مرتكزات ما بعد الحداثة في رواية أخوة محمد للروائية ميسلون هادي (دراسة تحليلية)

ايمان حسين محي

قسم الموارد المائية، كلية الهندسة، جامعة بغداد، العراق

الملخص

تعد مرتكزات ما بعد الحداثة هي مجموعة مناهج أو إذا صحّ لنا القول مجموعة نظريات جاءت بها الحضارة الغربية والتي انبثقت من تفكيكية جاك دريدا هدم المقولات المركزية وفضح الايديولوجيات وتعرية الخطابات المركزية. ومن المفارقات أنها نشأت في أوربا ولكنها طبقت في أمريكا ورسمت الفوضى الخلاقة فهي حركة خطيرة و هدامة تعكس مدى القلق وعدم الاستقرار النفسي وطبقت على المجتمعات الفقيرة ومنها لبنان وليبيا والعراق تحديداً الذي رسمت فيه الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار. أما علاقة المرتكزات بالأدب فقد أخذت تسعى دول أوربا إلى النفاذ لما يحتوي الأدب من أفكار وايديولوجيات فأخذت تسعى لاستغلاله من اجل الهيمنة. وقد وظفت هذه المرتكزات تحديداً في النتاجات العراقية فسعت إلى تمزيق الهوية ونثر بذور التفرقة والانشقاق. ويمكن الوقوف على أهم العناصر  والمبادئ التي جاءت بها منها: التشكيك والتفكيك والتفتيت والتقويض والتناص والفلسفة العدمية وما فوق الحقيقة والدلالات العائمة والتفكك واللاانسجام وهيمنة الصورة واعادة الاعتبار للسياق والنص الموازي وتحطيم الحدود بين الاجناس الادبية. إذ تسلحت مرتكزات مابعد الحداثة بمعاول الهدم والتشريح لتعرية الخطابات الرسمية وفضح اللأيدويولوجيات السائدة المتآكلة باستعمال لغة الاختلاف والتضاد والتناقض. وتتمركز هذه الدراسة على الوقوف على هذه المرتكزات في رواية أخوة محمد انموذجاً للروائية (ميسلون هادي) ، إذ تنقسم هذه الدراسة إلى مبحثين، الأول يتضمن مهاداً نظرياً عن مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة. أما المبحث الثاني فتناولنا فيه مرتكزات ما بعد الحداثة دراسةً وتطبيقاً. ثم اختتمنا دراستنا للبحث بأهم النتائج التي توصلنا إليها بعد الدراسة و الاستقصاء.

الكلمات المفتاحية: رواية، أخوة محمد، مرتكزات مابعد الحداثة.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

التمهيد

الحداثة وما بعد الحداثة

أ- الحداثة لغة:

جاء في معجم لسان العرب، الحديث: نقيض القديم، والحدوث، نقيضه القدمة، حدث الشيء يحدث حدوثاً وحداثة، وأحدثه هو، فهو محدث وحديث وكذلك استحدثه.(ابن منظور،مادة حدث :796) نوقد استخدمت العرب “حدث” مقابل “قدم” و يعني أن الحداثة تعني الجدة، والحديث يعني الجديد. وفي معنى آخر للحداثة: حدثان الشيء بالكسرة أوله، وهو مصدر حدث يحدث حدوثا وحدثانا(م،ن،796). لقد ظهر هذا المصطلح بدايةً للتمييز بين مدتين زمنيتين، جسدهما الصراع بين القديم والحديث (المسدي،عبد السلام، 1982 ،1)

ب- مفهوم الحداثة اصطلاحاً:

إن نظرية الحداثة ومفهوماتها كما يراها المحللين من المفاهيم الصعبة التفسير إذ تتداخل مع الكثير من المفاهيم الأخرى، وللتعرف عليها يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم (الحداثة والتحديث وما بعد الحداثة). فالحداثة عبارة عن جملة من الممارسات الثقافية، يكون بعضها معادياً للحداثة ذاتها، وتعد عملية اقتصادية في الأساس مع تطبيقات في علم الاجتماع الثقافي. وارتبطت بمفهوم العقلانية عند ماكس فيبر الذي عبر عنها في نظريته الاجتماعية والتي تم تطويرها في إتجاه نظري عرف باسم نظرية التحديث. (الصباغ فايز، 2005، 115)

يرى بعض المؤرخين أن بداية الحداثة تعود إلى العهد اليوناني والروماني تزامناً مع بداية الأفكار المثالية والمادية، وفي القرن التاسع عشر برزت بصورتها الفلسفية المتكاملة لتستكمل صورتها النهائية مع بداية القرن العشرين. يقول محمد ينيس: “تعد الحداثة غريبة التصور والتحقق، لفعلها صفة الشمول بداية من أبسط المنتوجات حتى سمات الحساسية ، فإن الغرب لم يتوقف منذ اللحظات الأولى يحاكمها أو يبدلها” (ينيس،محمد،1998، 109)

وبعضهم يعد أن فرنسا كانت مهاداً الحداثة وبالتحديد الثورة الفرنسية، كما قال جمال شحيد: ” انطلقت فترة الحداثة – والحق يقال – من رحم الثورة الفرنسية التي ركزت بالرغم من فترتها اليعقوبية الدموية على سيادة العقل والتعقل والعقلانية واللوغوس، وهي مقولات انتشرت في عصر الأنوار الأوروبي ، وانسلبت مجموعة من المفاهيم ( إلغاء الحكم السياسي المطلق  واعلان حقوق الإنسان، وحرية الفرد، وفصل الدين عن الدولة العلمانية أو الدنيوية) والنهضة والاصلاح وترسيخ دولة القانون، إطلاق المجتمع المدني دمقرطة الثقافة والعلوم، والمجتمع وترسيخ روح المواطنة: مع ما تحمل من واجبات وحقوق، وتركيز على العقد الاجتماعي الذي نادى به جان جاك روسو خاصة – تحديث المجتمع، وتنويره واقامة توازن بين الروح والجسد” ( شحيد ،جمال،2005، 12) ومزقت العالم المقدس وحلت محله العقلنة وتحديد الذات.

