معتصم مالك عواد الخزرجي و د. أبراهيم حسين خلف الجبوري
قسم الاثار، كلية الآداب، جامعة سامراء، العراق
الملخص
لقد جاء اختيارنا لموضوع البحث الموسوم (مراحل تطور الخط العربي على الاثار المنقولة) لتسليط الضوء على مراحل تطور الخط العربي عبر المراحل التاريخية والتي أستفاد الانسان فيها بما توافر لديه من مواد أوليه بعضها كانت موجودة في بيئته التي عاش فيها كالأحجار والاخشاب والعظام وبعضها الاخر أهتدى اليها بعد عدة ممارسات استطاع أن تطاوعها ويستفاد منها في كتابه خطوطه العربية وتشكيلاته الخطية كالمنسوجات والجلود والورق والمخطوطات وسطوح الواني الفخارية والخزفية والمعدنية والتي أستطاع الكتابة عليها وقد مر بمراحل تطورية الى أن وصل الى قمة ابداعه في تشكيل الحروف ورسم خطوطها وفق قواعد ونظم خطية ولم يتوقف على رسم الحروف ونقشها على التحف بل تفنن في صياغتها ودلالتها بحيث شكلت تلك الكتابات عناصر توثيقية للتحف ،وفي هذه الورقة البحثية تناولنا نشأة الخط العربي ابتداء بالخط النبطي ومراحل تطوره ونظريات نشأته وذكر المواد التي حملت الخط العربي سواء الاثار المنقولة كالمسكوكات والمنسوجات والاخشاب والمخطوطات والمعادن والتحف الاثرية أو ما ظهر على المباني سواء المنشآت الدينية والمدنية والخدمية باعتباره عنصراً أساسياً مهماً وسجلا توثيقا لهاتيك المباني .كما ورد ذكر لابرزالمصلحين اللغوين الخطاطين الذين دأبوا على تجويده وتحسينه.
الكلمات المفتاحية: الخط العربي، الكتابة، الاثار.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
نشأة الخط العربي
لقد رافق نشأة الخط العربي بداية الدعوة النبوية للرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم والتي لعبت دوراً كبيراً ومؤثراً في سعة أنتشار وتطور الخط العربي ،الا أن البدايات الاولى لظهور الكتابة قد أختلف بها المؤرخون وذهبوا مذاهب شتى ولم يتوقف هذا الاختلاف على تاريخ نشوئه بل شمل أيضاً مكان ظهوره فمنهم من يذكر أن أول من خط الخطوط ووضعها آدم عليه السلام وتحديداً قبل موته بثلاثمائه سنة ولما اظل الناس الغرق اصاب كل قوم كتابهم ([1]).بينما أشار البعض الى مكان نشوء الخط العربي على أنه ظهر في مدينة الطائف والاخر يذكر العراق والحجاز وغيرهم اليمن فقد ذكر المسعودي أن الخط العربي قد ظهر بالطائف على يد عبد ضخم بن أرم بن سام بن نوح ومن تبعه نزلوا الطائف وأنهم أول من كتب العربية ووضع حروف المعجم وهي (أ-ب-ت-ث) وتبلغ تسعة وعشرون حرفاً ([2]).في حين يذكر الطبري ان الحجاز هي الموطن الاصلي لنشوء الخط بدلالة ظهوره عند ملوك جبابرة هم (ابجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت) وهؤلاء ملوك قد وضعوا الكتابة على أسمائهم ([3]).وورد أن قبيلة أياد في العراق كانت من اولى القبائل في الجزرية التي عرفت الخط ومن خلال صلاتها مع القبائل العربية أنتقل الخط الى سائر
البلدان ،الا ان هناك من أنكر على قبيلة أياد معرفتهم بالخط لتنقلهم المستمر وعدم الاستقرار ([4]).
أن المعرفة الحقيقية لأصل الكتابة العربية ليس بالأمر السهل أذ أن المتطلعين والدارسين للنقوش الكتابية وبقايا الحضارات القديمة يدركون أن الكتابة مرت بمراحل متطورة تحتاج الى فترات زمنية طويلة ولم تكن كما ذكروا بأنها توفيقية زمن سيدنا آدم عليه السلام ولم يكن اختراعها صدفة فقد مرت بمراحل من التطور والتحسين والاضافة عبر العصور وفقاً لمراحل تطور الانسان وانعكاسات بيئته التي نشأ فيها الا أن وصلت الى قمة نضجها في العصور اللاحقة([5]) .
