د. سلطان بن سعيد بن محمد الفزاري
قسم الدراسات التربوية، كلية التربية بالرستاق، جامعة التقنية والعلوم التطبيقية، سلطنة عمان
الملخص
شهد الأدب العربي الحديث صورا كثيرة تعكس التداخل بين الأجناس الأدبية، وكانت القصة القصيرة واحدة من الأجناس التي استوعبت ذلك التداخل، ويرجع ذلك إلى طبيعة القصة القصيرة ومرونتها، فهي جنس أدبي يمتاز بقابليته للتنوع والإفادة من مختلف المصادر، ثم إنها ذات شكل طيّع يتيح لمبدعها حرية واسعة، كما أنها من أكثر الأجناس الأدبية انسجاما مع متطلبات العصر الذي أصبحت الحياة فيه أشد تعقيداً وأكثر تشابكاً في جزئياتها من ذي قبل، فاستدعت الانتقال إلى مرحلة تُمنح فيها الخصوصية لتلك الجزئيات، ويُعطى كل منها حقه، وهو ما استطاعت أن تقدمه القصة القصيرة بتركيز عناصر بنائها على فكرة واحدة، وزاوية معينة من زوايا الحياة المتشعبة. وتأتي علاقة القصة القصيرة بالمسرحية، شكلا من أشكال تداخلها مع الأجناس الأدبية الأخرى، فقد استعارت القصة القصيرة منها كثيرا من السمات الداخلية والخارجية ولم تكن هذه الاستعارة اعتباطية ولا وليدة حاجة ملحة إلى مقاربة القصة القصيرة في ظل غياب تحديد نوعي لها، وإنما كان ذلك من باب التطور والاستمرار، فالقصة القصيرة جنس غير منته، وهي في تجدد مستمر. ويعد الحوار واحدا من العناصر التي استعارتها القصة القصيرة من المسرحية، فكيّفت مفهومه وأخضعته لقوانينها الخاصة، وأوجدت مسافة واضحة بينه وبين حوار النص المسرحي. وعليه فإن هذا البحث يسعى للكشف عن تداخل القصة القصيرة مع المسرحية من خلال توظيفها لواحد من عناصرها الفنية، وهو الحوار الدرامي، فيعرض البحث آلية بناء الحوار الدرامي، وإنتاج الدلالة في السرد القصصي، ويتم ذلك كله من خلال التطبيق على نماذج من القصة العمانية القصيرة.
الكلمات المفتاحية: الحوار الدرامي، القصة القصيرة، الدراما، تداخل الأجناس الأدبية.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
مدخل (بين القصة القصيرة والمسرحية):
إن المهتمين بالقصة القصيرة يضعونها في مجال المقارنة مع الأجناس الأدبية المختلفة، وذلك بهدف تمييزها أو إثبات استقلالها، فتقارن القصة القصيرة بالرواية مرة، وبالمسرحية مرة أخرى وبالقصيدة الغنائية مرة ثالثة، ولعل سبب ذلك كله يعود إلى اشتراكها مع تلك الأجناس في كثير من العناصر الفنية، كالشخصية والحدث والزمن والمكان والحوار وغيرها، لكن ذلك الاشتراك في بعض العناصر أو المكونات، لا ينفي وجود الاختلاف الذي يؤكد استقلالية كل جنس من تلك الأجناس الأدبية عن الآخر.
والمسرحية من الأجناس الأدبية التي تشترك معها القصة القصيرة في بعض سماتها. فقد استعارت القصة القصيرة من بنية النص المسرحي الداخلية والخارجية بعض السمات والمصطلحات والعناصر، ولم تكن هذه الاستعارة اعتباطية ولا وليدة حاجة ملحة إلى مقاربة القصة القصيرة في ظل غياب تحديد نوعي لها، وإنما كان ذلك من باب التطور والاستمرار، فالقصة القصيرة جنس غير منته، وهي في تجدد مستمر، لذلك فهي من أكثر الأجناس قدرة على التعبير عن طبيعة الحياة المتجددة، ولعل ما يسّر تلك الاستعارة هو انتماء الجنسين إلى الأجناس التي تولي أهمية كبرى للمحاكاة والتمثيل. وهذا الانتماء يستدعي استخدام أدوات فنية متقاربة. غير أن هذا التشابه لا يعني التماهي بين الجنسين الأدبيين، فلكل جنس ما يعرف به ويميزه.
إن القصة القصيرة تقترب من عالم المسرحية من حيث الموضوع الذي تتناوله، فهي من حيث المضمون باستطاعتها أن تتناول الموضوعات التي تتناولها المسرحية، ولا سيما تلك الموضوعات التي تركز عليها المسرحية الفكرية، فمهمة القصة القصيرة تلتقي مع المسرحية في إنها “تتناول الإنسان في مجتمعه وحياته، أي تستلهم الواقع، وأن تتناول الوجود الإنساني والأفكار المتعلقة به”(الحكيم، د.ت، 4)، والإنسان في المسرحية، أيضا، محورها الذي لا يمكن للجماد أو الأشياء المادية أن تحتل مكانه، وبذلك فهو موضوعها، “فليس للمسرحية أن تعالج موضوعا وصفيا تلعب فيه الجمادات والنباتات والعجماوات دوراً أهم من دور الإنسان”(الحكيم، 1973، 143).
ويرى بعضهم أن الموضوع الذي يتطلب تصويرا دقيقا ومفصلا، وإن كان يناسب كلا الجنسين الأدبيين، إلا أنه يناسب بصورة أكبر المعالجة القصصية أكثر مما يناسب المعالجة المسرحية، وذلك لأن إمكانية التطرق للتفاصيل من خلال المناظر المسرحية محدودة جدا(ميلت؛ وبنتلي، د.ت، 248). غير أن ذلك لا يعني أن كل موضوع تتوافر له التفاصيل يصلح مادة للقصة القصيرة.
ويعد كاتب القصة القصيرة في موقف أفضل فنيّا، من زميله المؤلف المسرحي، وذلك لأنه يمتلك تلك الأداة التي تمكنه من تخطي الحواجز والسدود، وهي أداة السرد، ففي الوقت الذي لا يستطيع فيه المتلقي للمسرحية أن يقبل فكرة الوسيط بين الكاتب والنص، نجد أن ذلك الوسيط نفسه في حالة القصة القصيرة يستطيع أن ينتقل كما يشاء في تصويره للأحداث، وفي وصفه للفضاء، وعرضه للحدث وطريقة تسلسله، ثم في نقلاته الحرة كما يشاء في الزمان والمكان(إسماعيل، 2009، 138). وهذا كله هو ما نقصده بقولنا أن أداة السرد توفر لكاتب القصة القصيرة وسيلة تعبير لا تعرف الحدود. بينما تقوم الشخصيات في المسرحية “بتقديم الأحداث للمتلقي من وجهة نظرها هي، أو من خلال وعيها للأحداث وإدراكها لها. المهم أن هناك وسيطاً بين الحدث والقارئ فهو الذي يقدم تلك الأحداث بطريقة السرد”(إسماعيل، 2009، 135).
كما ظهرت استفادة القصة القصيرة من تقنيات المسرحية من خلال “توظيفها لعناصر المشهد التجريبي وما يشيعه من إحساس بالتنافر وعدم التقابل، كما ظهرت هذه الاستفادة في إشاعة جو التغريب والتمسرح الذي شاع في المسرح الملحمي وفي المسرح التعبيري وفي مسرح العبث، وتمثل هذا في القصة القصيرة في استخدام شخصيات غير منطقية تتكون في الغالب من عناصر غير واقعية، تتحرك في بناء دائري يقوم على تراكم المشاهد بدلا من المشاهد المتتالية، حيث تتحرك هذه المشاهد من خلال الشخصيات في عالم تمتزج فيه الأحداث غير المنطقية (الفانتازيا) بالواقع وعناصره”(محمد، 2011، 262).
وتتجلى وحدة المسرحية في وقائعها المرتبطة بالمناظر الدائرة حول حدثها العام، بينما تتجلى وحدة القصة القصيرة في ترتيب أحداثها، ووضوح هذا الترتيب، فتشبه المسرحية من هذه الناحية، ولكنها قد لا تظهر أحياناً للقارئ إلا حين يشرف عليها – من عل – في نهاية القصة، فيتبين له آنذاك أن هذه الوحدة مرتبطة كل الارتباط بالحقائق والحوادث السابقة، وأن كل الأحداث والكلمات بعيدة عن الفضول، ولها معانيها الخاصة المتعاونة على بلوغ الهدف العام للقصة والمشتركة في بنيتها العضوية، فيرى في النهاية أن القصة لم تكن متصلة الحلقات فحسب، بل إنها كانت كلا لا يتجزأ، دائراً حول الفكرة العامة التي ما زال المؤلف يتعهدها وينميها ويتحرك بها حتى غايتها(هلال، 1997، 548-549).