نجد أنه على عتبة الحداثة تربع القول الشهير لـديكارت “أنا أفكر، إذاً أنا موجود” ( الشيخ،محمد، 2008، 375) فهو يركز فكره على الذات والعقل، لأن “الحداثة ترتبط بالعقلانية في الشكل وتلازم واضح كما تقترن في نمط تكوينها وفي نمط عملها بالعقل أساساً” (شحيد،جمال،2005 ،127) . كما يرى تورين أن الحداثة تعتمد على ركيزتين أساسيتين (العقلانية والانفجار المعرفي). إذ إن العقلانية هي المبدأ الأساس للحداثة لتكون بداية جديدة لعالم يحكمه العقل وتسوده العقلانية، ولا توجد حداثة من غير أساس عقلاني. (تورين،42)

مفهوم ما بعد الحداثة

يشير مصطلح ما بعد الحداثة إلى مرحلة تأريخية مخصوصة، فما بعد الحداثة هي أسلوب في الفكر يبدي ارتياباً بالأفكار والتصورات الكلاسيكية كفكرة حقيقية والعقل والهوية، والموضوعية والتقدم والانعتاق الكوني، والأطر الأحادية والسرديات الكبرى أو الأسس النهائية للتفسير، وهي ترى العالم بخلاف معايير التنوير هذه، بوصفه طارئاً عرضياً بلا أساس متبايناً بعيداً عن الثبات، وبعيداً عن الحتمية والقطعية، وبوصفه مجموعة من الثقافات أو التأويلات التي تولد قدراً من الارتياب حيال موضوعية الحقيقة والتأريخ والمعايير، والطبائع المتعينة والهويات المتماسكة. (سبيلا،23) وهناك من الباحثين والدارسين من يربط “ما بعد الحداثة” بفلسفة التفكيك والتقويض، وتحطيم المقولات المركزية الكبرى التي هيمنت على الثقافة الغربية من افلاطون إلى يومنا هذا. (حمداوي،2012، 18)

وبالنسبة للكثيرين تعد ” ما بعد الحداثة ” عديمة على نحو خطير، فهي تقوض أي معنى للنظام والسيطرة المركزية للتجربة فلا العالم ولا الذات لهما وحدة متماسكة. (كارتر ،2010، 130)

ومن ثم، فقد اعتمدت فلسفة “ما بعد الحداثة” على التشكيك والتقويض والعدمية، كما اعتمدت على التناص، واللانظام واللإنسجام، واعادة النظر في الكثير من المسلمات والمقولات المركزية التي تعارف عليها الفكر الغربي قديما وحديثا. و من ثم تزعزع ما بعد الحداثة. حيث يقول دافيد كارتر ” جميع المفاهيم التقليدية المتعلقة باللغة والهوية، إذ نسمع كثيرا من الطلاب الأجانب الذين يدرسون الأدب الانجليزي ينعتون أي شيء لا يفهمونه أو يعبرون عنه بما بعد حداثي. وكثيرا ما تكشف النصوص الأدبية في ما بعد الحداثة “عن غياب الانغلاق وتركز تحليلاتها على ذلك، وتهتم كل من النصوص والانتقادات بعدم وضوح الهوية، وماهو معروف بإسم ” التناص” هو إعادة صياغة الأعمال المبكرة أو الترابط بين النصوص الأدبية”.(حمداوي،18)


مرتكزات ما بعد الحداثة:

تستند ما بعد الحداثة في الثقافة الغربية على مجموعة من المكونات والمرتكزات الفكرية والذهنية والفنية والجمالية والأدبية والنقدية، ويمكن حصرها في العناصر والمبادئ الآتية:

– التقويض: تهدف نظرية ما بعد الحداثة إلى تقويض الفكر الغربي بالتشتيت والتفكيك فهي تسعى إلى تعرية الخطابات الرسمية وفضح الأيديولوجيات السائدة المتآكلة، وذلك من خلال لغة الاختلاف والتضاد والتناقض. (حمداوي،19)  وهذا ما ظهر إيجابياً في أول الأمر في هذه الحركة، شجع مريديها على التشبث بها. ومن هنا نستنتج أن ما بعد الحداثة من الخطابات النقدية التي تبني مرتكزاته عن طريق التشتيت والتفكيك، بحيث تمكن هذا الخطاب، من هدم الخطابات الرسمية وجميع الإيديولوجيات.

أما توظيف مفهوم التقويض في السرد فنلحظ الراوية قد وظفته عبر مقاطعها السرية ومنها “مهما كانت الأوضاع الأمنية سيئة والمباني خربة والشوارع محطمة والكهرباء متردية، فهي لديها الأمان التام ما دامت تمشي وتلملم أدق نواعم البيت في صناديق محكمة و نظيفة وتمسح حتى أوراق الأشجار بعد العواصف الترابية ومن داخل هذا الحبس الجماعي الذي يلزمنا بيوتنا من الساعة الخامسة عصراً، تنجو هي بنفسها وعقلها من الضجر والوحدة و الكآبة والحزن على زوجها عن طريق التايد والديتول والتنظيف المستمر”. (هادي،2019، 144)

-التشكيك: أهم ما تتميز به ما بعد الحداثة هو التشكيك في المعارف اليقينية، ويعد التشكيك من آليات الطعن في الفلسفة الغربية المبنية على العقل والحضور والدال الصوتي. (حمداوي،20)


-العدمية: من يتأمل جوهر فلسفات ما بعد الحداثة فإنه سيجدها فلسفات عدمية وفوضوية لا تقدم بدائل عملية واقعية وبرغماتية بل هي فلسفات عبثية لا معقولة تنشر اليأس والشكوى والغموض في المجتمع. (م،ن)

وممكن أن نرصده في المقطع السردي “لا يوجد بصراحة ما تقصينه عن هذا الشارع .. فماذا يمكن أن يوجد فيه سوى القتل والخطف والتفجيرات؟ حرارة أيام لاهبة مع جرحى واموات، وغير ذلك من الآلام والأهوال والظلمات”. (هادي،16)

فهنا ترصد الراوية عدمية المكان وفوضويته القائم على اللامعقولية المبني على القتل وخطف والتفجيرات التي ولدت الشكوى والألم والفوضى في المجتمع.


-التفكك واللاانسجام: إذا كانت الحداثة تبحث عن الانسجام والنظام من أجل الحصول على بنية كلية شاملة، فإن ” فلسفات ما بعد الحداثة ” هي ضد النظام والانسجام بل هي تعارض فكرة الكلية و في المقابل ، تدعو إلى التعددية والاختلاف واللانظام، وتفكيك ما هو منظم ومتعارف عليه “.(م،ن)

تقول الراوية

“- يمكن بس انا وانت بقينا بالشارع

– كل البيوت الي بصفي فرغت .. من بيت ابو النبكة ولحد بيت ابو المولدة”.(هادي،141- 142)

فالراوية وظفت ثيمة التفكك في هذا المقطع لتعكس لنا تشظي المجتمع الذي سببته افرازات ما بعد الاستعمار.

