المفارقة اللفظية في قصص عبد العزيز الفارسي القصيرة

فتحية بنت سليمان بن عدي السيابية

قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، سلطنة عمان

الملخص

استحوذت المفارقة على اهتمام الكثير من الدارسين الغربيين والعرب، وذلك من خلال ما سطروه في دراساتهم وفي الرسائل االعلمية والكتب الصادرة عن دور النشر والبحوث التي أجريت في هذا المجال. تعد المفارقة من التقنيات المهمة التي يستخدمها القاص في كتابة قصصه التي تميل إلى الاختزال والايجاز والتكثيف في الوقت ذاته،  فالقصة القصيرة تحوي كلمات محدودة العدد، ولكنها تحوي ايحاءات ودلالات كبيرة واسعة، مما يعطي القارئ مساحة لتأويل النص والغوص في أعماقه وتفسيره حسب الدلالات والايحاءات الواردة فيه. وتزخر قصص عبدالعزيز الفارسي القصيرة بالمفارقات الكثيرة، التي قد تكون بسيطة وواضحة في بعض الأحيان، وتكون مركبة وعميقة في أحيان أخرى، مما يدعو للتأمل فيها والتعمق في قراءتها. تهدف هذه الورقة البحثية إلى دراسة المفارقة اللفظية في قصص عبد العزيز الفارسي القصيرة، من خلال التطبيق عليها وبيان أنواع المفارقة اللفظية وآلية اشتغاله بها في السياق القصصي، وسوف تتناول الدراسة مفهوم المفارقة اللفظية، وتحليل نماذج منها وردت في القصص القصيرة مدونة الدراسة، ونتطلع من خلال الدراسة الوصول إلى أنواع المفارقة اللفظية في المدونة وآلياتها ودلالاتها. سأستعين بالمنهج الأسلوبي وبالتحديد أسلوبية الفرد، منهجا لدراستي. فالمنهج الأسلوبي من المناهج الحديثة التي تعتمد على التحليل والتفسير.

الكلمات المفتاحيّة: القصص القصيرة، المفارقة اللفظية، عبد العزيز الفارسي.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

مقدمة

    إن وعي الإنسان بالمفارقة قديم قدم البشرية، وجذورها تمتد وتتغلغل في عمق التاريخ البشري، فمنذ خلق آدم وحواء اتضحت المفارقة، وأدركها الإنسان وربطها بهبوطهما من الجنة، وهذا ما أشارت إليه نبيلة إبراهيم في دراستها المعنونة ب(المفارقة)، تقول:” لقد منعا – أي آدم وحواء- من أكل شجرة ما فيها، أو بالأحرى من ثمارها. والتحريم معناه الكبح لرغبة الإنسان في شيء ما، وإذا كانت الرغبة قد ارتكزت في أكل ثمرة من ثمار تلك الشجرة، فإن هذا يعني أن الثمرة بدت آنذاك جميلة وحلوة، فلما صدر الأمر بالتحريم ، كان لابد أن ينتقل فكر الإنسان الأول إلى أن الثمرة الجميلة  الحلوة، قبيحة وكريهة، وهذه المفارقة الأولى؛ وهي الخلط بين القبح والجمال، ولابد أن الشيطان بدا لهما في لحظة من الزمن غير مرادف للشر؛ إذ إنه ساعدهما على التأكد من حلاوة الثمر؛ ولكنهما استكشفا بعد ذلك أن الشيطان شر مطلق، إذ إنه كان السبب في خروجهما من الجنة ، وكانت هذه هي المفارقة الثانية، المفارقة بين الشر والخير في الشيء الواحد” (1). ومن هنا نقول إن تناقض الأشياء كان واضحا لدى البشر منذ البدء، وكان الوعي بالمفارقة وإدراكها ظاهرا لديه، وحاضرا في ذهنه، ولكن ليس الأمر منوطا بالوعي بالمفارقة وإنما مرتبطا بالإحساس بها، فعدم وجودها وعدم الإحساس بها سيان “ولما  كان حس المفارقة أصيلا في الإنسان، فإنه لا يخلو عصر من العصور أو أدب من الآداب، ولو بدرجات متفاوتة من التعبير بالمفارقة”(2) .

المفارقة لغة واصطلاحا

    عند الرجوع للمعاجم العربية للبحث عن مفهوم المفارقة، وجدنا أنها تعني بشكل عام الانفصال والافتراق والمباينة والاختلاف ، فقد ورد في معجم(لسان العرب) لابن منظور من مادة (فرق) أن “المفارقة والفِراق مشتقة من المصدر  الصريح من الفعل الثلاثي المزيد(فارق)، وقد جاءت بمعان مختلفة، منها على سبيل المثال: فارق الشيء فراقا ومفارقة: باينه، والاسم الفرقة، والفرق خلاف الجمع، والمفرق وسط الرأس وهو الذي يفرق الشعر، وتفارق القوم: فارق بعضهم بعضا، والفرقان: القرآن، وفرق له عن الشيء: بينه له، وفرق له الطريق: أي اتجه له طريقان، والفِرق والفِرقة والفريق: الطائفة من الشيء المتفرق”(3).   وفي القاموس المحيط:” فرق بينهما فرقا وفرقانا بالضم: فصل: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (4) أي: يقضى، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾(5)  فصلناه وأحكمناه،﴿ إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (6) ، أي فلقناه،﴿ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ (7) الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل”.(8)

مفهوم المفارقة النقدية والبلاغية عند الغرب والعرب

إن مفهوم المفارقة مفهوم يتطور ويتغير من عصر إلى آخر، لذلك لا يمكن تحديد مفهوم نهائي لها، يقول ميويك:” فكلمة مفارقة لا تعني اليوم ما تعنيه في عصور سابقة، ولا تعني في قطر بعينه كل ما يمكن أن تعنيه في قطر آخر، ولا في الشارع ما يمكن أن تعنيه في المكتب، ولا عند باحث ما يمكن أن تعنيه عند باحث آخر، فالظواهر المختلفة التي تطلق عليها المفارقة قد تبدو ضعيفة الارتباط ببعضها جدا”(9) .  فتعريفها مرتبط بموظفها في نصوصه وبتاريخ استعمالها “وتاريخ استعمال المفارقة هو تاريخ طويل، فهو مفهوم متحرك غير ثابت، ومن هنا فإن أي تعريف لها على وجه المطلق يعد جهلا والأخذ به سخف، فلا بد أن يكون تعريفها تعريفا دقيقا من حيث ارتباطها بزمن محدد واستعمال محدد أيضا، ويستدعي ذلك بالطبع خلفية تاريخية عامة لنشأتها ولأهم التنقلات الفكرية النوعية في تاريخها” (10).

وفي القرن العشرين لا تزال تعريفات المفارقة تزداد تعقيدا وغموضا، فبعضها حاول صاحبه تبسيط المصطلح والحصول على تعريف مقتضب وبعضها فصل أصحابها في المصطلح وتبيانه، مما زاد مفهوم المفارقة ابتعادا عن المعنى الأصلي للمفارقة وهو التناقض، فكانت النتيجة صعوبة اتفاق النقاد على مصطلح واحد للمفارقة وصعوبة تحديد وظيفتها. وقد نبه آلان رودي لهذا إذ قال:” يستطيع كثير من النقاد اليوم ، وبخاصة في أمريكا، أن يجدوا المفارقة تحت كل حجر؛ بحيث لا يعود من العبث أن تتذكر المعنى الأصلي للكلمة الإغريقية (Eironeia) أو ا(الجهل المزعوم) وهي من الكلمة (Irony) التي تفيد (المفرق) إن معنى التفريق أن نرى من خلاله ما يجب أن يبقى قائما في الأساس إذا أريد للكلمة أن تكون لها وظيفة ثابتة”(11) .  وكأن آلان رودي أراد أن ينبه النقاد أنهم بابتعادهم عن مفهوم المفارقة الأصلي وأساسها، يبتعدون بذلك عن وضع مصطلح ومفهوم واحد يجتمعون عليه ويرسون به قاعدة أساسية لفهم هذا المصطلح.