الخط العربي النبطي
مثلما أختلف المؤرخون حول مكان نشوء الخط العربي أيضاً اختلفوا في منبعه الاصلي ،حيث يعتقد كثير من الباحثين أن الخط العربي يعود في بداياته الاولى الخط الارامي النبطي وأن العرب اقتبسوا خطهم من الانباط بحكم التشابه الكبير بين الكتابتين وقد اعتمد الباحثون في آرائهم واستنتاجاتهم عن طريق عدد من النقوش العربية والنبطية التي تمت دراسة نصوصها بشكل واسع ومتأمل وهي تعود بتاريخها الى العصر السابق للإسلام([6]) ،وتمثل اللهجة النبطية الآرامية التي أستخدمها الانباط العرب الذين استقروا في مناطق واسعة من بلاد الشام وسيناء وشمال بلاد العرب ونزح القسم الاعظم منهم من بلاد الجزيرة العربية واستقروا في المناطق الآرامية في فلسطين وجنوب بلاد الشام والاردن ومن أشهر مدنهم سلع (البتراء) في الاردن والحجر (مدائن صالح) في المملكة العربية السعودية ومدينة بصرى في بلاد الشام ،حيث سيطر الانباط على ملتقى الطرق التجارية التي تربط الجزيرة العربية بالبحر الابيض المتوسط وبين الشام ومصر واستخدم الانباط الخط الارامي في تدوين معاملاتهم التجارية مع المناطق الاخرى ([7]).ومن الخط الارامي أنحدر الخط النبطي ضمن مسيرة التطور التي شهدها الخط العربي وبدأ الخط النبطي يبتعد شيئا فشيئا عن الاصل الارامي وأصبحت له قواعده ونظمه الخاصة خلال الفترة التاريخية القرن الثالث الميلادي والقرن الرابع الميلادي وهي المدة التاريخية التي ينسب اليها عدد من المكتشفات الاثرية المتمثلة بالنقوش الحجرية والتي عثر عليها المنقبون في مناطق مختلفة من شبه جزيرة سيناء والتي وضعت قواعد أصول الخط ومراحل تطوره وانحداره عن الخط الارامي ومن أهم النقوش المكتشفة نقش ام الجمال الثاني ونقش النمارة فضلاً عن نقوش اخرى اكتشفت لاحقا منها نقش حران وزبد والتي تؤرخ بالقرن السادس الميلادي لتضع علامة على الخط النبطي المتأخر والذي مر بمراحل تطورية الى ان ظهر بقمة نضجه بهذه النقوش ([8]).ويبدو أن هناك أسباب دفعت الباحثين الى بناء نظرية مفادها ان الخط العربي انحدر عن الخط النبطي ومنها وجود تشابه في اشكال الحروف مع الآرامية وبعض تأثيرات الخطوط التدمرية والعبرية في كثير من صفاتها ([9]) ،ويبلغ عدد حروف الخط النبطي 22 حرفاً صامتاً كما هو الحال بالنسبة للآرامية كما أن الخط النبطي يضم العديد من الحروف المشابهة للعربية حيث استخدمت (الجيم ) في الكتابات النبطية المتأخرة على صورة الجيم العربية أما حرف السين في النبطية فيقرأ (شيناً ) لذا جاءت كثير من أسماء الاعلام بالنبطية عربية مثل خلد وتعني خالد ولطفو وتعني لطيف وحسنو وتعني حسن ([10]) ،وقد أمكن تمييز نوعين من الكتابة النبطية الاول هو النبطي القديم وهو قريب الشبه بالكوفي لكثرة الخطوط المستقيمة فيه والزوايا وقد برع النبطيون في نقشه على الصخور والنقود ([11]) ، وقد زودتنا المكتشفات الاثرية بالعديد من النقوش التي ترتقي بتاريخها الى القرن السادس الميلادي والتي ضمت في نصوصها كلمات عربية ومنها نقش وادي فران والذي عثر عليه في طور سيناء ويتألف من ثلاث اسطر وردت فيها كلمات قريبة للعربية مثل (سلم) و(بن) والنقش الآخرعثر عليه في مدينة الحجر (مدائن صالح ) بالمملكة العربية السعودية وهو يتألف من تسعة أسطر وردت فيها كلمات عربية منها (لعن) (عبد) ،ومن النقوش الاخرى وادي المكتب عثر عليه في شبه جزيرة طور سيناء ورد في النص كلمات عربية منها (يعلى) و(بر)، وفي وادي حوران بالأردن عثر على نقش أم الجمال الاول وهو يمثل شاهد قبر لجذيمة ملك تنوخ مكون من ثلاث اسطر وردت فيه كلمات عربية مثل (جذيمة ) (سلي)([12]).