-التناص: يعد التناص إحدى النقاط المشتركة لأنصار ما بعد الحداثة الدولية في سرد وبناء وتفكيك الحقيقة. ويرى باختين بأن كل نص يقع عند ملتقى مجموعة من النصوص الأخرى، يعيد قراءتها ويؤكدها ويكثفها ويحولها ويعمقها في نفس الوقت. والتناص يعني استلهام نصوص الآخرين بطريقة واعية أو غير واعية، ويدل على التعددية. (عطافي،2019، 30)

ونلحظ التناص في المقطع السردي:

“إذن فالرواية كما يقول صلاح فضل مثل (جوف الفرا) يتسع لكل شيء غير أنه يحتاج إلى جلد بطن متماسك يحتويه

– وما هو جوف الفرا؟

– المثل قديم و أصله أن قوماً خرجوا للصيد فصاد أحدهم ظبياً، وآخر أرنباً وآخر فرا وهو الحمار الوحشي، فقال لأصحابه: كلّ الصيد في جوف الفرا، أي جميع ما صدتموه يسير جداً في جنب ما صدته.” (هادي،45 )

–تفكيك المقولات المركزية: استهدفت ما بعد الحداثة تقويض المقولات المركزية الغربية الكبرى كالدال والمدلول واللسان والكلام، والحضور والغياب، إلى جانب إنتقاد مفاهيم أخرى كالجوهر، والحقيقة، والعقل، والوجود، والهوية، وذلك عن طريق التشريح، و التفكيك والتقويض والتشتيت، والتأجيل. (حمداوي،22)

من هنا نستنتج أن فلسفات ما بعد الحداثة كانت بمثابة معول لهدم وتقويض من الميثولوجيا الغربية القائمة على الهيمنة، والاستغلال والاستيلاب، والتعليب والتغريب وتعمل جاهدة على تحرير الإنسان من المقولات المركزية الثابتة التي تحكمت في الثقافة الغربية لأمد طويل وذلك عن طريق التسلح بمجموعة من الآليات الفكرية والمنهجية كالتشكيك وفضح الأوهام الإيديولوجية، وتعرية الخطابات القمعية المبنية على السلطة والقوة. (عطافي،31)

يمكن أن نرصد هذا المرتكز في قول الراوية ” لا سلطة الائتلاف المؤقتة ولا مجلس الحكم ولا بول برايمر ولا قوات التحالف ولا العراق الجديد جعلت حياتنا أفضل من السابق” (هادي،165) .فالراوية هنا تكشف وتعري وتفضح الاوهام الايديولوجية والسلطوية التي لم تمنح الافضل لحياة الشعب العراقي  ولم تات بجديد عن السابق.

-التاريخانية الجديدة: تعد التاريخانية من أهم نظريات الأدب التي ظهرت في فترة ما بعد الحداثة وتهدف
إلى فهم العمل أو الأثر الأدبي ضمن سياقه التأريخي، وقد ارتبطت التاريخانية الجديدة بمفهوم التأريخ والتطور التاريخي والثقافي، وقراءة النصوص والخطابات التاريخية في ضوء مقاربة تأريخية جديدة، حيث تهتم باستكشاف الأنساق الثقافية المضمرة ، وانتقاء المؤسسات السياسية المهيمنة وتقويض المقولات المركزية السائدة (حمداوي،192)  ويرى ستيفن جرينبلات أن التاريخانية الجديدة، لا تفترض العمليات التاريخية على أنها غير قابلة فالتاريخانية الجديدة تركز على استكشاف الأيديولوجيا كما تركز على استكشاف الأنساق التاريخية والثقافية المضمرة. تدرس التاريخانية الجديدة النص الأدبي في سياقه التاريخي والثقافي، لاستكشاف الأيديولوجيا، ورصد لقوى الاجتماعية التي تشكل النص، لأن الدلالات داخل النص أو الخطاب الأدبي تتغير حسب المتغيرات التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية. فالتاريخانية الجديدة تعمل على تفكيك هذه الدلالات المتناقضة عن طريق آليات التقويض والتشتيت، وقد بين جرينبلات أنها  ميدان أو ممارسات قرائية تتقصى سلسلة من المظاهر التي تظهر عندما يبحث الناقد في تخطيط الطرق التي تمثل فيها النصوص عبر أسلوب ديالكتيكي أنماط السلوك للمجتمع، وتديمها وتشكلها، أو تغير الشفرات المهيمنة لتلك الثقافة وعليه فإن جرينبلات يشير إلى أن التحليل الثقافي في ضوء علاقته بالسياقات الاجتماعية يفهم ضمنا على شكل خارطة مرسومة داخل المدار أو الفلك الجمالي الذي يمكننا بدوره من رصد بعض الدلالات التصويرية لهذه الخارط (عطافي ،44)

وخير أنموذج على مفهوم التأريخانية تسفر عنه الراوية في المقطع السردي ساخرة من التأريخ “معذرة يا أستاذة أنا لا أضحك بلا سبب .. ولكنك كتبت كل يوم بتأريخ مختلف مع أننا في يوم واحد هو الحادي والعشرون من آذار .. ههههه أما السنين فقد اختلفت وتفاوتت وكأننا نطير فوق بساط الزمان كله ههههه بعض السنين كتبتها 2015 ههههه وبعضها 2016 وبعضها 2028 .. واو ! كأنني أرى نفسي في المستقبل .. تعال تعال أيها المستقبل فأنا عاطلة عن الكلام .. تعال وانظر إلى هذا التيه من الزمان ” (هادي،128)

وتبدو ظاهرة التشتيت واضحة للقارئ بسبب التيه الزمني، فالشخصية متخبطة بالأزمان ولا تعلم الأيام و السنوات، الأمر الذي أدخلها في دوامة الوهم وهذا ما افرزته مخلفات ما بعد الاستعمار فانعكس ذلك على أفكارها فشتتها وبعثرتها.