ومن هنا نؤكد أن مفهوم المفارقة اتجه عدة اتجاهات، منها: الفلسفي والبلاغي والنقدي ” فبعض الباحثين عرف المفارقة فزاد في غموضها، وضياع مصطلحها، وبعضهم وقع أسيرا لغموض المفهوم ، فحاول أن يبسط معناها فزادها إبهاما” (12).  وقد أشارت نبيلة إبراهيم لهذا منبهة إليه، فقالت:” المهم أن يصبح مفهوم المفارقة محدد الأبعاد بدرجة من الوضوح يجعله آلية صالحة من آليات تحليل النص الأدبي… إن المفارقة لا تقوم فحسب على الاختلاف بين معنيين أو أكثر، كما ذهب إلى ذلك جمهور الدارسين، وليست معادلة حسابية يكون الناتج فيها معروفا، إنها أبعد وأشمل،  إنها أشبه بمعركة ثقافية لا متناهية فيها المتوقع واللا متوقع، وفيها القريب والبعيد…إلخ. إن الأقرب إلى المفارقة أن يقال عنها إنها رفض للمعنى الحرفي للكلام أو -بالأحرى- المعنى الضد الذي لم يعبر عنه” (13).  مما سبق يمكن القول: إن تعريفات النقاد العرب اتكأت على الدراسات الغربية؛ لأن الغربيين هم أول من درس المصطلح وأصله من خلال الدراسات النقدية والرسائل العلمية؛ ولأنه قديم جدا في الآداب الغربية.

نتفق مع ناصر شبانة في قوله “ويبدو أن هذا التفاوت في التعريفات كان له اليد الطولى في فرز أنواع وأشكال مختلفة للمفارقة، فبات التعريف الأبسط للمفارقة، هو أن تقول شيئًا وتعني شيئا آخر، تعريف للمفارقة اللفظية فقط، غير أن هذا التعريف الأبسط والأقدم ظل الخيط الذي ينتظم التعريفات اللاحقة جميعها مهما تطورت وتعددت” (14).  و بعد أن عرضنا تعريفات النقاد العرب للمصطلح لاحظنا اقتصار أغلب تعريفاتهم على تعريف المفارقة اللغوية أو اللفظية، أما مفارقة الموقف فلم يتطرقوا إليها تقريبا. وبناء على ما سبق يمكننا أن نعرف المفارقة ـ وهو تعريف ستسير عليه هذه الدراسة ـ التعريف التالي: المفارقة هي أسلوب أدبي بلاغي يتكون من معنيين، معنى ظاهري غير مقصود ومعنى خفي مقصود، ويكون المعنيان في تضاد مع بعضهما، أو هي حدوث حدث لا يتوقعه القارئ، ولكن هناك ما يدل عليه، يلفت انتباه القارئ إليه وإلى المعنى المقصود منه.

المفارقة اللفظية

     تعد المفارقة من التقنيات المهمة التي يستخدمها القاص في كتابة قصصه التي تميل إلى الاختزال والايجاز والتكثيف في الوقت ذاته، فالمفارقة” في النص الأدبي المعاصر والقصة والرواية جزء رئيس فيه، أصبحت تقنية شائعة واستراتيجية محببة لدى أدبائنا”(15)،  فالقصة القصيرة تحوي كلمات محدودة العدد، ولكنها تحوي ايحاءات ودلالات كبيرة واسعة، مما يعطي القارئ مساحة لتأويل النص والغوص في أعماقه وتفسيره حسب الدلالات والايحاءات الواردة فيه.

    وتزخر قصص عبدالعزيز الفارسي القصيرة بالمفارقات الكثيرة، التي قد تكون بسيطة وواضحة في بعض الأحيان، وتكون مركبة وعميقة في أحيان أخرى، مما يدعو للتأمل فيها والتعمق في قراءتها.

   ومن أكثر المفارقات ورودا في قصص عبدالعزيز الفارسي، المفارقة اللفظية، والمفارقة اللفظية في أبسط تعريف لها” هي شكل من أشكال القول يساق فيه معنى ما في حين يقصد منه معنى آخر يخالف غالبا المعنى السطحي الظاهر”(16)    ويرى ميويك أن المفارقة اللفظية هي انقلاب في الدلالة و”تثير أسئلة تقع في باب البلاغة والأسلوب والأشكال القصصية والهجائية ووسائل الهجاء” (17) .

ويورد محمد العبد في كتابه المفارقة القرآنية أنه” ينبغي لنا لإدراك المفارقة أن ننفذ من الفعل اللغوي، أو اللفظي، إلى الفعل الإنجازي، من القول إلى مقصد القائل، وفي المرحلة التالية يترك مقصد القائل تأثيره الذي يصل إليه هنا بواسطة بنائه على المفارقة في المستمع أو المخاطب”(18).   فالمفارقة اللفظية تعتمد على اللغة ومدلولاتها وما يطرأ عليها من تغييرات في المعنى والمبنى،  وبالتالي يكون فهم المعنى من السياق يحتاج إلى تأمل للوصول إلى الفهم الصحيح والمقصود من السياق، فما قد يفهم من السياق قد يدل على دلالة مختلفة، فقد يرد الضحك بمعنى البكاء والسعادة بمعنى الشقاء وهكذا، وقد استخدم عبدالعزيز الفارسي المفارقة اللفظية رغبة منه في إشراك المتلقي في فهم المعنى وللوصول إلى جمال النص ولذته ودهشته، فقد يحتاج القارئ إلى إعادة القراءة والغوص في المعنى لفهم القصة.

    وتتخذ المفارقة اللفظية  في قصص عبدالعزيز الفارسي أكثر من شكل منها:

1-      مفارقة السخرية.

2-      المفارقة البلاغية( التضاد والاستعارة والكناية ).

3-      مفارقة العنوان.

4-      مفارقة التناص.

مفارقة السخرية(Sarcasm Irony)

   إن  السخرية مرتبطة بالمفارقة ارتباطاً وثيقاً كونها تعمل مثلها في رصد المتناقضات الموجودة في الواقع والتي لا تسير وفق القوانين والأعراف والقناعات التي يشكّلها العقل البشري تجاه قضيّة ما، فتظهر بشكل  من الرفض والاستنكار الذي يحمل معه صانُعها شيئاً من الارتباط بالواقع، فتركز على هذا الواقع محملة بشيء من الغموض الواضح الذي يلمح ويشير إليها من غير مباشرة، وهي بذلك تماثل المفارقة انطلاقاً من أنّ السخرية   ” شكل  من أشكال الكلام (أو الخطاب) يكون المعنى المقصود منه عكس المعنى المُعبَّر عنه بالكلمات المستخدمة، وغالباً ما يأخذ هذا المعني أشكال الهجاء أو الاستهزاء الّذي تُستخدم فيه تعبيراتٌ هادئة ملتبسة كي تتضمَّن إدانةً أو تحقيراً أو تقليلاً ضمنيّاً مستتراً من شأن شخصٍ أو موضوع أو کليهما معاً” (19) ، وهو الأمر عينه الذي تسير المفارقة باتّجاهه، إذ إنّها أيضاً خطاب مخطّط عن وعي، يحمل من السخرية ما يدلّل على الموقف الرافض للواقع، فالمفارقة “استراتيجية قول نقديّ ساخر، وهي في الواقع تعبير عن موقف عدواني، ولكنّه تعبير غير مباشر يقوم على التورية”(20)، من هنا يمكن القول: أن اتّحاد المفارقة والسخرية  يمكن أن يُطلق عليه اصطلاحاً مفارقة السخرية، لأن صانع هذا النوع من المفارقة يستخدم أسلوب التهكّم والإضحاك بغية تحقيق مآربه النقديّة والإصلاحيّة، ولابدّ للمفارقة لتكون مفارقة سخرية من توفّر مكوّنين أساسيّين: “مكوّن انفعالي يتجلّى في الاستخفاف المشتمل على الضحك أو الرغبة فيه، وعلى الاستهجان أو مجرّد الإحساس بالمفارقة (و) مكوّن لساني بنائي: يتجسّد من خلال المفارقة الدلاليّة وما يترتّب عليها من غموض والتباس”(21).

   وتعد المفارقة “أداة أسلوبية للسخرية والاستهزاء” (22)  كما يراها محمد العبد، ويقول ميويك” إن عد السخرية من باب المفارقة أمر فيه نظر، وهذا يعني أن ليس كل سخرية أو تهكم مفارقة، وليس كل مفارقة تهكما و سخرية، فالتهكم القائم على مخالفة الظاهر للباطن، أو بين ما نعتقد صحته، وما هو صحيح بالفعل، كل هذا قد يدخل في إطار مفهوم المفارقة، ويرى أن السخرية أكثر أشكال المفارقة قسوة”(23).

   إذن نستطيع القول أن السخرية فن الغوص في مكنونات الناس من أجل الوصول إلى الهدف منها، والتأمل الدقيق في الواقع وأحداثه ؛بغية الوصول إلى المفارقة من خلال الضحك والتأمل معا.