الخط العربي في العصر الاسلامي
حظيت الكتابة بعصر صدر الإسلام باهتمام كبير جدّاً، حيث حث الله تعالى عليها بأول آية قرآنية نزلت بالقرآن الكريم وهي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)([13])، فكان للقراءة والكتابة شأناً عظيماً، حتّى إن الرسول كان يسامح أسرى الحروب باشتراطه تعلّمهم الكتابة والقراءة وأن يطلق سراح من يعلم عشرة من صبيان المسلمين ، وبلغ عدد المتعلمين مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم 42 منهم كتاب الوحي والعهود وكتاب الرسائل والغنائم والاموال وأخذ عددهم يزاد بشكل تدريجي ([14]) ويبدو أن مهارة المسلمين بالقراءة والكتابة لم تكن وليدة العصر الاسلامي انما تعود الى الفترة التي سبقت العصر الاسلامي وكان لدى قريش عدد كبير ممن يعرفون القراءة والكتابة فضلا عن المبايعات التجارية وماتتطلبه من توثيق لوارداتها ،وكانت مجالس العرب مكاناً رحباً لألقاء الشعر والنثر ([15]) .
وفي العصر الاموي توسعت رقعة الدولة الاسلامية وكثرت وارداتها وكان أهم عمل قام به الامويون هو تعريب الدواوين الخراج بالعربية وبرع من الخطاطين في هذا العصر الخطاط قطبة المحرر والذي نسب له اربعة اقلام هي الجليل والطومار والثلث والنصف حتى ذاعت شهرته حتى قيل في حقه بأنه من أكتب الناس على الارض العربية ([16])، ولم تتوقف مهارة الكتابة على الرجال بل شملت النساء حيث اشتهرت من النساء الرائدات في الكتابة الشفاء بنت عبدلله العدوية صحابية أسلمت قبل الهجرة النبوية ذاعت شهرتها بالكتابة حتى تلمذ على يديها الكثير من نساء المسلمين ([17]) ، وفي العصر العباسي الذي يمثل قمة التطور في الكتابة وضبط اصولها وتعدد كتابها الذين أصبح لهم حظ وافر من السلطة والجاه لدى الخلفاء العباسيين نظراً لدرايتهم وبراعتهم في كتابة الشؤون السلطانية فكان الخلفاء ينتخبون امهر الكتبة والخطاطين من رجال الادب ومن اعرق الاسر ممن عرفوا بسعة العلم ورصانة الاسلوب ،ومن أشهر خطاطي العصر العباسي( أبن مقلة ) بو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة الشيرازي وهو أول من هندس الحروف وقدر مقاييسها وأبعادها وأطلق على الخط الذي ضبطه بالخط المنسوب ووصلت شهرته الاندلس حتى كتب في مدحه شعرائها ([18]).
