جماليات بناء الزمان والمكان في القصة العمانية القصيرة: نماذج مختارة

د. سلطان بن سعيد بن محمد الفزاري

قسم الدراسات التربوية، كلية التربية بالرستاق، جامعة التقنية والعلوم التطبيقية، سلطنة عمان

الملخص

تقوم الأجناس الأدبية النثرية –عموما- على عناصر أساسية تشكّل معمارها السردي، ومن هذه العناصر الزمان والمكان، وهما من العناصر المؤثرة في بناء النص السردي، حيث يسهم كل منهما في تحقيق وحدته وتماسكه وانسجامه. إن الحديث عن عنصر من هذين العنصرين يقودنا للحديث عن العنصر الآخر؛ فكل منهما له تأثير على الآخر، والتلازم بينهما واحدة من القواعد السردية التي تقوم عليها كتابة الأجناس الأدبية النثرية. من هنا فإن هذا البحث يسعى للوقوف على بعض من جماليات بناء الزمان والمكان في القصة العمانية القصيرة، لذا فهو ينقسم إلى مبحثين رئيسين؛ سعى الأول منهما تبين جماليات بناء الزمان في القصص العمانية القصيرة، فيما انبرى الآخر إلى توضيح جماليات بناء الأمكنة في نماذج من هذه القصص.

الكلمات المفتاحيّة: القصة العمانية القصيرة، الزمان والمكان، الوظيفة الجمالية.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

مقدمة

          الزمان والمكان عنصران رئيسان من العناصر المكونة للسرد في القصة القصيرة، فأحداثها تشير إلى زمن، وشخصياتها  تتحرك في زمن، وأفعالها تقع في زمن، كما أنه لا يمكن تصور قصة قصيرة دون مكان، فلا وجود لحدث خارج مكان محدد، ومكان القصة القصيرة وثيق الصلة بأحداثها، كما أنه يؤثر على شخصياتها، وتربطه علاقات وثيقة بباقي العناصر المشكّلة لجسد النص القصصي.

إن النظر في التتابع الزمني المنطقي للأحداث في القصة القصيرة يعد عملا جماليا صرفا له تأثيره على القارئ، فهو يؤثر في فهمه للأحداث، كما يؤثر في خلق عنصر التشويق لديه، وفي المقابل فإن المكان يلعب إلى جانب بنية الزمان دورا مفصليا في بناء القصة القصيرة، فهو ليس مجرد خلفية لأحداثها، أو عنصرا شكليا من عناصرها، إنه عنصر تشكيلي فاعل يمثل بعدا جماليا من أبعادها، حيث يتضخم به الإحساس بجماليات النص السردي، ويتحقق به التشويق، وبواسطته تحدث الاستجابة الفنية نحو بناء النص.

أسئلة البحث:

يحاول البحث الإجابة عن التساؤلات الآتية:

(1) ما أهمية البنية الزمانية في النصوص القصصية القصيرة؟

(2) ما جماليات بناء الزمان في نماذج من القصة العمانية القصيرة؟

(3) ما الدور الذي يلعبه المكان في بناء القصة القصيرة؟

(4) ما جماليات بناء المكان في نماذج من القصة العمانية القصيرة؟

أهمية البحث:

يستمد البحث أهميته مما يأتي:

(1) يستمد البحث أهميته من طبيعة الموضوع الذي يدرسه، فهو يتناول عنصرين أساسيين من العناصر البنائية للنصوص القصصية القصيرة، وهما الزمان والمكان، ويتتبع أشكالهما وآليات الاشتغال عليهما في القصة العمانية القصيرة، ودور ذلك في تحقيق جمالية البناء القصصي القصير.

(2) قلة الأبحاث والدراسات التي تناولت موضوع البحث في مدونة النقد العمانية.

(3) يتناول البحث نماذج تحليلية من القصة العمانية القصيرة لم يسلط الضوء عليها في دراسة بنيتي الزمان والمكان في النصوص القصصية العمانية القصيرة.

أهداف البحث:

يسعى البحث إلى تحقيق الأهداف الآتية:

(1) التعرف بأهمية البنية الزمانية في النصوص القصصية القصيرة.

(2) الكشف عن جماليات بناء الزمان في نماذج من القصة العمانية القصيرة.

(3) مناقشة الدور الذي يلعبه المكان في بناء القصة القصيرة.

(4) تبين جماليات بناء المكان في نماذج من القصة العمانية القصيرة.