  والقصة القصيرة ” تنطوي على لمحات مثيرة مركزة تفضح شرخا في الحياة أو عيبا يعاني منه المجتمع، وتطرح أزمة الإنسان المعاصر ومواقفه الحضارية تجاه الكون والحياة، وترتبط القصة بانفعال داخلي، وإحساس حاد في أعماق الأديب، يعكسه بسخرية مريرة حينا، وجرأة لاذعة حينا آخر”(24).

ومن هنا نجد أن للسخرية وظيفة إصلاحية، فهي أداة نقد للمجتمع، وليست وسيلة للتسلية والضحك وتوظيفها كمفارقة في القصص القصيرة يؤكد ذلك. وهذا ما جسده الفارسي في قصصه.

   ففي قصة(المسيرون)  يقول السارد(25)” قدت السيارة بسرعة جنونية متجاوزا كل السيارات أمامي، اخترقني الهواء و الذكرى وآلام المساء، تبعتني إحدى السيارات وظلت تطاردني بأضوائها الكاشفة، كانت كاكتشافي المر المتأخر، فلم أعرها اهتمامي…نزل أحد الشرطيين مقتربا مني. صرخت حين رأيته: الله بعثكم لنجدتي.

رد باستياء: الله بعثك لتهلكنا، طاردناك من طرف المدينة بالأضواء الكاشفة كي تقف، ولم تقف إلا بعد خمسين كيلومترا عن المدينة. هات بطاقة الهوية ورخصة القيادة وملكية السيارة.

ذهلت. هل يحمل المنتحر بطاقات الزيف إلى العالم الآخر؟ تظاهرت بالبحث عنها.

قلت له: في البيت.

انفجر غضبا: ترتكب مخالفة التجاوز في مكان يمنع فيه التجاوز. نستوقفك فتهرب بنا إلى الصحراء مرتكبا مخالفة أخرى. أطلب وثائقك فأرى أنك ترتكب مخالفة عدم حملها.

قلت ببلاهة: وما يدريني أنكم شرطة. لماذا لم تستعملوا صوت الإنذار؟

ضرب بقبضته باب سيارتي: وهذه مخالفة أخرى: إهانة السلطات بالتدخل في عملها.

قلت في نفسي: من يعترض؟! نحن في الصحراء…

قلت له: خذاني إلى البيت. وقودي نفد.

استشاط غضبا: ومخالفة إزعاج السلطات أيضا.

…

هممت بالنزول وإغلاق الباب، شدني الشرطي من ثوبي” مخالفاتك” وناولني الأوراق.

قلت: شكرا على إيصالي.

رد: العفو. الشرطة في خدمة المواطن”.

  إن التناقض الواضح في الحوار السابق يستقرأه المتلقي ويقلب المعنى فيه إلى معنى مختلف عن المعنى الظاهر معنى خفي غير واضح ؛ فالسارد ينتقد استخدام السلطة في غير محلها، بحيث أن الرجل كان يبحث عن طريقة لإنهاء حياته، بيد أن الشرطة راكمت له المخالفات الواحدة تلو الأخرى، وإن لم يكن له دور فيها” ضرب بقبضته باب سيارتي: وهذه مخالفة أخرى: إهانة السلطات بالتدخل في عملها” فهذا العمل لم يتدخل فيه الرجل، ولكنه تلقى مخالفة بسببه.

وعلى سبيل السخرية رد في نفسه” من يعترض؟! نحن في الصحراء” وقد يكون وجوده في الصحراء سببا لصمته وعدم تعليقه خوفا على حياته.

الحوار السابق اعتمد بشكل كبير على السخرية، فالموقف كان جادا (إنهاء حياته) بعد أن تكالبت عليه الأحزان والهموم والآلام ولكنه تحول إلى موقف من نوع آخر، مطاردة في الصحراء، وكل ما نراه  في حوار الرجل مع الشرطي ضمن المستوى السطحي نرى نقيضه في المستوى العميق، فالشرطة في خدمة المواطن ولكنها هنا لم تكن إلا في تعاستهم بمخالفة الرجل بأكثر من مخالفة، وهذه لا تعد خدمة بقدر ما تعد عقابا له. وهذا التناقض يقتضي من القارئ أن يأتي بالنقيض المباشر من السياق. مفارقة السخرية في هذه القصة تكمن في الفجوة بين الواقع والتوقعات. السارد الذي كان في حالة الهروب من النظام واللامبالاة يجد نفسه محاطًا بالقوانين والمخالفات التي تسخر من محاولاته. من جهة أخرى، الشرطة تمثل قوة السلطة التي تُطبق النظام، ولكن بأسلوب يعكس السخرية من الشخص الذي يرفض الانصياع. القصة تبدو كمسرحية كوميدية حيث تزداد المخالفات ولا يتوقف السارد عن التفكير في الهروب حتى بعد أن أصبح محاصرًا تمامًا من قبل النظام حتى ينفد لديه الوقود.

تتفاوت نسبة استخدام المفارقة الساخرة في قصص عبدالعزيز الفارسي، ففي بعض القصص قد ترد، ملامح بسيطة للمفارقة الساخرة، وفي قصص أخرى نجد أن هذه القصص تعبق بالمفارقة القائمة على السخرية، وقد يلجأ الفارسي إلى مفارقات أخرى، نلمحها في سياق القصص، وإن كنا لا نعدم وجود السخرية في هذه المفارقات، فالمفارقة الساخرة تؤدي وسيلة إصلاحية، وهي :” تشبه أداة التوازن التي تبقي الحياة متوازنة أو سائرة في خط مستقيم، تعيد إلى الحياة توازنها عندما تحمل الحياة محمل الجد المفرط في جديته، أو عندما لا تحمل على ما يكفي من الجدل”(26).   ويوظف القاص المفارقة الساخرة في نصوصه كأداة لتقديم النقد اللاذع بقالب ساخر بهدف” تهذيب الفرد والمجتمع، والسعي بهما إلى مستوى أكثر تقدما، أو أرقى حضارة، لأن الأديب حين يتهكم، فإنه يربط ما بين الأشياء والحياة الواقعة، وما يجب أن تكون عليه من مثل الكمال، أي أن يقابل الواقع على ما فيه من تخلف أو فساد أو نقص بالكمال، الذي يراه الهدف والغاية”(27).

وهكذا يمكن لنا أن نرى أن السخرية في قصص عبدالعزيز الفارسي تسمح لنا بسبر أغوار أحوال النفس البشرية من خلال شخصيات القصص وما يجري لها من أحداث، دون أن يتدخل المتلقي في هذه الأحداث؛ لأن تقنية السخرية تمنعه من الاقتراب من هذه الشخصيات، فالمتلقي يكون على مسافة حيادية بينه وبين شخصيات القصص، ولكنه يراقب الأحداث من بعيد، وخلاصة القول نجد الفارسي قد وظّف مفارقة السخرية في قصصه بشكل يدعونا فيه للتأمل في أحوال هذه الشخصيات وفي حياتهم الاجتماعية وكانت السخرية أداة نقدية إصلاحية.

المفارقة البلاغية: مفارقة التضاد

من أوضح أنواع المفارقة الواردة في قصص عبدالعزيز الفارسي، مفارقة اللفظ وضده، إذ يجمع القاص بين لفظين متناقضين، ليوظف هذين اللفظين ويحاول الجمع بينهما في مكون واحد،” فالضدية نوع من العلاقة بين المعاني، فبمجرد ذكر معنى من هذه المعاني، يدعو ضد هذا المعنى إلى الذهن، ويتجلى هذا بشكل واضح بين الألوان، فذكر البياض يستحضر السواد في الذهن، فإن استحضار أحدهما يستتبع عادة استحضار الآخر، فالتضاد فرع من المشترك الذهني”(29).

تطالعنا مفارقة التضاد في قصص عبد العزيز الفارسي بكثرة، ويعمد في قصة( أحاسيس متقاطعة)  إلى إقامة علاقات بين المفردات تبدو متنافرة ومتناقضة، فلا إحساس لديه، والحياة غدت لا تؤثر فيه، يقول(30) ” فقدت الإحساس بالأشياء من حولي. لم يحدث ذلك بغتة. متيقن أنا. ولم يحدث بالتدريج. أيضا متيقن.

راودني قبل ذلك شعور بأني سأفقد الإحساس بكل هؤلاء. سأستيقظ لأرى أن شيئا لم يعد يعنيني، والبكاء والضحك سيان. توقعت مجيء لحظة يغدو فيها فقد الأحبة تماما كوجودهم، لا طعم لا رائحة، وأن الشمس لن تهيجني بالغروب فأبكي، أو تدغدغني بالشروق فأضحك”. التناقض هنا نجده في اللفظتين بغتة وبالتدريج، ففقدان الإحساس لم يأت بغتة ولم يأت بالتدريج مع التيقن من ذلك، فكيف أتى؟  فهذا التناقض الواضح في التعبير يؤدي إلى مفارقة لفظية صارخة. وأما المفردات المتناقضة الأخرى، مثل: البكاء والضحك وفقد الأحبة ووجودهم، والغروب والشروق، فهي ليست سيان، كما يرى الكاتب، فشتان ما بين الضحك والبكاء، وفقد الأحبة ليس كوجودهم بالتأكيد، ويختلف الغروب الذي يرمز للانتهاء والموت عن الشروق الذي يرمز للحياة والوجود.

