعل المحاجِج لاستدراجه نحو الاقتناع بالحقيقة، ويكون حينها بين خيارين: قبول الحجاج أو رفضه، كما هو موضح في الخطاطة الآتية(23):
وبالنّظر إلى تلك العلائق بين العناصر الثلاثة، وبما ورد عند بيرلمان وتيتيكا فيمكن تمييز الحجاج بخمسة ملامح محددة: 1″) يتوجّه إلى مستمع، 2) يعبّر عنه بلغة طبيعيّة؛ 3) مسلّماته لا تعدو أن تكون احتماليّة؛ 4) لا يفتقر تقدمه (تناميه) إلى ضرورة منطقيّة بمعنى الكلمة ؛5) ليست نتائجه (خلاصاته) ملزمة”(24)؛ وبما أنّ التّوجيه الخطابي يستهدف مستمعًا بعينه، فهذا يستلزم العلم بخصائص هذا المستمع كي يمكن إقناعه وفق موقفه المحدد، ومسار الحجاج وفقًا لذلك تبادليّ لا خطيّ يتطور بحسب مقتضيات السّياق وتفاعل المرسل إليه، من حيث ذكر الحجج أو إغفالها، فمثلًا حين نكون بإزاء السّياق القضائي يتعين على ممثلي الادعاء إصدار خطاب يستحضر فيه خصائص المرسل إليه، فيقول في بيانه:
- قتل عمر جاره أحمد مساء يوم الاثنين.
نعلم يقينًا أنّ جهة الادعاء من خلال ما تفرضه ثنائيّة ذلك السّياق (الاتهام/الدفاع) يحاولون إقناع الجمهور بما يعتقدونه، لاسيما أنّ خطابهم يتضمن ضمنيًا حجج مقاومة متوقعة تعارض موقفهم تبعًا لفكرة النّزاع المتأصلة في مثل هذه السّياقات؛ لذلك كلما كان المرسل أقدر على تصور المرسل إليه بأي صورة كان (فردًا/جمهورًا) بصفة دقيقة، وكيف يفكر ويحلل، كان أقدر على تخمين الحجج المناسبة للرّد عليه أثناء التّلفظ بخطابه، وبقدر تصوّر ما يناسبهم، يكون استدعاؤه مصنفًا ومتسلسلًا بحسب تلك المعرفة.
ومن أوجه البراعة في التّداول استثمار عدة تساؤلات متوقع أن تدور في خلدهم، فيسردها ويدحضها واحدة تلو الأخرى، حتّى يشعر الآخر أنّه على بيّنة من أمره، إلى جانب أدوات أخرى يمكن الاستعانة بها، منها: توظيف العلامات السيميائيّة بحسب المجال المستثمر فيها، بينما في سياقات أخرى، ومنها السّياق الإعلامي غالبًا ما تؤثر آليات (التّعبئة) في استمالة المرسل إليه والتّأثير عليه أثناء التّواصل.
وعندها يمكننا أن نعتقد بأنّ الأدوات اللغويّة التي يستخدمها المرسل في أثناء حجاجه تتأثر بشكل كبير بالسّياق والمقام المعنيين، وبناءً على محدداتهما يستطيع المرسل أن يعتمد على عمليتي التّرجيح والاختيار المناسبتين، وتقدير تلك المسألة هو ما جعل الشّهري يعتقد بأنّ العلاقة المجازيّة التّناسبيّة أصليّة في الحجاج، على اعتبار أنّ العلاقة التي يقيمها المرسل بين الحجة والدّعوى أو النّتيجة ليست حقيقيّة، وإنّما بحسب وجهة نظره هي المناسبة بتحقيق غرضه ومراده، وفي الوقت نفسه قد تكون الحجة ذاتها هي المثير للاعتراض (25)، ومن خلال هذا الاعتراض تتجلى إحدى صور التّفاعل في الخطاب الحجاجي، ولا يمكن أن يتجلى التّفاعل، ولا أن تتحقق النتيجة إلّا عندما يختار المتكلم الحجة وتركيبها، سواء وردت مفردة أو مركبة (الحجج) وكذلك باستعمالها، فكل حجة قائمة على نقطة خلاف ظاهرة، أو مضمرة(26).
ونتيجة لذلك، فإنّ المنطوق الذي يمكن أن يكون حجاجًا معتدًا به في السّياقات على اختلافها وتنوعها هو ذلك المنطوق الذي يراعي على وجه الخصوص قيامه “بتمام المقتضيات التفاعلية الواجبة في حق ما يسمى ب “المجاز”، إذ حد المجاز أنّه كل منطوق به موجّه إلى الغير لإفهامه دعوى مخصوصة يحق له الاعتراض عليها بحسب القيمة التي تحملها“(27)، وذلك التّفاعل يحتم أن تشكل معرفة العالم، والإحاطة بكيفيّة تفكير الأطراف المعنيّة مفصلًا مهمًا في قوة الاحتجاج ومساره.
والمرسل في خطابه الحجاجي متّجه نحو الأثر التّداولي (الإقناع) عبر توظيف ثلاثة أنماط أساسيّة من المقصدية: نمط فكري، ونمطان عاطفيان، أهمها الجانب الفكري الذي يتفرّع إلى: غرض تعليمي، وغرض حجاجي، وغرض أخلاقي(28).
تنطلق نظرية السّلالم الحجاجيّة من “إقرار التّلازم في عمل المحاجّة بين القول الحجة (ق) ونتيجته (ن) ومعنى التّلازم هنا هو أنّ الحجة لا تكون حجة بالنّسبة إلى المتكلم إلّا بإضافتها إلى النّتيجة مع الإشارة إلى أنّ النّتيجة قد يصرّح بها وقد تبقى ضمنيّة“(29) وبذلك يكون هذا اللفظ مشيرًا إلى آليات التّدرج التي يقوم بها المتكلم لإبراز وجهة نظر معيّنة، وهذا التّوجه يتعلق في جميع الأحوال بتطوير جهاز حجاجي ينطلق من معطيات المعنى العام، وبذلك يمكن أن نعرّف السّلم الحجاجي بوصفه بناء للخطاب يهدف إلى تطوير حكم قيمة انطلاقًا من محورين معياريين يحتمل أن يتغيرا؛ أي أنّ المتكلم لابد أن يكون على معرفة بالسّلالم المعياريّة، ومثال ذلك(30):
- من الجيد ممارسة الشّكر الجميل حين ترغب بالحصول على القبول الكثير.
فيلحظ في الملفوظ السّابق اهتمام المتكلم بذكر سلمين معياريين (معيار كمي للقبول، معيار نوعي للشّكر)، للرّبط بين مجالين (ممارسة الشّكر، التّقدير والقبول). ويمكن أن يرمز للسّلم الحجاجي في عمومه بالمخطوطة التّالية:
| (ن)= النتيجة (ب) و(ج) و(د) = حجج تخدم النتيجة |
وهذه التّراتبية وحدها هي التي تخلق علاقة شبه منطقيّة بين الدّعوى والحجة، فيكون المرسل الذي يستهدف الإقناع في خطابه منشغلُا بترتيب الحجج التي يرى أنّها تتمتع بالقوة اللازمة لدعم خطابه(31). لذلك تكمن قيمة نظرية السّلالم الحجاجيّة في إخراج قيمة القول الحجاجي من حيز الخبر إلى حيز القول؛ أي لا يمكننا الحكم على تلك القيمة بالصّدق أو الكذب(32)، وهذا التّعريف يطابق تعريف الاتجاه الحجاجي الذي يرى بأنّ القيمة تُرجع النّظام الخاص بالخطاب إلى نظام الملفوظات، ومثال ذلك كلمة (الذّكي) فمعناها اللغوي لا ينبغي أن يُبحث في قيمته الوصفيّة عبر قدرةٍ تقاس بحاصل ذكاء ( الذكاء=50%)، وإنّما في الاتجاه الذي يفرضه استعمال هذه الكلمة كملفوظ على خطاب لاحق: (عمر ذكي يمكن أن يحل هذه المشكلة) ، ويقابله التّسلسل الذي يكون معه المرء يشعر بالتّنافر : (عمر ذكي لا يستطيع حل هذه المشكلة)(33).
