دراسة لسانیة دستوریة لمدلول دال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” بناء علی منظور فردينان دو سوسير

أحمد فریسات و د. محمود میرخلیل

جامعة المصطفی العالمیة و جامعة طهران مجمع الفارابي، إيران

الملخص

تسبر الدراسات اللّسانیة “Linguistics” اللّغة في الفضاءات الصوتیّة “Phonetics” والصرفيّةالاشتقاقيّة “Morphology” والنحويّة التركيبيّة “Syntax” والدلاليّـة “Semantics” کما تدرس علاقة اللغة بالمجتمع الإنسانيّ أي المنظور السوسیولوجي وتبيّن أثر المجتمع وحضاراته وتاريخه وأنظمته وتركيبه وبيئته في الظواهر اللغوية وعلاقتها بالنفس البشریة أي المنظور السیکولوجي مفسّرة الإشارات الذات علاقة بین اللغة والظواهر النفسیة بمختلف أنواعها من تفكير وخيال وسلوک أو جرم. کما أن الغایة من علم الحقوق وجمیع الدساتیر هي ضمان الراحة العامة والنظام وتحقيق العدالة. لهذا نجد الدراسات البینیّة تدمج بین هذین العلمین بنیّة تفجیر المدلول الحقیقي للدوال، کي لاتفسّر حسب الأهواء، لأن زَلة العالِم في هذا المجال تعد زَلة العالَم؛ فمن هذا الجانب التدقیق والتعریف والتدلیل والتوظیف لألفاظ علم الحقوق ترتّب علی عاتق واضعیها مسوؤلیة أنسانیة لاتجبر. قامت ورقتنا بتوظیف المنهج اللساني بناء علی نظریة فرديناند دیسوسور “Ferdinand de Saussure” بدراسة لسانیة/دستوریة لمدلول دال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” مع سائر الدوال القریبة المدلول منه مثل جریمة الشرف، قتل غسل العار، قتل الناموسي، قتل دفاعا عن الشرف وإلخ، وبینت اختلافها وسعة نطاقها الدلالي المتشعّب المعنی وأثر السیکولوجیا والسوسیولوجیا والموروث والبیئة والتاریخ علی توظیف هذه الدوال مع الترتیبات الدستوریة في استخدامها. ونصت حفنة من نتائج البحث علی أن؛ هذا الدال عادة یوظف متأثرا بالمجتمع، خاصة المجتمعات التي تتجذر من جذور قبیلیة فیها تطغی المنوفونية “Monophony” ساعیة لکبت الأنثی کما أن مدلولاتها وفضاءات توظیفها ونطاق وسعتها الدلالي في الرقعة الجغرافیة یختلف من جنس وعرق وشعب وملة عن الأخر واختلفت دساتیر الدول تجاها، بناء لتاریخها وثقافتها وتعریفها للعلاقة.

الكلمات المفتاحيّة: الدال، المدلول، الدستور.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

  1. مقدمة
    • اللغة والقانون

  یذكر فيلسُوف أَلماني مارتن هايدغر”Martin Heidegger” (1889 – 1976) في رسالة عن المذهب الإنساني أن “اللغة مسكن الوجود، في حماها يسكُن الانسان. المفكرون والشعراء هم الذين يصونون هذا الحمى. وسهرهم عليه، اكتمال لانكشاف الوجود، ذلك أنه بقولهم، ينقلون هذا الانكشاف إلى اللغة ويَصونونه داخلها… الفكر، وهو يستجيبُ لصوت الوجود، يَنْحتُ لهذا الأخير الكلام الذي انطلاقا منه تأتي حقيقته إلى اللغة.»(طواع،2010 : 74). یرشدنا كلام هايدغر – ولو أنه من أساطین الفلسفة – إلی القیمة الوجودیة للغة عند المفكرین غیر اللسانیین ومن جهة أخری منظوره الدلالي یشیّد علی أن اللغة «باعتبارها تجسيد الفكر الإنساني، وبين وعي المفكر، أي من يستخدم اللغة استخدام من يعي بوجوده من خلال اللغة»(عناني، 2017 :113). لهذا؛ تلعب اللغة دور وجودي فلسفي واجتماعي تكویني. حیث نجدها دخلت في جمیع حیثیات الإنسان وكوّنت وجوده وكینونته ومن هذا المنظار نجدها تسلّلت في جمیع المجالات خاصة في القرن الأخیر، نجدها بین الدرسات البینیّة باشتباكها وتعانقها مع ساحات للعوم التجریبیة والأنسانیة ومن بینها حقل الدراسات القانونیة. فالدوال التي تبنی علیها الجمل والمدلول الذي تطلبه المادة الدستوریة بالنهایة تسعی إلی حل مشكلة إجرامیة أو إنشاء حكم أو إعادة سلطة قضائیة تخدم مصلحة المجتمع بصورة عامة والفرد بصورة خاصة؛ ومن هنا تكمن أهمیة استكشاف مدلولات الدوال القانونیة والوظیفة القانونیة والتعلیمیة والتوجیهیة للمرسل والمتلقي وتقارب علمي بین السانیات والقانون.

 1-2. ضرورة البحث وأهميته البحث

     تکمن الضرورة علی أنه لابد أن یتفجر الدال في الدراسات القانونیة وتعرف قیمته ومنظوره التوسع الدلالي خاصة  دال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” وفق المنظور السوسوري في اللغويات ومعرفة الدوال التي قریبة له أو توظف مکانه وأیضا ضوروته تساعد الدارسین خاصة القانونیین علی فهم وزن وقیمة الدوال حتی تکون أحکامهم  الدستوریة ذات نسق شامل ومانع.

1-3. أسئلة البحث

تقوم هذه الورقة بالرد علی الأسئلة التالیة:

  1. كیف تغیّرت دال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” من منظور دي سوسير اللساني وعلم الحقوق؟
  2. لماذا تغیّرت دوال دال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” في المجتمعات ولغتها؟

1-4. فرضیات البحث

  1. تغیّرت دوال القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة بناء علی النظرة ونوعیة المجتمع والتحدیدات التي یفرضها المجتمع كبناء عام علی الفرد وبما أن المدلولات تأخذ قسم من معانیها من المجتمع فتلّون الدال مع مدلولاتها وسمّي بجریمة الشرف، قتل غسل العار، قتل الناموسي، قتل دفاعا عن الشرف وإلخ لأسباب یفرضها المجتمع والغایة التي من أجلها توظف.
  2. تغیّرت الدوال بسبب الحالة الجماعیة التي تفرضها المجتمعات علی شخوصها وشناعة العمل وتفسیره من قِبل الثقافة الاجتماعیة التي یتعایشها الناس في المجتمعات وتنوعهم في أعراقهم ومللهم ونُظُمهم الاجتماعیة والتاریخیة والثقافیة التي تفرز جینات تكون بها العقلیة.