  نلاحظ في قصص عبدالعزيز الفارسي أن التضاد صفة موجودة فيها، ومجرد اجتماع الصفتين المتضادتين في القصص أمر مألوف، ولكن غير المألوف هنا أن يكون اللفظان في عبارة واحدة وبينهما مفارقة وتناقض واضح، ويمكن تفسير ذلك بانتقال أحد اللفظين من حقله الدلالي، فتعمل المفارقة على تعميق بنية الصراع في النص الأدبي، مما يزيد الدهشة والتعمق في النص وهذا يعطي جماليات للنص الأدبي. فكاتب القصة يقدم صورة نصية تخفي الضد، لكن المتلقي مدفوع للبحث عن المفارقة داخل النص ليكشف حالة الشخصيات ودوافعها وصفاتها، وظروف الحياة وصعوباتها. ويفهم من ما وراء هذه المفارقة أن الكاتب أراد أن يعكس لنا صورة الحياة الاجتماعية التي يمر بها الإنسان في مجتمعه.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

مفارقة الاستعارة

تعد الاستعارة من أساسيات  النص الأدبي وعلامة من علامات بلاغته المهمة،  فهي” عملية استبدال للمعنى بالتحول من الحقيقة إلى المجاز، وهذا الاستبدال مبني على علاقة المشابهة الحقيقية أو الوهمية” (31) . فالاستعارة هي” أسلوب من الكلام يكون في اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في الأصل لعلاقة مشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وهي لا تزيد عن التشبيه إلاّ بحذف المستعار له أو مستعار منه، فهي ضرب من التشبيه، حذف أحد طرفيه الرئيسين”(32) .   اتجه البلاغيون إلى تقسيم الاستعارة باعتبار الطرفين إلى: وفاقية وعنادية، فالوفاقية يمكن لطرفيها أن يجتمعا معا، ومن ثم تضعف فيها المفارقة، أما العنادية فيمتنع فيها اجتماع الطرفين معا، ومن ثم تزداد فيها المفارقة، وهنا يظهر التشابه بين المفارقة والاستعارة، فالاستعارة تشبه المفارقة في تكوينها من طرفين متناقضين، وخاصة الاستعارة العنادية التي يعرفها القزويني:” الاستعارة العنادية ما استعمل في ضد معناه، أو نقيضه، تنزيل التضاد أو التناقض منزلة التناسب، بواسطة تهكم أو تلميح” (33)،  ويستحسن عبد القاهر الجرجاني (ت471 هـ) إذا كانت الاستعارة  متباعدة ومتناقضة ” يستحسن كل استعارة مباعدة، وكل تأليف بين متناقضين مباعدين”(34)  ، ويرى،” إِن الأشياء تزداد بياناً بالأضداد”(35).

     والاستعارة عند (آي. أي. رتشاردز)هي: ” الوسيلة العظمى التي يجمع الذهن بوساطتها في الشعر أشياء مختلفة لم توجد بينها علاقة من قبل، وذلك لأجل التأثير في المواقف والدوافع، وينجم هذا التأثير عن جمع هذه الأشياء وعن العلاقات التي ينشئها الذهن بينها، وإذا فحصنا أثر الاستعارة جيداً وجدنا أن هذا الأثر لا ينشأ عن العلاقات المنطقية المتضمنة إلاّ في حالات قليلة جداً”(36).

       وترى سيزا قاسم أن:” المفارقة تشبه الاستعارة أن كلتيهما تمتلك” البينة ذات الدلالة الثنائية غير أن المفارقة تشتمل أيضاً على علامة (marker) توجه انتباه المخاطب نحو التفسير السليم للقول، وهي من هنا تختلف عن الاستعارة وهذه السمة هي من صميم بنية المفارقة. فالمفارقة تفرض على المخاطب تفسيرها السليم. إنها تقوم بتبليغ (Meta _ Communication) وعندئذ توازي الرسالة الأصلية رسالة أخرى توضح الطبيعة الصحيحة لمغزى المفارقة، ولذلك فان حل شفرة المفارقة يستلزم مهارة خاصة لفهم العلامة (marker)، وهي مهارة ثقافية وأيديولوجية، يشارك فيها المتكلم والمخاطب” (37).

   ولقد وظف عبد العزيز الفارسي الاستعارة في قصصه، واستغلها لإدراك المفارقة، وتوجيه فكر المتلقي لاستكشاف الصور البلاغية لتضعه أمام استفهامات كثيرة، فيمعن النظر فيها ويتعمق في التفكير، فتثير قلقه، ليركز في مفهومها ويستكشف المفارقات في معنى هذه الاستعارات. تأتي المفارقة الناتجة عن الاستعارة في قصة( تلاشي الحنين.. اغتيال البنفسج) لبيان انتشار التعصب للقبيلة واستغلال المركز الوظيفي، يقول(38) ”  أغمض عينيك يا منتظر. لا الأرض ملكك ولا السماء، أنت من بطن الغواية تأتي وللرحيل ملامحك، أغمضهما فلست محتاجا لأن ترى. وما ترى؟ تكالبوا عليك تكالبهم على القصعة وأنت ساكن، لم تغير شيئا ولن. ألا سحقا لكل الصمت. ترادفت الهموم فأثقلتك. لا معين ولا مستمع يهدي قلبه إليك” بدأ القاص بإظهار مفارقته بالطلب من البطل منتظر بإغلاق عينيه، فهو لا يملك شيئا في هذه الحياة، لا الأرض ولا السماء، ولا يحتاج لأن يرى، فما الذي يريد أن يراه، فهو بلا قبيلة ولذا استعار للغواية بطنا، في مفارقة استعارة مكنية، فجعل الغواية كالأم التي تحمل طفلا، ولكن خارج حدود القبيلة، فلا بد من التخلص “تكالبوا عليك تكالبهم على القصعة وأنت ساكن، لم تغير شيئا ولن.”

هذه الجملة تحمل استعارة قوية تنطوي على الاستغلال الجماعي والعجز الشخصي. “تكالبوا عليك” يشير إلى أن الآخرين يقتربون منك أو يتسارعون للاستفادة منك ويستغلون وجودك، ولكن “وأنت ساكن”، بمعنى أنك ثابت، لا مقدرة لك على تغيير الواقع، لا تتحرك أو تغير شيء في هذا التفاعل، ولا ردة فعل تواجههم بها، وكأنك راض بما يفعلون، مستسلم لهم.

المفارقة هنا تكمن في أن منتظر ظل سلبياً أو عاجزاً في وجه ضغط العالم من حوله، بينما الجميع يلهثون وراءه ويقتنصون ما يمكنهم الحصول عليه. هذا يعكس الشعور بالعجز عن تغيير الواقع أو التأثير في الآخرين. منه بالرحيل وإلا فإن حياته ستكون وبالا عليه، وهكذا صار، فتكالبوا عليه، كل واحد بطريقته، فمديره بشير كان يعامله بأقسى معاملة، ويبتزه،” كنت تشعر أنك تتعرض للابتزاز من بشير، مديرك في العمل“، وعمة بشير بنفسج كانت تستغله لمصالحها الشخصية،”  اتصلت بك في ظهيرة أحد الأيام بحجة السؤال عنه، وهي تعلم بوجوده في البيت، عرضت عليك جنونها… قالت: أسكني شرايينك وسأمنحك لذة المستحيل” وحبيبته دانة لم يستطع الاقتران بها؛ لأنها ابنة القبائل وهو بدون قبيلة” إلى أين يا منتظر؟ بدأت تغزوك نار القبيلة تحرق كل مغامر فلا تجازف بقلبك عند بناتها. أولئك الذين لم تنصفهم قرعة القبائل قبل الميلاد لا يحق لهم المطالبة بطحن القبيلة أو طبخها في مراجل المساواة” توظيف القاص للاستعارة في هذه المقاطع في “ترادفت الهموم فأثقلتك” و”لا معين يهدي قلبه إليك” و “أسكني شرايينك” و”طحن القبيلة أو طبخها،” فقد بث فيها الصفات التشخيصية في الأمور المعنوية، فالهموم كانت ثقيلة والقلوب لا تهدى والقبيلة لا تطحن ولا تطبخ، اجتماع الهموم هنا كان لم يكن اجتماع حب ووئام وإنما اجتماع كُره وألم وتعب ومشاق، والقلب في حقيقته لا يهدى ولكن ملؤه بالحب  والمشاعر يجعل منه هدية جميلة، والشرايين لا تُسكن بهذه الطريقة التي طلبتها بنفسج وقد تسكن بالمودة والحنان، والقبيلة لا تطحن ولا تطبخ ولكن قد تكون قوة للإنسان تحميه وتؤويه وتسانده، فتكون الجدار الذي لا ينقض، هذا التنافر والضدية هو الذي ولّد المفارقة الاستعارية. العبارة تعكس الألم المبرح في قلب منتظر والإنسانية العميقة التي يشعر بها البطل ويستخدمها ويوجهها في مواجهة الواقع. الاستعارات تعبر عن التوتر الداخلي بين البطل وعالمه، حيث يظل البطل ساكنًا في محيط متحرك وملئ بالتحديات، في حالة من العزلة التي لا تنتهي. هذه المفارقة تتجسد في أن البطل منتظر رغم محاولاته للهروب أو الانغلاق على نفسه، يظل في النهاية متورطًا في عالم لا يقدم له الراحة أو الفهم، وتظل همومه تتراكم دون أي حل أو تفريغ. هذه المعاناة أنتجت رجلا تحدّى كل شيء وأسقطه من حياته، ” هذه نفسك نصبت خيمة على مشارف الحقيقة فالزم خيمتها. لا شيء غير نفسك يا منتظر. لا يشعر بجرحك من كان يملك جسدا سليما. أغمض عينيك وقرر:

فليسقط الحلم.

فليسقط الحنين.

فلتسقط دانة وسخافات تأويلها.

فلتسقط القبيلة.

فلتسقط ذرة الملح في مستنقع الرذيلة.

فلتسقط الوظيفة وبشير وعائلته.

فلتسقط بنفسج وعشاقها والسائق الآسيوي القوّاد.

فلتسقط قطعة الإسمنت الكبيرة على جسدك.”

هنا يتحدث البطل بصوت الحكمة والعقل، فلا أحد غير نفسه ستكون عونا له، مستعينا بالمفارقة في الاستعارة(هذه نفسك نصبت خيمة على مشارف الحقيقة فالزم خيمتها)، فالنفس نصبت خيمتها باحثة عن الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة ستٌريح نفسه، فجّسد النفس لتكون الشخص الذي يلجأ إليه عند الحاجة، وفي حقيقة الأمر وعلى المستوى العميق، فإن النفس لا تستطيع نصب خيمة أمام مشارف الحقيقة، هنا كانت المفارقة. “في هذه نفسك نصبت خيمة على مشارف الحقيقة فالزم خيمتها.”

المفارقة هنا تكمن في أن “النفس” هي التي تقيم الخيمة، مما يشير إلى أن الحقيقة أو الفهم العميق للحياة لا يتم من خلال العالم الخارجي أو الأحداث المحيطة، بل من خلال النفس . في النهاية، يتعين على البطل الالتزام بهذه الخيمة أو هذه الحالة النفسية، مما يشير إلى الانعزال أو الاغتراب في محاولة للوصول إلى الحقيقة، دون أن يكون هناك يقين أو ضمان. ولكنه مستعد للتخلي عن كل ما يعيقه ومستعد لإسقاط كل ما يؤذيه، الحلم والحنين ودانة والقبيلة وذرة الملح والوظيفة وبنفسج، حتى قطعة الإسمنت التي تعلو بيته فلتسقط، “فلتسقط قطعة الإسمنت الكبيرة على جسدك.”  هذه استعارة مؤلمة، حيث يُطلب من البطل منتظر أن يقبل السحق أو الدمار الجسدي والنفسي. قطعة الإسمنت هنا تمثل الثقل أو الحتمية التي لا يمكن الهروب منها، تمثل واقعه المضني والمؤلم، فبيته آيل للسقوط، كأنها تعبير عن الاستسلام الكامل للمصير المؤلم. العبارة كلها تدور حول التحرر والـتخلي عن كل شيء كان يشكل جزءًا من هوية البطل منتظر أو واقعه. “السقوط” في الاستعارة هو قرار بالرفض الكامل لكل ما يؤثر فيه سلبا، للمحيط الاجتماعي، الثقافي، العاطفي، والمادي. المفارقة تكمن في أن البطل يختار الهدم الكامل لعناصر كانت في يوم ما تمثل حياته، هويته، أو حتى آماله وأهدافه، ليعبر عن رفضٍ شاملٍ للواقع الذي لا يرضيه.

التوجه هنا نحو السقوط والدمار هو في حقيقته تحرر من القيود، لكنه لا يخلو من العنف الداخلي الذي يعبر عن الألم الوجودي والتمرد على الحياة كما هي والتخفف من الألم والحزن.

مفارقة الكناية

مفارقة الكناية هي نوع من الأساليب البلاغية التي تعتمد على استخدام تعبيرات غير مباشرة تشير إلى معانٍ مختلفة أو متضاربة، مما يخلق نوعًا من المفارقة أو التباين في المعنى. تعتبر الكناية أداة مهمة في البلاغة العربية، حيث تُستخدم لإيصال الأفكار بطريقة غير تقليدية، وتعتمد على الفهم. مفارقة الكناية هي تلك الحالة التي تُستخدم فيها الكناية (أي التعبير عن شيء بطريقة غير مباشرة) بطريقة تخلق تضادًا أو تناقضًا بين المعنى الظاهر والمعنى المقصود. الكناية هنا ليست مجرد تلميح أو مجاز، بل تحتوي على مفارقة تجعل المعنى الظاهر يختلف عن الفكرة التي يتم الإشارة إليها بشكل غير مباشر، مما يضيف طبقات من العمق والتمويه في الرسالة التي يتم نقلها.

وفي قصة( تلاشي الحنين.. اغتيال البنفسج)، تأتي المفارقة من الكناية لتدل على الأوجاع والآلام والأحزان، يقول القاص: (39)” من أي الجروح تبدأ؟! الجروح كثيرة والألم واحد. فلتبدأ إذن من أقربها إليك وأشدها وطأة، من دانة التي قربتها إلى منبت الأوجاع على حين غفلة من أحزانك. فيما مضى كانت دانة ملاذك من ظلم المقربين، تمسح بصوتها الدافئ على أتراحك فتستحيل جنات خضرا. لم تكن تشعر بأدنى حاجز يفصلك عنها مذ التقيتما على ضفاف الحلم”.  يظهر القاص هنا نفسه المسحوقة بالألم المستمر، الألم المستشري في كل جوانب حياته، فجروحه الكثيرة لا تعد ولا تحصى، المعنى الظاهر: العبارة تشير إلى عدد كبير من الجروح التي يمكن أن تصيب الإنسان، لكن رغم تنوع هذه الجروح، فإن الألم واحد في كل الحالات. هنا، يفتح القاص موضوع تعدد وتنوع  الأوجاع، لكنه في النهاية يشير إلى توحد الألم خلف هذه الجروح.

المفارقة الكنائية: المفارقة تظهر في أن الألم واحد رغم تعدد الأسباب. إذ أن الجروح قد تكون متنوعة – نفسية، جسدية، عاطفية، لكنها تنتج عن نفس المصدر أو الشعور، مما يخلق تساؤلًا  حول سبب الألم الأساسي. الكناية هنا تكمن في أن الألم لا يتعلق بالمواقف المختلفة بقدر ما هو ألم داخلي مشترك يرتبط بالحالة الإنسانية بشكل عام. وأقربها إليه وأشدها وطأة الألم الذي سببته محبوبته دانة له، المعنى الظاهر: القاص يوجه السؤال إلى نفسه  حول أين يبدأ الألم، ويختار أن يبدأ من أقرب الجروح إليه، وهو جرح دانة، التي كانت ذات يوم ملاذًا من الألم، لكن الآن صارت سببًا للألم.

المفارقة الكنائية: الكناية هنا تحتوي على تناقض حاد. كان القاص يجد الراحة في دانة، وهي مصدر الأمان والعزاء والراحة له، لكنها الآن أصبحت منبع الألم  والحزن الذي يسبب له الوجع. وتكمن المفارقة في أن الملاذ يتحول إلى مصدر للأذى، وهذه المفارقة تبرز بسبب التحول المفاجئ في العلاقة بين القاص و”دانة”، التي أصبحت قريبة جدًا من الألم، وصارت مصدراً له، بدلاً من أن تكون الملجأ والشفاء. دانة التي قرّبها من منبت الأوجاع(قلبه)،  المعنى الظاهر: في الماضي، كانت دانة تُعتبر ملاذًا آمنًا، ملجأ من الظلم والألم الذي يأتي من المقربين. كان صوتها الدافئ كالعلاج لأوجاعه، كأنها تحول أحزانه إلى حدائق من الخضرة، وهو تعبير مجازي عن التحول الإيجابي والراحة التي كانت تمنحها له.