ولا بد أن يستوفي السّلم الحجاجي من حيث كونه مجموعة غير فارغة من الأقوال مزودة بعلاقة تدرجيّة “بالشّرطين التّاليين:
- كل قول يقع في مرتبة ما من السّلم يلزم عنه ما يقع تحته، بحيث تلزم عن القول الموجود في الطرف الأعلى جميع الأقوال التي دونه.
- كل قول كان في السلم دلالياً على مدلول معين، كان ما يعلوه مرتبة دليلًا أقوى عليه…”(34).
ويحكم السّلم الحجاجي ثلاثة قوانين رئيسة(35):
- قانون الخفض: يقتضي صدق القول في مراتب معينة في السّلم، صدق نقيضه في المراتب التي تقع تحتها، ومثاله: (الدعوات ليست مكتملة، لم يحضر كثير من النّاس الاحتفال)، وبهذا فإنّنا نستبعد جميع التأويلات التي تقول بأن الدّعوات كافية (المثال الثاني)، أو أنّ الناس قد حضروا الاحتفال (المثال الثاني)، فيكون التّأويل الأول حينها: (إذا لم تكن الدعوات مكتملة، فهي ناقصة أو غير صحيحة). بينما سيكون تأويل القول الثاني: (لم يحضر إلا القليل منهم إلى الاحتفال).
- قانون تبديل السّلم: إن كان القول دليلًا على مدلول معين، فإن نقيض هذا القول دليل على نقيض مدلول. ومثاله: (عمر ناضج، لقد اتخذ قرارًا صائبًا-عمر ليس ناضجًا، إنّه لم يتخذ قرارًا صائبًا).
- قانون القلب: إن كان أحد القولين أقوى من الآخر في الدلالة على مدلول معين، فإن نقيض الثاني أقوى من نقيض الأول في الدلالة على نقيض المدلول، ومثاله (حصل عمر على الماجستير، وحتّى الدكتوراه- لم يحصل عمر على الدكتوراه، بل لم يحصل على الماجستير).
والقيمة الحجاجيّة للملفوظ المحددة عبر الاتجاه الحجاجي الصّريح أو المضمر تتأثر بشكل مباشر بما يعرف بالرّوابط الحجاجيّة؛ فإذا كان الخطاب مشتملًا عليها يسمى خطابًا معلمًا، لأنّ تلك الرّوابط تتضمن مجموعة من الإشارات والتّعليمات المتعلقة بالطريقة التي يتم بها توجيه الخطاب، أما في حالة عدم اشتماله على الروابط الحجاجيّة يوصف بأنه خطاب غير معلم؛ لأن التّعليمات المحددة للاتجاه الحجاجي تُستنتج عبر الألفاظ والسّياق التداولي العام(36).
وبذلك يمكن تعريف الروابط الحجاجية وفق المفهوم التّقليدي على أنّها أدوات تستخدم لربط العلاقات بين الملفوظات بحيث تكون المدخلات (بما أن، لأن) أسبابًا تؤدي إلى نتائج وخاتمة (إذن، بالتّالي)، وقد اشتغل ديكرو على توسعة هذا المفهوم ليشمل وحدات أخرى متسلسلة مثل: من جهة أخرى، وفعلًا، أو لكن …، ويمكن التّمثيل لذلك من خلال قولنا(37):
- هذا المكان جميل لكنّه بعيد = (هذا المكان جميل=أ) (لكنّه=لا) (بعيد =ب).
حيث يفهم من هذا التّصور أنّ بتلفظ (أ) يمكننا أن نتوجه إلى نتيجة ما يكون فيها (أ) حجة وسببًا(ن)، مثلًا (سوف نذهب إليه)، إلا أننا بمجرد تلفّظ (لكن ب) سوف يتكون توجيه (اعتبروا ب حجة لنتيجة هي لا -ن)، فتصبح النتيجة (فلنحجم عن الذهاب). فيصبح للملفوظ المركّب التوّجيه العام (لا ن).
وبالرّغم من اقتصار مفهوم السلّم الحجاجي على العلاقات اللغوية أو شبه المنطقيّة، إلا أنّه بحسب ما أشار إليه الشّهري يمكن توسيع المفهوم بحيث يتم إدراج العديد من أدوات الحجاج وآلياته ضمنه، فيصبح إطارًا عامة لتفاضل الحجج، وتغليب بعضها على البعض الآخر، من خلال تفعيل الكفاءة التّداوليّة التي تعتمد على النّظام اللغوي والتّراتبيات المكتنزة في ذهن الإنسان(38).
تمثل الضّوابط التّداولية للحجاج مجموعة من الموجهات والإرشادات التّنظيميّة التي تسعى نحو تحقيق غرض الخطاب، لذلك يستوجب على المخاطبين الالتزام بها، ولابد أن تراعي تلك الضّوابط بداهةً شروط التّداول اللغوي أثناء الحوار، وقد صنّفها طه عبد الرحمن وفق أربعة شروط رئيسة، وهي(39): شرط نطقية، وشروط اجتماعيّة، وشروط اعتقاديّة، وشروط إقناعيّة.
لذلك يفترض الشهري أنّ المرسل في خطابه الإقناعي الحجاجي لابد أن يلتزم بعدد من الضّوابط التّداوليّة التي تمكن الخطاب من تحقيق غرض الإقناع، وهي(40):
- أن يكون الحجاج مرتكزًا على الثوابت الدينية والمعرفيّة.
- أن تكون الألفاظ المستخدمة ذات دلالة محددة، والمرجع المحال إليه محددًا.
- موافقة العقل، حتّى لا يكون الخطاب مزيفًا، وتكون الحجة واهنةً.
- اشتراك اطراف الخطاب في المعارف المشتركة
- تناسب الخطاب الحجاجي للسّياق العام؛ بغية تسويغ الحجج المتضمنة في الخطاب.
- ضرورة خلو الحجاج من المغالطات والإيهام
- استلزام الثّقافة الواسعة والرصيد المعرفي لدى المرسل في المجال الذي يتضمنه الحجاج.
- الإفادة من أعمال فان إيميرن وخرو تندورست Frans H. van Eemeren & Rob Grootendorst المستفادة من شروط (سيرل) في إنجاز الأفعال اللغويّة البسيطة،
ولكي يكون المتكلم موفقًا في أداء فعل الحجاج، وموفقًا في بناء الخطاب الحجاجي بشكل متين متماسك يتحصل من خلاله على الإقناع والتأثير، فإنّ ذلك يستدعي أن يستوفي المتكلم شروطًا محددةً في بناء الحجج، التي جاء تقسيمها إلى: شروط الحجة المثبتة، وشروط الحجة المبطلة(41).
يعتني مقام الخطابة في عمومه بثلاثة عناصر رئيسة هي المتكلم وهو الخطيب، والمقول وهو الذي يُعمل فيه القول، والسّامع وهو إما مناظر أو حاكم أو من يُراد إقناعه. وفي مقام الخطابة فإنّ السّامع هو الحاكم وهو في تصنيف أحواله إما أن يكون حاكمًا في أمر مستقبلي، وفيه النّفع والضّر، أو يكون في أمر قد كان؛ ومنها ما يقع باختيار الإنسان، ويكون حينها متصلًا بالفضائل والرذائل، أو ما يكون بغير اختياره من فعل إنسان آخر، وهو حينها يكون متصلًا بالجور والعدل، وفي الحالة الثانية (أمر قد كان) يكون مدار عمل القاضي الذي يعينه الحاكم، والمُناظر بقوة الملكة الخطابيّة. وبناءً عليه فقد قسّم أرسطو القول الخطابي إلى ثلاثة أجناس: مشوري، ومشاجري، وتثبيتي.