كما تتفق القصة القصيرة مع المسرحية في توافر عنصر الصراع في كل منهما، غير أنه في القصة يتحرك في مساحة أوسع، ويشارك المتلقي في بعض مراحله، وهو يتجسد من خلال وصف الشخصيات والأحداث والأماكن، التي تعطي المجال لمخيلة المتلقي أن يراها بصور عدة، وبأشكال مختلفة، بينما يتجسد في المسرحية -معبرا عن وجهة نظر الكاتب- بصيغة واحدة تسير وفق ما رسم له، وهو يسير في أحداث مرئية محددة بأشخاص وأماكن معينة وزمن معلوم، كما أنه يتم من خلال توتر معروف قد لا يكون مكتوبا بالتفصيل(رحيمة، 2021)، وذلك على عكس السرد القصصي الذي يستكشف معاني الصراع ويحدده ويربطه بالفرد أو المجتمع في بناء يعتمد على أسلوب الكاتب وقدرته.
وتشترك القصة القصيرة مع المسرحية في توظيف كل منهما للحوار الدرامي، غير أنه في المسرحية يعد “الوسيلة الأولى لتقديم الحدث إلى الجمهور دون وسيط، وهو الوعاء الذي يختاره الكاتب، أو يُرغم عليه لتقديم حدث درامي يصور صراعاً إرادياً بين إرادتين تحاول كل منهما كسر الأخرى وهزيمتها”(إسماعيل، 2009، 139-140).
وتأسيسا عليه، فإن البحث الحالي يهدف إلى الوقوف على:
– أهمية الحوار الدرامي في بناء القصة القصيرة.
– وظائف الحوار الدرامي في القصة القصيرة.
– توظيف الحوار الداخلي (المنولوج) في كتابة القصة القصيرة.
– دور الحوار الخارجي (الديالوج) في البناء الدرامي للقصة القصيرة.
– لغة الحوار الدرامي في القصة القصيرة.
وبالتالي، فإن هذا البحث يحاول الإجابة عن الأسئلة الآتية:
(1) ما أهمية الحوار الدرامي في القصة القصيرة؟
(2) ما وظائف الحوار الدرامي في القصة القصيرة؟
(3) ما دور الحوار الداخلي (المنولوج) في تحقيق الوظيفة الدرامية في القصة القصيرة؟
(4) ما دور الحوار الخارجي (الديالوج) في بناء النص القصصي القصير؟
(5) ما طبيعة اللغة المستخدمة في الحوار الدرامي في القصة القصيرة؟
أهمية الحوار الدرامي في القصة القصيرة:
الحوار في صورته العامة “حديث بين شخصين أو أكثر تضمه وحدة في الموضوع والأسلوب”(الجاني، 1968، 35)، وقد نقل باختين قوام هذا المصطلح إلى السرد تحت مسمى “الحوارية”، وأعطاه مفهوماً واسعا يجاوز في دلالته الحوار العادي والمشهدي ذا الوظائف المتعددة: “الكشف، والصراع، والاستجابة، وغيرها”، إلى السرد الحواري، و”تتحقق في السرد الحواري أسلبة اللغات الاجتماعية أو الأدبية بمختلف مستوياتها”(أسويرني، 1998، 35). ويدرج باختين “الأسلبة” ضمن التهجين القصدي الذي هو إحدى طرائق إبداع صورة اللغة في العمل السردي، والتهجين -الذي يشير إليه باختين- فهو عنده لا يقترن بأية دلالة سلبية، بل هو عنصر إيجابي مولد للجديد، وعلى هذا الأساس يعرف التهجين بأنه “مزج لغتين داخل ملفوظ، وهو أيضا التقاء وعيين لغويين مفصولين بحقبة زمنية أو بهيمنة أيدلوجية أو بفارق اجتماعي، أو بهما معا داخل ساحة الملفوظ”(باختين، 1987، 120).
وقد استعارت القصة القصيرة مصطلح الحوار من المسرحية، فكيّفت مفهومه وأخضعته لقوانينها الخاصة، حيث أوجدت مسافة واضحة بينه وبين حوار النص المسرحي. فالحوار في القصة القصيرة يعرّف بأنه: “الكلام الملفوظ المتبادل بين شخصيات القصة وتقع عليه مسؤولية نقل حركة الحدث من نقطة إلى أخرى داخل النص، وهي عملية صعبة تتحول من خلالها الفكرة إلى جزء فاعل له صيغة عمل داخلية نابعة من إجراءات الحدث وتفاصيله”(عبد السلام، 1999، 29-30). ويشكل الحوار في القصة القصيرة نمطا تواصليا فنياً “يتبادل فيه المتحاورون الإرسال والتلقي في تعاقب يحدده فضاء نصي, تعمل وحداته الكلامية على إنتاج دلالة في خط متنام لفعل درامي”(عبد العزيز، 1970، 29)، فهو يتمثل التبادل الشفاهي, ويفترض عرض كلام الشخصيات بحرفية سواء أكان مدرجا بين قوسين أم لا. ولكي يحقق الحوار فاعليته في القصة القصيرة “لا بد من وجود متكلم أو مخاطب, ولابد فيه كذلك من تبادل الكلام ومراجعته”(صليبيا، 1986، 501)، فهو يشكل محورا يستقطب أفكار المتحاورين, ويسعى للتعبير عن مضامينها. ويعد الحوار ثالث الأدوار القصصية الرئيسية المتمثلة في السرد “حكاية الأعمال”، والوصف “حكاية السمات والأحوال”، والحوار الذي يعمل على جعل الأفكار المسندة إلى الشخصيات في شكل أقوال(قسّومة، 2009، 36).
وللحوار أهمية بنائية في القصة القصيرة، في ظل حقيقة أنه عنصر بنائي وافد إليها من عالم الدراما. وتاريخيا، فالحوار في الرواية أسبق منه في القصة القصيرة، لذلك أفادت القصة القصيرة في مفاهيمها ومرتكزاتها الجوهرية من معطى النوع الأدبي السابق لها وهو الرواية، ولا سيما في بناء المشهد في القصة القصيرة، حيث الحوار هو عماد المشهد وواسطته في الظهور، ولأن القصة القصيرة لها استقلالية واضحة في البناء والفضاء والإفادة من الأجناس الأدبية السردية الأخرى، فقد امتلكت خواص ميزت الحوار فيها، وهي خواص استمدت إمكاناتها من روح الفردية والذاتية في المعالجة والتوحد العالي لأجزاء النص في اتجاه واحد يقود الشخصية والحدث في القصة القصيرة استناداً إلى أنه “يوجد في القصة القصيرة شيء لا نجده في الرواية عادة وهو إحساس عارم بالتوحد الإنساني”(برات، 1982، 49)، فضلا على أن كاتب القصة القصيرة ليس له بديل عن التكثيف في استخدام الحوار، كي لا يميل إلى الإطالة في شروحات وتفاصيل، الأمر الذي قد يتوافر في الرواية بحكم عناصرها وبنائها.
والحوار مادة أساسية مهمة تشترك مع السرد والوصف في بناء نص القصة القصيرة بدلالته الخاصة، وهو عنصر مساعد للسرد والوصف، يتناوب معهما في عملية القص ويجعل المتلقي قريباً من الشخصيات المتحدثة عن ذاتها بأسلوبها الخاص، فالحوار يحتل موقعاً متميزاً بفضل “وظيفته الدرامية في السرد وقدرته على تكسير رتابة الحكي بضمير الغائب الذي ظل يهيمن على أساليب الكتابة فترة زمنية كبيرة”(بحراوي، 1990، 166). والحوار يعد النص هو العنصر الذي يحمل الدراما، وإمكانية تحقيق الدراما مرتبطة بإمكانية تحقيقه بوصفه فعلا من الأفعال يزداد به مداها النفسي عمقا والحدث الدرامي تقدما(الصالحي، 2001، 50)، والحقيقة أن استخدام الحوار تقنيةً أساسية في كتابة القصة القصيرة يحتاج إلى حرفية عالية حتى لا يبدو زيادة أو ثقلا على بنائه، بل يجب أن يسهم في تطويره بما يخدم غرض الكاتب.
وظائف الحوار الدرامي في القصة القصيرة:
تنبع أهمية الحوار الدرامي في القصة القصيرة من وظائفه المتعددة، لذا فهو يلقى عناية مضاعفة من الكاتب؛ لأن القصة القصيرة تلجأ إليه “لحاجة أساسية في بنائها للتكوين المشهدي الذي يسعى إلى تسليط الضوء على جزء زمني من حركة الشخصية وفعلها الحدثي. فيكون الحوار في القصة القصيرة نافذة لمرونة يحتاجها البناء السردي، ولعلها رئة أخرى تتنفس القصة من خلالها هواء جديداً يضخ في أجزائها”(عبد السلام، 1999، 33).
إن الحوار الدرامي في القصة القصيرة يؤدي مهام السارد، أو يعوض وظيفة السرد حينما يحتاج إليه الكاتب، وهو في ذلك يختلف عن الحوار في المسرحية، التي لا تعتمد على سواه. وهو في القصة عنصر من عناصرها الحيوية يقوم بدور كبير في تقديم الشخصيات ورسم صورة توضح طبائعها وأبعادها النفسية والاجتماعية والأخلاقية، وهو يشترك مع السرد في أداء هذه الوظيفة، فيستطيع الحوار الدرامي في القصة القصيرة أن يجعل من الشخصية شخصية تقوم بأفعال أمامنا وتخبرنا بأحداث وقعت في الماضي دون تدخل من الكاتب، فهو يجعلها تنمو وتتطور من خلال كلامها ومواقفها التي تنسجم مع الطباع، فلا “تقف مهمة الحوار عند رسم الحوادث؛ وتلوين المواقف؛ بل هو الذي يعول عليه أيضا في تكوين الشخصيات؛ فلا بد لنا أن نعرف عن طريقه طبائع الأشخاص، ودخائل نفوسهم، فهو الذي يجب أن يظهرنا على ما ظهر منهم وما خفي، ما يفعلون أمامنا، وما ينوون أن يفعلوا، ما يقولون لغيرهم من الأشخاص، وما يضمرون لهم في أعماق النفوس”(الحكيم، 1973، 149-150).