 1-5. خلفیة البحث

      هناك شحّ في الإنتاج العربيّ في تخصُّص علم الجنائيّات اللغويّة المُهمّ بفروعه ومجالاته المختلفة، خصوصا في المجال الأكاديمي اللغوي واللساني لكن قضیة “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” درست من زوایا فقهیة واجتماعیة واقتصادیة وقانونیة وسائر مجالات البحث لكن من منظور لساني دستوري لن نحصل علی بحث، لهذا أكدت خلفیتنا علی بعض وأهم المصادر التي تضرب صُلب هذا الموضوع (اللسانیات وعلم اللغة) ومنها:

  1. “اللسانیات الجنائیة وحقوق الإنسان” لبندر سبیل بن سند الشمري نشر في مجلة كلية البنات الأزهرية بالعاشر من رمضان العدد 7 سنة 2022 حیث ‎وقفت على ما يمكن أن يقدمه المتخصصون في اللسانیات الجنائیة من عون في الدوائر القضائية لبعض الفئات الاجتماعية التي تعاني تحيزا لغویا أو تمییزا عنصريا أو ضعفا في لغة دولة التقاضي كحق من حقوقهم الإنسانية.
  2. “اللسانيات القضائية – دراسة في ضوء نظرية أفعال الكلام (دار القضاء في البصرة انموذجاً)” لحسين مزهر حمادي جامعة البصرة مجلة علوم التربویة والإنسانیة العدد 10 عام درس في شرین أولا تعریف اللسانیات القضائیة مع النشأة ودرس في الشطر الثاني مسار الاجراء التطبيقي لنظرية افعال الكلام على لغة الخطاب القضائي بیّن مدى الفاعلية الانجازية والقوة التأثيرية التي يتوافر عليها الخطاب القضائي – وبالذات لغة القاضي – فضلاً عن الكشف عن بنية الفعل الكلامي اللفظية التي سادت لغة التقاضي والدعاوى.
  3. “الحقوق اللغوية – بحث في مسببات وتأثير اللغة مسألة فعل عام” لزردام يوسف ٢٠١٨، المجلة الجزائرية للعلوم الاجتماعية والإنسانية المجلد 6 العدد2. وهي قراءة في أثر امتدادات مفهوم اللغة على جهود حمايتها وترقيتها؛ باعتبارها وسيلة تواصل وتمظهرا خارجيا للثقافة يجعل لها أهمية في نقاشات الهوية والمواطنة القائمة على فكرة “المساواة” في ممارسة الحقوق الثقافية. وبالرغم من اختلاف مكانة “اللغة” في الجهود الحقوقية بين اتفاقيات خاصة باللغة واتفاقيات عامة متعلقة بالثقافة.
  4. “اللسانيات الجنائية: تعريفها، ومجالاتها، وتطبيقاتها ٢٠٢٠ ” لصالح العصيمي ، مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية حیث ذكر في كتابه علی أن العمّال الأجانب یعانون من مشاكل في فهم اللغة وتعاملاتها وهذا له أثر سلبي في حصولهم علی حقوقهم في الدوائر القضائیة لأن اللغة تخونهم.
  5. “لغويات الطب الشرعي: دورها وأهميتها وتطورها” لـزهراء علي دخيل من نشر في مجلة التلمیذ سنة 2024، درست الكاتبة إلى إبراز دور اللغة في مجال اللِّسانيَّات الجنائيّة وتطبيقاتها العملية، والتطرق إلى القضايا الأساسيّة في كيفيّة استثمار اللسانيّات الحديثة وكيفيّة الاستفادة من علم اللغة الجنائيّ في المجالين: القضائيّ، والقانوني وفي مجال كشف الجريمة وملاحقة المجرمين.
  6. “علم اللغة القضائي: مقدّمة في اللغة والجريمة والقانون، لجون أولسون ” John Olsson” 2004. ترجمة ترجمة ناصر الحقباني 2008م، المنشور في جامعة الملك سعود في الرياض، یعد أوّل ما ترجم حول اللسانيات الجنائية، وهو كتاب كامل حول هذا الميدان المهمّ ألمّ بأطراف العلم قبل سبعة عشر سنة.
  7. “علم اللغة الجنائيّ نشأته وتطوّره” لعبد المجيد عمر 2009م. درس علم اللغة الجنائي وفروعه وتطبيقاته في مجالات الإثبات الجنائي، وتحديد هُويَّة المجرمين. مؤكدا أنّ العلماء المسلمين المُتخصِّصين بالحديث النّبوي الشّريف كانوا أوّل من استخدم هذا العلم وأساليبه في إثبات صحة الأحاديث للرّسول(ص).

هناك بحوث شتی لایسمح المجال لنا من ذكرها ونكتفي بهذه الشذارت التي تؤكد علی الانسجام والتأقلم الثابت بین هذین المجالین العلمین وكیفیة توضیفهما یخدم العلم والإنسان وإصلاح عقلیة المجتمع نحو الأفضل وتثبیتا لقضیتا وورقتنا علی أن هذا المجال لن یطرق بابه من قبل الباحثین وهذا البحث یعد الأول في هذا المجال.

1-6. فردیناند دي سوسير – “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة”