ولما كان ذلك أضحى انضواء الخطابة القضائيّة تحت القول الخطابي المشاجري انضواءً مباشرًا، إذ يرتبط مقامها بمبدأ (الاتهام والدّفاع)، وفي تحليل طبيعة مصادر القياس وأنواعها جاء التّركيز على فكرة الظلم، بوصفه الضّرر المتعمد في حق إنسانٍ على خلاف مقتضى القانون بنوعيه الخاص والعام. وأفضى التّنظير وتحديد الأقيسة المضمرة اللازمة لهذا النّوع من المقامات إلى حصر ثلاث نقاط رئيسة لابد من أخذها بعين الاعتبار: معرفة دوافع الجريمة أو الظلم، استعداد مرتكبي الظلم وطبيعته، وظروف من يقع عليهم الظّلم وحالاتهم. وتأسيسًا على ذلك يتم تحديد الظّلم وتعيين القانون الرّادع ومسؤوليته(42)، حيث إنّ الظلم تتبعه المسؤولية، ولا تتأتى المسؤولية بغير إرادة يكون الشّخص فيها عاقلًا لما يفعله دون إجبارٍ.
والمعتدي أو من يقصد الضّرر والظّلم تحركه دوافع واضحة تسمى (الرّذيلة/عدم الاعتدال)، حيث إنّ تلك الدّوافع هي الأقدر على عدم الاعتداد بالقانون وممارسة الظّلم. لذلك يعتني مقام الخطاب القضائي ببحث كل ما يجعل الإنسان يتسبب بالضّرر، والكشف عن الاستعدادات والأخلاقيّات المسببة للضّرر، ومدى الضّرر الحاصل. وحين نتفحص أسباب الأفعال الإنسانيّة في عمومها نجدها تتفرع إلى: أسباب خارجيّة ومنشؤها المصادفة و الاتفاق، أو الحاجة (بسبب ضغط، أو من الطبيعة الإنسانيّة)، وأسباب داخليّة منشؤها العادة أو الحاجة (معقولة أو غير معقولة)(43).
وقد اعتنى الرّسول ﷺ بالمقام لفهم دوافع الاعتداء والظّلم، في الخصومة بين الأطراف، أو حتّى في خصومة الإنسان مع نفسه، ومثال الأخيرة ما جاء في حديث أبي هريرة حين قال:
أتى رسول الله ﷺ رجل من النّاس وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله، إنّي زنيت، يريد نفسه، فأعرض عنه النّبي ﷺ فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النّبي ﷺ الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي ﷺ فقال: (أبك جنون؟). قال: لا يا رسول الله، فقال: (أحصنت؟ (قال: نعم يا رسول الله، قال: (اذهبوا به فارجموه)(44).
ويظهر لنا في بادئ الأمر أنّ السّلوك اللفظي لدى المدعي على نفسه حين استخدم (الإقرار) أقوى الأدلة لإدانة نفسه وتكرير ذلك، مع سلوكه الجسدي المتزامن حين حاول استقبال وجه الرسول ﷺ مرارًا وتكرارًا، للتّأثير على الرسول ﷺ وإقناعه بالنّظر في الدعوى والحكم فيها، رغم محاولته ﷺ أن يدرأ التّهمة بالإعراض، وفي ذلك إيماء بعدم الرغبة؛ لأنّ الإقرار يستوجب في الحدود إنزال العقوبة دون شفاعة، ودون النّظر في إثبات آخر، ولما كان الرجل أهلًا للنّظر في دعوته بحسب خصائصه، انتقل بعدها الرسول ﷺ إلى توجيه الأسئلة المباشرة والمغلقة (أبك جنون-أحصنت) للتّأكد من أهليته للحساب وقيام الحجة عليه؛ لأنّ المشهود غير معلوم، فلما كان رد المدعي بالإيجاب، ونفي كل ما من شأنه أن يعرض إقراره للرفض(45) كأن يكون تحت تأثير ما، مثل: الجنون أو الإكراه، ولما كان حاله السلوكي واللفظي متعاضدين أصبح لزامًا بحسب مقتضى هذا المقام أن يتم قبول الدّليل؛ نظرًا لكفايته في إزالة الجهالة، وتأكيد الضّرر والظّلم على النّفس، وعندئذ جاء إصدار الحكم بالرّجم.
وبما لا يدع مجالًا للشك فإنّ مقام القضاء يستوجب النّظر في الأحوال النّفسيّة والأحداث الاجتماعيّة، وكافة الظروف المتصلة بالمتخاصمين؛ للتّأكد من صلاحيّة الدّعوى للتّداول، خاصة حين يكون المدعى به مجهولًا، ففي مثل هذه الأحوال تتعذر البينة والحكم عليها إلّا في مواضع محددة شرعًا (مثال: المهر والكتابة والوصية و الإقرار والنذر والخلع)، و من أهم الاشتراطات في هذا السّياق ” أن يكون المدعي محتمل الثبوت عقلًا وعادةً وذلك بأن لا يكون مستحيلًا عقلًا وعادةً وهذا الشّرط محل اتفاق بين الفقهاء“(46)، حتّى يقتنع القاضي بقبول المدعى به، وبالتّالي قبول خطاب طلب المقاضاة والتّرافع .
و يفهم من ذلك أنّ الحجاج في مقام الخطاب القضائي يتوجه لتحقيق أغراض محددة بحسب أطراف العملية التواصليّة (القاضي والخصوم) -كنّا قد أشرنا إليها سابقًا-، فالقاضي يبتغي في خطابه تحقيق الإنصاف ونبذ الجور ، بينما يلتمس الخصم استمالة القاضي للقبول بالتّرافع عن الدعوى والحكم فيها بما يرغب أو بحسب العدل.
وبالرّغم من خصوصية سياق التّقاضي بشكل عام، إلا أنّ مقام القاضي في الحديث النّبوي ينبِئ بخصوصية أعمق على اعتبار أن رسول الله ﷺ ” أنبأ المسلمين في عصر الوحي عن المصدرين النقليين اللذين ينظمان حياة الأمة في شؤونها التّشريعيّة كافة“(47)، حتى باتت مخالفته ﷺ كفرًا، والإعراض عن حكمه ﷺ في مواضع النّزاع نفاقًا.
4. أسلوب القصر في الحجاج القضائي
يعد الخطاب النّبوي القضائي خطابًا غائيًا موجّهًا نحو تحقيق العدالة والإنصاف وحث النّاس على ذلك؛ لما في ذلك من سلامة للمجتمع الإسلامي، وبطبيعة الحال ينعكس هذا الغرض في مكونات الخطاب ككل، وللوصول إلى ذلك الغرض يوظف المتكلم العديد من الأساليب التي تخالف النّظام الأصلي للغة، ويأبى المحافظة على القواعد بهدف الإقناع والتّأثير، لاسيما في بعض الأحوال القضائيّة التي تتطلب دفع المتنازعين نحو الصّلح والتّسوية القضائيّة، ويتعين على المرسل لتجلّي هذا الغرض أو غيره من الأغراض بناء الحجة بناءً صحيحًا آخذًا بعين الاعتبار الصياغة المناسبة؛ لأنّ المتكلم “يحقق حينما يتوجّه بخطابه إلى مستمع ما ، وظيفة أساسيّة ألا وهي تحويل حال المتلقي“(48).
ولكي نحقق هذا التحوّل أثناء توجيه الخطاب المفضي إلى غاية التّأثير “فالحجة وحدها لا يمكن أن تكون فعالة لمجرد أنّها حجة جيدة، بل ينبغي بالضرورة لكي تكون فعالة حقًا أن تُصاغ الصياغة المناسبة“(49)، وعليه فلابد للمرسل أن يعتني عناية بالغة بجميع الأمور التي تخص ترتيب الحجاج.