والحوار الدرامي حينما توظفه القصة القصيرة فهو يكشف عن الحدث أو الموضوع من خلال كشف الشخصيات، ورسم ملامحها المختلفة وأبعادها المتعددة، وربط السياق بعضه ببعض من خلال التعبير الذي تشارك فيه عناصر القصة جميعاً، فعلى عاتق الحوار يقع تلوين المواقف والأحداث، فهو “يعد أداة طيعة في الكشف عن الأحداث وتطويرها، ودفعها إلى الأمام باتجاه العقدة أو حلها، كما يعمل على كشف عنصري الزمان والمكان بوصفهما إطارا للحدث والشخصية”(عبد السلام، 1999، 165).
وقد أشار النقاد إلى جملة من الوظائف التي يؤديها الحوار الدرامي في النصوص السردية، ومنها القصة القصيرة، من أهمها(مورجان، 1994، 268):
1- خلق جو عام للنص الأدبي.
2- إعطاء المعلومات.
3- تطوير النص من خلال تطوير الحوادث حتى الإفضاء بها إلى العقدة.
4- الكشف عن نفسيات الشخصيات المتحاورة في النصوص الأدبية.
5- الإيحاء بصدى الأحداث إلى المتلقي.
في قصة “عُبيد” يكشف الحوار للمتلقي عن طبيعة الشخصية الدرامية وتكوينها النفسي والاجتماعي، فشخصية “عُبيد” الذي تسرد القصة حكايته على لسان جارته “المعلمة”، يكتشف من خلاله المتلقي أن “عبيد” قضى حقبة كبيرة من عمره في دولة “الكويت” قبل أن يعود إلى وطنه “عُمان”: “كلما التقيته صباحا وأنا في طريقي إلى العمل رفع صوته ويده، وقال بلهجة كويتية مميزة جدا:
– صباح الخير أستاذة .
– صباح الخير عبيد.
– كيف المدرسة وخالتي؟
كان يطلق لفظ خالتي على كل امرأة تكبره ولفظ بنت خالتي على كل واحده تصغره”(المغيزوي، 2008، 133).
كما يكتشف المتلقي من خلال الحوار بأنه يتعاطى شرب الكحول باستمرار، وأن له حكاية مؤلمة مع امرأة تسببت في كرهه للنساء باستثناء قلة منهن: “عندما يقول لنا عبيد: أنت طيبة وأبوك طيب وأمك طيبة، نعرف جميعا أنه سكران. يبدأ بإطلاق صفة الطيبة على كل من يصادفه وبعدها يختار تجمعات الناس بالقرية….، ومن ثم يقول عبارته المشهورة: الله يلعن الحريم…. الله يلعن الحريم.. كلهن يريدن الفلوس. بعدها يبدأ حديثه الذي ينهره عليه أهل القرية:
– فلانة كنت أنام معها للفجر، وفلانة نصف أولادها مني.
ثم يوجه الكلام إلى إحدى النساء في التجمع الذي يختاره:
– خالتي تعرفي أنا اشتريت الذهب لفلانة، هذا الدليل على حبنا (يرفع كمه ليري الجميع وشما لحرف باللغة الإنجليزية على ساعده الأيمن).
– هذا أول حروف اسمها، في الكويت وشمت نفسي حتى تكون معي دائما.
– اسكت يا عبيد، عيب هذا الكلام، تريدهم يذبحوك؟
يصرخ عبيد بعد التشهير بأسماء النساء اللائي عرفهن:
– الله يلعن الحريم…. الله يلعن الحريم.. كلهن يريدن الفلوس.
بعدها يبكي عبيد بكاء مرا لرجل مقهور ينتحب….
– بنات الحرام.. دخلت السجن وضاعت فلوسي، وتركت بلادي بسببهن.
– الله يجازيهن يا عبيد، أنت توب لربك وحياتك تتغير”( المغيزوي، 2008، 133-135).
والحوار في قصة “صمت المخيمات” لا يستخدم بمعزل عن النظام السردي العام فيها؛ فهو جزء أصيل من النسق الدرامي بين الشخصيات دون وساطة الراوي. وقد نهض الحوار بمسؤولية توضيح أفكار الشخصية الرئيسة “داليا” تجاه قضية العدوان الإسرائيلي على بلدها فلسطين، وما خلفه ذلك العدوان من تشريد للفلسطينيين في المخيمات: “كل ما تحمله مخيلتي أولئك الأشخاص الذين قالوا إنهم أصحاب أرضي وبناة هيكلها وأنا أجول في المخيمات الباردة التي لا تحمل في جوفها سوى الصقيع. لماذا لا يبنون هيكلهم في المخيم ويتركون لنا أرضنا؟! لا خطوط الطول ولا خطوط العرض حمتنا.
– محمد: اعتبري مخيمك مصدر عز.
داليا: بل هو مصدر عار للجميع بما فيهم نحن. لماذا تدافع عن مكان لا يصلح لأي شيء إلا للموت؟! المخيم غرفة انتظار كبيرة، …. نموت فيه ويموت فينا”(البلوشي، 2014، 68).
بالإضافة إلى تقديم الشخصية المحورية في القصة وأفكارها بوساطة الحوار الدرامي، فإنه يتولى أحيانا تقديم الشخصيات الثانوية التي تظهر حينما تشتد الحاجة إليها ويكون ظهورها لحاجة فنية يخدم المشهد الدرامي في القصة، فهي همزة الوصل التي تخطو بالحدث خطوة أخرى إلى الأمام، “وظهور مثل هذه الشخصية بهذه الصورة هو ما يسمى في عالم المسرحية بالمشهد الإجباري”(رضا، 1972، 613).
مثل ذلك نجده في قصة “كاذية بنت الشيخ”( المغيزوي، 2008، 137)، حيث ينهض الحوار في القصة بتصعيد الحدث الدرامي بوساطة مجموعة من الشخصيات الثانوية: شيوخ محافظة الباطنة: “محمد ولد الصد؛ سعيد ولد البحر؛ حميد الأصم”، وعجائز محافظة الباطنة: “صَبحى؛ الأم هنيّة؛ شريفة بنت الخير؛ ريّا أرملة مصبّح”. والقصة تقدم هذه الشخصيات في مشاهدها، وتعرّف بها بشكل متتالٍ كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
دور الحوار الداخلي (المنولوج) في تحقيق الوظيفة الدرامية في القصة القصيرة:
“الحوار الداخلي” أو “المونولوج” شكل من أشكال الحوار الدرامي التي اتبعها بعض كتاب النصوص السردية، وهو نمط يقف على كشف خبايا النص، وفيه يتحول الحوار “من نمط تناوبي يدور بين شخصيتين، إلى حوار فردي يعبر عن الحياة الباطنية للشخصية”(عبد العزيز، 1970، 39)، إذ توظفه للتعبير عما تحس به وعما تريد قوله إزاء مواقف معينة، فهو يعمل على “تكثيف الأحداث والزمان ويعطي الفورية للقصة القصيرة، وما يميزه إنه صامت ومكتوم في ذهن الشخصية، كما أنه غير طليق ولكنه تلقائي بالنسبة للمتلقي”(سرمليون، 1982، 85-86)، وعلى ذلك، فهو يعرّف بأنه “ذلك التكنيك الذي يستخدم في القصص بغية تقديم المحتوى النفسي للشخصية والعملية النفسية لديها دون التكلم على نحو كلي أو جزئي في اللحظة التي توجد فيها هذه العمليات في المستويات المختلفة للانضباط الواعي قبل أن تتشكل للتعبير عنها بالكلام على نحو مقصود”(همفري، 1975، 44).
ويقسّم روبرت همفري Humphrey Robert)) المونولوج على نمطين، هما(همفري، 1975، 44):
1- المباشر الذي يمثل عدم الاهتمام بتدخل المؤلف وعدم افتراض أن ثمة سامعاً بل هو موجود بإشاراته.
2- غير المباشر الذي يقدم فيه المؤلف الواسع المعرفة مادة غير مسلّم بها ويقدمها كما لو أنها كانت تأتي من وعي الشخصية.
فيما يذهب نجيب العوفي إلى جعله على ثلاثة أنماط، هي(العوفي، 1987، 518):
1- المونولوج الواعي “الذاكرة الإرادية”، الذي يشكل تداعيات تظل مشدودة إلى الشعور ومحكومة بالوعي، ويتخذ ثلاثة مظاهر هي: التذكر والنجوى والتخيل.
2- المونولوج اللاواعي “الذاكرة اللاإرادية”، الذي يشكل التدفق التلقائي للسيولة النفسية من غير ضوابط أو روابط تحل فيه الآلية اللاشعورية. ومن مظاهره: الحلم الصريح، وهذيان الذاكرة، أو تداعيها الحر.