المفارقة الكنائية: هنا نلاحظ التباين بين الماضي والحاضر. في الماضي كانت دانة تمثل الراحة والطمأنينة، أما الآن فهي مصدر للألم. الكناية هنا تستعمل التحول الزماني لتظهر كيف يمكن لمصدر الأمان في حياتنا أن يصبح مصدر ألم، وهذا التناقض بين الشفاء والألم هو جوهر المفارقة.

 “لم تكن تشعر بأدنى حاجز يفصلك عنها مذ التقيتما على ضفاف الحلم.”

المعنى الظاهر: في الماضي، لم يكن هناك أي حاجز بين القاص و”دانة” منذ اللحظة التي التقيا فيها لأول مرة، على ضفاف الحلم. العبارة “ضفاف الحلم” تشير إلى الهدف الذي يحلم به كل منهما.

المفارقة الكنائية: الكناية هنا تحمل مفارقة زمنية، فبينما كانت العلاقة بين القاص و”دانة” في بداية الأمر خالية من الحواجز، فإنها الآن مليئة بالألم والتعقيد. هناك تباين بين الماضي المثالي والمستقبل المؤلم. المفارقة تكمن في أن الحلم واللقاء المثالي الذي كان يبدو مثاليًا قد تحول الآن إلى واقع مرير، إذ تصبح دانة نفسها مصدرًا للوجع، وليس للراحة كما كانت في البداية.

المفارقة  في هذه العبارة هي في التحول الشديد الذي حدث بين الأمل والخذلان، وبين الراحة والألم. كان القاص في البداية يجد الراحة في “دانة”، ولكن مع مرور الزمن، أصبحت دانة جزءًا من الوجع الذي يعيشه.

هذا التحول يخلق نوعًا من التناقض بين ما كانت عليه العلاقة في الماضي (ملاذ، أمان، شفاء) وبين ما أصبحت عليه الآن (مصدر للألم، جرح عميق). الكناية هنا تعمل على إبراز التحول المفاجئ في العلاقات الإنسانية، وكيف يمكن لشخص كان في يوم ما ملاذًا أن يصبح سببًا للألم.

 الكناية توظف التضاد بين الماضي والمستقبل، وبين الراحة والألم، مما يخلق مفارقة درامية قوية في تفسير الألم الوجودي الناتج عن العلاقات الإنسانية.

مفارقة العنوان

يعتبر العنوان موضوعًا ذا أهمية كبيرة في النقد الأدبي والدراسات الأدبية، لأنه ليس مجرد مكون شكلي أو تزييني، بل هو عنصر أساسي في فهم النص وتفسيره. وهو نافذة النص، ويعد أداة حيوية وهمزة وصل في التواصل مع القارئ، إذ يجذب انتباهه ويوجهه نحو المعنى أو الفكرة الرئيسة للنص، وبهذا يكون العنوان أداة دلالية تحيل للنص الأدبي، وتعطيه مشروعية الوجود، ومنه يبدأ القارئ في التوغل إلى النص، ويشرع في رحلة البحث عن المعنى وعن مفهوم النص. العنوان قد يكون مؤشرًا للمحتوى أو مفتاحًا لفك رموز النص. لذلك يولي الأدباء اهتمامًا بالغًا في اختيار العنوان، لأنه يمثل التفاعل الأول بين القارئ والعمل الأدبي .يستخدم العنوان كأداة لخلق المعنى، وقد يكون قائمًا على المفارقة. إن الأديب دائمًا ما يسعى لأن يكون العنوان جزءًا لا يتجزأ من التجربة الأدبية، سواء كان مباشرًا، غامضًا، رمزيًا أو حتى مفارقيًا.

مفارقة العنوان اللفظية هي نوع من المفارقات التي يستخدمها الأدباء، وتعتمد على التلاعب بالكلمات أو الصياغة اللفظية في العنوان، بحيث يحمل العنوان دلالة أو معنى مغايرًا أو متناقضًا عن محتوى النص أو القصة المقروءة، وتقوم هذه المفارقة على استخدام الكلمات بطريقة تجعل القارئ يرى أن المعنى المبدئي للعناوين يبدو غير متوافق مع الواقع أو مع ما سيأتي بعده.

وتبرز المفارقة في عنوانات مجموعات قصص عبدالعزيز الفارسي، وتختلف العنوانات من مجموعة لأخرى، فقد يستمد بعض العنوانات من عنوانات القصص، وقد يكون العنوان مغايرا لعنوانات القصص، ولكنه مستمد من الموضوعات، وقد توحي بعضها إلى الحالة النفسية التي يمر بها أثناء كتابته للقصة. ففي المجموعة الأولى التي جاءت بعنوان (جروح منفضة السجائر)(40)، أخذ القاص عنوان المجموعة من إحدى قصصه، التي عنونها كذلك بجروح منفضة السجائر، ونلاحظ من خلال العنوان” جروح منفضة السجائر ” هو عنوان يحمل مفارقة لفظية قوية، وتكمن المفارقة هنا في التناقض بين المفردات داخل العنوان نفسه، مما يخلق توتّرًا دلاليًّا ويثير تساؤلات لدى القارئ حول المعنى المقصود، فكلمة “جروح” تحمل معنى مؤلمًا ويميل إلى أن يكون ذو طابع جسدي أو نفسي، حيث تشير إلى الآلام أو الأذى الناتج عن تعرض القاص للإصابة أو الصدمة، أو الحوادث، أما كلمة “منفضة السجائر” فهي أداة تستخدم لإطفاء السجائر بعد التدخين، وهي عادة ما ترتبط بشيء مادي، غالبًا ما يكون رمزًا لإدمان التدخين، وإدمان السجائر. الجمع بين هذين العنصرين (الجروح والمنفضة) يخلق مفارقة لفظية، لأن “منفضة السجائر” عادة ما ترتبط بشيء مادي، يستخدم بشكل  مؤقت وعابر، في حين أن “الجروح” تركز على شيء عميق ودائم، فالجرح وإن برئ فسيبقى له أثر في الجسد، هذا التباين بين المادي المؤقت وجروح الإنسان (سواء كانت ظاهرة أو نفسية)، فيها من العمق ما فيها،  يثير تساؤلات حول الرابط بين الجروح (سواء كانت جسدية أو نفسية) وأداة  تستخدم لوضع بقايا السجائر وتوحي بالإدمان مثل منفضة السجائر. يشير العنوان إلى ألم داخلي أو جروح نفسية ناتجة عن سلوكيات،  أو عادات سلبية مثل التدخين، التي يمكن أن تكون مدمرة على المستوى الشخصي أو الاجتماعي، فالقاص رجل متزوج وأحب امرأة أخرى خارج إطار الزواج، ولكنها ترفض الاقتران به، حتى لا تضر به أو  بزوجته.

_ “لم اختره اختارني حبكِ، ونزفتني من أجله.

–        وتتسبب في هذا الضرر لنفسك؟!

–        لا نفس بعدك. يهون كل شيء من أجلك.

–        قلت لك مرارا قلبي منذور للشمع. لا أريد ضرك، ولا أرضى بالضرر لزوجتك. أرجوك انس هذا الموضوع.

–        أريدكِ.

–        مستحيل. أتعرف؟” (41)

 فحوّل صدره لمنفضة سجائر، حيث يطفئ السجائر بالقرب من قلبه تأنيبا له على هذا الحب المستحيل.” لمس صدره جهة الشمال وما شعر بألم. لم تزل الجروح تتقيح مذ أطفأ فيه السجائر ذات تأنيب”  المنفضة هنا يمكن أن ترمز إلى الوسيلة أو الأداة التي تحوي آثار الألم فقد أصيب بمرض صدري أصبح من خلاله ينزف دما، ويحترق به، مثلما تحتوي المنفضة على بقايا السجائر المحترقة.

–        ” إني أنزف جسدي. تقيأت دما بالأمس.

–        مرة عاشرة؟ ذهبت للطبيب؟!”