 

-الهوية: كما يشير أمين معلوف، الهوية هي المسألة الأساسية للفلاسفة، منذ قال سقراط )اعرف نفسك بنفسك). وفي معجم المصطلحات، تعرف الهوية بأنها: علاقة بالتطابق مع الذات عند شخص ما، أو جماعة اجتماعية ما، في جميع الأزمنة وجميع الأحوال، فهي تتعلق بكون شخص ما، أو كون جماعة ما، قادراً أو قادرة على الاستمرار في أن تكون ذاتها، وليس شخصاً آخر، أو شيئاً آخر. وقد يمكن اعتبار الهوية خيالاً، يراد منه أن يضفي نموذجاً، أو سرداً منتظماً، على التعقيد الفعلي، والطبيعة الفياضة لكل من العالمين النفسي، والاجتماعي. ويتركز سؤال الهوية على تأكيد مبادئ الوحدة في مقابل التعدد والكثرة، والاستمرار في مقابل التغير والتحول. وهنا تكمن إشكالية سؤال الهوية، إذ نجد تيارين متناقضين في تقديم نظرة عن مفهوم الهوية، التيار الأول يعتمد على النظرة القديمة، التي قدمها الفارابي في التعليقات، إذ يقول: إن هوية الشيء عينيته، ووحدته، وخصوصيته، ووجوده المنفرد له كل واحد، وقولنا: (إنه هو) إشارة إلى هويته، وخصوصيته، ووجوده المنفرد له، لا يقع فيه اشتراك. وبهذا التعريف “تتأكد الصبغة الواحدية لمفهوم الهوية” ويتأكد مفهوم الجوهرية الثابت، الذي يدل على تطابق الهوية مع الذات بصورة أحادية، سواء أكانت هذه الهوية فردية (لفرد بعينه)، أم جمعية (لأمة). أما التيار الثاني فيعتمد على: آراء أكثر حداثة ونقدية تميل إلى تبني موقف مضاد للجوهرية، وإلى التأكيد على وضعية البناء الاجتماعي لجميع الهويات. فينظر إلى الهويات على أنها تتأسس في سياقات اجتماعية وتاريخية محددة، وأنها خيالات استراتيجية، عليها أن تتجاوب مع الأحوال المتغيرة، من ثم فهي عرضة للتغير، واعادة التصوير باستمرار. ووجهات النظر المختلفة والمتناقضة هذه يفسرها فتحي المسكيني بانزياحات أصابت مصطلح الهوية، من “هو” نحوي، إلى “هو” منطقي، إلى “هو” أنطولوجي، ثم إلى “هوية أنطولوجية”، في الفلسفة العربية الكلاسيكية، إلى “هوية” أنثروبولوجية، وثقافية، في نظام الخطاب السوسيولوجي التاريخي اللاهوتي المعاصر. (الجبر،2018 ،55-56)

وقد وظفته الراوية في المقطع القصصي إذ تقول:

” – همه هم هجوا اخيتي .. اويلاه .. كل البيوت الي بين بيت اورشينا و بيت المخابيل فارغة، بيت ابو محمد السجاد وبيت ابو محمد استاذ الرياضيات وبيت ام محمد الصيدلانية .. كلهم شالوا شلون دادة شلون منو راح يجيبلنا هريسة هاي السنة”.(هادي،145)

ونرصده في مقطع آخر “امي تقول بأنها لم تعد تفكر باختفاء المسنين والعجائز من اهلنا، فجدتي الحجية عمّرت حتى التسعين من العمر والشباب هم الذين يواصلون الاختفاء سواء بالخطف أو القتل أو السفر إلى بره”.(هادي،125)  ففي هذين المقطعين السرديين تسلط الراوية الضوء على قضية مآساوية وهي القتل والخطف على الهوية  التي راح ضحاياها الاف الشباب من مختلف الاطياف فضلا عن التهديد والتهجير ذلك العنف الأرهابي الذي لاحدود  فهو لا يعرف لا رحمة ولا شفقة همه الوحيد خلق فضاءً مظلما من الفوضى مليئاً بدم الأبرياء.

-الكولاج: الكولاج هو عبارة عن تقنية فنية وجمالية تقوم على توليف العناصر و تركيبها جزئياً أو كلياً، سواء أكانت تلك العناصر متنافرة أم منسجمة. أي إنه تجميع لأشكال وعناصر وقطع ومواد مختلفة لخروج بعمل فني جديد. إن استخدام هذه التقنية كان له تأثير جذري في الرسوم الزيتية في القرن العشرين كنوع من الفن التجريدي الجاد. وقد تمت تسميته من قبل الفنان الفرنسي جورج براك و الفنان الاسباني بابلو بيكاسو في بداية القرن العشرين. ويتضمن عمل الكولاج الفني جمع قصاصات من الجرائد، وأشرطة، وقطع من الورق الملون ، ونسبة من الأعمال الفنية الأخرى، وصور فوتوغرافية وما إلى ذلك، ولصقها جميعاً على قطعة من الورق أو القماش. وقد نشأ الكولاج، أو فن لصق القصاصات، في الصين، عندما اخترع الورق في القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً و لكن استخدامه ظل محدوداً حتى القرن العاشر للميلاد، حين بدأ الخطاطون اليابانيون  بكتابة الشعر على سطح مجموعة من القصاصات الورقية. وارتبط ميلاد وتطور فن الكولاج الحديث بميلاد موجة جديدة في الفنون أطلق عليها الحداثة. (حمداوي،نيوز الجديدة)

ولقد حاول ديفيد شيلدز أن يجد الكولاج في طبيعة الرواية، حيث يرى أن أصل مفردة رواية يعني تشكيل أو هيكلة شيء ما، وأن أي فعالية لفظية هي هيكلة للحوادث وأن الرواية لا تعني اختلاق الأمور وإنما ضمها لبعضها البعض. ( النية، مج 11، 2019 ، 1) ويمكن أن يتحقق الكولاج في الرواية بمجموعة من التقنيات والآليات المنهجية واللغوية واللسانية:

  • الكولاج بواسطة المقامات الصوفية والعرفانية : مقام الدخول، ومقام الجوى والقدرة والتحدي، ومقام النجدة وتعرية الرهان، و في مقامات الحضرة والتشكيل، ومقام الأسئلة الحارقة، ومقام الخروج.
  • الكولاج بالدخول والخروج : (مقام الدخول ومقام الخروج).
  • الكولاج بالتقطيع أوالتركيب:. أي تقطيع الرواية إلى مجموعة من المشاهد والمناظر [1]واللوحات والمقاطع والحلقات المتشذرة، ومن ثم تركيبها في نسيج سردي واحد منسجم دلالياً وعضوياً.
  • الكولاج باللوحات والمشاهد المرتبطة بكل شخصية على حدة .
  • الكولاج بالميتاسرد أو الميتاقص ويقصد به ذلك الخطاب المتعالي الذي يصف العملية الإبداعية نظرية ونقدا، ويهتم برصد عوالم الكتابة الحقيقية والافتراضية والتخييلية، واستعراض طرائق الكتابة، وتشكيل عوالم متخيل السرد، والتأشير على صعوبات الحرفة السردية، ورصد انشغالات المؤلفين السراد، وتبيان هواجسهم الشعورية واللاشعورية، ولاسيما المتعلقة بالأدب وماهيته ووظيفته، واستعراض المشاكل التي يواجهها المبدعون وكتاب السرديات بشكل عام.