منهج البحث:

          يتوسل البحث بالمنهج الوصفي التحليلي الذي يعنى بوصف الظاهرة الأدبية وتصنيفها، وتحليل النصوص الأدبية المرتبطة بها، واستنطاقها؛ لتحقيق النتائج المرجو تحقيقها.

المبحث الأول (البنية الزمانية في القصة العمانية القصيرة)

          ترجع أهمية دراسة العنصر الزمني في السرد إلى ضرورة “التعرف على القرائن التي تدلنا على كيفية اشتغال الزمن في العمل الأدبي، وذلك لأن النص يشكل في جوهره بؤرة زمنية متعددة المحاور والاتجاهات”(1)، وهذا ما نلحظه في نماذج القص الحديثة التي ارتأت أن تتخذ هيكلا زمنيا معقدا تعرض فيه الأحداث بطريقة غير منتظمة، الأمر الذي خلق نوعا من التمرد على تعاقبية الترتيب الزمني الذي اتسمت به النصوص التقليدية القديمة.

          ولعل أول من أدرج مبحث الزمن بين محاور النظرية الأدبية هم الشكلانيون الروس الذين توصلوا إلى أن القيمة في العمل السردي لا تكمن في طبيعة الأحداث بقدر ما تكمن في طبيعة العلاقات التي تربط بين أجزاء تلك الأحداث، ومن هذا المنطلق جاء تمييزهم بين زمن الحكاية وزمن السرد، إذ يحدد توماشفسكي Tomashevsky طبيعتهما بقوله: “إن زمن الحكاية هو زمن تكون فيه الأحداث المعروضة مفترضة الوقوع، وزمن السرد هو الزمن الضروري لقراءة العمل الأدبي”(2).

          وبذلك يكون زمن الحكي عند توماشفسكي هو زمن القراءة، أما زمن القصة فهو زمن الأحداث الذي يعرض بإحدى الطرائق الثلاث:

1- بذكر الزمن الذي وقعت فيه الأحداث بصورة مبهمة أو تحديده بدقة.

2- بتسجيل المدد الزمنية التي تستغرقها هذه الأحداث بصفة مباشرة أو غير مباشرة.

3- بوصف الأثر الذي يخلفه وقع الزمن في النفس(3).

          إن معظم التطورات التي طرأت على الفن القصصي هي في الأصل تطورات في بنيته الزمنية، إذ إن الزمن لم يعد مجرد موضوع فحسب، أو شرط لازم لإيجاز تحقق ما، بل أصبح هو ذاته الموضوع(4)، ومن هنا فقد أخذ النقد الحديث يتعرف على قيمة العمل الخيالي في ارتياد أبعاد الزمن من خلال العملية السردية التي تعد بمثابة الأداة المسؤولة عن إبراز تلك القيمة(5).

وتقدم سيزا قاسم مجموعة من الأسباب التي تدعو إلى دراسة الزمن في النصوص القصصية، هي:

1- كون الزمن هو الأساس الذي تبنى عليه عناصر التشويق والإيقاع والديمومة وكذا السببية المنطقية والتعاقب واختيار الأحداث.

2- كونه يمنح القصة أو الرواية شكلها الفني، بل هو الشكل ذاته.

3- كونه عنصرا بنيويا ليس معزولا عن سائر العناصر السردية، وإنما هو في علاقة تلاحمية معها بحيث تستحيل دراسته بوصفه عنصرا مستقلا(6).

لذلك فإن الزمن جزء رئيس من الحياة، ومكون أساسي لخطوطها ودروبها، ولأنه كذلك؛ فإنه عنصر فاعل في القصة القصيرة بوصفها إبداعا واقعيا حياتيا مقتطعا من الحياة، لذا وجب تحديده بدقة وعناية. فالكاتب عليه أن يحدد زمن قصته التي تجري فيه أحداثها، كما أن عليه أن يحرص على وضوح الحقب الزمنية بين كل حدث وآخر؛ لأن كل حدث في القصة لا يكون له زمنه الخاص فقط، وإنما يكون له زمن علاقاته بالأحداث الأخرى أيضا.

إن خضوع الزمن في القصة القصيرة لآليات القاص المختلفة، كالاسترجاع والاستباق والتلخيص والحذف وغيرها من الآليات التي تتصل باللعبة الزمنية التي تحيل الفضاء إلى متعة وإغواء للمتلقي؛ تدفعه إلى التواصل والمتابعة، كما أن كل ذلك من شأنه أن يحقق كثيرا من جماليات السرد في القصة القصيرة.