3- المونولوج الإنشائي أو فقدان الذاكرة، وهو الصراع المتجدد “الحاضر”، والمخزون النفسي الملغوم بالعقد وبالمكبوتات “الماضي” والتطلع نحو التحرر والخلاص من “المستقبل”.
وفي كل الأحوال، فإن المونولوج في القصة القصيرة، ذو تنوع وغنى في أساليبه وأنماطه الوظيفية التي تحقق له غايته الفنية. ولا يمكن أن يُحلَّل إلا استرشادا بمعطيات الذاكرة وقدرتها على الاسترجاع والكشف عن أحداث الزمن الماضي وارتباطها بالمحفزات في الزمن الحاضر في سياق تطور الحدث والشخصيات، فضلا على العلاقة المهمة بين حوار الذات مع نفسها، والمخيلة بوصفها مولدا مستمرا لأحوال وصور ورغبات تقيم فعل المواصلة مع النفس البشرية في موقف مسبب. وقد دعا هذا الأمر إلى تبين علائق التشابك بين الذاكرة المسترجعة للصور، والمخيلة المؤسسة لها والمبتكرة لما ليس له وجود في وعي الإنسان. وذلك كله ينشط في ضوء فلسفة اتجاه أدبي مهم، هو تيار الوعي الذي يقود القصة في سياق خطابها العام على ضوء المعطى الجوهري للوعي وإمكانيات التوليد الذهني. ولأن القصة القصيرة ذات ارتباط وثيق بالنزعة الذاتية، وبالحدث المفرد فإن المونولوج يرتبط غالبا بكلية حدث القصة، مؤديا إلى جعل هذا الأسلوب عنصر انتماء وانبثاق في داخل النص على نحو شمولي. في الوقت الذي يمكن أن نجد مونولوجا جزئيا يرتبط بحدث طارئ ليس له تأثير جوهري في سياق النص كله(عبد السلام، 1999، 34).
إن المونولوج الذي تقيمه الشخصية مع ذاتها يعمل على تحقيق وظيفته الدرامية في القصة القصيرة، من خلال تمكين الشخصية من التعبير عن الأفكار بتدرج منطقي لا شائبة فيه، فهو يمثل سلسلة من الذكريات لا يعتريها مؤثر، فلا أفكار غير متسقة مع الإطار الفكري العام، حيث إن المونولوج يتعلق بالترابط المنطقي، ومبدأ الترابط ضمن عالم الاختبار الداخلي يفترض مسبقاً مبدأ السببية تماماً، كما هي الحال في العلاقة بين الأحداث الفيزيائية في الطبيعة، فلا يعمد الكاتب في المونولوج إلى رسم الشخصية من الخارج وإنما يتغلغل داخلها، محاولا الكشف عن صورة لواقعها الداخلي وإحساسها ومشاعرها التي تختلج في جنباتها(أبو لبن، 1994، 5)، إذاً، فهو أداة فنية تعمل على كشف الشخصية من الداخل، فضلاً عن الحال الشعورية التي تنطوي عليها، كما أنه دليل على وئام الشخصية وانسجامها مع الواقع الخارجي، فتسعى إلى عرض همومها، وأمانيها، وتصوراتها عن الحياة والناس عبر حديث داخلي يتصل بالعالم.
والكاتب حينما يوظف المونولوج في كتابة القصة القصيرة يعمل على “خلق ظل للراوي في القصة، فيحاوره لإنتاج معطيات سردية معينة”(مراشدة، 2002، 255)، كما أنه يتيح للمتلقي التأمل فيما وراء النص فليحظ مدى اغتراب الشخصية وارتباكها إزاء فعل واقعي سبب لها أزمة، وحملها على البحث عن مخرج، ثم إن هذه الكيفية التعبيرية على لسان الراوي تشني سلوكات المجتمع الذي اختيرت الشخصية منه، فتغدو معطيات السياق دالة على حالات اجتماعية إنسانية. ومن هذه الزاوية يكون القارئ مشاركا في البحث عن الدلالات المثارة في سياقات النص، وعدم الوقوف عند التوصيلات الإخبارية التقليدية للنص، فالمبدع “كالمفكر ينقبان على الحقيقة. بطريقة مختلفة؛ المبدع يجعل المتلقي أو القارئ يشاركه، ليكون طرفا في البحث، وليكون طرفا في المحاورة، وليكون طرفا في علاقته بالشخوص وبالأبعاد الزمانية وبالأبعاد اللغوية”(مراشدة، 2002، 255)، فالحوار بهذه الكيفية يجعل المتلقي متحركا في فضاءات النص الكامنة ، و يكون أساسا للبحث والتنقيب عن حقيقة محتملة يقدمها التأمل في القصة.
وقد ذهبت الكعبي في دراسة لها إلى أن هذا النوع من الحوار، ربما يعد أكثر الأنواع ظهوراً في القصة القصيرة العمانية(الكعبي، 2011، 264)، وإن كان الباحث يرى أن القصة العمانية القصيرة قد وظفت الحوار بنوعيه، وهي لم تختلف عن مثيلاتها في الوطن العربي في توظيف الحوار الخارجي بصورة أكثر، فلا يكاد يخلو أي نص قصصي من هذا النوع من الحوار, “لأن القصة بأبسط صورها هي محكي الحدث الذي تقوم به الشخصيات، مما يستوجب نوعا من العلاقات المتبادلة بينها، هذه العلاقة تحتم حوارا بينها يعد كوسيلة اتصال من جهة، وصيغة تفاهم يتجلى عبرها الحدث على نحو ما من جهة ثانية”(البياتي، 2010، 50).
استطاع الحوار الداخلي في قصة “شبح المرآة” أن ينقل للمتلقي عبر مشهد درامي، تأثير فعل السنوات في الرجل الأربعيني، الذي اعتاد أن يكون محط أنظار النساء والرجال على حد سواء ذات يوم: “أقف أمام المرآة، أرى ملامحي، أتمرأى بما يشبع رغبتي هذه اللحظة، بودي أن أقرأ السنوات التي أطفأت جمرها في قسمات وجهي، في المرآة يلوح لي رجل غائر الملامح. من هذا الذي أراه؟ أهو أنا أم شبح يختبئ خلفي؟ لكن لا أحد ورائي. أحاول خداع الصورة لأتأكد من هذا الماثل أمامي. أميل برأسي جهة اليمين فيميل برأسه أيضا، أتقدم قليلا فيكبر، ثم يفيض خارج البرواز، الشبح يبدو أكثر بشاعة. أهو أنا؟. أرجع إلى الوراء فأرى الصورة منكمشة، أدلع لساني فيخرج من الفم المواجه لسان متقرح، لا يبدو عليه لشخص في سن الأربعين، أهرش رأسي فيهرش رأسه”(الحضرمي، 2011، 163-164).
إن لغة الحوار الداخلي السابقة استطاعت نقل طبيعة الأحاسيس التي تعيشها الشخصية، وقد تعدت وظيفة هذا الحوار من التعبير عن الحال الوجدانية فقط إلى وظيفة التشكيل والتمثيل للعالم الداخلي “الذهني والنفسي” الدرامي للشخصية، فالمقطع الحواري بمثابة مناجاة درامية يعبر فيها الراوي عن وعيه الشعوري بالحزن على تقدم العمر به وبداية انحسار الجاذبية التي يتمتع بها.
ويأتي الحوار الداخلي في قصة “عينا محب” على شكل فقرات ومقاطع لمشاهد حوارية تعبيرية، تقوم على الاستحضار الفوري والمكثف لمستويات متنوعة من الوعي واللاوعي للشخصية القصصية، فيكشف عن حالاتها الوجدانية التي تتزامن مع سير الحدث في القصة حتى النهاية: “أنا وحدي أبكي الآن لوحدي ولا أحد يمسح دمعتي.. سعادتي أين تكون، لست أدري. تترآى أنت أمامي ولا أرى منك شيئا، كعينيك تلمعان في وضح النهار بشعاع حاد ملك عليّ قلبي، أغلق عليّ أنفاسي”(البلوشي، 2014، 41).
في قصة “عندما خلعت النظارة” مثلت بنية الحوار الداخلي وسيلة أسلوبية درامية حدت من رتابة السرد والوصف والحوار الخارجي، إذ أتاحت للكاتبة توضيح بعض أفكارها تجاه مشاعر الحب من خلال حوارات داخلية ضمتها المشاهد التي ترسمها القصة: “أي شعور يعتريني هذه اللحظة المنبثقة من عمري القادم، تناوشني الكلمات جيئة وذهابا، علها تفترس بادرة اعتراف حميمة تنبئ بالحقيقة، أي عمر بور انسل مناوئا إرادتي العمياء، متجاوزا حدود خنوعي الأبدي، أحاول الدنو من ذاتي، أنكمش، أفر بعيدا، يطاردني الهروب الذي طالما استوطن رغبة وضع الأشياء في مكانها الصحيح، يتوشجني الخجل مما وقعت فيه، لطالما نبذت فكرة العاطفة من حياتي، لطالما عشت بالعقل وللعقل وحده، لطالما أخفيت رهبتي من الرجل وراء نظارة متزمتة…..”(النحوي، 2006، 8).