      فردينان دي سوسير(1) قدم تصورا للغة باعتبارها نظاما من العلامات، حيث يتكون كل رمز لغوي من دال “signifier” ومدلول   “signified”  والدال هو الصورة اللفظيّة أو الشكل الصوتي أو الكتابي للكلمة.  فهو یعد البصمة الصوتیة ویتكون من من الأصوات أو الفونیمات أي الوحدات الصوتیة الدنیا ( صامت أو مصوّت) التي لا معنی لها حتی تلتحم مع الوحدات الصوتیة الأخری وتكتسب الكلمة دلالتها. والمدلول فهو المضمون والصورة العقلیة التي نجدها في ذهننا موضوعة لدال معین وممیز عن سائر وبتغییر أي وحدة صوتیة یتغیر المدلول والمعنی والمضمون یستبدل باستبدال الفونیمات أي “قلم” بتغییر الفونیمة الثانية “سینا” یكون “قسم”. لهذا تتغیر الصورة الراسخة في الذهن وتتحول إلی حقل دلالي أخر وبتركیب الدال والمدلول تتولد العلامة “symbol”. لكن العلاقة بین الدال والمدلول من منظار دي سوسیر هي علاقة اعتباطیة “Arbitraire” «إن العلاقة التي تربط الدلالة بالمدلول هي علاقة اعتباطية، أو بعبارة أخرى، لما كنا نقصد بالدلالة الكل الحاصل من اجتماع الدال واتحاده بالمدلول فإننا نستطيع أن نقول على وجه الاختصار: إن الدلالة اللسانية اعتباطية.»(دي سوسیر: 1987 :87). أي هذا التقارب بین الدال والمدلول لن یتولد إثر علاقة منطقیة والدليل على اعتباطيّة العلامات؛ نجد الدوال بین لغات العالم مختلفة حتی الأصوات أیضا مثل خریر الماء بالعربیة وشرشر بالفارسیة ویستحیل أن نجد لمدلول في جمیع اللغات دال واحد وثابت. تتولد الإشارة اللغوية من ضمّ دال ومدلول، لهذا یكون الدال الصورة المادیة والمدلول التصور والمعنی المجرد. وقد شبه فردیناند العلاقة بينهما بوجهي عملة واحدة؛ فكما أن من المحال تصور عملة بوجه واحد، فمن المستحیل تصور دال بدون مدلول؛ أو مدلول بلا دال وإذا انعدمت الصلة بین الدال والمدلول بقي مجرد أصوات أو تعاقب صوتي محض لن نقدر أن نطلق علیه أشارة. لهذا علاقة الأثنین علاقة اعتباطية “Arbitraire” متفق علیها عند الوضع أو التواطؤ “Convention” وهي لیست مثل الرمز الذي معناه محدد من قبل مجموعة؛ لأن الرموز محددة المعنی مثالا علی ذلك، السیف والمیزان رمز للعدالة بخلاف الكتاب والنظارة «فالدلالة اللسانية لا تجمع إسما إزاء مسمى، ولا تربط الشيء باللفظ، بل الدلالة وحدها تصور مع صورة سمعية. وليست الصورة السمعية صوتا ماديا، ونعني بذلك شيئا محض فيزيائي، بل إنها أثر سیكولوجي ناتج عن الصوت، أي التمثل الذي تُعطيه إيانا شهادة حواسنا؛ فالصورة السمعية إذن ناتجة عن أعضائنا وقدراتنا الحِسيّة. فإن حدث أن سميناها «مادية» فإنما قصدنا إلى ذلك المعنى الذي عرفناه بها، وفي مقابل حد آخر هو التداعي، وهذا هو التصور بعينه، الذي هو بوجه عام أكثر تجريداً. وتتجلى الخاصية السيكولوجية لصورنا السمعية تجليا واضحا عندما نلاحظ لغتنا الخاصة. فنحن نستطيع أن نتحدث مع أنفسنا وأن نخاطبها، بل نستظهر في عقلنا وخيالنا قطعة شعرية بدون أن نجرك بشفاهنا أو لساننا. والسر في ذلك أن ألفاظ لغتنا بالنسبة لنا هي عبارة عن صور سمعية من شأنها أن تعفينا من الكلام بالوحدات الصوتية (الفونيمات) المكونة لتلك الصور. والفونيم أو الوحدة الصوتية هي مصطلح يتضمن.»(دي سوسیر: 1987 :86). إذا جمیع الدوال هي اعتباطیة وتحدید معناها یؤخذ من التصور والصور الموجودة في البیئة وإذا اختلف مجتمعان في صورة دلالیة، تباعدت الدوال لهذا نجد في تفسیر وتعیین التوسع الدلالي “Semantic broadening” أو Extension of the” meaning” لبعض دوال علم القانون اختلاف إما جزئیة وإما كلیة لأن الموروث الفكري والوصفي لها یختلف بطبیعة المجتمع و من هذه الدوال هي “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” و”جریمة الشرف”، “قتل غسل العار”، “قتل الناموسي”، “قتل دفاعا عن الشرف” أو “honor killing” أو “honour killing ” أو “shame killing” وإلخ.

الشرف العلو والمكانة والمنزلة بین الأوساط وهي لغة «فالشرف: العلُّو والشريف: الرجل العالي، ورجلٌ شريف: من قوم أشراف، يقال: إِنه ويقـال للأنـوف: الأشراف، الواحد شرف. والمَشرف: المكان تشرِف عليه وتعلوه»( الرازي، مقاييس اللغة مادة (شرف) ج ٣ :263). فمن خلال هذه المكانة یبرز وجود الشخص ویتعامل مع الأخرین لهذا أي مساس به یسبّب جرائم؛ تعرف بجرائم الشرف أو یؤدي إلی القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة «التي ترتكب عندما يقدم الجاني تحت ذريعة الحفاظ على شرف العائلة و اتقاء العار عندما يفاجئ بـزوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة الزنى المشهود أو الفراش غير المشروع معد آخر»(السرطاوي، 2003 :137). وإن كانت لاتوجد في المصادر الفقهیة الإسلامیة لهذه الجرائم مسمی وتعریف لكن عرّفها بعض المفكرین المعاصرین علی أنها «عمل انتقامي بقصد القتل أو ما دونه، يقترف من قبـل أفـراد الأسرة على فرد، أو أكثر من الأسرة، أو من خارجها بذريعة الحفـاظ علـى سمعـة الأسرة، ومكانتها الموروثة»(أبو البصل، 2013: 10). ویعد القتل بدافع الشرف أو القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة ظاهرة اجتماعیة موجودة في المجتمعات القَبلیة خاصة في المجتمعات التي تغلب فیها سلطة المجتمع علی سلطة الفرد وفي هذا القتل لن تعطي الضحیة فرصة کي تدافع عن نفسها خاصة أنه یتم في كثیرا من الأحیان بمجرد الشبه والاشتباه ویقتضي بسلب حق الحیاة وإرادة الشخص (المرأة) في تقریر وانتخاب نصیبها من الحیاة. لأن تعد المرأة في هذه المجتمعات تحت سلطة الرجل وقسم من شرفه. لهذا نجد لوقوع هذه الجریمة أسباب أخری، لكن ما یهم دراستنا هو كیف تغیرت دوال ومدلولات هذا العمل في المجتمعات مع تخالف أشكالها وأعراقها أو تشابهها. من هذا المنظور نقوم في قسم التحیلیل والتطبیق للنظریة السیسوریة؛ فعند تحليل دال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة”، نجد أن الدال هنا هو التركيب اللغوي نفسه، الذي يتكون من مفردات تشير إلى مجموعة من التفاعلات الاجتماعية والقيم الأخلاقية مثل القتل في هذا السياق، يعكس فعلا ملموسا يتم من خلاله إنهاء حياة إنسان، مما يعطي طابعا جديا للجملة. والأفعال المخلّة بالعفة: تشير إلى مجموعة من التصرفات التي تُعتبر غير مقبولة اجتماعيا.