والمتكلم بوصفه قاضيًا حين يوجه خطابه القضائي “إنّما يسوقه ليدل به على حكم خاص، ويصوغ عبارته صياغة واضحة للدّلالة على مضمون هذا الحكم“(50)؛ أي أنّه يستند على محددات عديدة تعينه على تحديد ملفوظات خطابه، وتوجيهها نحو المتلقي، وهو ما يعرف بالتّوجيه الحجاجي الذي سبق أن أشرنا إليه، وبتوظيفه تكون النتيجة واحدة و”يكون التّوجيه بمثابة الاختزال فهذه العوامل التي غالبًا ما تكون في شكل صرفم هي التي تغيّر قسم الحجج المرتبطة بالجملة المنشدة إلى الملفوظ، إذ تجعل المتقبل ينصرف إلى نتيجة بعينها غير واقع في الاستلزامات اللاحنة حجاجيًا ومن هنا تظهر قيمة العامل في الحد من الغموض وتخصيص المفهوم وتحديده“(51). والعامل الحجاجي عند عز الدين الناجح كونه عنصرًا لسانيًا يوافق تعريف المورفيم الذي “له وظيفة الحد من غموض الملفوظ ومن تعدد نتائجه وذلك بتقديم النتيجة الملائمة (للمتلقي) وبالقضاء على كل استلزام لا يعضد النتيجة“(52).
نستنتج من ذلك أنّ هذا المفهوم ينطبق على مفهوم القصر -الذي تقدم بيانه- .وضمن حدود بحثنا سوف نعرض لصورة رئيسة من صور القصر في الخطاب النّبوي الحجاجي شاع استخدامها، وهي: (إنّما) وتتضمن في معناه صورة (النّفي والاستثناء).
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
5. نماذج من الخطاب النّبوي القضائي
ومن مواضع استثمار أداة (إنّما) في الحديث النبوي ما جاء في حديثه ﷺ محذرًا من المخاصمة في الباطل:
يروى عن أم سلمة زوج النبي ﷺ: أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال ﷺ: (إنّما أنا بشر، وإنّه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنّه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنّما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها)(53).
سنلحظ أنّ (إنما) دخلت لتوجّه الملفوظ نحو نتيجة معينة هي (أنّ الرسول ليس ملاكًا)، فأفادت (إنّما) قصر الموصوف على الصفة، لتمضي عليه أحوال البشر وأحكامهم من السّهو والنّسيان والخطأ، والجهل ببواطن الغيب إلّا ما أطلعه عليه الله تعالى، وهذه من صور القصر الإضافي باعتبار حال المخاطب من الصدق والكذب، حيث قد يعتقد المدّعى حين يتحاكم إلى الرسول ﷺ (الموصوف) بأنّه يتصف ” بصفة أو أكثر دون العموم مع هذه الصفة المقصور عليها“(54) وهي صفة البشريّة، كأن يكون عالمًا للغيب ومطلعًا على ما في الصدور.
ودخول (إنّما) على الجمل (أنا بشر) أكسبت الخطاب طابعًا حجاجيًا واضحًا موجهًا، حيث نقل الخطاب من مستوى الإبلاغ والإعلام (الوظيفة الإعلاميّة) إلى مستوى آخر يناسب السّياق القضائي لهذه الدّعوى (الوظيفة الحجاجيّة)، فأصبحت الجملة الواحدة جملتين بحسب السّلم الحجاجي تفيد القلب والخلاف:
- أنا بشر.
- لست أعلم الغيب كما تدعي.
فإذا ما افترضنا غياب (إنّما) قد تتعدد الاستلزامات والاسترسالات المتعلقة بالخطاب (أنا بشر):
- أنا بشر و أعلم الغيب.
- أنا بشر و أملك صفات الملائكة.
- أنا بشر ولا يلحقني الخطأ.
- أنا بشر ولا أنسى.
وعندما ندمج الأداة (إنّما) في الخطاب النبوي ننتقل إلى مستوى حجاجي موجّه:
وقد استكمل حديثه قائلًا: (فإنّما هي قطعة من النّار، فليأخذها أو ليدعها)، حيث احتملت العبارة بفضل اندماج دلالة القصر والتّشبيه البليغ كثافة مجازية تدعو إلى اجتناب هذا الإثم العظيم عبر تصوير مشهد الاعتداء (أكل الأموال بالباطل)، وعاقبة الأمر (النّار) وبئس المصير. وتجسيد هذا الوعيد في هذا السّياق يجعل الحجاج يسلك مسلكًا تربويًا أيضًا يدفع بالمخاطبين لإيقاظ الضّمير؛ لأنّ بعض الدّعاوى القضائيّة الخلافيّة لا يحسن معها استنباط الحكم إلّا باجتهاد القاضي، واجتهاد القاضي قد يلحقه الخطأ، فكان من الأولى أن تُربّى النّفس الإنسانيّة على كراهة الاعتداء، دفعًا لمثل هذه النّزاعات غير البائنة.
وقد جاء استخدام الرّسول ﷺ أيضًا لفظ (إنّما) وفي رواية الحديث متصلة بالفصل في دعاوى الأسرة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النّبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها، لتستفرغ صحفتها، فإنّما لها ما قدر لها) (55).
ويعني الحديث عدم جواز طلب طلاق الزوجة السابقة طمعًا في خير الزّوج فما لها من الخير إلّا ما قُدّر لها، وقد أفاد هذا الاستخدام توجيه الفئة المخاطبة المعينة بعد بيان الحكم الشّرعي في المسألة (لا يحل) إلى نتيجة محددة تستدعي عدم التّعدي على حق الآخر، على اعتبار أنّ الرزق مقدر في الكتاب، فلن يزيد الزوجة اللاحقة خلو وجه زوجها في زيادة الخير لها، وهذا فهم أصيل للدّوافع النفسيّة لدى الفئة المخاطبة التي تدفعهم نحو الاعتداء، فيكون المخاطب حينها أدعى إلى قبول عدم الاعتداء لانتفاء الفائدة المرجوة منه، وبذلك يتحصّل الرّدع بالملفوظ (إنّما لها ما قدر لها) الذي كشف عن جذر الحاجة، ونفاها .
ويمكن الاستدلال المنطقي لهذه الحجة بحسب ما قد يفيد السّلم الحجاجي من معنى القلب والخلاف:
- لها ما قدر لها.
- ليس يزيد طلب طلاق أختها في رزقها.
فإذا افترضنا غياب (إنّما) لكان من أهم الاستلزامات حضورًا في الذهن بمجرد تلفظ (لها ما قدر لها) الزيادة في الخير كله، مثال:
- لها ما قدر لها وليس لها ما قدر لغيرها.
- لها ما قدر لها وزيادة في الحب.
- لها ما قدر لها وزيادة في المال.
- لها ما قدر لها وما قدر لغيرها.
ومن الأحاديث المتعلقة بدعاوى الأسرة حديث النّبي ﷺ في دعوى بريرة وزوجها:
حدثنا محمد: أخبرنا عبد الوهاب: حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ّزوج بريرة كان عبدًا أسودًا يقال له مغيث، كأنّي أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النّبي ﷺ لعباس: (يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا). فقال النّبي ﷺ: (لو راجعته). قالت يا رسول الله تأمرني؟ قال: (إنّما أنا أشفع). قالت: لا حاجة لي فيه(56).
وقد كانت مناسبة الحديث واقعة عتق بريرة بعد أن اشترتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث كانت أمة مملوكة ، إلّا أنّ زوجها كان من العبيد، فلما عُتِقت خيّرت بين البقاء مع زوجها أو مفارقته، فاختارت المفارقة، وقد أثار ذلك حزنًا شديدًا لديه؛ لشدة تعلقه بها، فرقّ قلب الرسول ﷺ لحاله وسعى إلى الصّلح بينهما، إلّا أنّها لم ترغب بذلك. ويفهم من الحديث مشروعيّة الشّفاعة والصلح بين المتخاصمين مع بيان الحق رد الشفاعة.
وقد استخدم الرسول ﷺ القصر لتقرير حق بريرة في رد الشفاعة إن رأت ذلك حين اختلط الأمر عليها، مبينًا بملفوظ التخصيص الموجّه (إنّما أنا أشفع) أن ما جاء به لم يكن على سبيل الحتم لذا فلا وجوب في الأمر(57). حيث أفادت (إنما) بإدخالها على النواة توجيه الملفوظ نحو النتيجة المحددة التي يروم الباث إيصالها للمتلقي الذي يتوهم أن ملفوظ المرسل جاء بمعنى آخر(58).