تقوم لغة القص في قصة “الذاكرة ممتلئة تقريبا”، بشكل أساسي على حركية الزمن وإحساس المتلقي به، فالسارد يعتمد على سرد الأحداث التي تنحو منحى زمنيا مرتبا في ذاكرته الخاصة، من خلال ذاكرة هاتفه التي ما عاد بإمكانها استقبال أية معلومات جديدة لأنها امتلأت، على الرغم من رغبة السارد في استقبال تلك المعلومات الجديدة، وهو بذلك كأنه يحاول أن يلقي عبء ما تختزنه ذاكرته ويتخلص من سطوة الماضي وإلحاحه على حاضره، حتى يستطيع أن ينعم بذاكرة جديدة. يخبرنا في القصة وضمن إطار ذاكرة الزمن في هاتفه، أنه أعد العدة ذات مرة لقتل رجل، ليس لأي شيء سوى لأنه، كما يقول:

“صادفته عابرا مرة واحدة في حياتي، ولسبب لا يتعدى أنه ما انفك يراودني بعدها في أحلام اليقظة والنوم ويوشوش في أذني: إن كنت حقا تكرهني فاقتلني”(7)، ثم يكمل السارد: ” … اتجهت بدافع الفضول إلى مدخل مبناه ذي الدرجات العديدة، كي أتفاجأ حينما رأيته يصعد الدرجات وحيدا، وأنا ظننته في الداخل طوال الوقت مع أقرانه، ولم يكن يبدو مختلفا عن مثيل الذاكرة. حييته، دون قصد، من أعلى السلم، بعفوية، قبل أن يلمحني: عمت مساء مستر. وما كاد يرفع بصره نحوي حتى تعثرت قدماه، وتدحرج ككرة ثلج نحو القاع، ولطخ الدنيا البيضاء بما تدفق من دمائه”(8).

فيما تقوم قصة “سنوات البياض” على فكرة تقطيع الزمن داخل القصة إلى مراحل محددة، ويعتمد الكاتب في ذلك على نظام العنونة الفرعية للزمن. فالمريض الذي تسرد القصة حكايته مع مرض سرطان الدم، يبقى أربع سنوات يتلقى علاجه داخل الدولة وخارجها. وتمثل الأربع سنوات هذه للسرد في القصة لحظات زمنية مشبعة بالأحداث، يتصل بعضها مع بعض لتشكل امتدادا خاصا لمجموعة الأحداث المختلطة بالذكريات وبالمشاعر المتناقضة ما بين الخوف من الموت، والأمل في الشفاء:

“السنة الثالثة من البياض: عاد بعد أربعة أشهر، يحمل شوقا لحماماته، ظن أنَّ رحلته مع البياض انتهت. عاد شعره ينمو، الكل يبتسم، إلا هي. لم تغفل ولم تتأخر دقيقة عن أدويته، لا ليلا ولا نهارا. يقضي أياما طويلة في المستشفى، يعود إلى البيت، تقضه الحمَّى من جديد. الجو ملبَّد وكل شيء يُفقده المناعة ويعود إلى البياض. الزيارة ممنوعة إلا بالاحتياط التام. الجميع يتبادل الإقامة معه. والكل مهمومٌ وحزين، وهو يبتسم وينتظر الخروج ليتفقد حماماته”(9).

وتعتبر اللحظة الزمنية في قصة “الشارع الطويل” محركا أساسيا تقوم عليه لغة القصة. فالسرد في القصة يبدأ من تلك اللحظة الزمنية التي يصنعها انتظار الراوي في أحد الشوارع تحت المطر للفتاة التي كان قد ارتبط بموعد سابق معها، وقد استعد لتلك اللحظة الزمنية التي تجمعه بها، غير أنها لم تأت، فظلت وحدته وغربته القاتلة تسكن في داخله:

“وقفت في مكاني، وأطرقت رأسي تماما إلى الأرض، وأغمضت عينّي. مطر وقوع أحذية الأرضية يتقارب ويبعد، وسيّارات. أريد الآن أن أعرف ماذا يحدث. لماذا لم تأت؟ لقد انتظرتها، ولم تأت. قلّصت المظلّة، وأزحت الحقيبة عنّي، ورميت الاثنتين في طرف الشارع. جريت في الشارع الطويل أبحث عنها”(10).