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
دور الحوار الخارجي (الديالوج) في بناء النص القصصي القصير:
يعرّف “الحوار الخارجي” أو “الديالوج” أنه ذلك “الحوار الذي يدور بين شخصيتين أو أكثر في إطار المشهد داخل العمل بطريقة مباشرة”(عبد السلام، 1999، 21)، ويطلق عليه “الحوار التناوبي”، أي الذي تتناوب فيه شخصيتان أو أكثر بطريقة مباشرة، فالتناوب هو السمة الظاهرة عليه، وتربط المتحاورين وحدة الحدث والموقف، وهو أكثر أنواع الحوار شيوعاً في القصة القصيرة عموما، “إذ له وجود واضح في أية قصة تضم شخصيتين بينهما وشيجة تربطهما بحدث وزمان ومكان”(عبد السلام، 1999، 29).
والحوار الخارجي عامل أساسي في دفع العناصر السردية إلى الأمام. حيث يرتبط وجوده بالبناء الداخلي للعمل القصصي، ومن شأنه أن يعطيه تماسكاً ومرونة واستمرارية. فهو “الكلام الملفوظ المتبادل بين شخصيات القصة، وتقع عليه مسؤولية نقل حركة الحدث من نقطة إلى أخرى داخل النص. وهي عملية صعبة تتحول من خلالها الفكرة إلى جزء فاعل له صيغة عمل داخلية نابعة من إجراءات الحدث وتفاصيله”( عبد السلام، 1999، 29). ويرى بيرسي لوبوك (Percy Lubbock) أن ذلك هو مسرحة الحركة والأفكار ويسميها “الدراما الناطقة”، لأن الشخصيات تعبر عن ذواتها من خلال أفكارها المنطوقة في إطار من صراع الأحداث. في حين يطلق لوبوك على التأملات والتداعيات المحصورة في ذهن الشخصية مصطلح “الدراما الساكنة”( عبد السلام، 1999، 30).
والحوار الخارجي لا يأتي معزولاً عن عناصر اللغة الأخرى من سرد ووصف، بل يتداخل معها، فعندما يبدو الحوار يغيب صوت الراوي، وتبدأ الشخصيات تقديم نفسها، معبرة بصدق عن دواخلها، وما يعتمل في نفسها، فيزيد ذلك من حيادية القصة القصيرة وصدقها.
في قصة “رائحة لا تشبه أحدا” يتمحور الخطاب الخارجي بين الزوج وزوجته بعد إنجابها لمولودتها التي وضعتها أنثى بعد ثلاثة ذكور، وقد كان لون عينيها أخضرَ لا يشبه لون عيني أحدهما أو أحد في الأسرة أو حتى القبيلة، مما جعل أعين النسوة تتغامز: “أسمتها مريم، كاسم أمها.. وعندما تغامزت النسوة على لون عينيها التي تشبه خضرة الشجر، حملتها على خاصرتها وأغلقت بابها، ولم تشرب القهوة معهن ثانية”(خلفان، 2004، 32).
وفي المشهد الذي يجمع الزوج بزوجته بعد عودة الأول من السفر وإبلاغه نبأ ميلاد ابنته التي كان ينتظر قدومها، يتفاجأ بلون عينيها التي لا تشبهه، فيساوره الشك كما ساور نساء القرية من قبله في حقيقة أبوته للطفلة: “في الدار ضمهم إلى صدره وشم رائحتهم، عند الباب وقفت مريم ترقب امتداد الشوق إليها، وقفت طويلا حتى أبصر ظلها على الحصير، فتح ذراعيه وضمها، شمها طويلا، رفعت عينين بخضرة الخلال.. وعندما اختلى بالمرأة، قال:
– لم تفرغي رائحتي في رحمك.
– بلى.
– والعينان لمن؟.
– العرق يمد لسابع جد.
– لا شيء غير السُمرة فينا.
– لم أحمل إلا رائحتك.
– والعينان لمن؟”(خلفان، 2004، 32-33).
إن الحوار الخارجي في المشهد السابق، تمليه طبيعة الحدث الذي أراد الكاتب توصيله للمتلقي، فأتى الحوار المباشر بين الشخصيتين في لغة منظمة ليعبر عن أفكار الزوج، ومحاولة دفاع الزوجة عن نفسها، الأمر الذي يعمل على نقل الحدث إلى مستوى متقدم داخل القصة.
وأتى الحوار الخارجي في قصة “في منطقة حظر التجاوز” ليعبّر عن أزمة الانكسار التي تعيشها شخصيتا الحبيبين، وقال طال بهما الزمن دون أن يحققا حلمهما في الزواج. ففي المشهد الذي يجمع بينهما لحسم الأمر بعد أن طال به الأمد، نجد الحوار الآتي:
“يأتي صوتكِ من خلف النقاب كالضباب، كالسراب، كالفجيعة، …..أصطاد بعضا.. كلمات، كلمات:
– جئتَ؟ الآن رضخت لواقع التحديد الأخير. جئت مبكرا على غير العادة. أهو استعجال لتلك اللحظة؟ …..
– مقيتٌ هاجس الكلام. صاخبٌ ينتابه الهدوء. دعيني أهتف بكلمات لم أقو يوما على البوح بها. علها تزحزح شبح الفراق.
– التحديد، لا بد من التحديد. ما عدت أحتمل التسويف، لا بد من تقديم التنازل وإلا …
– كلا. كنتِ لي عمرا جمعني برياح التغيير. أشعل في داخلي حب الأشياء، أيقظ فيّ رياح التجديد. أي أمر هذا الذي يفصلنا؟ أهي المادة يا روح العطاء؟.
– المادة؟!!!. كنتَ لي همس البلابل حين داهمتني المصاعب ذات ضعف. رأيتكَ تحمل العواطف على كف من ذهب، قدمتها لي، غيرت معاني العطاء في قاموسي. ربطتني بهلام إحساس جميل. لست أنكر فضلك. ما عشقتك من أجل المادة…..
– هو الرحيل إذن.
– نعم”(الفارسي، 2006، 43-44).
إن التعبير الدرامي في المشهد الحواري السابق يمنح الكاتب مجالا لتقديم الحدث في القصة، حيث يتحول الحوار إلى ناقل لفكرة الحدث وتفاصيل الصراع فيه، كما يمنح الشخصيتين مجالا لتقديم بعض التوصيفات عنها، وتتحدد من خلال هذه التوصيفات الأبعاد النفسية والسلوكية لهما. وبالتالي يكون المتلقي مدعوا للاشتغال حول تكوين أفكار عامة عن الشخصيتين، وتأسيس مرجعية عنها.
طبيعة اللغة المستخدمة في الحوار الدرامي في القصة القصيرة:
عند الحديث عن الحوار الدرامي في القصة القصيرة ينبغي التفريق بين مصطلحي “الحوار” و”المحادثة”، فالمحادثة “تستعمل لكلام الناس في الحياة العادية وهي أقرب ما تكون إلى الثرثرة”(تاورته، 2004، 59)، أما الحوار فهو كلام الشخصيات في القصص القصيرة، المبني “بناء فنيا بحيث تنتقى له أحسن الأساليب المعبرة عن الشعور والعاطفة وعن الأفكار الذكية”(تاورته، 2004، 59)، فالحوار، إذاً، أكثر إفصاحا وإيجازا واختصارا من المحادثة التي تتسع لأحاديث قد لا يكون لها صلة بموضوع المحادثة، لأنها قد لا تكون هادفة، لذا فهي غير منضبطة؛ وعلى ذلك فإن “آفة الحوار التي تقضي على حيويته هي الإطناب، فما أسهل أن ينسى الكاتب نفسه فيترك شخصياته تتحدث كثيرا أو تندمج في حديث لا طائل منه، في الوقت الذي يجب إسكاتها فيه، لأنها حينئذ تخرج عن الموضوع وتتعدى الحدود المرسومة لها”(مقلد، 1975، 10).
وعلى ذلك، فإن من شروط القصة القصيرة ذات الصبغة الدرامية أن تستخدم الحوار في جمل قصيرة لكي لا تتحول إلى خطب متبادلة. وهي تختلف في ذلك عن غيرها من الأجناس الأدبية، فالرواية مثلا – لطبيعتها المرنة- تتيح “مجالا واسعا للوصف وللعرض حيث يتحرك قلم الكاتب فيصف المشاهد الطبيعية والبيئات التي تتحرك فيها الشخصيات وتدور فيها الأحداث، كما يصف شخصياته وأبطاله بحرية واسعة”(عثمان، 1982، 207). إن الاستغراق في الوصف بالصورة السابقة من شأنه أن يبطئ الحركة في القصة القصيرة، وهذا الأمر يعاكس تماما طبيعة الحوار فيها فهو يفترض فيه دفع الأحداث والمواقف إلى الأمام، فمن “طبائع الحوار الفني أنه يعمل على تغيير رتابة السرد ويعمل على تنويع المواقف وإيضاحها كما يعمل على نمو العمل الروائي أو القصصي باستمرار”(تاورته، 2004، 59).