ونرصد الكولاج في داخل الرواية عندما يقوم بتشظي القصة الأم الى قصص فرعية فيلصق الراوي قصة فرعية داخل الرواية تساهم في تنويع زوايا السرد إذ تقول الراوية: “فعل الملك ما قاله الوزير، فاخذ الخادم الصرة فلما عدها قال: (لا بد أن الدينار الباقي وقع في الخارج). فخرج هو و أهل بيته كلهم يفتشون، وذهب الليل كله وهم يفتشون فغضب الخادم عليهم بعد أن لم يجدوا الدينار الناقص، وثار عليهم بسبب الدينار الناقص .. اصبح الخادم في اليوم الثاني متكدر الخاطر لأنه لم ينم الليل، فذهب إلى الملك عابس الوجه غير مبتسم، ناقماً على حاله، وعلم ما معنى 99 وهي إننا ننسى 99 نعمة وهبنا الله إياها و نقضي حياتنا كلها نبحث عن نعمة واحدة مفقودة” ( هادي،65) كان هدف الراوي الأساس من الكولاج هو التشتيت والذي يعد أحد مرتكزات مابعد الحداثة .

 

-الأليغوريا. الأليغوريا في الأدب بمعنى الكشف عن دلالة تعمَّد الكاتب دسّها في طيَّات نصه، دون أن يستشعر القاريء أي إقحام غير مبرر في سياق الحكي. أصل الكلمة لاتيني بمعنى الكلام الآخر، بمعنى أن الراوي يمنحنا فضاءً بديلاً، مظهراً آخر يتمثل في دلالة أخلاقية أو نفسية أو دينية أو سياسية، فالكلام الأول هو المسرح والإطار الذي يُنشئ فيه الكاتب حيوات شخوصه، يعالج بسلاسة فكرة الزمن والمكان، أما النص أو الحوار الذي سيدور فيما بعد فما هو إلا مفتتح لفضاء آخر ومظهر آخر من الحكي، بكل ما يحمله من دلالات.

إن لفظة الأليغوريا هي لفظة يونانية الاصل وتعني الكلام عن الشئ وهو كلام عن شئ اخر فهي ضرب من صور التخييل .[2]

وقد عرفها هنري مروييه قائلاً ان الأليغوريا حكاية ذات طابع رمزيّ أو تلميحيّ وهي باعتبارها سرداً تقوم على تسلسل أعمال وتعرض شخصيّات تكون لصفاتها وأزيائها ولأعمالها وحركاتها قيمة العلامات، وتتحرّك هذه الشخصيات في مكان وزمان لهما بدورهما طابع رمزيّ.

وتضمّ الأليغوريا دائماً مظهرين: مظهراً مباشراً حرفيّاً ومظهراً ثانياً يتمثل في الدلالة الأخلاقية أو النفسية أو الدينية إذ يتبين لنا أن الأليغوريا هي حكاية رمزية تقوم على التخييل فالشاعر أو السارد يتخيل شخصيات قد تكون حيوانية أو نباتية أو انسانية وعالماً خاصاً في ذهنه يصف به الواقع الحالي. فهو كالفنان عندما يتعامل مع الواقع تعاملاً تخييلياً إلاّ أن هذه الظاهرة قد اقترنت أكثر بالسرد و هي في ذات الان لا تعتمد كلفظة مجازية مفردة و إنما هي احياء لعالم معين مؤلف من عدة عناصر متداخلة.

إذ نتبين مما تقدم أن الاليغوريا تعني الحكاية المجازية الرمزية الداعية للتأويل و ينزع إليها الشاعر أو الكاتب في السرد لابطان معانٍ و اظهار أخرى غير مقصودة قصد فتح المجال للتأويل وقد اعتمد هذا الضرب من المجاز في الشعر العربي الحديث و كان أول من بادر إلى استعماله أمير الشعراء أحمد شوقي معتمداً الحكاية المثلية نازعاً و ذلك في جملة من قصائده.( الشيخاوي)

ونرصد الأليغوريا في الرواية عبر المقطع السردي الذي يحكى فيه عن امبراطور ياباني معروف بقوته وشجاعته وكان معتاداً على الحروب، و كان قبل كل حرب يلقي قطعة نقد صغيرة فاذا سقطت على الصورة يؤكد للجنود حتمية الانتصار وفعلاً ينتصرون وإن سقطت على الكتابة يقول لهم أنهم سيهزمون. وكانت القطعة دائماً تسقط على الصورة ومرت السنوات واستمرت الانتصارات حتى جاءت لحظة المفاجأة أن العملة النقدية كانت لها صورة في كلا الوجهين. فهذه القصة فيها رمزية أن الدافع المعنوي كان المحفز المستمر للانتصار. فتقول الراوية:” يحكى أن في قديم الزمان كان هناك إمبراطور ياباني معروف بقوته وشجاعته وقوة شخصيته، وبعد ذلك يلقي قطعة نقد صغيرة عالياُ في الهواء ، فان سقطت على الصورة يقول لهم ستتعرض للهزيمة. كانت القطعة دائماً تسقط على الصورة…..فنظر الابن إليها ، فوجد الوجه الاول صورة،وعندما قلبها حدثت المفاجأة ، وعرف سرها على الفور”. (هادي،89)