  • لسانیة المدلول دال السوسيریة و”القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” الدستوریة

      نقوم في هذا القسم من ورقتنا البحثیة بالدخول في صلب الموضوع ونذكر أهم الدوال التي ترادف وتتقارب دلالیا بدال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” مع بیان مصادیقها ومدلولها والصورة التي من خلالها توسّعت الدلالة لهذه الدوال والسبب الاعتباطي الذي كوّنه والبیئة الثقافیة والاجتماعیة والاقتصادیة التي نمی فیها. ولو أن الدوال لربما تطلق علی مدلول واحد أي كثرت الدوال ووحدة المدلول تظهر لكن الاختلاف الذي من أجله افترقت الدوال یكون أهم سبب لورقتنا البحثیة.

القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة

المصطلحات الأساسية لهذا الدال المكوّن من ستة أجزاء وهو جملة أسمیة دالة علی التأكید لأن الجمل الأسمیة بلاغیا هي تدل علی التأكید كما أن بدایته بالمصدر یدل علی إطلاق زمانه وبقاء أثره أي دلالته.  القتل: فعل يمثل انتهاء الحياة، وهو فعل محرم في معظم المجتمعات والقوانين. الناجمة: تدل على العلاقة السببية بين القتل والأفعال التي سبقته. عن: حرف جر يربط بين الفعل والسبب. الأفعال المخلّة بالعفة: كما ذكرنا، مصطلح قانوني يشير إلى مجموعة من الأفعال التي تخلّ العفة والكرامة. نجد دال الأفعال مدلوله متسع أیضا ویشمل عدة أفعال لكن تقید في ذیل الجملة “المخلة بالعفة” أي الأعمال التي تعكر صفو ماء العفة، لهذا أهم تركیز في هذا المسمی هو التأكید علی دالین “القتل” و”العفة” وكل دال نتیجة عمله یترتب علی الأخر. ومن جانب أخر نجد أن هذین العلامتین في هذا المصطلح تكوّنا ركیزة ومركز ثقل المعنی یدور حولهما وهما صورة ذهنیة ولو ظهر إثرها صوتیا ومادیا. لهذا یؤكد دي سوسیر علی أن «العلامة اللغوية لا تربط الشيء بالاسم، بل تربط المفهوم بالصورة الصوتية. فالصورة الصوتية ليست صوتية مادية لها جانب مادي، ولكن التأثير العقلي لهذا الصوت وحواسنا تقدم تمثيلا له، العلامة اللغوية هي علامة ملموسة، وإذا أسميناها “مادية”، فهي بهذا المعنى فقط وعلى النقيض من الوجه الآخر للتداعي، أي المفهوم، الذي عادة ما يكون أكثر تجريدًا.»(سوسور،۱۳۷۸: ۹۶). نجد هذا الدال الدلالة اللغوية تنوه علی  الدراسة العلمية للدلالات في اللغة، كما أن الدلالة الدستورية هي دراسة الدلالات في النصوص القانونية، خاصة الدستور في مصطلح الأفعال المخلّة بالعفة وهو مصطلح قانوني يشير إلى مجموعة من الأفعال التي تعتبر مخالفة للأخلاق والقيم الاجتماعية، وغالبا ما ترتبط بالجرائم الجنسية. وأیضا مكافحة العفة هو مصطلح يشير إلى الأفعال التي تتعارض مع المبادئ الأخلاقية والاجتماعية المتعلقة بالعفة. وترتبط هذه المفاهيم عادة بالسلوكيات التي تعتبر غير عادية أو غير أخلاقية أو مقيتة في نظر المجتمع. تتم مناقشة هذا المصطلح في الغالب في السياقات الدينية والاجتماعية والثقافية ويمكن أن يشمل موضوعات مثل العلاقات الجنسية غير المشروعة أو السلوكيات غير المناسبة اجتماعيا أو أي تيار يبدو أنه يشكك في التواضع العام. و”منافی عفت” هو مصطلح يستخدم في قوانين العديد من الدول، وخاصة في مجال القانون الجنائي، يشير هذا المصطلح عموما إلى السلوكيات التي تتعارض مع الأعراف الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع وتضرّ بالحياء العام والخاص للناس. لكن كیفیة تغییر هذا الدال إلی دوال أخری مثل القتل الناموسي أو القتل دفاعا عن الشرف أو قتل غسل العار یرجع إلی البنیة التحتیة التي یجلس علیها المجتمع لأن البواعث الاقتصادیة والاجتماعیة هي الفیصل في میلادها أو تغییر نمطها وبما أن المجتمعات البدائیة المقصود منها المجتمعات التي لن تتغیر عقلیتها بالحاضرة  ولو أن أفرادها یسكنون المدن والحواضر لكن هذا التغییر لن یلهمنا بأنهم تحضروا ودماغهم تغیر كسائر أفراد الحواضر الذین یسكونها جیل عن جیل بل هؤلاء فقط تغیّر مكانهم دون أن نجد صدی لهذا التغییر في دماغهم. فلهذا تأخذ الحمیة وقضیة الشرف والإلتزام بالعفة بعدا عصبیا بدل عقلیا وبمجرد مشاهدة أو اشتباه بعمل یشیر لهذه الحالة یغلي دم الذكور ویقومون بالعمل الإجرامي الذي یخالف الشریعة الموروثة والمدینة المبنیة علی الدستور.

العلاقة بین الدال والمدلول تترتب حتی عن طریق النحو حیث تضیف هذه الحالة إلی المعنی المعجمي معنی نحوي أي الوظیفة النحویة فبمجرد تقدیم وتأخیر لفظ في سیاق التركیب یتغیر المعنی كما رسم عبدالقاهر الجرجاني في نظریة النظم أن هناك شبكة من العلاقات الدلالیة تتولد أثر التنظیم والنظم في الجمل أي لاظاهر اللفظ أفضل من معناه ولاعكس ذلك، لكن النظم الذي تعطیه لنا التركیبة الكلامیة یؤثر علی كل مجریات المعنی وفي تركیبة “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” إذا نظرنا لها نظما ولسانیا وبما أن هذا الدال هو دال دستوري نجد یبدأ التركیب باقتل وینتهي بالعفة وخیر دلیل علی هذا نجد أن القتل یقع بمجرد شُبه عند الشخص، صحیح أن الحافز الأساسي لهذا القتل یكمن في إطار العفة لكن سائر الدوال – الناجمة عن الأفعال المخلّة – هي محیطة بهذین اللفظین ویمكن أن نقول العفة هي سبب القتل والقتل هو سبب العفة. فالتركیب الدستوري اللساني الأخیر مرجعه أیضا یعود للمجتمع الذي یفرض سلطته علی الفرد ویرغمه علی أعمال إجرامیة والعلامة اللسانیة تبرز لنا هذه الحالات من خلال تركیبتها.