في قصة “يوم لرجل مهزوم” تنفلت لغة السرد من قيود البناء التقليدي لزمن القص، فهي تبني الحدث الرئيسي في القصة بناء أشبه بـ “اليوميات”، وهي لا تقوم فقط على وضع الشخصية في صورة حياة يومية رتيبة من خلال الموقف من الزمن في أيام متتابعة، ولكن من خلال ساعات يومه. إن بطل القصة يعاني هزيمة داخلية، ويعترف بأن ماضي الأحلام الكبيرة والرغبة بالحرية قد تغير لديه، وحل مكانه شعور بالإحباط بسبب وقوعه في سجن الوظيفة الكئيبة التي تحتم عليه الالتزام بروتين معين لا يريده. إن الدخول إلى عالم الوظيفة ومتعلقاتها يعد في نظره كابوسا يوميا، لذا فإن خوفه من لحظة الذهاب للعمل يظل هو الهاجس الذي يؤرق يومه باستمرار:

“الواحدة صباحا: رئة تتنفس الهزيمة، ورأس ثقيل موبوء بالأسئلة الحيرى، يستلقيان على سرير ككل الأسرة الرخيصة في غرفة ككل الغرف الكئيبة، في ليلة ككل الليالي البائسة.. يستجديان النوم.. لا بد أن يناما. فبعد خمس ساعات فقط سيتحتم عليهما أن يبدآ يوما جديدا لرجل مهزوم”(11).

نستنتج من ذلك أن القصة العمانية القصيرة قد توسلت بعدد من آليات التعبير والمكونات لتقديم تجربتها الزمنية، وقد بدا الزمن فيها يأخذ أشكالا جديدة تتحقق معه جمالية القص، فهو يتماهى أحيانا إلى الحد الذي يضيع معه التوالي والتحديد، ويظهر أحيانا ليعبر عن مفاصل وأحداث في البناء، ويقدم البنية القصصية على نحو واضح، وهو يحفل بتقنيات تجريبية كتقنية التقطيع وغيرها.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

المبحث الثاني (بنية المكان في القصة العمانية القصيرة)

المكان في العمل السردي له طبيعة خاصة، فهو يخضع لخيال السارد الذي ينقله إلى آفاق رحبة حتى يكسبه شكلا جديدا. وعلى الرغم من أنه يمتاز بالوضوح الناتج عن الإدراك الحسّي لكنه في العمل السردي يُحاط بالغموض في أحيان كثيرة يحتاج معها إلى تحليل وتفسير يفصحان عن جمالياته، لأنه يحدد الصلة بين الشخصيات وصراعها المأساوي المستمر، ولا يتحدد ذلك من الدلالة السيميائية للمكان وإنما من القيمة الجمالية له أيضاً(12). وهذا يعتمد على مهارة السارد في اختيار أمكنته وتوظيفها توظيفا جيدا يسهم في فهم سائر عناصر العمل، كما تتضح مهارته في طريقة توظيفه لكل العناصر مجتمعة حتى يتمكن من إثارة اهتمام المتلقي لعالمه. وإذا نجح السارد في توظيف أمكنته وأضفى عليها الأحاسيس والمشاعر المختلفة مما يجعلها تحمل دلالات وإيحاءات خاصة، يكون قد حققّ لها جمالية تتسم بالسمو وتغدو قراءتها ممتعة، فالمكان يكتسب بُعدا جماليا في العمل القصصي “لما يمنحه من إمكانية الغوص في البنية الخفيّة والمتخفية في أحشاء النص، وأجوائه، ورصد تفاعلاته وتناقضاته(13).

وبما أن العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة تأثير متبادل، فإن المكان يستمد خصوصيته وملامحه من الإنسان ساكنه، ويمده هذا الأخير من صفاته وملامحه، “فالإنسان من خلال حركته في المكان، يقوم برسم جماليات هذا المكان، والمكان بدون الإنسان عبارة عن قطعة من الجماد، لا حياة ولا روح فيها. كذلك فإن الإنسان بمشاعره وعواطفه ومزاجه، يأخذ من الطبيعة وطقوسها وفصولها ما يساعد مشاعره وعواطفه ومزاجه على رسم المكان”(14).