-البوليفوني. تبلور مفهوم الســرد البوليفوني بوصفــه مظهراً من مظاهر التخفيف من النزعة النرجســية لدی المؤلف  مســتنداً على تعددية الأصوات تاركاً تأثيره على البنية الســردية. وقد تم اكتشــاف المظهر البوليفوني أي “متعدد الأصوات “عبر الناقد الروسي ميخائيل باختين أثناء دراسته لشعرية روايات دستويفسكي، إذ يعرف الرواية البوليفونية بقوله «تشتمل الروايــة المتعددة الأصوات علـى العلاقات الحوارية بين جميع عناصــر البنية الروائية مثلما يحدث عند مزج مختلف الألحان في عمل موسيقي لقد سبق لباختين الوصول إلى استنتاج مهم متفحصاً الآثار الروائية لدستويفسكي ملخصه أن موهبة دستويفسكي في أن يسمع ويفهم كل الأصوات مرة واحدة ما مكنه من خلق الرواية المتعددة الأصوات. ليســت هذه الممارســة الفنية إلا ممارســة لديمقراطية التعبير تســتهدف كسر هيمنة “الأنا” فتصوغ الكلام من موقع مفتوح على موقع المخاطب فيزول موقع الراوي الواحد والمهيمــن الذي تتماثل الشــخصيات ويذوب صوتها فيه فتظهــر نزعة تحررية تميل إلى تحييد الراوي فلا يبدو ســلطوياً بشخصيات عالم القصة ولا تتسم فيه تلك الشخصيات بطابع التماسك والانسجام ولا تحتل النهاية مكانة هامة ولا يمكن للقارئ أن يستكشف النهاية لأنه لا يعرف فكر الراوي لتعدد الرواة ولا توجد آلية تربط الأحداث، وبالتالي ينزع مثل هذا النص لكســر حصانة البطــل ومن خلفه طبعاً الراوي ويقف ضد ما قد يخفيه البطــل من أهداف تعليمية وعظية وضد ما يحمله فعل القص المحكوم بموقع البطل مــن نوازع ايديولوجية قد تتســم بالضيق واللامحدودية فيقدم الكاتب عدداً كبيراً من الشــخصيات والأصوات الروائية المتصارعة في فضاء الخطاب الروائي ويتخلص من التفكير الأحادي والرؤيا النرجســية للأحداث والناس ما يتيح للقارئ النظر في الحدث من زوايا عديدة وجوانب مختلفة ويجعل المجال خصباً للتأويل وتعدد القراءات ويصبح صوت الشخصية الروائية صوتاً متصارعاً مع كل ما يقابله دون أن يتجاوز على ما هو غيره. مــن هذا المنطلق يعد الحوار والمنحى الحواري ركناً رئيســاً لدراســة هذه الظاهرة حيــث بــين باختين أن ظاهرة تعدد الأصــوات أو تعددية أشــكال الوعي في الرواية الحديثة تمنح اهتماماً خاصاً للمنحى الحواري في الرواية، هذه النزعة التي استطاعت أن تحرر الشخصية الروائية من رقابة المؤلف ومنحتها حرية واسعة في الحركة داخل العمل الروائي بعد أن تخلصت من التوجهات الايديولوجية المباشرة للمؤلف. فينتقــل القارئ من المنطق الأحادي والراوي الخبير العارف بكل شــئ إلى العالم الأرحب حيث تعدد الشخصيات والرواة يعكس التعدد في الأساليب والحوارات فلهذا الرواية داخل الســرد البوليفوني «تميل إلى القلق، إلى شــيء من عدم التماسك أو هي توحي بذلك كأنها لا تترابط أو كأنها تتفكك ولا تنمو نحو غاية لها؛ تنتهي ولا تنتهي والقارئ هو الذي يختار طريقه داخل هذا العالم اللامحدو بهتشي، العدد 31 ،  2018، 4-5)

هذه الرواية لا تؤمن بالصوت الفردي، فتنقل صوت الراوي من لحظة بدء الرواية وصوت الكاتبة هو الغالب على الرواية وبعدها صوت ماريا وكذلك صوت الراوي العليم.

-العنف. العنف لغة: وردت لفظة العنف في قاموس لسان العرب على أنها: “الخرق بالأمر وقلة الرفق به، وهو ضد الرفق، عنف به يعنف. هو بالضم ، الشدة والمشقة. وأما اصطلاحاً فقد تعددت آراء الباحثين والدراسين حول مفهوم العنف. فيعرفه علماء الاجتماع بأنه فرض شيء ما بالقوةلم يستطع فرضه بغيرها وهو عبارة عن الممارسات التي تتضمن استخداماً فعلياً للقوة لتحقيق هدف عجز مرتكبوها عن الوصول إليه بغيرها. ويعرف أيضا بأنه ذلك السلوك المنظم الذي يتضمن استخدام القوة في الاعتداء على شخص آخر دون إرادته.

وفي تعريف آخر هو تلك الأعمال الإرهابية التي صدرت من منظمات مسلحة تنتمي إلى الإسلامية الحزبية المتطرقة، و التي وجهت عنفها إلى الشعب بكافة فئاته ، ولم تقتصر أعمال العنف على القتل وحده، بل تشتمل على العنف اللغوي والنفسي، وكذلك التهميش الأسري والاجتماعي ( بلعبدي، العدد 2،2019 ، 90)

ويبرز العنف في الرواية في كثير من المقاطع ومنها قول الراوية “لا يوجد بصراحة ما تقصينه عن هذا الشارع .. فماذا يمكن أن يوجد فيه سوى القتل والخطف والتفجيرات؟ حرارة أيام لاهبة مع جرحى واموات، وغير ذلك من الآلام والأهوال والظلمات” (هادي ،16)  فالراوية أشارت في هذا المقطع السردي الى الفوضى الخلاقة التي رسمها الاستعمار لخلق التشتيت والتفتيت والتشظي والتقويض وهو مرتكز كولنيالي استعماري .

ويمكن رصد العنف من مفهوم الإيذاء الجسدي وايذاء النفس في الانتحار في قول الراوية “أين تظنها قد ذهبت يا عباس، لسابع سنة وأنا لا أراها؟

  • يجوز انتحرت.
  • يعني شنو انتحرت؟
  • يعني موتت نفسها.
  • ليش هو الواحد يكدر يموت نفسه؟
  • اي يكدر.” (هادي،104)

-مفهوم المخطوط وعلاقته بالسرد الأدبي

1.المفهوم اللغوي: الخط في اللغة (الطريقة المستطيلة في الشيء والجمع خطوط… خطّ القلم أي كتب وخطّ الشيءَ يَخطّه خطَاً كتبه بالقلم أو غيره… والخط الكتابة ونحوه مما يَخط). وقد ورد الفعل بصيغته المشتقة (مخطوط) عند الزمخشري المتوفى سنة 538هـ/ 1143 م في كتابه “أساس البلاغة” في مادة “خطط” يقول: (خطّ الكتاب يخطه، وكتاب مخطوط). وقد وردت المفردة بصيغة الفعل في القرآن الكريم في موضع واحد فقط في قوله تعالى: “وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون” (سورة العنكبوت:48). (حميد،العدد 79، 2013، 2)