القتل دفاعا عن الشرف

ما نجده في هذا التركیب المركب من أربعة دوال هو أن الجملة أسمیة دالة علی التأكید لأن الجمل الأسمیة مؤکدة من جانب ومن جانب أخر نجد ترأس الجملة بالمصدر (القتل) الذي یدل علی معنی دون تقیده بالزمان یوسّع الدلالة علی مدی الأزمنه الماضیة والحاضرة والمستقبلة أي ینفي حدوده الزمنیة. القتل: فعل يمثل انتهاء الحياة، وهو فعل محرم في معظم المجتمعات والقوانين. دفاعا: تدل على العلاقة السببية بين القتل والأفعال التي سبقته. عن: حرف جر يربط بين الفعل والسبب. والشرف: كما ذكرنا دالا علی مجموعة من الأعمال والحالات التي یعلو فیها الشخص في المجتمع، لهذا أهم تركیز في هذا المسمی هو التأكید علی دالین “القتل” و”الشرف” وكل دال نتیجة عمله یترتب علی الأخر. جاء في معجم المعاني أن «الشَّرَفُ : الموضع العالي يُشرف على ما حوله. هو على شَرَف من كذا: مُشْرِفٌ عليه ومقارب له الشَّرَفُ: العُلُوُّ والمجد؛ بشرفي: عبارة تستعمل تأكيدًا لأمر ما، ساحة الشَّرف: ساحة القتال دفاعا عن الوطن، شرف المرأة: عفَّتها وحصانتها، شرف المهنة: كرامتها واحترامها، شرف النّفس: سموّ أخلاقيّ أو عقليّ، علا في ذروة الشَرَف: كان ذا مكانة ونَسَب»( www.almaany.com/ar/dict/ar-ar: جذر شرف). فالشرف هو المكانة الرفیعة التي من أجلها یصان أو یهان الرجل كما أن أثرها علی المرأة أكثر وضوحا لهذا، جاء في شرح مختصر خليل للخرشي «الْمرأَةَ الشرِيفَةَ. أَي: صاحبةَ الْقَدرِ والْمـالِ والْجاه والنسبِ»(الخرشي المالكي ، لاتا، ج ٣ :183). فأي مكروه یصیب الشرف لابد أن تحسم عواقبه بنتائج فضیعة خاصة في المجتمعات التي یعلو فیها صوت المجتمع أو القبیلة أو العائلة علی الفرد أي الفردانیة فیها ممحیة وجلست مكانها القبیلیة والمجتمع. فمن الطبیعي في هكذا مجتمعات نجد الدفاع عن الشرف یخلّف أثرا ملموسا علی الفرد ولصیانته یرتكتب الفرد بعض الأحیان أعمال مخلّة بالنظم الاجتماعي حتی یقدر أن یتعایش مع الأخرین ویرفع رأسه بدل أن یطأطأ بینهم ومن هذه الزوایة الضیقة تحدث كارثة تسمی ” القتل دفاعا عن الشرف”.

یمكث مدلول فدال لقتل دفاعا عن الشرف علی «عمل عقابي يوقعه شخص على قريب له بدافع الغيرة على العرض والحفاظ على المكانة والقدر»(سعيد القرالة، 2009 :65). المقصود من عمل أي عمل كانت عقوبته قتل أو تعدّي علی أي أحد والعقابي هو یدل علی فعل وقعت علیه العقوبة إثر جریمة ما یهم هو إننا نری كیف في هذا الدال یكون الشرف مركزا تدور علیه سائر محتویات المدلول وتتكون إثره العملیة حیث نجد في اللسانیات الدال والمدلول هما وجه لعملة واحدة وبمجرد سماع دال “القتل دفاعا عن الشرف” یتبادر إلی أذهاننا عمل وقع فیه قتل شخص إثر جریمة أخلاقیة والمقصود عمل سوء إثر فسق وفساد یخالف الطرق الحقیقیة والإسلامیة السمحة. لكن الدافع عن هذه الجریمة لن یكون دائما بسبب الهوی بل بعض الأحیان تكون حالة یفقد فیها الشخص عقلیته وصوابه ویقترف خطاء ولو إن إثبات الجریمة بالطرق الشرعیة والقانونیة شبه غیر ممكن لكن عند وقوع الجریمة بمجرد اشتباه أو شك یقوم المجرم بجریمته لهذا نجد في التعالیم الدینیة عقابه شبیه بالقتل العمدي وفي كثیر من الأحیان القانون لن یقدر علی إجراء العقوبة لأن ولي الدم هم من أنساب أو أقرباء المقتول لهذا تكون بینهم معاملات ومسامحات من خلالها یفرّ الجاني من عقابه وأحد أهم أسباب كثرة وقوعها هو هذا العامل لأن الجاني في بعض المجتمعات ینظر إلیه كبطل غسل عار كاد أن یمس شرف العائلة كلها. ونجد هذا الدال نسبة للدوال الأخری أكثر استخداما لأن تركیبته النحویة تبرئ الجاني من جانب حیث تجد یصطحب القتل بدال الدفاع عن الشرف أي كأن هذا القتل وقع إثر دفاع لا أثر تعدي علی الأخر بل التعدي وقع علی الجاني ومن هذا الجانب یحقّ للجاني أن یدافع عن نفسه بكل ما یملك حتی تستبدل الصورة السلبیة في الدال في خضام المدلول بصورة إیجابة یفخر بها الأخرون.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

  • جریمة الشرف

       الدال الأخر لهذه العملیة الإجرامیة هو “جریمة الشرف” والشرف أهم ما یمكلكه اشخص البَدوي أو البدوي عقلیا أو الأشخاص الذین ینتمون إلی المجتمعات الصغیرة حتی نجد صدی هذا في دفة دواوین الشعراء ومنهم الشاعر العربي الكبیر والبلامنازع  أبوطیب المتنبي حیث ینشد:

«لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى          حتى يراق على جوانبه الدم

والظلم من شيم النفــــــــوس فإن تجد          ذا عفــــــــــــــــــة فلعة لايظــــــــــــــــــلم

والذل يظــــــــــــــــــــــــهر في الذليل مودة           وما أدراك مامودة الذلـــــــــــــــيل

لابقـــــــــــــــــــــــــومي شرفت بل شرفو بي          وبنفسي فخرت لابجدوديا»

(المتنبي، 2000 : 360).

وهذا یدل علی أن الشرف مخزونه في الشعور واللاشعور الفردي والجمعي للشخوص وأي مساسه به یردّ بجریمة نكراء حتی ولو سلب الحیاة.