والأمر نفسه يمكن ذكره في علاقة المكان بالزمان وتبادل التأثير بينهما، حيث يستحيل وجود مكان أرضي أو غير أرضي لا يتضمن كمية من الزمن وجدت بوجوده واستمرت باستمراره. والزمان هو الذي يعطى المكان ملامحه وأشكاله التي تختلف من عصر إلى عصر ومن حضارة إلى أخرى؛ وإجمالا يمكن القول إن المكان لا تتجلى أبرز صفاته الجمالية إلا من خلال الزمان والإنسان(15).

أما بشأن علاقة اللغة بالمكان فبإمكاننا أن نصف المكان بأنه مكون سردي ينجز باللغة، وفي فضائها، فلا وجود له دونها، فالإنسان في حياته اليومية، وعلاقته بالمكان، لا يتوقف عن إبداع صيغ لغوية محملة بالتجربة الحياتية بأبعادها المختلفة، وكذلك كتاب القصة الذين تهيمن الوظيفة الجمالية على الوظائف الأخرى في صيغهم المتنوعة(16)، فهم يستخدمون اللغة بطريقة تختلف عن استخداماتها اليومية، لأنها في العمل القصصي تقوم بوظيفة جمالية، وتفصح عن دلالات خاصة إلى جانب دلالاتها العامة(17).

إن المكان داخل القصة القصيرة والفن السردي عموما لا يبدو معزولا عن عناصر السرد الأخرى؛ لأنه داخل في تشكيل بناء فني تتآزر عناصر مختلفة في إحكامه وتأكيد فنيته؛ ومن هذه العناصر الشخصيات، والأحداث، والزمن والرؤى السردية(18). ومن خلال هذه العلاقات يتبادل المكان علاقتي التأثير والتأثر مع غيره من العناصر، فإذا كان المكان يتخذ دلالته التاريخية والسياسية والاجتماعية من خلال الأفعال وتشابك العلاقات؛ فإنه يتخذ قيمته الحقيقية من خلال علاقته بالشخصية عامة ثم يعود المكان لكي يؤثر على ملامح هذه الشخصيات وصفاتها ولغتها وعلاقاتها وأسمائها وقيمها(19).

وفي القصة العمانية القصيرة تتعدد صور المكان، بحيث يمتد المحور المكاني في القصة العُمانية من القرية إلى المدينة حتى يصل إلى الساحل أو البحر الذي يكاد يكون قاسما مشتركا يربط بين غالبية القصص(20)، وقد “شغل القاص العُماني برصد المكان باعتباره وعاء فكريا يلعب دورا فاعلا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمنتمين إليه، وعني برصد تجلياته في فضاء السرد، وموقف شخوصه منه رفضا أو قبولا، تمردا وخضوعا، وهي عناية تجلت منذ الولادة الأولى لديه، وبدت عبر صور متعددة وأطوار فنية متعاقبة”(21).

ويعد “البحر” مكانا مشتركا في كثير من القصص العمانية القصيرة، فهو يمثل المكان “المحور” الذي تتناسل منه جميع الأماكن الفرعية الأخرى في مجموعة “أساطير عشق”، فالمدينة تقع على البحر، والبيت هو الآخر قريب من البحر، والنافذة تطل عليه، والطريق البحري يمتد بمحاذاته، والسفينة تسبح في عرض البحر، والفتاة التي تنثر حكاياتها الأقرب إلى السيرة الذاتية، تنثرها وهي تناجي البحر من على ذلك الشاطئ. إن فضاء البحر في المجموعة يتمظهر على أكثر من مستوى، فالبنية السردية في المجموعة لا تتكون من خلال الصور أو الإيقاع أو الانزياح  أو المفارقة فحسب، بل تتبلور أيضا انطلاقا من البعد المَشْهَدي لهذا المكان. حيث يصبح البحر مكانا غالبا في سائر القصص، ومسرحا لأحداث تحكيها الكاتبة بأسلوب فني ينثر جماليته في كل مكان.

إن الكاتبة لا تكتب عن البحر بوصفه رقعة مكانية ضيقة لها حدود معينة؛ بل تجعل منه فضاء واسعا ترسو فيه العلامات والرموز التي تؤرخ للتجربة الإنسانية في منظورها، وهي تمد المتلقي ببعض المفاتيح التأويلية التي تمكنه من الكشف عن الأفق الذي تنتمي إليه حساسيتها. فهي لا تكتب من فراغ بل من ذاكرتها القرائية التي تقوم بتوظيفها جماليا في قصصها.