ويمكن إيجاز الاستدلال المنطقي للحكم القضائي في هذا الحديث النبوي بالآتي:
- بما أني أشفع في قضية مراجعتك لمغيث وهذا أمر غير ملزم.
- فإن جميع من أشفع لهم في مثل هذا القضية التي تخص المراجعة يكون حالهم من حالك.
وعليه فإن حكم الشفاعة غير ملزم “فله رد سائله، وترك قضاء حاجته، وإن كان الشّفيع سلطانًا أو عالمًا أو شريفًا”(59)، ويسمي الأصوليون هذا الاستدلال بالتّنبيه على أصل القياس، وهو تنبيه على الأصل وعلة الحكم وعلى صواب إلحاق المسؤول عنه بواسطة العلة المومي إليها ” ويلزم من كون نظير الواقعة علة للحكم المرتب عليها أن يكون المسؤول عنه أيضا علة لمثل ذلك الحكم ضرورة المماثلة”(60). وما يؤكد ذلك الفهم توظيف الأدوات اللغوية الأخرى التي تحمل دلالة الرجاء (النداء، التعجب، التّمني).
وقد ورد استثمار القصر في تقرير قاعدة العتق في دعاوى التّنازع وهي دعوى متصلة بعتق بريرة حيث حدث نزاع في الولاء بعد الشّراء، كما في الحديث الآتي:
حدثنا حسان بن أبي عباد: حدثنا همام قال: سمعت نافعا يحدث، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أن عائشة رضي الله عنها ساومت بريرة، فخرج إلى الصلاة، فلما جاء قالت: إنّهم أبوا أن يبيعوها إلا أن يشترطوا الولاء، فقال النبي ﷺ: (إنّما الولاء لمن أعتق). قلت لنافع: حرًا كان زوجها أو عبدًا؟ فقال: ما يدريني(61). وفي رواية (ابتاعيها فأعتقيها، فإنّما الولاء لمن أعتق)(62).
ومناسبة الحديث هو أن عائشة رضي الله عنها رغبت أن تشتري بريرة إلا أن سيدها أبى إلا أن يشترطوا الولاء عليها لهم، فلما نقلت ذلك إلى الرسول ﷺ حكم لها بالولاء بعد شرائها وبطلان الشرط الذي اشترطه المالك السابق لأن الولاء حصرًا يقع على العتيق(63).
فبنية الملفوظ (إنّما الولاء لمن أعتق) قامت في سياق التحاكم إلى تقرير التوجيه لنتيجة واحدة مفادها (الولاء للعتيق) وإلغاء ما سواها من الاستلزامات الخطابيّة المحتملة، فأصبحت الجملة الحجاجيّة (إنّما الولاء لمن أعتق) تفيد القلب والخلاف، بحيث منع الولاء للأشخاص الآخرين مهما كأن شأنهم كالمالك السابق، ويمكن تمثيل ذلك بحسب السّلم الحجاجي في الآتي:
- الولاء لمن أعتق.
- لا يعتد بشروط الولاء بعد إتمام الشّراء والعتق.
وقد تضمّن الحديث النبوي أيضا أدوات لغويّة أخرى تشير إلى تأكيد الحكم القضائي وثبات مرجعيتها، من خلال استثمار استراتيجية التوجيه المباشر عبر أداة الأمر (ابتاعيها فأعتقيها)، التي تفيد الاشتراك في الإعانة على تقدير الشرط بعدها(64)، وفي سياق الحديث سوف يعين سلوك إتمام البيع والشّراء على انتفاء أحقية المالك السّابق في الولاء.
ومن الأمثلة الموظفة لأسلوب القصر في الحجاج النبوي في دعاوى الحدود ما جاء في فصل الاعتراض على حكم دية المقتول:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول الله ﷺ قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فأصاب بطنها وهي حامل، فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النّبي ﷺ، فقضى: أنّ دية ما في بطنها غرة، عبد أو أمة، فقال ولي المرأة التي غرمت: كيف أغرم، يا رسول الله، من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك بطل. فقال النبي ﷺ: (إنّما هذا من إخوان الكهان)(65).
ومعنى الحديث أنّ الرسول ﷺ قضى بدية للجنين غرة عبد أو أمة، والغرة عند العرب أنفس الشّيء وأطلقت هنا على الإنسان لأنّ الله عزوجل خلقه في أحسن تقويم، فلما سمع زوجها ذلك استنكر الحكم واعترض على اعتبار أنّ الجنين لم يولد، وعليه فإنّ دمه يهدر ولا تكون الدّية، فقال ما قال من الكلام المسجع، فما كان من الرّسول ﷺ إلا أن وجّه المخاطب نحو إيجاد الشبه بين كلامه وكلام الكهان، حيث يوصف كلام الكهان بكثرة توظيف السّجع، كي يقرون باطلًا ويردون حقًا، والمعترض أو المنكر للحكم بملفوظه الاستفهامي (كيف أغرم، يا رسول الله، من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك بطل) يريد إبطال حكم الشّرع، لكن الرسول ﷺ لم يعاقبه لأنه مأمورٌ بالصّفح عن الجاهلين(66). أي أن الملفوظ يحمل في بعده الشمولي معنى الكناية (التّشبه بهم في ترويج الباطل).
ويفيد توجيه الملفوظ الذي اجتمع فيه القصر والكناية “(إنّما هذا) يعنى ولي المرأة (من إخوان الكهان) شبه الإخوان لأنّ الأخوة تقتضي المشابهة وذمه حيث أراد بسجعه رفع ما أوجبه ﷺ“(67)، على ثبوت حكم الدّية للجنين الذي لم يولد، لأنّ الشّريعة تضمن حق الحياة له، ويعاقب كل شخص اعتدى عليه، ولا يسمح بالتّملص عن المسؤولية والترويج الباطل، فأصبحت الجملة الحجاجيّة (إنّما هذا من إخوان الكهان) تفيد سعيك نحو تضليل الحق، وتكون بحسب السّلم الحجاجي:
- كلامك مثل كلام الكهان.
- لا يكون كلامك لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
ولو افترضنا غياب (إنّما) لكانت هناك سلسلة من الاستلزامات التي تحضر في الذهن بمجرد تلفظ (هذا من إخوان الكهان):
- هذا من إخوان الكهان وليس صادقًا.
- هذا من إخوان الكهان و كلامه جميل ورنان.
- هذا من إخوان الكهان و كلامه يحتمل الصواب والخطأ.
- هذا من إخوان الكهان ولكنه صادق.
وبمجرد دخول أداة القصر بات الملفوظ موجهًا قصريًا نحو معنى محدد يؤكد دلالة الحكم الشّرعي:
ويعطف على تلك النماذج الحجاجيّة أيضًا حديث الرسول ﷺ في تنظيم قواعد التّعامل في دعاوى الاعتداء على أملاك الغير:
عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه)(68).
ومعنى الحديث أنّ الرسول ﷺ نهى عن حلب ماشية إنسان دون إذن مالكها، ويؤكد الرّسول ﷺ ذلك بالأسلوب الاستفهامي (أيحب…)، الذي يشير إلى كراهية الاعتداء على الممتلكات كالحجرة التي يخزن فيها الطعام (المشربة)، ثم أعقب ذلك توظيف أسلوب القصر (فإنّما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم) إلى جانب توظيف أداة التّشبيه والتّقديم والتّأخير، فأصل الملفوظ (تخزن ضروع مواشيهم أطعماتهم لهم)؛ ويشتمل هذا الأصل على:
- تقديم شبه الجملة (لهم) على الفاعل في سياق النّفي ليقرر معنى مهمًا وهو امتلاك أصحاب الشّأن لما سوف يُخزّن وليس لغيرهم.