في تحليل العناصر المكونة للعبارة والدلالات وفق منظور سوسير نجد القيمة اللغوية لهذا الدال هي لربما من زاویة تعطي وجه سلبي لكن نجد فی خضامها ثنائیة في حالة تركیب تضادي بین لفظي الجریمة والشرف، لربما الشریف لن یرتكب جریمة في الحالة العادیة وطبق السیاق العدي لمسیر الحیاة لكن حینما یتزعزع كیانه تقع الجریمة خلاف لكل التصورات والصور الذهنیة المتعلقة بدال الشریف والجریمة هي واضحة تدل علی عمل شنیع یخالف الروتین والنظم والدستور الموجود في البیئة العلاقة التعسفية بین مورفولوجیات هذا الدال أظهر من الشمس ولا توجد علاقة طبيعية بين الرمز (الكلمات) والمعنى، بل هي علاقة تعسفية اتّفق عليها مجموعة من المتحدثين كما  تتغير قيمة الكلمة حسب السياق الذي تستخدم فيه الدوال «معلومٌ أنْ ليس النظم سوى تعليق الكَلِم بعضها ببعض، وجعْل بعضها بسببٍ من بعض»(الجرجاني، 1998 :65).خاصة هذا السیاق إذا یكون اجتماعیا لأن اللغة هي ظاهرة اجتماعية تتطور وتتغير مع تغير المجتمع. المهم هو أننا نجد في هذا الدال نوع من التشابه والتساق مع سائر دوال هذه الجریمة مثل غسل العار والقتل الناموسي والقتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة والقتل دفاعا عن الشرف كما أن كلها تخالف الموروث الدیني الذي یخالف هذه الأعراف بشدة  ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾(النساء:93). لكن هذا التشابة الموجد في مدلول هذه الدلات یذكر المتلقي بخطئة ارتكبتها أنثی ونقد قتلها ذكر وكل هذا التداعي مرده الحیاة الاجتماعیة ولو العلاقة بین الدال والمدلول هنا علاقة اعتباطیة ولربما یختلف اسمها بین لغات أخری لكن بین اللغة العربیة والفارسیة نجد هذا التشابه كثیر. فهنا أیضا نجد أن العلامة اللغوية التي تتكون من دال (الصوت أو الحرف أو الصامت والموّت) ومدلول (المعنى أو الصورة) بعلاقتهما الاعتباطیة التي تتركب مع الخطية حیث هي أیضا تتكوّن من سلسلة من العلامات اللغوية التي تترابط كلها بالنهایة وترسل رسالة واحدة ولریما صغر دال “جریمة الشرف” ینوه علی الخفاء والسكوت والستر وكثرة استخدام هذا الدال في المحاكم یعود لإطلاقه وعدم تقییده لفظیا دالا ومدلولا وأیضا لسرعته في البیان حیث یأخذ مساحات زمنیة أقل بالنسبة لدال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة”.

قتل غسل العار

     نجد في هذا الدال المكون من ثلاثة أجزاء أن طرفي الدال (القتل – العار) سلبیتان من حیث المنظور الاجتماعي وبما أن طبیعة العلاقات الإنسانیة مبنیة علی التراحم والعواطف والابتعاد من الجرائم والأخلاق السیئة فهو یرسل ذبذبات سلبیة نحو المتلقي وأیضا بدایته بالمصدر (قتل) وختامه بالمصدر (العار) یرشدنا إلی أن هذه العمیلیة موجودة دون تحدید زمني لها والدلالات التي یقوم بها رجال القانون هي تنص علی تحديد الجريمة التي تساعد في تحديد نوع الجريمة وتحديد العقوبة المناسبة والعذر المخفف الذي في بعض الأحيان، قد يؤخذ هذا النوع من القتل كعذر مخفف للحكم والنية الجرمية التي قد تدل على وجود نية جرمية مسبقة لدى الجاني. وتناشدها أیضا الدلالات الاجتماعیة؛ الأخلاق والقيم التي تعكس هذه المجموعة من القيم والأخلاق السائدة في المجتمع والحماية القانونية الدالة على اهتمام القانون بحماية الأفراد من الأفعال المخلّة بالعفة وقتل غسل العار وفي النهایة العدالة التي تسعى إلى تحقيق العدالة من خلال معاقبة الجناة. لأن یعد قتل غسل العار «عمل انتقامي بقصد القتل أو إنهاء الحیاة، يقترف من قبـل عنصر ذكوري من الأسرة نفسها یقع علی أنثی بذريعة الحاق العار بالأسرة»(أبو البصل، 2013 : 232). ومن هذا المنظور نجد التسمیة علی هذا المدلول أتت إثر حالات نفسیة كتب علی ناصیة المجتمع  وفرضت سلطتها. وكما یذكر سامح محمد الشامي في طَبِيعَةُ عِلاقَة الدَّالِ بالمَدلُولِ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ وَاللُّغَوِيِّينَ وَأَثرهَا فِي استِنبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرعيَّة عن الغزالي أن «الكتابة دالة علی اللفظ، واللفظ دال علی المعنی الذي في النفس والذي في النفس هو مثال الموجود في الأعیان»(الشامي، 2022 :14). وهذا المثال أصبح مدلول لدالنا.

تأخذ المدلولات معانیها في المجتمع من الحیاة حتی تركیبتها الصوتیة تتأثر من البیئة كما أن حسب رأي مارتن هايدغر «اللغة مسكن الوجود،… الفكر، وهو يستجيبُ لصوت الوجود.»(طواع،2010 : 74). إذا وجود الإنسان مرتبط بلغته ولو أن سیغموند فرويد       ” Sigmund Freud” ( 1856–1939) الذي شبه الشخصية بجبل تلجي الجزء الأكبر منه حوالي 80/. يقع تحت مستوى سطح الماء (اللاشعور)، فمن منظوره تتكون الشخصية من ثلاث مكوّنات: الهو “Id”والأنا “Ego” والأنا الأعلى “Superego”. يتكون الهو من الغرائز البدائیة والحیاتیة مثل الجنس والعدوان وهي مصدر الطاقة النفسية، و”Id” لاشعوري ولا يتصل بالواقع، ویعد أول مكوّن ينمو في الشخصية، يعمل “Id” وفق مبدأ اللذة وتجنب الألم، وعندما يدرك الشخص متطلبات الواقع والمعيقات التي تحول دون إشباع اللذة، يتشكل المكون الثاني للشخصية وهو الأنا “Ego”، يتعلق الأنا بمتطلبات الواقع ويعمل وفقا لمبدأ الواقع، فهو يحاول أن يجلب اللذة للمرء وفق معايير المجتمع والأسس الصحیحة والأخلاقیة. أما الأنا الأعلى”Superego ” یعد المكون الأخلاقي للشخصیة، ويضم الأنا المثالية والضمير، ویعمل علی كبح دوافع الهو الغریزیة. تساعدنا هذه النظرة السیكولوجیة علی النظرة الوجویة الهیدغریة عندما یربط اللغة ببیت الوجود لأن هذا الوجود یرتبط بالنهایة بالدوال؛ الوال هي التي تبني الوجود ومن خلالها تتكون الأعمال وإذا دققنا جیدا نجد أن جریمة كقتل غسل العار تعود جذورها للــId فهي مصدر الللذة والعدوان وفي ارتكاب هذا العمل نوع من اللذة لاإرادیا بنشو بها الجاني لأن هدفه غسل العار والغسل عمل ممدوح وموصی به لأجل هذا نری أن هذا الدال بالنسبة لسائر الدوال الأخری التي تأخذ قسم من معاه فیه صورة إیجابیة عند تركیبه ومدلوله یؤكد فقط علی العار والعار هو« العَارُ : عيب، كلُّ ما يُعيَّر به الإنسان من فعلٍ أو قول أو يلزم منه سُبَّة. وصمة عار: عمل مَعيب، سلوك مشين»(www.almaany.com/ar/dict/ar-ar: عار). لهذا من الصعب في مجتمعات صغیرة نجد العار یفسر بمدلولات إیجابیة أو یعطونه حق للدفاع عن نفسه فمن یدخل مدلول هذه المنطقة المحذورة والمحظورة یعاقب بأعنف دال.