ويؤكد توفيق الحكيم على أن أهم صفات الحوار الجيد الإيجاز، وهو يقارن بين المقطع الحواري والبيت الشعري، فكما يخضع البيت الشعري للوزن، وكلماته معدودة ومنسجمة مع الوزن، على الجملة في الحوار أن تخضع للإيجاز والتلميح والتكثيف، فالحوار عدو الحشو والإطالة شأن الشعر الذي يوفر لكل كلمة حيزا معلوما لا مكان فيه للزيادة والتكرار(الحكيم، 1973، 148).
وعليه، فإنه لكي تؤدي الجمل الحوارية في القصة القصيرة وظيفتها الدرامية، سواء في إظهار أبعاد الشخصية أو تطوير الحدث بصورة واضحة ومحددة، يجب أن تكون موجزة ومكثفة في الوقت ذاته، إذ إن الإيجاز والتكثيف في لغة الحوار في القصة القصيرة، عنصران مهمان يؤديان إلى مواءمة حديث الشخصيات مع تكوين القصة القصيرة من حيث فضائها الزماني والمكاني والحدثي، ومن ثم فهما يتناسبان مع طبيعة القصة القصيرة التي من سماتها التكثيف والوحدة، لذا يمكن اختزال كثير من الحوارات التي ترد في القصة القصيرة دون إحداث أي ضرر ببنيتها، بل أن حذفها يؤدي إلى الأفضل بلا ريب.
في المشهد الذي يدور بين الزوج وزوجته في قصة “أزرق للحزن”، نجد الكاتبة تستخدم الحوار الدرامي للتعبير عن الصراع النفسي لدى الزوجة المطلقة التي ما زالت تحن إلى زوجها، وهي تنجح في توظيف الحوار المقتصد في المشهد لتصعيد التوتر الذي يعد عنصراً أساسياً في البناء الدرامي الجيد: تقول:
” – يؤلمكَ أن لا أحبكَ.
– يؤلمني أني لم أزل أريدكِ.
– ويؤلمني ألا أستطيع أن أتعاطف مع رغباتكَ.
– لكنكِ زوجتي، وفراشكِ جزء من حقوقي.
– لم أحرمكَ منه، لكنكَ اخترت فراشا آخر.
– خشية حزنكَ، هذا الأزرق البارد كالصقيع”(خلفان، 2004، 11).
إن لكل كلمة تقولها الشخصية في المشهد السابق وظيفة محددة، إذ يبلغ الاقتصاد في الحوار درجة عالية، وذلك دون افتعال أو تصنع، إذ لا نستطيع أن نعثر على جملة واحدة لا تؤدي وظيفتها في تحريك الصراع، أو إبرازه، أو تطويره.
ومثل ذلك نجده، أيضا، في مشهد الافتتاح في قصة “جنان”، فالحوار الدرامي يمضي بين الحبيبين موجزا أشد ما يكون الإيجاز، موحيا بالحال النفسية التي يعيشها كل منهما، فالكلمة في الحوار تؤدي وظيفتها في إطار الجملة لتحقيق هدف الكاتب في إيصال الحال النفسية والشعورية للشاب والفتاة:
“أمسك وجهها بكفيه، وقال:
– أنتِ جنتي.
غشَّى الدمع على عينيها، همست:
– أنتَ كنوزي.
تشبثت بكتفه، وأيقنت في تلك اللحظة أنها ستفقده……
جلست القرفصاء:
– لا أريد العودة.
واقفا مادا يده يقول:
– ستغرب الشمس.
طأطأت:
– فلتغرب.
ضحكت عمته وخطّت بعصاها على الرمل خطا سرعان ما أتى الهواء على أثره فمحاه”(الحارثي، 2006، 63-64).
كما أن الحوار المقتصد والمكثف في مشهد البداية في قصة “على الكرسي الخشبي في الحديقة.. جلسنا”، يؤدي وظيفته الدرامية في التعريف بطبيعة شخصيتي الشاب والفتاة في القصة:
“قال لي: أنا وحيد بلا أصدقاء، وسعيد بوحدتي.
قلت له: أنا وحيدة بلا أصدقاء، وحزينة لوحدتي.
قال: لا أحب الأصدقاء، كل صديق هو مشروع خيانة مؤجل.
قلت: أحب الأصدقاء، لكني فقط لا أجدهم”(الحارثي، 2006، 87).
وعلى عكس ذلك تماما نجد لدى بعض كتاب القصة العمانيين نماذج من الحوارات الدرامية المطولة، فبقدر الاقتصاد في بعض النماذج، نلاحظ إسرافا في توظيف تلك الحوارات في المشاهد الدرامية التي تفتقد التركيز وقوة الإشارة داخل الحدث ذاته، وإصابته دون استطراد. فمثلا نجد المشهد الحواري في قصة “مكنسة الغروب” قد اتسم بطول جمله الحوارية، الأمر الذي ساعد على التقليل من فاعليته، بحيث اقترب من السرد العادي: “يدخل الأب، يوسع حدقته في جسد المرأة قبل أن يزعق، كانت تصارع فراش الحوش، تضربه بعصا صلبة …..
– أين الأطفال يا امرأة، الليل سيأتي وأنتِ تُرقّصين مؤخرتك فوق الأفرشة.
– خاف الله يا رجل، أح، أح، خاف الله ألا تراني أعارك هذه الخرقة القديمة.
– دعي خلقانك الآن وأحضري أولادي قبل أن يبتلعهم الظلام.
– سوف يتأتون بأنفسهم، دعني الآن أنتهي من هذا البساط الأغبر.
– وما أدراك أنهم لا يبتعدون إلى أضواء الشوارع القاتلة.
– قلت لك اذهبي وإلا دفنت رأسك في جوف ذلك المرحاض.
تلتفت إلى الجهة التي أشار إليها، حيث الحمام الذي بلا باب، ثم ترتدي نعلها وتخرج وهي تقذف باللعنات من فمها”(الرحبي، 2011، 40).
وفي قصة “صياغة أخرى للنسيان” نجد مثل تلك الحوارات المطولة التي بنيت عليها مشاهد القصة، غير أن طول تلك الحوارات لا يأتي فقط من طبيعة الجمل الحوارية وإطناب الكاتب فيها، بل من استرساله في الوصف والتقديم لقول الشخصية والتعليق الواصف الذي يردف الحوار أو يسبقه، حيث يكثر الكاتب من استخدام المواقف السردية والوصفية ضمن المشاهد الحوارية: “قال لها: احتجتك كثيرا. انتابتني رغبة ملحة في البكاء بين يديك. ضاع عليك المشهد.
كانا يفترشان الرمل والغياب. السماء فوقهما منيرة وأنجمها حائرة.. وهما يحاولان رؤية القمر كاملا دون أن يختفي جزء منه خلف سعف النخلة المتمايل مع الهواء اللطيف. شعرها يمتزج بالرمل، يتطاير بفعل الهواء فيدخل بعض منه فمها من الجانب الأيسر….. ظن أنها تريد تغيير الموضوع. قال بعد تفكر:
– غريب أمر النخيل. تستطيع العيش رغم كل الغدر. هذه النخلة أهدت سر عروقها للرمل. ألا تشعر بالبرودة؟!
لمحت يديه ترتفعان وتنخفضان بتسارع أكبر. كانت مشغولة بظن الحلم ومشهده حين يبكي…… قالت محاولة استدراجه:
– النخيل تشرب دموع الأرض. ترسل جذورها أبعد من قدرتنا على التحمل، ثم ترتفع بالسر عاليا.. هناك في أطراف السعف. انظر إلى القمر. لو لم يكن السعف عارفا بدموع الأرض لسمح للقمر بأن يراها طيلة الوقت. الأرض تتوارى عن الآخرين حين تهم بالبكاء.
حرك الهواء شعرها فلامس شفتيه. باعد بينهما ليذوق طعمه. امتزج ريقه بنكهة شعرها والرمل. قال وقد أزاح جزءا من الشعر بلسانه إلى خارج فمه:
– طعم خرافي.
لم تنظر إلى يديه. كانت تبحث عن طلع النخلة. همست:
– البكاء طعمه خرافي دائما.
كان صدرها يرتفع ببطء. توقع أنها لم تنتبه إليه. أراد إيصال قصده فأردف:
– وشعرك ممتزجا بالرمل خرافي الطعم أيضا”(الفارسي، 2003، 42-43).
إن المتأمل للمشهد الحواري السابق يجد أن الكاتب قد افتعل الحوار الدرامي ليقوم مقام الحدث في القصة، فبوساطته تقام التوازيات بين المتحاورين لكنها لا تصب في صميم الحدث الدرامي، بل تثقله بالأحاديث المطولة على لسان الشخصيتين.
وفيما يخص طبيعة اللغة المستخدمة في حوار الشخصيات في النصوص القصصية، فقد أجمع النقاد على استخدام اللغة الفصحى لغة للوصف في النصوص، لكنهم اختلفوا في طبيعة اللغة المستخدمة في حوار الشخصيات، سواء أكان خارجيا أم داخليا، فظهرت ثلاثة اتجاهات بين النقاد والدارسين: الاتجاه الأول دعا إلى التمسك بالفصحى في الحوار المستخدم في النصوص، كما هي الحال في السرد والوصف، بحجة أن وظيفة الأدب هي أخذ الواقع وجعله عملا أدبيا مفيدا وجميلا. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الفصحى قادرة على التعبير عن الأفكار والمشاعر والانفعالات والتوغل في الكشف عن التضاريس النفسية والعوالم الداخلية للإنسان، كما أن الكتابة بها يساعد على التوحد بين أبناء الأمة العربية الواحدة، ويحفظ لغة الضاد من الإهمال والضياع. فالكتابة بالفصحى تحقق هدفين أحدهما فني والآخر قومي(هلال، 1975، 89).