2.المفهوم الاصطلاحي: المخطوط من المصطلحات التي التفت إليها الغرب وجاء توسيع دلالتها مرصوداً من قبلهم خاصة بعد زمن اختراع الطباعة، فأفرزت لنا مصطلح “المخطوط” في مقابل مصطلح “المطبوع”، وتوسع إثر ذلك معناها في المعاجم العربية التي ترجمت الكلمات من اللغات الاجنبية، فنجد ان مجدي وهبة يترجم مصطلح manuscripts بأنه (نص مكتوب باليد على رق أو ورق). (م،ن،2)

كثيرة هي التقنيات التي يلجأ إليها السرد الأدبي لإغناء مادته، ذلك لأن تحديثها يجري باستمرار، وتمثل هذه التقنيات وسيلة مهمة (لدى الكاتب لكي يكتشف ويستكشف ويطور موضوعه ولكي ينقل معنى تجربته وأخيراً لكي يقيمها)، وقد تطور مفهوم التقنية بسبب الوعي بأهميته في العملية الإبداعية فأصبح يتعلق بـ(مقدار نجاح القصصي باستعماله كافة إمكانياته ومواهبه في خلق الأقصوصة). (م،ن،3)

أسهم توظيف المخطوط في الأعمال الأدبية بـ(خلق الوهم الفني فكتاب القرن الثامن عشر في أوربا كانوا يجتهدون لإحاطة رواياتهم بجو من الصدق عبر الادعاء، مثلاً، أنها مخطوط قديم عثروا عليه، أو قصة مجهولة المؤلف… الخ). وقد لاقى هذا الاتجاه اعتراضاً من (هنري جيمس) الذي (تزعم التراث النقدي الذي حَجّم بصورة صحيحة كل هذا الوهم من خداع الوعي الذاتي بوصفه وسيلة لتحطيم وهم الواقع وتذكير القارئ بأن النص هو في حقيقته قصة موضوعة). وما حدث من تطور ملحوظ في توسيع ظاهرة الاشتغال بالمخطوط هو أن اتجاهات ما بعد الحداثة وجدت فيه ما يناسب توجهاتها الفلسفية ونظرتها إلى التاريخ فأصبحت شكلاً صالحاً لتمرير أحداث التأريخ والتلاعب به، لذلك توسع الاهتمام به بوصفه ظاهرة ما بعد حداثوية.(م،ن،4)

 

أثر المخطوط في أدب ما بعد الحداثة. يمتلك المخطوط بنية متغيرة ومرنة تمنحه القدرة على النفوذ إلى بنى أعمال أدبية كثيرة. ولا يقتصر هذا التوظيف على أنماط محددة من السرد الأدبي فهو موجود في القصص والروايات بمختلف أنواعها كالرواية الرسائلية، وروايات المغامرات والبحث، والرواية الكلاسيكية، ورواية ما بعد الحداثة. ومن المعروف أن الأعمال الأدبية لما بعد الحداثة تتنوع وتتفرع إلى فروع تندرج تحتها مسميات مختلفة، وما يهمنا هنا هو التركيز على السرديات القصصية والروائية بشكل خاص، التي تتفرع تحت عناوين مثل: (ما وراء السرد وما وراء السرد التاريخي، وما بعد الكولونيالية). ذلك لا ينفي وجود المخطوط في أنواع أخرى كالواقعية السحرية. إن التنوع لأعمال ما بعد الحداثة بإمكانه إثراء إجاباتنا عن الحدود الممكنة للاستدلال على خصائص المخطوط (ما بعد الحداثوي). (حميد،5)

ويمكن رصد توظيف المخطوط في إحدى المقاطع السردية للرواية فنراها الراوية تقول في المقطع الحواري:

” – حسنا يا أورشينا ما حكايتك مع الكتابة؟

– أنا درست علم النفس في الجامعة المستنصرية، تخرجت قبل ثلاثة أعوام. ولا أعرف ماهو المستقبل.. ولا انتظر شيئاً .. لم أتزوج لحد الآن .. ولا أفعل أي شيء سوى الكتابة.”(هادي،39)

فقد أشارت الراوية إلى شخصية البطلة المشتتة الأفكار، فهي تكتب ولا تعلم دافعها الرئيس من الكتابة والغرض منها، فهي تكتب بعشوائية جمة برؤى متبعثرة ومتشظية.

-الواقعية السحرية: وقد انمازت الواقعية السحرية بمزجها بين الواقعية وعناصر ثقافية أخرى مثل الأسطورة، والتي وردت في لسان العرب ضمن مادة (سطر) جاءت بمعنى الاباطيل كما قالوا أيضاً الأحاديث. وقال ابن منظور في معناها اللغوي أيضاً: إنها أحاديث لا نظام لها واحدتها إسطار. (كريم2014، 243)

أما في الاصطلاح فيراد بها القصة الخيالية أو الخرافية تأتي بمثابة تفسير يقوم به الانسان لأسرار يفهمها أي مزج ما هو حقيقي بما هو غير مألوف، وتفيد الأسطورة في الغالب مجموعة الحوادث القديمة المحفوفة بالمبالغات. وقد زودت الأسطورة روايات الواقعية السحرية بكثير من شفراتها المرمزة مسهمة في انتاج نص أدبي زاخر بالأسرار والغموض. ويأتي هذا الاهتمام البالغ الذي شكلته الأسطورة في تفكير الانسان نتيجة التطور العلمي المتأثر بحركة الاكتشافات وظهور المناهج الحديثة. ويعتمد الروائي في بناء شخوصه أحياناً على مبدأ الانزياح عن المرجعيات الواقعية لحساب المدهش واللاواقعي. (م،ن،230)

ونلحظ هذا في المقطع السردي في الرواية “وفي الليل سمعت صوتاً صادراً من الأرض يشبه صوت تكسر شيء .. الأرض بدأت تتكسر، وأنا أجري خائفاً فرآني أخي حمودي وسألني ماذا حدث يا سفيان، فقلت له: الأرض ستنكسر بنا وتبلعنا. فأخذ يجري معي أيضاً في حين أنه لا يستطيع التحرك أو المشي في العادة. الناس يسألوننا في الطريق لماذا تركضون؟ فنخبرهم بأن الأرض تتكسر فيركضون هم أيضاً حتى صارت الأوادم كلها تجري مذعورة وتتعثر بسطوح بيوتها الساقطة على الأرض”(هادي،87)