قتل الناموسي

یشير دال قتل الناموسي إلى الحالات التي يرتكب فيها رجال الأسرة العنف ويقتل نساء الأسرة بدوافع تتعلق بقضايا ثقافية أو تقليدية أو عائلية. هذا النوع من العنف متجذّر في المفاهيم الاجتماعية والتقليدية الخاطئة التي تعتبر المرأة مسؤولة عن شرف الأسرة. لسوء الحظ، في قوانين بعض الدول، هناك شروط تنص على إعفاء بعض مرتكبي جرائم الشرف من العقوبات الشديدة. وطالما واجهت هذه القضية انتقادات واسعة النطاق من نشطاء حقوق الإنسان والمنظمات المدافعة عن حقوق المرأة. وعدم وجود تعريف دقيق وشامل ومانع لهذا العمل الإجرامي یعد من أهم التحديات المتعلقة بجريمة قتل الناموسي هو عدم وجود وقد أدى ذلك إلى اختلافات عديدة في الرأي حول تفسير وتطبيقه. تعتمد أمثلة قتل الناموسي بشكل كبير على ثقافة وقيم ومعتقدات كل مجتمع، کذلك على التغيرات الاجتماعية والتاريخية. ولهذا السبب فإن ما يعتبر جريمة في مجتمع ما قد لا يكون جريمة في مجتمع أخر. ويعتقد بعض منتقدي هذه الجريمة أن التعريف الغامض والواسع يمكن یحدّ الحريات الفردية. والدول عند تعاملها  مع جريمة قتل الناموسي تتبنى أساليب مختلفة بعض هذه الأساليب هي: المنهج الصارم: في هذا المنهج يتم النظر في العقوبات المشددة على جريمة الاعتداء على العفة والتأكيد على المحافظة على الآداب العامة. النهج الليبرالي: في هذا النهج تعتبر الحريات الفردية أكثر أهمية ويتم تعريف الجريمة ضد العفة في الحد الأدنى. منهج الطريق الوسط: وفي هذا المنهج يتم بذل الجهد لتحقيق التوازن بين الحفاظ على الأخلاق العامة والحريات الفردية. لكن من حیث اللسانیات نجد أن هذه الدوال تختلف معناها من مجتمع لمجتمع كما أشرنا سابقا و«يختلف مرسلو الرسائل مع جمهورهم من حيث الطبقة الاجتماعية ومستوى التعليم والأيديولوجية السياسية والنظرة العالمية وروح المجموعة. ولذلك، فإن المستقبلين لا يملكون نفس الرمز الذي يمتلكه مرسلو الرسالة، ولهذا السبب، يفسر المستقبلون الرسالة من وجهة نظرهم الخاصة.»(آسابرگر ، ۱۳۸۷ :49). فتختلف ردّة الأفعال وتفسیرها عند الشخص والجماعة والدولة والدستور.

تعتبر الدراسة اللغوية الدستورية من المناهج المهمة التي تسلط الضوء على العلاقة بين اللغة والمعاني، وكيف يعكس النظام اللغوي القيم القانونية والمفاهيم الاجتماعية. فعندما نتحدث عن مدلول “قتل الناموسي” من منظور فردينان دو سوسير، الذي يعتبر الأب الروحي والمؤسس اللسانيات الحديثة لابد أن ننظر إلی اللغة علی أنها «مؤسسة اجتماعية، ليست فعلا بأي حال من الأحوال، ولا تخضع لأي قرار محدد سلفا… اللغة هي في الأساس عقد جماعي يجب على الإنسان اتباعه إذا أراد إقامة علاقة مع الآخرين. أن يقبلها في مجملها “(بارت، 1998، ص 200). هذا الدال نجده في إیران أكثر حضورا من الدول العربیة في المنطقة وكثیر من المباحث في إیران توظف هذا الدال بدل دال جریمة الشرف الشائعة عند بلاد العرب وهذا أیضا یعد خلافا لتوظیف دوال مختلفة لمدلول واحد. حیث أن الدوال هي عربیة فدال الناموس عربي فصیح والشرف أیضا لكن الشرف إطاره الدلاي یخرج عن الناموس والقاموس ویشمل كل شيء یمكنه أن یضرب هذا الصرح العظیم (الشرف) والناموس یشمل العلاقات العائلیة التي یركز علیها الشخص وإذا أمعنا النظر نجد أن جریمة الشرف ولو دالها یختلف عن القتل الناموسي لكنها دائما ما تحدث علی الناموس أي أهل البیت ومنهم الآناث. فهذه النظرة المختلفة بین العرقین حول دوال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” مرّدها یعود إلی النظرة التي من خلالها یبني وجوده الشخص والتغییرات التي تحدثها الحالات التي تغیّر همود الأمور الاجتماعیة والعائلیة لأن الأفراد في مجتمعات صغیرة وبدائیة أو مجتمعات متصرمة أخلاقیة وذات نظرة قبیلة غالبا ما یفقد الشخص صوابه ویقوم بتفعیل مدلول دوال هذا العمل الأجرامي ولو أن كل الدوال تشیر لمدلول واحد فهي متفقة المدلول ومختلفة الدال.