قد يكون العنوان أيضًا إشارة إلى التعود على الألم أو التعايش معه، فالقاص استمر على الألم الذي يصيبه من رفض حبيبته واستمر في إطفاء السجائر على صدره، وكأنه قد اعتاد هذا الفعل،  مثلما يتعود المدخن على التدخين رغم علمه بمخاطره. لذلك، تكون الجروح هنا رمزية لألم مستمر أو ندبات نفسية ناتجة عن تكرار هذه السلوكيات، من تأنيب للضمير وتعذيب للجسد، واستمر في  سلوكيات مضرة أخرى مثل شرب القهوة والتدخين والإدمان على الدواء، رغم أن الطبيب وجهه إلى تركها من أجل صحته.” خرجت من عيادته وبيدي وصفة لأقراص(الزنتاك) لعلاج القرحة، كان مما أوصاني: لا قهوة، لا سجائر، لا تفكير زائد. ابتسمت وأومأت موافقا. خرجت وأنا أردد لنفسي: مستحيل . مستحيل. مستحيل” .

 وبما أن العنوان جزء من مضمون القصة التي جاءت بنفس العنوان ، فإن المفارقة اللفظية قد تحمل دلالات فلسفية أو اجتماعية حول الألم، والإنكار. العنوان يوحي بأن هناك نوعًا من الصراع أو التوتر بين الألم الذي لا يُشفى (الجروح ) والوسيلة التي تساهم في استمراره (منفضة السجائر).

جروح منفضة السجائر” هو عنوان يشتمل على مفارقة لفظية حيث تتناقض معاني “الجروح” (المعاناة والألم العميق) و”منفضة السجائر” (شيء مادي، عابر، ومرتبط بالإدمان). هذه المفارقة تعكس التوتر بين الآلام النفسية الدائمة التي قد تكون ناجمة عن عادات سلبية (مثل التدخين)، وتضع القارئ أمام أسئلة وجودية أو اجتماعية حول الطبيعة المتناقضة للألم والإدمان.

مفارقة التناص

التناص هو تداخل النصوص وتفاعلها مع بعضها البعض، يحرص فيها السارد إلى إعادة صياغة نص سابق إلى نص آخر حاضر، يجمع بينهما في دلالة جديدة للنص المنتج، بشكل يسمح للنص الجديد بأن يحتوي على إشارات أو استحضارات لنصوص أخرى سواء كانت أدبية أو دينية أو ثقافية أو حتى تاريخية. إن التناص والمفارقة يتكاملان في إحداث تأثيرات دلالية قوية في النصوص الأدبية، حيث يُساهم التناص في توجيه النص نحو مفارقة جديدة تخلق أبعادًا إضافية لفهم النص الأدبي. وتوظف مفارقة التناص لتعزيز جمالية النص وتأكيد مضمون النصوص، وفتح دلالات جديدة للنص المنتج، وجذب المتلقي للنص الجديد وإدهاشه و إبهاره بنصوص متداخلة، تجعله يبحث عن علاقات تربط وظف عبد العزيز الفارسي التناص بأنواعه المختلفة( ديني وأدبي وتراثي وثقافي) في قصصه القصيرة، ففي التناص الديني والذي كان له مساحة كبيرة في قصصه، وهذا يدل على نشأته الدينية السابقة، يقول في قصة( المسيرون):”إني أنبذ كل السخافات من حولي . آويت إلى قلبي ليعصمني من الطوفان، ومنه أكتب إليك”.   هذه العبارة يوظف فيها القاص مفارقة التناص، حيث يستحضر في قصته رمزا دينيا وأسطوريا قويا وهو الطوفان، ويعيد تشكيله بشكل آخر، لخلق تناقض دلالي مع  المعنى المعتاد، ويوظف الرمزية في هذه السياق ليوضح لنا التأثر الشخصي والعاطفي، ويبين حالته النفسية. ذُكر الطوفان في عدة آيات في القرآن الكريم، وأبرزها في سياق قصة سيدنا نوح عليه السلام؛ حيث عاقب الله تعالى قوم نوح بالطوفان بسبب فسادهم في الأرض.

قال تعالى: وَ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (43)  فسرها ابن كثير بقوله:” وقوله : ( وهي تجري بهم في موج كالجبال ) أي : السفينة سائرة بهم على وجه الماء ، الذي قد طبق جميع الأرض ، حتى طفت على رءوس الجبال ، وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعا ، وقيل : بثمانين ميلا وهذه السفينة على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته وامتنانه، وقوله : ( ونادى نوح ابنه وكان في معزل يابني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ) هذا هو الابن الرابع ، واسمه ” يام ” ، وكان كافرا ، دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون”.

هذه الآية تتحدث عن الطوفان الذي حدث في زمن النبي نوح عليه السلام، حيث أمر الله تعالى أن تتفجر الأرض بالعيون وتغمر المياه الأرض، ليأتي الطوفان الذي أغرق الكافرين، بينما نجا نوح ومن معه في السفينة. وكان نوح قد نادى ابنه ليركب معهم في السفينة، ولكنه رفض وقال إنه سيأوي للجبل ليعصمه من الطوفان.

على المستوى السطحي، نجد أن الطوفان هو إشارة مباشرة إلى قصة نوح عليه السلام وهو الطوفان العظيم الذي أغرق الأرض. في هذه القصة، نوح عليه السلام يركب السفينة ويأخذ معه المؤمنين لينجوا من الهلاك. الطوفان في هذا السياق هو العذاب الإلهي الذي وقع على المكذبين من قوم نوح.

وفي المستوى العميق، نجد أن “الطوفان” يُذكر بشكل مجازي ليعكس التهديد أو الفوضى التي تحيط بالقاص، فهو يعيش في زمن مؤلم يفت في عضد الأماني” هذا المساء يفت في عضد الأماني، يشوش عليّ لحظات الجنون، ينثرني وأنا المبعثر في متاهات زمن جُرّد من سلطاته” ، و يُعبر “الطوفان” عن المخاطر أو الأزمات والأحزان،  التي تدفع بالقاص  وتهدد حياته، لدرجة التفكير في الانتحار،” فكرت هذا المساء بالانتحار، أجزم أنه أروع اختراع عرفه البشر، ليس في الحياة ما يستحق كل هذا العناء”

و المفارقة تكمن في الجمع بين مفهوم الطوفان الذي يمثل الخطر والدمار في البيئة، وبشكل خارجي، وبين القلب الذي يُعتبر المصدر الوحيد للحماية والنجاة وهو في داخل الإنسان، فالقاص التجأ إلى قلبه لينجو من الطوفان. وهذه المفارقة تجعلنا نتساءل: كيف يمكن لقلب الإنسان وهو مكمن المشاعر أن يكون هو الذي يعصم من الطوفان؟

فقد يكون المعنى هنا أن الإنسان في أوقات الشدة يحتاج إلى اللجوء إلى إيمانه الداخلي المخبوء في قلبه وإلى عقله في المفكر في عواقب الأمور وإلى  وجدانه ليحميه من التحديات النفسية أو الخارجية التي تشبه الطوفان. هذه النصوص ببعضها.

النتائج

ناقشت الورقة البحثية، المفارقة اللفظية في قصص عبد العزيز الفارسي القصيرة، وضحنا فيها مفهوم المفارقة لغة واصطلاحا، ومفهوم المفارقة اللفظية، وأنواع المفارقة، أنواع المفارقة اللفظية في قصص عبد العزيز الفارسي القصيرة، وطبقنا بهذه الأنواع على بعض القصص، وخرجنا بالنتائج الآتية:

  • أن المفارقة ممارسة أدبية تتعدد تعريفاتها وتتباين بسبب تاريخها الطويل الممتد إلى عصور الأدب الأولى ؛ فلذلك صعب وضع تعريف واحد يجمع مفاهيم الأدباء والنقاد لها.
  • أن المفارقة اللفظية هي: هي شكل من أشكال القول يساق فيه معنى ما في حين يقصد منه معنى آخر يخالف غالبا المعنى السطحي الظاهر.
  • تتخذ المفارقة اللفظية في قصص عبدالعزيز الفارسي أكثر من شكل منها:

1-مفارقة السخرية.  ولمفارقة الاستعارة مميزات عديدة، منها إثراء المعنى، حيث تضيف عمقا للفكرة وللنص الأدبي، إذ يتم ربط فكرة جديدة وغير متوقعة بين عناصر مختلفة، مما يخلق تأثيرا عاطفيا في القارئ.

2-المفارقة البلاغية( التضاد والاستعارة والكناية ). والمفارقة البلاغية تتميز بوجود تناقض ظاهر بين فكرتين أو عبارتين، مما تثير تساؤلات لدى المتلقي.

3-مفارقة العنوان.  وهي وسيلة قوية لجذب الانتباه ، إذ يتحدى التوقعات ويوجه القارئ إلى التفكير بطريقة جديدة.