- تشبيه حيث “شبه عليه الصلاة والسّلام ضروع المواشي في ضبطها الألبان على أربابها بالخزانة التي تحفظ ما أودعت من متاع وغيره“(69).
وكأننا بذلك أمام مستويين من القصر بناءً على استثمار أداة (إنّما)، وأداة التّقديم والتّأخير، إلّا أنّ إحداهما أشمل وأقوى وهي (إنّما) لأنّها منحت دلالة التّوجيه لمالكي الماشية وتخصيص ألبانها له. ويمكن رصد الاسترسالات الدّلالية المحتملة لذلك الأصل مجردًا من جميع صور القصر، من خلال:
- تخزن ضروع مواشيهم أطعماتهم لهم وليس لغيرهم.
- تخزن ضروع مواشيهم أطعماتهم لهم ولجيرانهم.
- تخزن ضروع مواشيهم أطعماتهم لهم ولمن أحب.
- تخزن ضروع مواشيهم أطعماتهم لهم وتخزن أشياء أخرى.
و لكن بمجرد مجيئ (إنّما) تم إفادة قصر التّخزين لأصحاب الماشية فقط دون غيرهم؛ وهذا ينسجم مع تأكيد النّهي الذي يشير إليه السّياق اللغوي السّابق واللاحق، وبذلك يتحقق الدّور الحجاجي بصورة جلية حيث تقرير الملكيّة لأصحاب المواشي لا غير، ويمكن التّمثيل له من خلال الآتي:
وقد حكم أيضًا الرسول ﷺ في مسألة اعتداء جرت عليه في حديث تقرير آداب الاستئذان قبل النّظر أو الدّخول على آملاك الغير، والنّهي عن التّجسس:
عن سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جحر في حجر النبي ﷺ، ومع النّبي ﷺ مدرى يحك به رأسه، فقال: (لو أعلم أنك تنتظر، لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)(70).
و يقال في مناسبة الحديث أنّ الحكم بن أبي العاص بن أميّة اطلع من ثقب مستدير في حجر النبي ﷺ، وكان ﷺ يسرح شعره بحديدة، فقال لو كنت أعلم أنك مستلمي في النظر إلي لطعنتك بما في يدي (الماشطة). ويفهم من ذلك على وجوب الاستئذان في الدخول من أجل البصر، الذي قد يقع على عورة أهل البيت، ويطلع على أحوالهم(71).
وقد استخدم الرّسول ﷺ لبيان الحكم الشّرعي في المسألة (إنّما جعل الاستئذان من أجل البصر) الأداة (إنّما) لتوجيه الملفوظ نحو نتيجة مخصصة لا تبديل فيها تقصر سبب وجوب الاستئذان في الدخول على أملاك الغير لغرض ألّا يقع البصر على العورات والحرمات، وكذلك لبيان أحقية ومشروعيّة رد الاعتداء بالدّفاع حين يتأكد اعتداء الإنسان (لو أعلم أنك تنتظر، لطعنت به في عينك)، فتكون عبارة القصر ماهي إلّا تسبيب لجزاء العقاب، وبذلك يتم حث النّاس على الدفاع دون الحاجة إلى انتظار رد ولي الأمر أو القاضي بحسب حكم المماثلة. ويمكن إيجاز الاستدلال المنطقي للحكم القضائي في هذا الحديث النبوي بالآتي:
- بما أن الشّريعة جعلت الاستئذان لحفظ العورات من النّظر والتّجسس.
- فإن جميع من يعتدى على عوراتهم يكون حقه في الرد مكفولًا لاشتراك العلة.
الخاتمة:
وانطلاقًا مما تقدم يتبين لدينا أنّ أسلوب القصر في سياق التقاضي النبوي أظهر فعالية تقتضي توجيه الملفوظات الخطابيّة بحسب موضوعاتها نحو وجهة معينة يقصدها القاضي دون غيرها من الاستلزامات الخطابيّة الأخرى؛ بهدف التأثير على المخاطب تأثيرًا حجاجيًا إقناعيًا يترتب عليه بناء الاستدلال المنطقي وأحكام المماثلة، وقد تناول الرسول ﷺ أسلوب القصر الحجاجي بصورة محدودة على سبيل إيجاز ملفوظ قاعدة الحكم، أو تأكيدها عبر بيان العلة، ويمكن إيجاز نتائج الملاحظات على استثمار أداة (إنما) في الحديث النبوي في الآتي:
- استخدام أداة القصر (إنّما) في الحديث النبوي القضائي في مختلف الدعاوى، مثل: دعاوى الأسرة، والحدود، والشفاعة في المصالح الإنسانيّة، وتقرير الآداب والجرائم الموجبة للعقاب.
- ورود أسلوب القصر مركبًا، بحيث تتضافر أداة القصر (إنما) مع أدوات لغويّة وأساليب إنشائية وطلبية متنوعة لتأكيد الحكم القضائي، ومشروعية ما اتصل به من معانٍ، مثل: استخدام الأمر والتّعجب والاستفهام والتوكيد.
- نجاعة استثمار أسلوب القصر في الحديث النبوي القضائي؛ نظرًا لارتباط معنى القصر بمعنى الإقصاء المستلزم وفق مقتضيات سياق التّقاضي من أجل إلغاء جميع الاحتمالات الخطابيّة التي من الممكن أن تتسبب ببطلان الحكم، مما يحفظ عقيدة التّقاضي من الاعتداء، ويبرز دورها في الإنصاف والرّدع، لاسيما أنّه يجعل منطوق الحكم متسقًا مع الأسباب المشرعة له.
المصادر والمراجع
- أرسطو. (1953). الخطابة. ترجمه وقدم له وحقق نصوصه وعلق حواشيه: إبراهيم سلامة. .ط2.مصر: مكتبة الأنجلو المصرية.
- الآمدي. (1402). الإحكام في أصول الأحكام. علق عليه: عبد الرزاق عفيفي. ط2. دمشق- بيروت: المكتب الإسلامي.
- بافو، ماري آن وسرفاتي، جورج إليا. (2012). النّظريات اللسانيّة الكبرى: من النحو المقارن إلى الذرائعية. ترجمة: محمد الراضي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
- البخاري. (1993). صحيح البخاري. تحقيق: مصطفى ديب البغا. ط5. دمشق: دار ابن كثير، دار اليمامة.
- بروطون، فيليب. (2013). الحجاج في التواصل. ترجمة: محمد مشبال وعبد الواحد التهامي العلمي. القاهرة: المركز القومي للترجمة.
- بليت، هرنيش. (1999). البلاغة والأسلوبية: نحو نموذج سيميائي لتحليل النص. ترجمة محمد العمري. المغرب: أفريقيا الشرق.
- البيومي، سعيد أحمد. (2010). لغة القانون في ضوء علم لغة النص. مصر: دار الكتب القانونية ودار شتات للنشر والبرمجيات.
- الثبيتي، عامر. (1425). أسلوب القصر في أحاديث الصحيحين ودلالاتها البلاغية. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم.
- حسان، تمام. (1994). اللغة العربية مبناها ومعناها. الدار البيضاء: دار الثقافة.
- حسين، محمد أحمد شحاته. (2015). الصياغة القانونية لغة وفنا. مصر: المكتب الجامعي الحديث.
- رشد. (د.ت) تلخيص الخطابة. تحقيق: عبد الرحمن بدوي. الكويت: وكالة المطبوعات، لبنان: دار القلم.
- السكاكي. (1987). مفتاح العلوم. ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه: نعيم زرزور. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.
- روبول، أوليفيي. (1996). “هل يمكن أن يوجد حجاج غير بلاغي”. ترجمة: محمد العمري. العدد 22، مجلد6. ديسمبر. النادي الأدبي الثقافي في جدة.
- السيوطي، جلال الدين. (1974). الإتقان في علوم القرآن. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- شارودو، باتريك ومنغنو، دومينيك. (2008). معجم تحليل الخطاب. ترجمة: عبد القادر المهيري وحمّادي صمّود. تونس: المركز الوطني للترجمة.