  • النتائج

بعد دراسة لسانیة دستوریة لمدلول دال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” بناء علی منظور فردیناند دي سوسير وبعد تحليل دلالات دال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة”. وقد تبين أن هذه العبارة تحمل دلالات قانونية واجتماعية عميقة، وهي تستخدم في العديد من النصوص القانونية، فنصّت النتائج علی ما یلي:

تغیّر مدلول دال”القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” بناء علی البیئة التي ولدته وأهل اللغة التي بنیت وجود شخوصها، فمن منظور دي سوسیر الدوال اعتباطیة العلاقة بمدلولها والحالة التعسفیة التي ربطت مدلول “القتل الناجمة عن الأفعال المخلة بالعفة” و”جریمة الشرف” و”القتل دفاعا عن الشرف” و”قتل غسل العار” و”قتل الناموسي” كلها تصب في مصبّ المدلول الواحد والمختلف الدال لأن تفسیر هذا الدال من قبل الأفراد حسب مكانتهم العرقیة والدینیة والحضاریة والقبیلیة والجغرافیة والاقتصادیة والثقافیة تغیر أسلوبهم الفكري وتعطیهم علامات لغویة فكریة وجودیة یتعملون مع هذا الدال ویضعون له مدلولات لربما تختلف شكلا لكنها متفقة دستوریا وقانونا حتی نجد أثر النظرة السوسیریة سبّبت بعض الإحراجات لمفكري دراسات الحقوق في مواجهة ومعاقبة فاعلي هذا الدال واختلافهم بمدلولات معاقبة هذه الدوال المتفقة مدلولا ومختلفة دالا.

تغیرت دوال ” القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” حسب المكوّنات الفردیة والجمعیة ولون اللغة ومكانتها. ویعود مرّدها إلی النظرة التي من خلالها یبني وجوده الشخص والتغییرات التي تحدثها الحالات التي تغیّر همود الأمور الاجتماعیة والعائلیة لأن صغر وكبر المجتمعات وحالاتها والأخلاقیات التي تفرض سلطتها مع نظرتها القبلیة ووجود الأخرین هذا کله سبّب عندما یقع المدلول یفقد الشخص صوابه ویقوم بعملیة تفّعل مدلول دوال هذا العمل الأجرامي ولو أن كل الدوال تشیر لمدلول واحد. لهذا نجد دال “القتل الناموسي” یوظف في بلدان مثل إیران أكثر من الدوال العربیة خلافا لــ”جریمة الشرف” الذایعة هناك وفي الدستور أیضا نجد دال “القتل الناجمة عن الأفعال المخلّة بالعفة” أكثر إفرازا للدلالة نسبة لــ”قتل غسل العار” كما أن في مقام الدفاع نجد “القتل دفاعا عن الشرف” أیسر وأهون دال یختفي تحت ظله المحامي والمدافع عن مدلول هذا الدال.

الهوامش

(1) فردينان دي سوسور “Ferdinand de Saussure”‏ (1857 – 1913) عالم لغوي لساني سويسري ولد في جنيف، ومن أشهر علماء اللغة في العصر الحديث ، يعتبر الأب للمدرسة البنيوية في اللسانيات کما عدّه الكثير مؤسس علم اللغة الحديث. اهتم بدراسة اللغة الهندية/الأوروبية. ویؤکد علی اعتبار اللغة ظاهرة اجتماعية ویجب أن تدرس دراسة وصفیة بدل التاریخیة وكان مساهما كبيرا في تطوير العديد من نواحي اللسانيات في القرن العشرين. أعتبر اللسانيات كفرع من علم أشمل يدرس الإشارات الصوتية واقترح تسميته بالسيميولوجي، ويعرف حاليا بالسيميوتيك أو علم الإشارات. له مؤلفة واحدة وهي “بحث في الألسُنيّة العامة” بالفرنسية والاسم الأصلي لهذا الكتاب “Cours de linguistique Générale” وتم نشره في عام 1916 وبعد وفاته على ید طلابه تشارلز بالي وألبرت سيشي بناء على ملاحظات الفصل الدراسي.

المصادر

  1. القرآن الكریم.
  2. أبـوالبصل، علي (2013). جرائم الشرف دراسة فقهية مقارنة، جامعة الطائف، المملكة العربیة: مجلة البحوث والدراسات الشرعیة، العدد 9.
  3. آسابرگر، آرتور(۱۳۸۷). روش‌های تحلیل رسانه‌ها، ط 3، ترجمة: پرویز اجلالی، تهران: وزارت فرهنگ ارشاد دفتر مطالعات و توسعه رسانه‌ها.
  4. بارت، رولان (۱۳۷۰). عناصر نشانه شناسی ، مجید محمدی ، تهران: انتشارات بین المللی الهدی.
  5. الجرجاني، عبدالقاهر (1998). دلائل الإعجاز، ط5؛ قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، الخانجي، القاهرة: مكتبة الخانجي مطبعة المدني.
  6. الخرشي المالكي، أبي عبداالله محمد بن عبـداالله بـن علـي (لاتا). على مختصر سيدي خليل، بیروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
  7. دي سوسیر، فردناند (1987). محاضرات في علم اللسان العام، ترجمة: عبدالقادر قنیني وأحمد حبیبي، لامك: أفریقا الشرق.
  8. السرطاوي، فؤاد (2003).جريمة القتل بسبب الشرف بين الشريعة والقانون، الكویت: مجلة الحقوق، مجلد27، العدد2.
  9. سوسور، فردینان دو(۱۳۷۸) دوره زبان شناسی عمومی، ط 1، ترجمة كوروش صفوی، طهران: هرمس.
  10. سعيد القرالة، رقية (2009). مدى اهتمام مقاصد الشريعة بجرائم القتل بدافع الشرف، مصر: جمعیة المسلم المعاصر.
  11. الشامي، سامح محمد (2022). طَبِيعَةُ عِلاقَة الدَّالِ بالمَدلُولِ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ وَاللُّغَوِيِّينَ وَأَثرهَا فِي استِنبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرعيَّة، ط 3، القاهرة: مؤسسة أم القرى للنشر والتوزيع.
  12. طواع، محمد (2010). شعرية هيدجر: مقاربة أنطلوجية لمفهوم الشعر، ط 1. المغرب: منشورات عالم التربية.
  13. عناني، محمد (2017). مصطلحات الفلسفة الوجودية عند مارتن هايديجر: معجم ودراسة، المملكة المتحدة: مؤسسة الهنداوي.
  14. القـزويني الـرازي، أحمد بن فارس بن زكريا، مقاييس اللغة لابن فارس الحسين المحقق: عبد السلام محمد هارون بيروت: دار الفكر.
  15. المتنبي، أبوطیب (2000) دیوان المتنبي، تحقیق وشرح: كرم البستاني، بیروت: دارصادر.
  16. https://almaany.com/ar/dict/ar-ar/شرف

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)