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
المواد التي حملت الخط العربي في العصر الاسلامي
لقد تنوعت المواد التي حملت الخط العربي ومن أبرزها المسكوكات (النقود) فهي من اهم الوثائق التي يعتمد عليها في كتابة وتدوين التاريخ وكانت في بداية العصر الاسلامي تحمل كلمات عربية ضمن الشرعية القانونية المسموح بها على الدراهم الفضية الساسانية والدنانير الذهبية البيزنطية منذ العصر الراشدي قبل عمليات التعريب التي قام بها الخليفة عبد الملك بن مروان ومن الكلمات التي حملتها المسكوكات الفضية على الطراز الساساني كلمة بركة –وجيد –ولفظ الجلالة الله –بسم الله الى جانب صورة كسرى وأسم الملك الفارسي ومدينة الضرب والتاريخ الهجري بالكتابة الفهلوية كما في نقود سجستان والري سنة 20 هجرية ،وفي عهد الخليفة علي بن ابي طالب (ع) أضيفت الى المسكوكات كلمات عربية بسم الله ربي –وبسم الله ، وظلت المسكوكات المظروبة في الشيرخان (قصبة كرمان ) عليها أسم (محمد) مكتوباً بالخط الكوفي ([19]) ، ويحتفظ المتحف العراقي بمسكوكة فضية ساسانية تعود الى عهد الملك الفارسي خسرو الثاني (590- 628م) وتظهر على وجه المسكوكة كتابة عربية (بسم الله – ربي) تدور حولها عنصري النجمة والهلال فضلاً عن كلمات بالفهلوية ترجمتها اسم( خسروي) (ودامت المملكة نامية )([20]). شكل 1 .
شكل 1
وبعد الاصلاح النقدي الذي قام به الخليفة عبدالملك بن مروان (65-86 هجرية ) وصلتنا مسكوكات فضية وذهبية تحمل نصوص عربية خالصة وليس فيها أي نصوص اجنبية وحسب ما تم الكشف عنه فقد حملت الدنانير الذهبية تاريخ السك 77هجرية والدراهم الفضية 78هجرية ،ويحتفظ المتحف العراقي بنسخة من هذه المسكوكة النادرة وهي تتضمن كتابات عربية خالصة على طوق الوجه (بسم الله ضرب هذا الدرهم بأرمينية في سنة ثمان وسبعين )ومركز الظهر حمل عبارة (لا اله الا الله وحده لا شريك له )وطوق ظهر المسكوكة (محمد رسول الله ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )([21]). لقد عكست الكتابة العربية على النقود المهارة التقنية والخبرة المتوارثة وسلامة العقيدة لدى القائمين على دور السك في تنفيذ الكتابات العربية على المعادن على الرغم من صعوبتها من اجل تثبيت العبارات الدعائية والآيات القرآنية والتاريخ للوفيات .
ولم يقتصر تنفيد الكتابات العربية على المعادن بل شمل ايضاً الاحجار ووصلنا نقش على الحجر يعود الى زمن الخليفة الاموي معاوية بن ابي سفيان (41-60هجرية ) ويدعى بنقش سد الطائف بالمملكة العربية السعودية وهو يتألف من ستة اسطر تضم كلمات عربية بعضها منقطة ومنها كلمات (معوية – وحساب-وثمن –وخمسين-وثبته ).
وخلال العصور الاسلامية ظهرت حاجة الانسان للفنون كأحد وسائل التعبير المهمة عن الحاجات والاهتمامات الانسانية انطلاقاً من احتياجات روحية ونفسية مبنية على الاحاسيس والافكار والقيم الجمالية فضلاً عن الدواعي الاعلامية والدينية لقد شكلت الاقمشة والمنسوجات احد اهم الاثار التي جملت حروف الخط العربي ومع أتساع رقعة الدولة العربية الاسلامية واطلاع المسلمين على ثقافات شعوب وقبائل مختلفة انتشرت الملابس الفاخرة المصنوعة من الاقمشة الثمينة ذات الالوان المتباينة والموشاة بالذهب والفضة وأصبح هم النساجين هو تلبية اذواق الناس على اختلاف مستوياتهم ووظائفهم وامكانياتهم الاقتصادية ،وكان يشرف على هذه الصناعات موظفون حكوميون يطلق على الواحد منهم (صاحب الطراز ) ([22]) ، واصبحت هناك مصانع خاصة للطبقة الحاكمة تعمل على صناعة الجلابيب والعمائم والاحزمة والاقمصة الخاصة بهم وعليها رسومات مختلفة وكتابات بأحرف عربية كتبت بالخط الكوفي وأشكال من الكائنات الحية متدابرة ومتقابلة([23]) ، وشهد العصر الاموي ازدهار صناعة النسيج والكتابة عليها ومن النماذج المبكرة التي وصلتنا والتي حملت كتابات دلالية هي عمامة سمويل بن موسى ونصها (هذه العمامة لسمويل بن موسى عملت في شهر رجب (الغر)بسفهور بالفيوم سنة ثمان وثمانين ([24])وبذلك أسعفتنا هذه الكتابة في معرفة صاحب العمامة سمويل بن موسى وتاريخ نسجها بالشهر والسنة .(شكل 2).