- شارودو، باتريك. (2009). الحجاج بين النظرية والأسلوب. ترجمة: أحمد الودرني. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.
- الشهري، عبد الهادي بن ظافر. (2004). استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية. الشهري. دار الكتاب الجديد المتحدة.
- الشهري، عبد الهادي. (2013). الخطاب الحجاجي عند ابن تيميّة: مقاربة تداوليّة. بيروت: الانتشار العربي.
- الصالح، صبحي. (د.ت). النظم الإسلاميّة نشأتها وتطورها. بيروت: دار العلم للملايين.
- طروس، محمد. (2005). النظريّة الحجاجيّة من خلال الدراسات البلاغيّة والمنطقية واللسانية. الدار البيضاء: دار الثقافة. ص5.
- العاشور، محمد الطاهر. (1984). التحرير والتنوير. تونس: الدار التّونسية.
- عبد الرحمن، طه. (1998م). اللسان والميزان أو التّكوثر العقلي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء.
- عبد الرحمن، طه. (2000). في أصول الحوار وتجديد علم الكلام. ط2. بيروت -الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
- العبد، محمد. (2002). “النص الحجاجي العربي: دراسة في وسائل الإقناع”. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ع60.
- عشير، عبد السلام. (2006). عندما نتواصل نغير تداوليّة معرفيّة لآليات التواصل والحجاج. الدار البيضاء: أفريقيا الشّرق.
- العزاوي، أبو بكر. (2006). اللغة والحجاج. الدار البيضاء: العمدة في الطبع.
- العليوي، سليمان بن أحمد. (2012م). الدعوى القضائية بين الشريعة والأنظمة الوضعية. الرياض: مكتبة التوبة.
- عمر، أحمد وآخرون. (2008). معجم اللغة العربية المعاصرة. ط1. القاهرة: عالم الكتب.
- عمر، أحمد مختار. (2008). معجم اللغة العربية المعاصرة. القاهرة: عالم الكتب.
- الفراهيدي، الخليل بن أحمد. (د.ت). العين. تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. بيروت: دار ومكتبة الهلال.
- فريق البحث في البلاغة والحجاج. (1998). أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم. إشراف: حمادي صمود. تونس: المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية.
- القزويني، جلال الدين. (د.ت). الإيضاح في علوم البلاغة. تحقيق: محمد عبدالمنعم خفاجي. ط3. بيروت: دار الجيل.
- القسطلاني. (1323هـ). إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. ط7. مصر: المطبعة الكبرى الأميرية.
- مجموعة مؤلفين. (١٩٧٢). المعجم الوسيط. ط2. القاهرة: جمع اللغة العربية.
- ابن منظور. (1414). لسان العرب. الحواشي: لليازجي وجماعة من اللغويين. ط3. بيروت: دار صادر.
- الناجح، عز الدين. (2011). العوامل الحجاجية في اللغة العربية. صفاقس: مكتبة علاء الدين.
- الولي، محمد. (1996). “بلاغة الترتيب والسرد”. مجلة علامات مجلة ثقافية محكمة تصدر في المغرب. العدد (6).
- الولي، محمد. (1996). “بلاغة الحجاج”. مجلة علامات مجلة ثقافية محكمة تصدر في المغرب. العدد (6).
- المواقع الإلكترونية:
- موقع الدرر السنية. الموسوعة الحديثية. الموقع الإلكتروني:
https://dorar.net/hadith/sharh/151056
الهوامش
(1) انظر: بروطون، فيليب. (2013). الحجاج في التواصل. ترجمة: محمد مشبال وعبد الواحد التهامي العلمي. القاهرة: المركز القومي للترجمة. ص17.
(2) أما الغاية الثانية فقد أطلق عليها (غاية الإفصاح) حيث أراد بها استعمال اللغة بقصد التعبير عن موقف نفسي ذاتي دون إدارة إحداث أثر أو تأثير في البيئة. انظر: تمام حسّان. (1994). اللغة العربية مبناها ومعناها. الدار البيضاء: دار الثقافة. ص 363-364.
(3) انظر: حسين، محمد أحمد شحاته. (2015). الصياغة القانونية لغة وفنا. مصر: المكتب الجامعي الحديث. ص 559- 560.
(4) انظر: ابن منظور. (1414). لسان العرب. (ج5/٩5- ٩٧).
(5) انظر: الفراهيدي، الخليل بن أحمد. (د.ت). العين. تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. بيروت: دار ومكتبة الهلال. (ج5/ ٥٧-58).
(6) يطلق عليه السيوطي لفظ (الحصر و الاختصاص). انظر: السيوطي، جلال الدين. (1974). الإتقان في علوم القرآن. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب. (ج3/ ١٦٦)
(7) انظر: القزويني، جلال الدين. (د.ت). الإيضاح في علوم البلاغة. تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي. ط3. بيروت: دار الجيل. (ج3/ 5).
(8) انظر: عمر، أحمد مختار. (2008). معجم اللغة العربية المعاصرة. القاهرة: عالم الكتب. (ج3/ ١٨٢٢)
(9) انظر: القزويني، جلال الدين. الإيضاح في علوم البلاغة. (ج3/21-29).
(10) بالإضافة إلى طريق القصر بضمير الفصل وطريق تعريف الخبر بلام الجنس. انظر: الثبيتي، عامر. (1425). أسلوب القصر في أحاديث الصحيحين ودلالاتها البلاغية. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم. (ج1/25-27).
(11) انظر: ابن منظور. (1414). لسان العرب. الحواشي: لليازجي وجماعة من اللغويين. ط3. بيروت: دار صادر. (ج2/ ٢٢٨).
(12) انظر: لسان العرب. (ج11/ ١٠٣). والجدل صفة مشبهة تدل على الثبوت، والجدال هو شدة الخصومة (بالباطل وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا) [الكهف: 54]، ويطلق على الجدل اللفظي سفسطة، وفن الجدل فن المناقشة بطريقة الحوار. انظر: عمر، أحمد وآخرون. (2008). معجم اللغة العربية المعاصرة. ط1. القاهرة: عالم الكتب. (ج1/ ٣٥٢) وانظر: مجموعة مؤلفين. (١٩٧٢). المعجم الوسيط. ط2. القاهرة: جمع اللغة العربية. (ج1/ ١٥٧). والجدل عند ابن عاشور “هو الكلام الذي يحاول به إبطال ما في كلام المخاطب من رأي أو عزم عليه: بالحجة أو بالإقناع أو بالباطل”. انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر. (1984). التحرير والتنوير. تونس: الدار التّونسية. (ج15/ ٣٤٨). وتشير كلمة جدل في تحليل الخطاب إلى شكل خاص من الحوار المتبادل بين طرفين نحو البحث المنظم عن الحقيقة. انظر: شارودو، باتريك ومنغنو، دومينيك. (2008). معجم تحليل الخطاب. ترجمة: عبد القادر المهيري وحمّادي صمّود. تونس: المركز الوطني للترجمة. ص169.
(13) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة. (ج1/ ٤٤٥).
(14) انظر: العبد، محمد. (2002). مقال “النص الحجاجي العربي: دراسة في وسائل الإقناع”. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ع60. ص43.
(15) انظر: شارودو، باتريك ومنغنو، دومينيك. معجم تحليل الخطاب. ص 419.
(16) انظر: شارودو، باتريك ومنغنو، دومينيك. معجم تحليل الخطاب. ص 68.
(17) انظر: شارودو، باتريك. (2009). الحجاج بين النظرية والأسلوب. ترجمة: أحمد الودرني. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة. ص 13، 16.
(18) انظر: عبد الرحمن، طه. (1998م). اللسان والميزان أو التّكوثر العقلي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. ص 226-228.
(19) انظر: الشهري، عبد الهادي بن ظافر. (2004). استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية. الشهري. دار الكتاب الجديد المتحدة. ص 457.
(20) انظر: فريق البحث في البلاغة والحجاج. (1998). أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم. إشراف: حمادي صمود. تونس: المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية. ص 14.