فيما دعا أصحاب الاتجاه الثاني إلى استعمال العامية في الحوار دون السرد والوصف، بحجة الواقعية في تمثيل ما تنطق به الشخصيات، وأصحاب هذا الاتجاه يرون أن الحوار بالعامية في النصوص السردية أكثر واقعية وحياة وصدقا في التعبير عن مستوى الشخصيات من اللغة الفصحى، لأنها لغة الحياة، والقصص القصيرة صور لهذه الحياة(مندور، د.ت، 125-126).
أما الاتجاه الثالث فقد حاول التوفيق بين الاتجاهين السابقين ودعا إلى لغة وسطى تتمثل في استخدام الفصحى في المفردات والعامية في التركيب(نوفل، 1977، 30).
والمتتبع للغة الحوار في القصة القصيرة المعاصرة يجد أن تلك الاتجاهات الثلاثة لا زالت حاضرة في بناء القصة القصيرة، حيث يلحظ تنوعا في استخدامها وفق رؤية الكاتب ومتطلبات السرد في القصة.
في قصة “كاذية بنت الشيخ” جاءت لغة الحوار الدرامي بلغة التداول اليومي والشعبي المحلي لمحافظة شمال الباطنة، وبكثافة تعبيرية، الأمر الذي مكّن الكاتبة من التعبير عن المواقف والتصورات في المشاهد بقوالب لغوية عالية الدلالة، مختزلة بواسطتها كثيرا من الكامن في ذهنية الجماعية الشعبية وتصوراتها؛ ففي المشهد الذي تلتقي فيها عجائز المحافظة يسردن الحكايات ويتذكرن الماضي؛ تسترجع إحداهن بلهجتها المحلية حكاية “كاذية بنت الشيخ”: “تحكي عجائز الباطنة عن كاذية بنت الشيخ على لسان شريفة بنت الخير: عن حرمة ما من الجن ولا من الإنس ياكل الطير من يدها.عن حرمة لبست الثوب العود، ريحتها من الرويحينة وعطرها من الكاذي والمسك، وشعرها من الليل والآس. عن حرمة حامل وما هي حامل، يوم وضعت حملها كان الموت ولدها.
قالت العجوز صبحى: هذي الكاذي بنت الشيخ، حتى القفار ما وصل لطريقها يوم شردت مع عشيقها. خطواتها خطوتين، خطوة من الجن وخطوة من إنس.
قالت أمي هنية: هذي الكاذي بنت الشيخ، ريحتها في المكان اللي تمر به تبقى شهر. حبّت واحد يبيع جت، وأبوها ما رضى وحبسها في بيت الطين.
قالت ريا مخلّفة مصبح: هذي الكاذي بنت الشيخ، يوم مات عشيقها سوّت عزا سبع أيام، وصارت في النهار تسير بلا نعال، وفي الليل تعوي مثل الذياب.
قالت شريفة بنت الخير: هذي الكاذي بنت الشيخ، حرمة تجي مرة واحدة في الدهر.
قالت العجوز صبحى: هذي الكاذي بنت الشيخ، يوم بغت من أهلها يذبحوها خلّت القماش تحت ثوبها، وقالت للحارة إنها حامل من عشيقها”(المغيزوي، 2008، 141-142).
إن هذا المستوى من التعبير اللغوي العامي والشعبي في لغة الحوار الدرامي في القصص التي تسرد موضوعات من الذاكرة الشعبية، من شأنه أن يحتفظ بالقيمة التعبيرية والتصويرية لبنية الحوار، فهو يعكس رؤية الجماعة الشعبية ويحتفظ ببلاغة العامي والمأثور.
ويقترب الكاتب في قصة “عسل” من لغة الحوار في القصة السابقة، فهو يوظف كذلك اللهجة العامية المنبثقة من البيئة الشعبية لمحافظة الداخلية في بنية المشاهد التي يحكيها، فتأتي لغة الحوار مختزلة لكثير من المدلولات والتعبيرات بلهجة شعبية مكثفة المعنى. ففي المشهد الذي يجمع بين الشاب “عسل” وأخيه، على إحدى قمم جبال المحافظة، يخبره بأنه وجد له عملا في مسقط، فيقول:
“- لقيت لك شغل في مسكد.
– والحرمة أخليها وحدها؟
– الحرمة عندي، وتروم تزورها كل جمعة. أنا بحل مكانك في الشغل في ذاك اليوم، وهتقاسمني المعاش، انته شايف الحالة وحدك، راتب التقاعد ما يكفي، والأولاد ماشي ما يبغوه.
– ولادك همه ولادي. أعطيك بو تبغاه.
-عجب من باكر نروح رباعة مسكد”(الرحبي، 2013، 54).
الكاتب في مجموعة “قمر لا يشبه امرأة” يوظف اللغة الفصحى في جميع الحوارات التي وردت فيها، ففي قصة “بريال واحد فقط” يوظف اللغة الفصحى في المشهد الذي جمع شخصيتي الشاب والصبي بائع البخور في محطة تعبئة الوقود، وهي لغة أدبية قريبة من لغة النثر الفني البسيط الذي عرفه تاريخ الأدب العربي في الخطب والرسائل والمقامات والمقالات والخواطر، ولعل الكاتب ينطلق في ذلك من قناعته بأن استخدم الفصحى في الحوار ميزة تحسب –أدبيا- للكاتب، لأنه يستطيع أن يطوع الفصحى للغة الحوار، وهنا يجمع الحوار الفصيح بين السلامة اللغوية والجمال الأسلوبي في التعبير عن المشهد الدرامي في القصة، يقول: “أسرعت إلى فتح النافذة حين رأيت العرق قد نال من جلده الضعيف..
– هل تريدُ شيئا؟
– اشتر مني البخور.. بريال واحد فقط.
– شكرا لا أريد بخورا.
– بريال واحد فقط!
– قلت لك لا أريد! .. ثم لماذا لست في المدرسة؟!
– السنة القادمة.. ولكن اشتر مني البخور بريال واحد فقط…….
– ما اسمك؟
– محمد.
– نعم يا محمد.. لماذا لا نعقد صفقة.. أعطيك ريالا ولا تعطيني بخورا..
– لا.
– لماذا لا؟! أنا لا أريد البخور.. خذ الريال.
– لا.. لا يجوز.
– لا يجوز!! من قال لك هذا يا محمد؟!.
– أبي.
– إذا خذ الريال ولا تخبر أباك..
– لا.. لا يجوز.
– اسمعني محمد.. خذ الر…
– أرجوك اشتر البخور.. بريال واحد فقط!!”(الحراصي، 2007، 20-22).
إن استعمال اللغة الفصحى في المشهد السابق ممثلة في حوار الشاب مع الصبي، بالرغم من أنه يعد مزية تحسب للكاتب، إلا أنه قد أصاب الحوار بالمبالغة أو التكلف، فالتباين الثقافي بين الشخصيتين يفترض أن يكون حاضرا، حتى يلامس الحوار الواقع.
في مجموعة “ضجيج الأسماء العابرة” يحسم الكاتب مسألة توظيف لغة الحوار في المشهد الدرامي في القصة القصيرة، لصالح المزاوجة بين الفصحى والعامية، ففي المشهد الذي يجمع بين شخصيتي الطبيب والمريض في قصة “زهران”، نجد أن الحوار يتدرج من الفصحى إلى العامية، فالطبيب يتحدث في البداية باللغة الفصحى، ومن ثم ينتقل بلغة الحوار إلى اللهجة العامية حتى تتناسب ولغة المريض، وفي آخر المشهد يعاود الحديث بالفصحى مع الممرضة: “تنادي الممرضة باسم أول مريض.. تم تدوين اسمه بالسجل، يقف.. يتمطى.. ثم يمضي إلى غرفة الطبيب:
– نعم. مم تشكو؟
– مريض يا دكتور.
– للأسف أعرف إنك مريض، لكن أيش مرضك؟
– هذا عملك يا دكتور، شوف مرضي، افحصني.
– أيش تشعر بالضبط؟
– أشعر إني مريض.
– هاذي نكتة ولا أيش؟
– أشعر إني بموت قريبا.
– من متى عندك هذا الشعور؟
– من يوم طلقت أم ولادي.
– وليش كان الطلاق؟
– لأني يوم أشوفها أتذكر أولادي.
– وهين أولادك؟
– ماتوا يا دكتور.
– كيف؟
– هي قتلتهم. كانت تسوق السيارة وسوّت حادث.
– أعتقد أنك بحاجة إلى طبيب نفسي، أنا ما طبيب نفسي.
يقف المريض فجأة ويغادر الغرفة مسرعا…. تثب الممرضة إلى الغرفة صارخة:
– دكتور أحد المرضى قد سقط ميتا بالخارج.
– إذن كالعادة، حرري شهادة الوفاة واحضريها لأوقعها، ولا تنسي ختم العيادة”(بني عرابة، 2009، 48-49).