شكل 2
واشتهرت المنسوجات بشيوع العبارات الدلالية الدينية عليها ربما لإضفاء صفة القدسية على صاحبها فقد حملت بعضها لفظ الجلالة (الله ) ورسوله وآله الطيبين الطاهرين ، وشهادة التوحيد (لا اله الا الله ،ويذكر ان اول خليفة مسلم أتخذ داراً للطراز هو الخلفية الاموي هشام بن عبد الملك (105 ـ-125هـ /723-742م ) وكان مولعاً بالثياب حتى انه كلف كاتب ديوانه جنادة بن ابي خالد للعمل في دار الطراز كخطاط للأشرطة الكتابية التي كانت تحلى الملابس وقد ورد أسمه على بعض منها ([25]). لقد ساهمت الكتابات الواردة على الاثار باعتبارها وثائق وشاهد على العصر بما حملته من عبارات وكلمات دعائية وألقاب وكنى وأبيات شعرية ذات دواعي استدلالية، ويحتفظ متحف بوسطن على قطعة من الحرير تحت الرقم (33-371 ) تنسب الى القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي عليها شريط كتابي نصه ( عملت في بغداد حرسها الله ) وعثر على قطعة مماثلة في اسبانيا محفوظة في كنيسة القديس ايزيدورعليها اسم بغداد الى جانب عبارات( بركة من الله ويمن)([26]) شكل 3 .
شكل 3
وحملت المخطوطات المزوقة بالتصاوير خلال العصر الاسلامي في صفحاتها كتابات عربية استدلالية بحسب ما تقتضي طبيعة المشهد ونجح الخطاط في الاستفادة خصائص الخط العربي كوسيلة تعبيرية وتوضيحية للمتلقي تسهل عليه فهم المخطوطة ومعرفة محتواها ،وظهرت في مدينة بغداد مدرسة فنية تعنى بتصاوير المخطوطات هي مدرسة بغداد بالتصوير الإسلامي والتي يعود تاريخها الى القرنين السادس والثامن للهجرة الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين وامتد تأثيرها الى المراكز الحضارية في مصر وايران وبلاد الشام ليصل الى بعض المخطوطات الاسلامية في الاندلس ،ومن المخطوطات التي حملت الخط العربي نسخة من مخطوط الترياق محفوظ في المكتبة الاهلية بفينا يرجع تاريخه الى منتصف القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي وفي المخطوطة تعبيراَ علمياً بالخط العربي عن قصة الغلام الذي لسعته افعى والحوار بين الطبيب والغلام والذي تميز بروعة الخط وتنسيقه ([27]) ،ومن المخطوطات الاخرى نسخة من مقامات الحريري محفوظة في المتحف البريطاني تعود الى القرن الثالث عشر الميلادي دون عليها اسم كاتبها بالخط الكوفي وأسمه شهاب الدين غازي بن عبدالرحمن الدمشقي بأسلوب جميل وقد تفنن الخطاط في تدوين الخط الكوفي حتى بدا كأنه نقش معماري ([28]) شكل 5.
شكل 5
والجلود من المواد التي حملت نصوص الخط العربي منذ العصر الراشدي الا أسلمنا بالرسائل المنسوبة الى الرسول الاعظم محمد (ص) والتي بعثها الى ملوك وأمراء المناطق المجاورة يدعوهم بها الى الاسلام وهذه الرسائل اذ ثبت صحتها فأنها اقدم وثائق مكتوبة بالخط العربي من العصر الاسلامي الاول،ومن ابرزها الرسالة الموجهة الى النجاشي ملك الحبشة وهي خالية من الشكل والاعجام ([29]) وتعد مرحلة متطورة في كتابة الخط العربي على الجلود في بداية العصر الاسلامي.شكل 6 .