(21) انظر: طروس، محمد. (2005). النظريّة الحجاجيّة من خلال الدراسات البلاغيّة والمنطقية واللسانية. الدارة البيضاء: دار الثقافة. ص5.
(22) ومسوغ ذلك هو أن علاقة القيم بما هو ممكن وما هو محبذ، وقوة الحجة هو ما يحدد الإقرار بها، على نقيض البرهان الذي يعتني بترتيب الحقيقة. انظر: عبد السلام عشير. (2006). عندما نتواصل نغير تداوليّة معرفيّة لآليات التواصل والحجاج. الدار البيضاء: أفريقيا الشّرق. ص125.
(23) انظر: شارودو، باتريك. الحجاج بين النظرية والأسلوب. ص13.
(24) انظر: روبول، أوليفيي. (1996). “هل يمكن أن يوجد حجاج غير بلاغي”. ترجمة: محمد العمري. العدد 22، مجلد6. ديسمبر. النادي الأدبي الثقافي في جدة.
(25) العلاقة المجازية بين الحجة والدعوى هي التي تتيح أن يكون ما هو معتبر بأنّه حجة هو في نفس الوقت اعتراض، ونسبية تلك العلاقة تجعل الخطاب يتكاثر، وبذلك تتحكم العلاقة المجازية في قوة الحجة أو ضعفها لتحقيق مراد الإقناع. انظر: الشهري. استراتيجيات الخطاب. ص 460-461.
(26) انظر: الشهري، عبد الهادي. (2013). الخطاب الحجاجي عند ابن تيميّة: مقاربة تداوليّة. بيروت: الانتشار العربي. ص54.
(27) انظر: عبد الرحمن، طه. اللسان والميزان أو التكوثر العقلي. ص 231.
(28) انظر: بليت، هرنيش. (1999). البلاغة والأسلوبية: نحو نموذج سيميائي لتحليل النص. ترجمة محمد العمري. المغرب: أفريقيا الشرق. ص25-26.
(29) انظر: فريق البحث في البلاغة والحجاج. أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من ارسطو إلى اليوم. . ص363.
(30) انظر: بافو، ماري آن وسرفاتي، جورج إليا. (2012). النّظريات اللسانيّة الكبرى: من النحو المقارن إلى الذرائعية. ترجمة: محمد الراضي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة. ص376-377.
(31) انظر: الشهري، استراتيجيات الخطاب. ص 499-500.
(32) انظر: فريق البحث في البلاغة والحجاج. أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من ارسطو إلى اليوم. ص370.
(33) انظر: شارودو، باتريك ومنغنو، دومينيك. معجم تحليل الخطاب. ص 399-400.
(34) انظر: طه عبد الرحمن. اللسان والميزان أو التكوثر العقلي. ص 277.
(35) ويرتبط بمفهوم السلم الحجاجي مفهوم الاتجاه. انظر: عبد الرحمن، طه. (2000). في أصول الحوار وتجديد علم الكلام. ط2. بيروت -الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. ص106.و انظر: العزاوي، أبو بكر. (2006). اللغة والحجاج. الدار البيضاء: العمدة في الطبع. ص22-24.
(36) انظر: العزاوي، أبو بكر. اللغة والحجاج. ص25.
(37) انظر: شارودو، باتريك و منغنو، دومينيك. معجم تحليل الخطاب. ص 128.
(38) انظر: الشهري: استراتيجيات الخطاب. ص504.
(39) انظر: عبد الرحمن، طه. في أصول الحوار وتجديد علم الكلام. ص 37-38.
(40) انظر: الشهري. استراتيجيات الخطاب. ص 465- 468.
(41) انظر: عبد الرحمن، طه. اللسان والميزان أو التكوثر العقلي. ص 262-263.
(42) انظر: ارسطو. (1953). الخطابة. ترجمة وقدم له وحقق نصوصه وعلق حواشيه: إبراهيم سلامه. .ط2.مصر: مكتبة الأنجلو المصرية. ص 155.
(43) انظر: ارسطو. الخطابة. ص 159-160.
(44) صحيح البخاري، باب: سؤال الإمام المقر: هل أحصنت. (ج6/ ٢٥٠٢).
(45) دليل الإقرار في الفقه الإسلامي يعد حجة على المقر، ولكن في القانون الوضعي غالبا ما تتردد المحكمة في الأخذ به إلا إذا أصر المتهم عليه وتنظر في الأدلة الأخرى المعاضدة له، مخافة تأثير عوامل أخرى عليه.
(46) انظر: العليوي، سليمان بن أحمد. (2012م). الدعوى القضائية بين الشريعة والأنظمة الوضعية. الرياض: مكتبة التوبة. محص 131.
(47) انظر: الصالح، صبحي. (د.ت). النظم الإسلاميّة نشأتها وتطورها. بيروت: دار العلم للملايين. ص 177.
(48) انظر: الولي، محمد. (1996). بلاغة الحجاج. مجلة علامات مجلة ثقافية محكمة تصدر في المغرب. العدد 6.ص75.
(49) انظر: الولي، محمد. بلاغة الترتيب والسرد. ص70.
(50) انظر: البيومي. لغة القانون. ص405.
(51) يطلق لفظ الصرفم أو الصرافم على الوحدات الصرفية (Morphemes). انظر: الناجح، عز الدين. (2011). العوامل الحجاجية في اللغة العربية. صفاقس: مكتبة علاء الدين ص62.
(52) انظر: الناجح، عز الدين. (2011). العوامل الحجاجية في اللغة العربية. ص61.
(53) صحيح البخاري. باب: من قضي له بحق فلا يأخذه، فإن قضاء الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا. (ج6/٢٦٢٦).
(54) انظر: الثبيتي، عامر. (1425). أسلوب القصر في أحاديث الصحيحين ودلالاتها البلاغية. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم. (ج1/35).
(55) قدر لها: ما كتبه الله لها من الخير لها. انظر: صحيح البخاري. باب الشروط التي لا تحل في النكاح. (ج5/ ص1978).
(56) انظر: صحيح البخاري. باب: شفاعة النبي ﷺ على زوج بريرة. (ج5/ ٢٠٢٣).
(57) انظر: القسطلاني. (1323هـ). إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. (ج8/ ١٥٥).
(58) انظر: الناجح، عز الدين. العوامل الحجاجية في اللغة العربيّة. ص 54.
(59) انظر: موقع الدرر السنية. الموسوعة الحديثية تاريخ الوصول 5 نوفمبر 2023م، الموقع الإلكتروني:
https://dorar.net/hadith/sharh/151056
(60) انظر: الآمدي. (1402). الإحكام في أصول الأحكام. علق عليه: عبد الرزاق عفيفي. ط2. دمشق-بيروت: المكتب الإسلامي. (ج2/٢٥٨).
(61) انظر: صحيح البخاري. باب: البيع والشراء مع النساء. (ج2/ ٧٥٧).
(62) انظر: صحيح البخاري. باب: وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله. (ج2/٩٨١).
(63) انظر: القسطلاني. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. (ج8/١٥٦).
(64) انظر: السكاكي. (1987). مفتاح العلوم. ضبطه وكتب هومشه وعلق عليه: نعيم زرزور. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.ص ٣٢١.
(65) انظر: صحيح البخاري. باب: الكهانة. (ج5/ ٢١٧٢).
(66) انظر: القسطلاني. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. (ج8/ ٣٩٩).
(67) انظر: القسطلاني. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. (ج8/ 400).
(68) المشربة: حجرة تستخدم لتخزين الزاد والمتاع. والكسر: الاعتداء. انظر: صحيح البخاري. باب: لا تحتلب ماشية أحد بغير إذن. (ج2/ ٨٥٨).
(69) انظر: القسطلاني. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. (ج4/ ٢٤٩).
(70) انظر: صحيح البخاري. باب: الاستئذان من أجل البصر. (ج5/ ٢٣٠٤).
(71) انظر: القسطلاني. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. (ج9/ ١٤٠).
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)