  • مفارقة التناص. وهي تقنية بلاغية تهدف إلى خلق تأثير فكري قوي عبر تداخل النصوص بطريقة تناقض الأفكار الأصلية، وتفتح أبواب التأويل والتفكير النقدي، مما يعزز عمق النص ويزيد من تأثيره على المتلقي.

الهوامش

1-        إبراهيم، نبيلة ، المفارقة، فصول، مج 7، ع3، 1987، ص131

2-      إبراهيم، نبيلة، فن القص بين النظرية والتطبيق، مكتبة غريب، د ط، د ت، ص196

3-        ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، تح: عبد الله الكبير، دار المعارف، كورنيش النيل، القاهرة، باب القاف

4-        سورة الدخان، الآية :4

5-        سورة الإسراء، الآية: 106

6-        سورة البقرة، الآية : 50

7-        سورة المرسلات، الآية: 4

8-        الفيروز أبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب: القاموس المحيط، تح: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسال، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط3، 2005، ص 916

9-        ميويك، موسوعة المصطلح النقدي، تر: عبد الواحد لؤلؤة ، ص 129

10-       حماد، حسن، المفارقة في النص الروائي، نجيب محفوظ نموذجا، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، مصر، ط1، 2005، ص21

11-     ميويك، المفارقة(ة1982)،(موسوعة المصطلح النقدي)تر: عبد الواحد لؤلؤة، دار الرشيد،  ص 44.

12-       الخوجة ، محمد، المفارقة في أدب الجاحظ-البخلاء نموذجا- رسالة ماجستير، الجامعة اليرموك، ص4

13-       إبراهيم، نبيلة، المفارقة، مرجع سابق، ص132

14-       شبانة، ناصر،(200) المفارقة في الشعر الحديث، أمل دنقل ومحمود درويش أنموذجا، الحامعة الأردنية، رسالة ماجستير، ص 47

15-     سليمان، خالد،ا لمفارقة والأدب،  مرجع سابق، ص 60

16-       العبد ، محمد، المفارقة القرآنية، مرجع سابق، ص54

17-       ميويك، المفارقة(ة1982)،(موسوعة المصطلح النقدي)تر: عبد الواحد لؤلؤة، دار الرشيد،  ص 44.

18-       العبد، محمد، المفارقة القرآنية، مرجع سابق، ص ص 54 -55

19-       خليفة، أحمد، (2004) المفارقة في قصص زكريا تامر، رسالة جامعية، الحامعة الأردنية، ص34

20-     عبدالحميد، شاكر(2003)، الفكاهة والضحك، عالم المعرفة(مقال)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت ع 289، ص 44

21-       قاسم، سيزا، المفارقة في القص العربي، مرجع سابق، ص143

22-       العمري، محمد،(2005)،البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول ،إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، ص 87.

23-       العبد، محمد، المفارقة القرآنية، مرجع سابق، ص17

24-       ميويك، المفارقة، مرجع سابق، ص74

25-     الزعبي، أحمد،(1993)مقالات في الأدب والنقد العربي والغربي، مكتبة الكتاني، ط1، ص 33

26-     الفارسي، عبدالعزيز(2024) الأعمال القصصية الكاملة، من مجموعة جروح منفضة السجائر، دار نثر، سلطنة عمان، ط1، مراجعة سليمان المعمري، ص21-22

27-     سليمان، خالد، المفارقة والأدب، مرجع سابق، ص 35

28-       غراب، سعيد أحمد عبد العاطي، (2009)، السخرية في الشعر المصري في القرن العشرين، دراسة وتحليل ونقد، دار العلم والإيمان، كفر الشيخ، مصر، ط1، ص 86

29-     المطلبي، غالب، مقال بعنوان: السخرية بوصفها تكنيكا: ملاحظات أولية في قصصه الساخرة، من كتاب: سأكتب للجميع وأعيش، إعداد وتحرير: سليمان المعمري(2024)، دار نثر، ط 1، ص257

30-       أنيس، إبراهيم،(1995)، في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو المصرية، ص 207- 208

31-       الفارسي، عبدالعزيز(2024) الأعمال القصصية الكاملة، من مجموعة العابرون فوق شظاياهم، دار نثر، سلطنة عمان، ط1، مراجعة سليمان المعمري، ص241

32-     مفتاح، محمد،(1985)، تحليل الخطاب الشعري(استراتيجية التناص)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، ص 82.

33-       القزويني، الخطيب(1993)، الايضاح في علوم البلاغة، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، ص: 329

34-       القزويني، الخطيب(1993)، الايضاح في علوم البلاغة، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، ص: 330

35-       الجرجاني، عبد القاهر،(1992)        دلائل الإعجاز، قرأه وعلّق عليه: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني- القاهرة، ط3، ص112-113

36-       الجرجاني، عبد القاهر،(1992)        دلائل الإعجاز، قرأه وعلّق عليه: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني- القاهرة، ط3، ص112-113

37-       إ. أ. ريتشاردز،( 1963) مبادئ النقد الأدبي، ، تحقيق: د. مصطفى بدوي، مطبعة مصر، د. ط، ص31

38-     قاسم، سيزا، المفارقة في القص العربي المعاصر، مرجع سابق، ص144

39-       الفارسي، عبدالعزيز(2024) الأعمال القصصية الكاملة، من مجموعة جروح منفضة السجائر، دار نثر، سلطنة عمان، ط1، مراجعة سليمان المعمري، ص19.

40-     الفارسي، عبدالعزيز(2024) الأعمال القصصية الكاملة، مرجع سابق، ص19- 20

41-     الفارسي، عبدالعزيز(2024) الأعمال القصصية الكاملة، مرجع سابق، ص 119

المصادر

القرآن الكريم

المراجع

  • إبراهيم، نبيلة. (1987). المفارقة. فصول، مج 7، ع3 .
  • إبراهيم، نبيلة. (د.ط). فن القص بين النظرية والتطبيق. مكتبة غريب. ، د ت.
  • ابن منظور، محمد بن مكرم. (تح. عبد الله الكبير). (د.ت). لسان العرب. دار المعارف، كورنيش النيل، القاهرة..
  • أنيس، إبراهيم. (1995). في اللهجات العربية. مكتبة الأنجلو المصرية.
  • الجرجاني، عبد القاهر. (1992). دلائل الإعجاز. (قرءه وعلّق عليه: محمود محمد شاكر). مطبعة المدني، القاهرة، ط3.
  • خليفة، أحمد. (2004). المفارقة في قصص زكريا تامر. رسالة جامعية، الجامعة الأردنية .
  • الخوجة، محمد. (د.ت). المفارقة في أدب الجاحظ: البخلاء نموذجا. رسالة ماجستير، الجامعة اليرموك.
  • ريتشاردز، إ. أ. (1963). مبادئ النقد الأدبي. (تر. د. مصطفى بدوي). مطبعة مصر، د. ط
  • الزعبي، أحمد. (1993). مقالات في الأدب والنقد العربي والغربي. مكتبة الكتاني، ط1.
  • الفارسي، عبدالعزيز(2024) الأعمال القصصية الكاملة، من مجموعة جروح منفضة السجائر، دار نثر، سلطنة عمان، ط1، مراجعة سليمان المعمري.
  • الفيروز أبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب. (2005). القاموس المحيط. (تح. مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة). مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط3.

. • سليمان، خالد(1999)، المفارقة والأدب، دراسات في النظرية والتطبيق،ط1 ، دار الشروق للنشر والتوزيع.

  • شبانة، ناصر. (2000). المفارقة في الشعر الحديث: أمل دنقل ومحمود درويش أنموذجًا. الجامعة الأردنية، رسالة ماجستير.
  • العبد، محمد،(1994) المفارقة القرآنية( دراسة في بنية الدلالة)، دار الفكر العربي، ط1.
  • عبدالحميد، شاكر. (2003). الفكاهة والضحك. عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 289.
  • العمري، محمد. (2005). البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول. إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب.
  • غراب، سعيد أحمد عبد العاطي. (2009). السخرية في الشعر المصري في القرن العشرين: دراسة وتحليل ونقد. دار العلم والإيمان، كفر الشيخ، مصر، ط1.
  • فتح الله، أحمد. (1983). “مراجعة لآثار المفارقة في الأدب العربي”. دراسات أدبية.
  • قاسم، سيزا. المفارقة في القص العربي، دار التنوير، بيروت.
  • قاسم، سيزا. (1990). دراسات في الأدب المقارن. دار الثقافة، بيروت..
  • مفتاح، محمد. (1985). تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص). المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1.
  • ميويك، دي سي،1987) المفارقة وصفاتها( موسوعة المصطلح النقدي:13) تر: عبد الواحد لؤلؤة، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)