شكل 6
ولابد من الاشارة الى ان القرآن الكريم قد دون وقت نزوله على الرق والجلد العادي وذلك لتوفر الجلود بذلك الوقت وقد ذكر القلقشندي بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قد اجمعوا على كتابة القرآن الكريم على هذه المواد وذلك لتحملها اطول فترة ممكنة ومتوفرة عندهم لان الجلد ومنه الرق كان ابقى على الدهر واصبر على عوادي الزمن ([30]).وتحتفظ المتاحف العالمية بمصاحف مكتوبة على الرق منها مصحف ينسب الى الامام علي بن ابي طالب (ع) محفوظ في المشهد الحسيني في القاهرة وواحدة محفوظة في مكتبة الامام علي (ع) في النجف الاشرف([31]) شكل 6
شكل6
وآخر في خزانة الامام علي الرضا بمدينة مشهد ، غير ان أقدم الرقوق التي وصلتنا وعليها الخط العربي يمثل آيات من القرآن الكريم تعود الى القرن الاول الميلادي ورقة من مصحف قديم بخط مكي مائل محفوظ في مكتبة الفاتيكان ([32]) شكل 7
شكل7
وتطور الخط العربي خلال الفترات اللاحقة ووصل الى قمة الجودة والاتقان في رسم الحروف ووضع قواعدها وتفنن الخطاطين والحرفيون في تدوين امضاءاتهم الوثائقية على التحف والاثار المنقولة ومنها التحف المعدنية والخزفية والفخارية منها عبارات اليمن والبركة واسم الصانع ومكان الصناعة بخط جميل وفق قواعد المنظور والمساحة المخصصة للزخرفة وعكست تلك الكتابات تطور الخط العربي ومطاوعته للرسم والنحت على مختف المواد كالأخشاب والعاج والعظام والحجر كواجهات الابنية والمحاريب والمنابر الخشبية والرخامية ، ومن التحف المنقولة التي وصلتنا عليها كتابات بالخط العربي أبريق معدني من صناعة الموصل نفذ على الرقبة أشرطة كتابية دقيقة تحمل أسم الصانع شجاع بن منعه الموصلي يرتقي تاريخه الى القرن السابع الهجري ([33]) شكل8
شكل 8
لقد وصل الخط العربي الى مراتب متقدمة على ايدي الخطاطين كأبن مقلة وأبن البواب ومن بعدهم ياقوت المستعصمي فقد كان من اشهر خطاطي العراق خلال القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي فقد وضعوا لفن الخط أصوله عند طائفة الخطاطين وصناع التحف الذين تركوا امضاءاتهم على التحف المنقولة فكان الخط الكوفي البسيط ثم الخط النسخي وخط الثلث وغيره من الخطوط التي برع بها المسلمون في شتى العالم الاسلامي وازدانت بها التحف والاثار كوسائل تعبيرية وأيضاحية فضلاً عن وضيفتها الجمالية وملأ سطوح التحف وتنظيم علاقتها مع الوحدات الزخرفية الاخرى ضمن حيز الزخرفة بأسلوب جميل يدل على براعة الخطاط والحرفي وعقيدته السليمة ،وقد أستفاد الخطاطون والمزوقون بما امتازت به حروف الخط العربي من استقامة والتواء ومد لتكون أساساً زخرفياً ضمن المشهد وبنفس الوقت تعبيراً عن براعته وقدر موهبته وحسه المرهف وذوقه الرفيع .ويظهر لنا هذا الطابع الزخرفي للخط العربي على الاثار المنقولة على صحن من الخزف شكل 9
شكل 9
يمثل سلطانية من ايران يعود للقرن (13م) العصر السلجوقي، ويعرف بـ(خزف ميتاني) ، ذي الزخارف المرسومة تحت الدهان ، حيث حملت السلطانية موضوعات متنوعة ضمت رسوم ادمية وحيوانية ونباتية وقد أطرت حافة السلطانية بطوق من الاشرطة الكتابية تمثل عبارات دعائية وفق خاصية التكرار حتى تملا المساحة الزخرفية بأسلوب متناسق ([34]) .