في قصة “بكائية بحر وسفينة”، البحر، كذلك، هو أول ما تبدأ به القصة، وهو أيضا آخر ما تنتهي به. وبين تلك البداية وتلك النهاية ترسم الكاتبة علاقتها الحميمة مع البحر، باعتباره صديقا يشاطر الذات بداياتها ونهاياتها. ففي استهلال القصة تحاول الساردة أن تؤثث لسردها من خلال وضع المتلقي في جو السرد المشحون بالذكريات الحزينة، والمكان الذي تنطلق منه بداية تلك الذكريات المسكونة بالغياب:

“أجواء باكية تسكن ذلك المكان، ألحان عشق حزينة تعزفها سفينة وبحر”(22).

ولكي يكتمل المشهد فإنها تختار من المفردات والتراكيب ما يتناسب ولغة الحوار مع البحر، كأن تأتي بتراكيب من مثل:

“يغوص ببطء، أمواج بحر، صخور أفكاري، الإبحار الدائم، بحر الحب، تلاطم أمواجه، عاصفة هائجة، شواطئ الحرمان”(23).

مثل ذلك نجده أيضا في قصة “البحر والفقد”، فالبحر الذي يتكرر في القصة بطريقة أقرب إلى المبالغة، هو مسرح لأحداث الحكاية فيها، ومنه تنبثق جميع الصور والمشاهد التي تكونها الذات عن نفسها وعن العالم من حولها بما فيهم الشخصيات المحيطة بها:

“اتجهت ومعك اثنان من إخوتك اللذان يكبرانك سنا إلى البحر، وقبلها احتسى كل منكم كوبا من الشاي. ولجتم إلى البحر، وكان كعادته (خليج عُمان) هادئا في معظم الأيام. تحرك القارب في الساعة الخامسة والنصف، وشق طريقه في البحر، وروحك أيها العاشق للبحر تتنفس البحر حياة ونورا. ابتعدتم كثيرا عن شاطئ البحر، وألقيتم بالصنارات في البحر، وتبادلتم أحاديث البحر وأهازيجه راجين أن تزداد أرواحكم نورا؛ فيزداد القرب من رب هذا الكون، فيهبكم رزقا واسعا من لدنه”(24).

في قصة “صحراء الجبل”، بقدر ما يحكي لنا السارد حكاية الرجل الغريب –كما يطلق عليه أهل القرية- فإنه يحكي عن الصحراء ومكوناتها كذلك. فهو كما يبحث عن المخفي في شخصية الغريب فإنه يبحث أيضا عن المخفي في الصحراء، فهو يماهي بينهما لدرجة أن يصبحا شيئا واحدا، كما تصبح كل مكونات الصحراء تشبهه:

“هذا الجمل يشبهك في أكل الصحراء، رغاؤه يحث فيك الرحيل، يدك تمسد شعره، تسترحمه بعد أن بكته الصحراء”(25).

شعرية التفاصيل ركيزة أخرى في فلسفة بناء المكان القصصي، ويظهر ذلك في قصة “فراغ”، حيث يولع السارد بوصف التفاصيل المكانية. فهو يصف جميع الأشياء التي يتكون منها الشارع، وهو في ذلك ينحو منحىً تفكيكيا في إفساح المجال للتفاصيل بأن تعلن عن وجودها في خريطة المكان. إذ إن الاهتمام بالأشياء والتفاصيل الثانوية من شأنه تقديم مكان مكثف، فيكتسب كل شيء كينونته في إطار الكل المكاني:

“أمشي أجوب الشوارع والأرصفة. أذرع الأحياء. لوحات كثيرة مررت بها ضاحكا. مسرح المدينة، سينما النجوم، الملتقى الأدبي، مسرح الشباب، النادي الثقافي، مسميات يفترض أن تفتك بالفراغ الذي أنظر إليه يرتعد”(26).

كذلك نجد أن قصة “أين أنت؟؟” تبنى على علاقة وطيدة تنشأ بين السارد والمقهى، وطاقة تشويقية يبثها السارد من خلال هذه العلاقة. فالمقهى هو المكان المفضل عند السارد، وهو المكان نفسه الذي تنطلق منه أحداث القصة وتعود إليه:

“أين أنت؟ ستجدني في تمام الساعة العاشرة مساء في المقهى، لا أزال في المشي متجها للمقهى، نفس المقهى الذي تعرفت فيه على ليلى، هناك سأجلس مع رفقاء السوء، وسأشعل أكبر كمية من التبغ، سأنهي علبة المارلبورو البيضاء، ستنتهي العلبة التي اشتريتها قبل أن أصل إلى المقهى، وسأشتري غيرها وأنهيها في الحال”(27).