خاتمة:
حاول البحث الكشف عن تداخل القصة القصيرة مع المسرحية من خلال توظيفها لواحد من عناصرها الفنية، وهو الحوار الدرامي، فوقف البحث على كيفية بناء الحوار الدرامي وإنتاج الدلالة في السرد القصصي، من خلال بيان أهمية الحوار الدرامي، ووظائفه، ودور الحوار الداخلي والحوار الخارجي في تحقيق الوظيفة الدرامية في القصة القصيرة، والتعرف بطبيعة اللغة المستخدمة في الحوار الدرامي في القصة القصيرة. كل ذلك حاول البحث الحالي إيضاحه من خلال التطبيق على نماذج من القصص العمانية القصيرة.
وقد خرج البحث بالنتائج الآتية:
1) للحوار الدرامي في القصة العمانية القصيرة أهمية بنائية، حيث يشترك مع السرد والوصف في بناء النص القصصي، وتعمل وظيفته الدرامية في السرد على كسر رتابة الحكي، مما يجعل المتلقي قريبا من شخصيات القصة القصيرة.
2) تتأكد وظائف الحوار الدرامي في القصة العمانية القصيرة من خلال قدرته على تقديم الشخصيات، ورسم أبعادها النفسية والاجتماعية والأخلاقية، وكشفه عن الحدث القصصي، وعنصري الزمان والمكان بوصفهما إطارا للحدث والشخصية.
3) تعددت أساليب توظيف الحوار الداخلي وأنماطه في القصة العمانية القصيرة، وفقا للغاية الفنية المرجوة، وتحققت وظيفته الدرامية في القصة القصيرة من خلال تمكين الشخصيات من التعبير عن أفكارها بصورة مترابطة ومتسقة مع الإطار الفكري العام.
4) وظف الكاتب العماني الحوار الخارجي في بناء القصة العمانية القصيرة، وأسهم ذلك في تماسك النص القصصي، ومرونته، واستمراريته في نقل الحدث من نقطة إلى أخرى داخل النص.
5) تنوعت لغة الحوار الدرامي في القصة العمانية القصيرة، فجاءت في بعضها موجزة مكثفة، وهو أمر يتناسب مع طبيعة القصة القصيرة التي من سماتها التكثيف والوحدة، في حين وجدت حوارات درامية مطولة في بعض القصص، وإسرافا في توظيف تلك الحوارات في المشاهد الدرامية، الأمر الذي قلل من فاعلية السرد وقوته.
6) تباين استخدام لغة الحوار الدرامي في القصة العمانية القصيرة بين الفصحى والعامية واللغة الوسطى التي تجمع بين الفصحى والعامية، وذلك وفقا لمتطلبات السرد.
7) نبه البحث إلى أن توظيف الحوار الدرامي في القصة العمانية القصيرة يستلزم حرفية عالية من الكاتب، حتى يسهم الحوار في تطوير النص القصصي بما يخدم الغرض، وحتى لا يبدو زيادة أو ثقلا على بناء النص القصصي.
المصادر والمراجع:
– إسماعيل، محمد السيد، بناء فضاء المكان في القصة العربية القصيرة، القاهرة- مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009.
– أسويرتي: محمد، ميرامار وجدل السرد والحوار، مجلة فصول، القاهرة- مصر، مجلد8، عدد1-2، 1998.
– باختين، ميخائيل، الخطاب الروائي، ترجمة: محمد برادة، القاهرة- مصر، دار الفكر، 1987.
– بحراوي، حسن، بنية الشكل الروائي: الفضاء- الزمن- الشخصية، بيروت- لبنان، المركز الثقافي العربي، 1990.
– برات: ماري لويز، القصة القصيرة بين الطول والقصر، ترجمة: محمد عيّاد، مجلة فصول، القاهرة- القاهرة، مجلد2، 1982.
– البلوشي، رشا، لم تبق طويلا، مسقط- عُمان، مكتبة الظامري للنشر والتوزيع، 2014.
– البياتي، سوسن، المغامرة السردية وجماليات التشكيل القصصي: رؤية فنية في مدونة فرج ياسين القصصية، الشارقة- الإمارات، دائرة الثقافة والإعلام، 2010.
– تاورته: محمد العيد، تقنيات اللغة في مجال الرواية الأدبية، مجلة العلوم الإنسانية، ﻗﺴنطﻴﻨﺔ- الجزائر، عدد21، يناير 2004.
– الحارثي، جوخة، صبي على السطح، عمّان- الأردن، دار أزمنة للنشر والتوزيع، 2006.
– الحاني، ناصر، المصطلح في الأدب الغربي، بيروت- لبنان، دار المكتبة العصرية، 1968.
– الحراصي، منتصر، قمر لا يشبه امرأة، مسقط- عُمان، وزارة التراث والثقافة، 2007.
– الحضرمي، محمد، أسرار صغيرة، دمشق- سوريا، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2011.
– الحكيم، توفيق ، مدرسة المغفلين، القاهرة- مصر، مكتبة مصر، د.ت.
– الحكيم، توفيق، فن الأدب، بيروت- لبنان، دار الكتاب اللبناني، ط2، 1973.
– خلفان، بشرى، رفرفة، بيروت- لبنان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004.
– الرحبي، محمود ، ساعة زوال، عمّان- الأردن، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان، ط3، 2013.
– الرحبي، محمود، أرجوحة فوق زمنين، دمشق- سوريا، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، 2011.
– رحيمة: صباح، النص الدرامي، على شبكة الإنترنت 27/7/2013م، http://kitabat.com/ar/print/14796.php
– رضا، حسين رامز، الدراما بين النظرية والتطبيق، بيروت- لبنان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972.
– سرمليون: ليون، أسلوب كتابة الفن القصصي بين الاعتدال والجنون، ترجمة: ميادة نور الدين، مجلة الثقافة الأجنبية، بغداد- العراق، عدد1، سنة24، 2003.
– الصالحي، فؤاد، علم المسرحية وفن كتابتها، إربد- الأردن، دار الكندي للنشر والتوزيع، 2001.
– صليبيا، جميل، المعجم الفلسفي، ترجمة: توفيق سلوم، بيروت- لبنان، دار النهضة العربية، 1986.
– عبد العزيز، سعد، الزمن التراجيدي في الرواية المعاصرة، القاهرة- مصر، مكتبة الأنجلو المصرية، 1970.
– عثمان، عبد الفتاح، بناء الرواية: دراسة في الرواية المصرية، القاهرة-مصر، مكتبة الشباب، 1982.
– بني عرابة، عبدالله، ضجيج الأسماء العابرة، القاهرة- مصر، مكتبة بيروت، 2009.
– العوفي، نجيب، مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية من التأسيس إلى التجنيس، الدار البيضاء- المغرب، المركز الثقافي العربي، 1987.
– الفارسي، عبد العزيز ، جروح منفضة السجائر، عمّان- الأردن، دار الكرمل للنشر والتوزيع، 2003.
– الفارسي، عبد العزيز، لا يفل الحنين إلا الحنين، مسقط- عُمان، وزارة التراث والثقافة، 2006.
– قسّومة، صادق، الحوار: خلفياته وآلياته وقضاياه، تونس- تونس، مسكلياني للنشر والتوزيع، 2009.
– الكعبي، فاطمة، 2011، القصة القصيرة العمانية الراهنة من 2000-2006: موضوعاتها وجمالياتها، رسالة ماجستير، كلية الدراسات الإسلامية والعربية، الإمارات.
– أبو لبن، زياد، المونولوج الداخلي عند نجيب محفوظ، عمّان- الأردن، دار الينابيع للنشر والتوزيع، 1994.
– محمد، شعبان عبد الحكيم، التجريب في فن القصة القصيرة من 1960-2000، دسوق- مصر، العلم والإيمان للنشر والتوزيع، 2011.
– مراشدة، عبد الرحيم، الفضاء الروائي: الرواية في الأردن نموذجا، عمّان- الأردن، وزارة الثقافة، 2002.
– المغيزوي، رحمة، كاذية بنت الشيخ، دمشق- سوريا، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، 2008.
– مقلّد، طه عبد الفتاح، الحوار في القصة والمسرحية والإذاعة والتلفزيون، القاهرة- مصر، مكتبة الشباب، 1975.
– مندور، محمد، مسرح توفيق الحكيم، القاهرة- مصر، دار نهضة مصر للطبع والنشر، د.ت.
– مورجان، تشارلس، الكاتب وعالمه، ترجمة: شكري عياد، القاهرة- مصر، مؤسسة سجل العرب، 1994.
– ميلت، فردب؛ وبنتلي، جيرالد أديس، فن المسرحية، ترجمة: صدقي حطاب، بيروت- لبنان، دار الثقافة، د.ت.
– النحوي، مريم، نَوح الغياب، بيروت- لبنان، دار الكنوز الأدبية، 2006.
– نوفل، يوسف، قضايا الفن القصصي، القاهرة- مصر، دار النهضة العربية، 1977.
– هلال، محمد غنيمي ، النقد الأدبي الحديث، القاهرة- مصر، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 1997.
– هلال، محمد غنيمي، في النقد المسرحي، بيروت- لبنان، دار العودة، 1975.
– همفري، روبرت، تيار الوعي في الرواية الحديثة، ترجمة: محمود الربيعي، القاهرة- مصر، دار المعارف، 1975.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)