الخاتمة
بعد هذا العرض الموجز لبحثنا الموسوم مراحل تطور الخط العربي على الاثار المنقولة وجدنا أن الاسلاف بذلوا جهداً مضنياً في سبيل تطوير الخط العربي على الاثار المنقولة وما ظهر من نصوص كتابية وعبارات على الاثار المنقولة انما هو حصيلة الجهود الكبيرة من قبل الخطاطين والمزوقين والحرفيين .لقد تبين من خلال البحث أن الخط العربي أنحدر عن الخط النبطي والذي بدوره انحدر عن الخط الارامي بدليل النقوش التي تم اكتشافها والتي دونت على مادة الحجارة على الرغم من صعوبة الكتابة ،كانت كلمات تلك النصوص خالية من الشكل والاعجام ووجدت فيها العديد من الكلمات المشابه بالحروف العربية والتي يعود تاريخها الى القرن السادس الميلادي وبالتالي فقد فتحت تلك النقوش المجال للباحثين لتتبع أصول الخط العربي ومراحل تطوره .كان للخط العربي دوراً كبيراً في دخول أفواج من الناس للدين الجديد من خلال رسائل الرسول الكريم محمد (ص) الى ملوك وأمراء الدول .
لقد وجدت من خلال البحث أن الخط العربي أول ما بدأت كتابته على الاثار المنقولة والتي تميزت بعدم طواعيتها كالحجارة والعملات وهذا يدل على المهارة التي بلغها الخطاط في سبيل كتابه الخطوط العربية وخصوصاً العملات المعدنية منذ بداية استخدامها في صدر الاسلام على الطراز الساساني بالنسبة للدراهم وكذلك الدنانير البيزنطية بحملها كلمات عربية مثل بركة –وبسم الله –ثم تطورت بعد الاصلاح النقدي لتكون جميع النصوص عربية خالصة من التبعية الاجنبية. .وينطبق الحال على الزجاجين والنساجين ولخزافين وصانعي التحف المعدنية وكاتبي المخطوطات فقد تطورت على ايديهم حروف الخط العربي وتفننوا في تزيين التحف المنقولة بالعبارات الدعائية والآيات القرآنية وأسماء الامراء والملوك والسلاطين وبالتالي فقد حفظت لنا تلك التحف نصوص الخط العربي وساهمت في معرفة تطوره عبر العصور الاسلامية .كما وجدت من خلال البحث أن الخطاطين برعوا في كتابه عدة خطوط على التحف المنقوله منها الخط الكوفي البسيط والمظفور والثلث والنسخ وأصبح كتابه تلك الخطوط على التحف لها خصائصها ونظمها وفق المساحة المخصصة للزخرفة وقواعد تلك الحروف وطريقة رسمها وتشكيلها من دون الاخلال بقواعدها .
قائمة المصادر
[1] -الزبيدي ، هاشم طه ،آراء قدامى العرب والمحدثين ونظريات المستشرقين حول فرضية الاصل السامي للخط العربي ،مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية ،المجد 2 ، العدد 41، 2021، ص 95
[2] -المسعودي ،ابو الحسين علي ،مروج الذهب ومعادن الجوهر ،نطبعة السعادة ، مصر 1948، ج1، ص143.
[3] -الطبري ،ابو جعفر محمد ،تاريخ الرسل والملوك ،بيروت ،1964،ج1،ص 203 .
[4] -ابن خلدون ، عبدالرحمن المغربي، المقدمة ، المجلد الاول ، مطبعة دار الكتاب اللبناني 1956،ص 756.
[5] -الجبوري ، سهيلة ياسين ، الخط العربي وتطوره في العصور العباسية في العراق ، مطبعة الزهراء ، ص60
[6] -رحيم ، هاشم طه ، النظرية النبطية حول أصل الخط العربي الحديث ، مجلة واسط للعلوم الانسانية ،العدد 10،ص 139 .
[7] – دفتر ، ناهض عبدالرزاق ، الخط العربي ص 15.
[8] -ولفنسون ، اسرائيل ، تاريخ اللغات السامية ، دار القلم ، بيروت ، 1980 ،ص 199.
[9] -الجبوري ، سهيلة ،المرجع السابق ، ص 41.
[10] -دفتر ،الخط العربي ، المرجع السابق ، ص 16.
[11]- فريجة ، انيس ، الخط العربي نشأته مشكلته ، الجامعة الامريكية ، بيروت ،1966، ص 30.