من ذلك، نجد أن الكاتب العماني قد استطاع أن يستثمر المكان في بناء نصوصه القصصية القصيرة، بما يخدمها ويضفي عليها جمالية أثّرت في إعلاء لغة القص وجمالياته.

خاتمة

          درس البحث موضوع جماليات بناء الزمان والمكان في نماذج مختارة من القصة العمانية القصيرة، وتوزع البحث على مقدمة، ومبحثين رئيسين، ناقش المبحث الأول جماليات بناء الزمان في القصة العمانية القصيرة، فيما تتبع المبحث الثاني جماليات بناء المكان في نماذج من القصة العمانية القصيرة، وخرج البحث بالنتائج الآتية:

(1) ترجع أهمية دراسة بنية الزمن في النصوص القصصية القصيرة لما تحققه هذه البنية من متعة وإغواء لدى القارئ، تدفعه إلى متابعة القراءة، وتمكنه من الإحساس بجمالية النص القصصي.

(2) يخضع الزمن في القصة العمانية القصيرة لأشكال وتقنيات مختلفة وظفها الكاتب العماني، ومنها الاسترجاع والاستباق والتلخيص والحذف.

(3) تتحقق الوظيفة الجمالية للمكان في النصوص القصصية القصيرة من خلال إضفاء الكاتب على أمكنته الإحساس والمشاعر المختلفة التي تجعلها قادرة على حمل الدلالات والإيحاءات الخاصة.

(4) توجد علاقة تبادل وتأثير بين عنصري الزمان والمكان في البنية السردية القصصية، بحيث تتجلى أبرز الصفات الجمالية لكل منهما بوجود الآخر.

(5) تقوم اللغة التي يوظفها الكاتب في بناء النص القصصي بوظيفة جمالية، فهي تفصح عن دلالات خاصة في النص إلى جانب دلالاتها العامة.

(6) تتعدد صور الأمكنة في القصة العمانية القصيرة، وقد اشتغل الكاتب العماني على هذه التعددية باعتبارها وعاء فكريا وجماليا يؤدي دورا فاعلا في فضاء السرد.

(7) يمثّل البحر في القصة العمانية القصيرة مكانا مشتركا ربط بين كثير من القصص التي أبدعها الكاتب العماني.

مراجع البحث، ومصادره

– إبراهيم السعافين، الأقنعة والمرايا: دراسة في فن إبراهيم جبرا الروائي، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمّان- الأردن، 1996.

– إبراهيم خليل، شعرية القصة القصيرة وحوار الأجناس، وزارة الثقافة، عمّان- الأردن، 2010.

– أزهار أحمد، الممثل، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت- لبنان، 2007.

– أحمد زنيبر، المكان في العمل الفني: قراءة في المصطلح، مجلة عمّان، عمّان- الأردن، عدد129، آذار 2006.

– أيمن ميدان، تجليات المكان والزمان في القصة العمانية، ندوة المنتدى الأدبي: قراءات في القصة العمانية المعاصرة (16-17 سبتمبر 2001)، وزارة التراث والثقافة، مسقط- عُمان، 2002.

– حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي: الفضاء- الزمن- الشخصية، المركز الثقافي العربي، بيروت- لبنان، 1990.

– حمود الشكيلي، سرير يمتطي سحابة، وزارة التراث والثقافة، مسقط- عُمان، 2006.

– رولان بورنوف؛ وريال أوتيلية، عالم الرواية، ترجمة: نهاد التكرلي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد- العراق، 1991.

– سعاد العريمي، أساطير عشق، وزارة التراث والثقافة، مسقط- عُمان، 2007.

– سليمان المعمري، ربما لأنه رجل مهزوم، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت- لبنان، 2000.

– سيزا قاسم، بناء الرواية: دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، 1985.

– شاكر النابلسي، جماليات المكان في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت- لبنان، 1994.

– شبّر بن شرف الموسوي، القصة القصيرة في عمان من عام 1970 وحتى عام 2000: دراسة فنية موضوعية، وزارة التراث والثقافة، مسقط- عُمان، 2006.

– عالية أنور الصفدي، شعرية الأمكنة في روايات يحيى يخلف، المعتز للنشر والتوزيع، عمّان- الأردن، 2008.

– عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت- الكويت، عدد240، ديسمبر 1998.

– عبدالله بني عرابة، قلق آخر، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت- لبنان، 2006.

– مازن حبيب، الذاكرة ممتلئة تقريبا، وزارة التراث والثقافة، مسقط-عُمان، 2006.

– محمد الباردي، الرواية العربية والحداثة، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية- سوريا، 1993.

– محمد السيد إسماعيل، بناء فضاء المكان في القصة العربية القصيرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة- مصر، 2009.

– محمد سويرتي، النقد البنيوي والنص الروائي: نماذج تحليلية من النقد العربي: الزمن- الفضاء- السرد، إفريقيا الشرق للنشر والتوزيع، الدار البيضاء- المغرب، 1991.

– ميشال بوتور، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة: فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت- لبنان، ط3، 1982.

 

الهوامش

(1) حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي: الفضاء- الزمن- الشخصية، المركز الثقافي العربي، بيروت- لبنان، 1990، ص113.

(2) محمد سويرتي، النقد البنيوي والنص الروائي: نماذج تحليلية من النقد العربي: الزمن- الفضاء- السرد، إفريقيا الشرق للنشر والتوزيع، الدار البيضاء- المغرب، 1991، ص14.

(3) نفسه، ص15.

(4) انظر: رولان بورنوف؛ وريال أوتيلية، عالم الرواية، ترجمة: نهاد التكرلي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد- العراق، 1991، ص118.

(5) انظر: ميشال بوتور، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة: فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت- لبنان، ط3، 1982، ص40.

(6) سيزا قاسم، بناء الرواية: دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، 1985، ص34.

(7) مازن حبيب، الذاكرة ممتلئة تقريبا، وزارة التراث والثقافة، مسقط-عُمان، 2006، ص17.

(8) نفسه، ص31.

(9) أزهار أحمد، الممثل، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت- لبنان، 2007، ص14.

(10) مازن حبيب، الذاكرة ممتلئة تقريبا، مرجع سابق، ص24.

(11) سليمان المعمري، ربما لأنه رجل مهزوم، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت- لبنان، 2000، ص25.

(12) انظر: إبراهيم السعافين، الأقنعة والمرايا: دراسة في فن إبراهيم جبرا الروائي، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمّان- الأردن، 1996، ص47.

(13) أحمد زنيبر، المكان في العمل الفني: قراءة في المصطلح، مجلة عمّان، عمّان- الأردن، عدد129، آذار 2006، ص13.

(14) شاكر النابلسي، جماليات المكان في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت- لبنان، 1994، ص96.

(15) انظر: محمد السيد إسماعيل، بناء فضاء المكان في القصة العربية القصيرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة- مصر، 2009، ص18-19.

(16) انظر: عالية أنور الصفدي، شعرية الأمكنة في روايات يحيى يخلف، المعتز للنشر والتوزيع، عمّان- الأردن، 2008، ص157.

(17) عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت- الكويت، عدد240، ديسمبر 1998، 299.

(18) انظر: حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، مرجع سابق، ص26.

وانظر: إبراهيم خليل، شعرية القصة القصيرة وحوار الأجناس، وزارة الثقافة، عمّان- الأردن، 2010، ص10.

(19) محمد الباردي، الرواية العربية والحداثة، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية- سوريا، 1993، ص232.

(20) انظر: شبّر بن شرف الموسوي، القصة القصيرة في عمان من عام 1970 وحتى عام 2000: دراسة فنية موضوعية، وزارة التراث والثقافة، مسقط- عُمان، 2006، ص288 وما بعدها.

(21) أيمن ميدان، تجليات المكان والزمان في القصة العمانية، ندوة المنتدى الأدبي: قراءات في القصة العمانية المعاصرة (16-17 سبتمبر 2001)، وزارة التراث والثقافة، مسقط- عُمان، 2002.

(22) سعاد العريمي، أساطير عشق، وزارة التراث والثقافة، مسقط- عُمان، 2007، ص35.

(23) انظر: نفسه.

(24) نفسه، ص30.

(25) حمود الشكيلي، سرير يمتطي سحابة، وزارة التراث والثقافة، مسقط- عُمان، 2006، ص18.

(26) عبدالله بني عرابة، قلق آخر، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت- لبنان، 2006، ص94.

(27) حمود الشكيلي، سرير يمتطي سحابة، مرجع سابق، ص57.

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)