[12] -دفتر ، الخط العربي ، المرجع السابق ، ص 18.
[13] -سورة العلق ، الآية 48 .
[14] – الجعفر، زين العابدين موسى وآخرون ،الكتابة الرسمية في صدر الاسلام حتى نهاية القرن الرابع الهجري ،مجلة آداب البصرة ،العدد 56،2011، ص 205.
[15] -ابن النديم ،محمد بن اسحق ، الفهرست ،مطبعة الخياط ، بيروت ، 1964، ص 6.
[16] -المصدر نفسه ، ص 16.
[17] -جانودي ، محاسن ، رائدات الكتابة وفن الخط العربي منذ عصر الرسالة حتى نهاية العصر العثماني ،مجلة آداب البصرة ، العدد 71، 2014،ص 217.
[18] – لمزيد من التفاصيل عن براعة خط ابن مقلة ينظر : الجليل ، علي رديف ، رسالة في علم الخط والقلم للوزير ابن علي محمد ابن مقلة ، مجلة كلية التربية للعلوم الانسانية المجلد 24،العدد 102، 2018 ص 463.
[19] -الشيخ علي كاظم ، المسكوكات البيزنطية والساسانية المتداولة في العراق حتى نهاية عهد عبدالملك بن مروان ،مركز بابل للدراسات الانسانية ، العدد2، 2012، ص 240 .
[20] -الشيخ ، المسكوكات البيزنطية ،المرجع السابق ، ص 250 .
[21] -دفتر ، الخط العربي ، المرجع السابق ، ص 58 .
[22] – لقد ظهر في العصر الاموي ما يعرف بدار الطراز وكان يقصد به في بادى الامر الكتابة الزخرفية على الاقمشة التي تشير الى أسماء الخلفاء ثم صارت تطلق على مصانع النسيج الخاصة بالخليفة ينظر : عباس ، رياض كريم ، الالبسة العربية الوانها ومصادرها في عصر صدر الاسلام الى العصر العباسي ، مجلة دراسات تربوية ، العدد 43، 2018 ، ص 166
[23] – الحسني ، رحمن منصور حسن ، تطور الازياء العربية في العصر العباسي ،مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية ،ج3، العدد30 ، 2018، ص 188.
[24] -دفتر ،الخط العربي ، المرجع السابق ، ص70.
[25] – الجهشياري ، ابو عبدلله محمد بن عبدوس ،الوزراء والكتاب ، تحقيق مصطفى السقا ،القاهرة ، 1938، ط1 ، ص 180.
[26] – دفتر، الخط العربي ،المرجع السابق ،ص 450 شكل 305 .
[27] – طهراني ، هدى نظام ،العساف ،عبير ، دراسة في مخطوط الترياق في تطهير الافعال وتهذيب الاخلاق للعلامة المجتهد السيد محسن العاملي 1371هجرية ، مجلة أداب البصرة ،العدد 89، 2019، ص
[28] – حسن ، زكي محمد ، مدرسة بغداد في التصوير الاسلامي ، وزارة الاعلام العراقية ، بدون تاريخ ، ص22
[29] -الشكل هو ازالة اللبس والغموض على الكلمات وضبطها بالحركات ومأخوذ من شكال الدابة اي ربطها وضبطها اما الاعجام فهي االنقط التي توضع حول الحروف لمنع اللبس ص حسن ، وسن عبدالمطلب ، الشكل والاعجام في الخط العربي ،مجلة آثار الرافدين ، المجلد الخامس ،2020، 292-293 .
[30] -دفتر ، الخط العربي ، المرجع السابق ، ص 180.
[31] -الشهرستاني ، علي ، مصحف أمير المؤمنين علي عليه السلام بين المنزل والمفسّر، نشر دار البراق ، ص
[32] -المصدر نفسه ، ص 182 .
[33] – عبد الرزاق ، الخط العربي ص 382 .
[34] -احمد ، معاذ مصطفى ، مشاهد الحيوان في الاثار الاسلامية القرن الرابع القرن السابع الهجري العاشر الثالث عشر الميلادي ، رساالة ماجستير غير منشورة ، كلية الاداب ، جامعة بغداد ، قسم الاثار ، 2021، ص 83 .
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)