-المحاكاة الساخرة (السخرية): حاول دارسوا الأدب تأكيد الطبيعة الأدبية للسخرية بغض النظر عن أصولها الفلسفية وارتباطها بالعلوم الإنسانية والنفسية والاجتماعية، و ذلك باعتبارها فناً من فنون القول فأكد (بيدا أليمان) إنه يجب التفريق بجلاء القول بصورة نهائية بين السخرية كمبدأ فلسفي والسخرية كظاهرة من ظواهر الأسلوب الأدبي، أي بالتركيز على مكوناتها اللسانية والسيميائية وبعديها الدلالي والاقناعي في النص الأدبي. أي باعتبارها مفارقة لغوية في الدلالة والمعنى. وتتكون السخرية من مكونين:

  • انفعالي يتجلى في الاستخفاف المشتمل على الضحك أو الرغبة فيه وعلى الاستهجان أو مجرد الاحساس بالمفارقة.
  • مكون لساني بنائي يتجسد من خلال المفارقة الدلالية وما يترتب عنها من غموض و التباس، أي إن منطق السخرية يقوم على الاحساس بمفارقة دلالية يشكلها تقاطع بنية ضدية بين المعنى الظاهر والمعنى الملتبس والذي يؤدي إلى انفعال الضحك أو الرغبة فيه. وقد أخذت بعداً عميقاً في رواية ما بعد الحداثة إذ حالت أن تكون خطاباً مضاداً لتعرية زيف المقولات التي كانت تدعي امتلاك المعنى والحقيقة. (النيه،العدد 1، 2019، 21-22 )

والسخرية في لسان ابن منظور بقوله سخر منه سخراً ومسخراً أي هزأ به وقد سماها ابن رشيق هجاء.

ونلحظ هذا في الرواية ” أم يوسف لا تدري أن خديجة تكوي عشرة قمصان في اليوم الواحد، يبعثها لها صاحب اللوندري الجديد مقابل ربع دينار لكل قميص، وأن رائحتها تصبح كالخل عندما يتصبب العرق الغزير منها. ضحكنا جميعاً على ما قالته ضيفتنا أم يوسف، وخجلت خدوجة لأنها كبرت على مثل هذه القراصات والقرديلات”. (هادي،124)

فأم يوسف تسخر من الفتاة خديجة بأسلوب تهكمي وهي لا تعلم بأنها فتاة كادحة في العمل تكوي عشرة قمصان في اليوم الواحد مقابل مبالغ زهيدة توفر لها احتياجاتها البسيطة.

-الصمت: يتسم موضوع الصمت بالأهمّية لعلاقته المتينة باللغة منطوقة ومكتوبة. فهو يسبق الكلام ويعقبه. والصّمت مشكلي لوقوعه خارج دائرة اللّغة، ومحاولة الإمساك به عسيرة. ولمّا كانت الرواية مُنجزاً لغوياً فإن الصّمت يحضر في نسيجها بأشكال شتى. وتقصد بعض الروايات إلى الصمت قصداً طامحة من ورائه إلى تحقيق عدّة غايات فنية. وليس من شك في أنَ الفحص عن أمر الصّمت يمكّن من تعرّف خصائصه ووظائفه ويزيد بعالم الرواية إدراكاً. ( حميدي،2011 ،8،2 )  والصمت في الاصطلاح: قيل إمساك عن قول الباطل دون الحق .

والصمت نوعان: الصمت الاختياري، وقوامه الفراغات الموجودة في النص. أي ما لا يروم المؤلف قوله. والصمت الاضطراري، يحيل في النص على المسكوت عنه والضمني أو هو في الباطني في أثناء فعل التلفظ ويكون ناجماً عما لا يقدر فعل التلفظ عن قوله أثناء التواصل. (المتقي، 2019 ،1 -10)

ونرصده في المقطع السردي في الرواية “أبي إنها تمطر، والماء لمس يدي، انظر يا أبي يدي مبللة بماء المطر. في هذه اللحظة لم يستطع الزوجان السكوت وسألا الرجل العجوز: ما هذا؟ لماذا لم تأخذ ابنك إلى طبيب ليعالجه؟ هنا قال الرجل العجوز إننا قادمون من المستشفى في واقع الأمر، حيث إن ابني يبصر لأول مرة في حياته.”( هادي، 71)  فهنا الصمت اضطراري، ليكشف عن المسكوت عنه، فيفاجئ القارئ بما لا يتوقع.

 

الخاتمة

بعد الدراسة والاستقصاء يمكننا أن نوجز بأهم النتائج التي توصلنا إليها خلال دراستنا للبحث:

  • تحدثت الراوية عن جيل نشأ وترعرع على صوت الانفجارات ومشاهد القتل المروعة وحوادث الخطف الأليمة وهي احدى افرازات مرتكزات ما بعد الحداثة.
  • وظفت الهوية بشكل جلي وواضح من خلال تصوير حالات التشرد إلى بلاد الغربة هرباً من الواقع الأليم المعاش، وقد أصبح القتل على الهوية علامة تجارية فارقة.
  • نلحظ حضور التهكم والسخرية بشكل مكثف، شمل الجزء الكبير من الرواية.
  • انمازت الرواية بتعدد الأصوات فهي لا تؤمن بالصوت الفردي فنراها تتنقل من راو إلى آخر بصوت وفكر خاص به.
  • نلحظ افتقار التشكيك واللاانسجام في الرواية.

 

المصادر والمراجع

  • ابن منظور، معجم لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، مصر، ط1.
  • تورين ، ألان ، ، 1998،نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث، منشورات دار الثقافة.
  • حميد ، باسم صالح و محمد، نادية غضبان، 2013، أثر المخطوط في أدب ما بعد الحداثة السرد العراقي الحديث أنموذجاً، مجلة كلية التربية الأساسية، المجلد 19، العدد 79،
  • النية ، بوبكر ،2019، رواية ما بعد الحداثة وابدالاتها السردية، دراسات أدبية، مجلد 11، العدد 1،.
  • شحيد، جمال ، قصاب وليد ،2005، خطاب الحداثة في الأدب، مرجعية الأدب الحداثي، دار الفكر، دمشق، ط1،
  • حمداوي، جميل الكولاج في الخطاب الروائي ، شعلة ابن رشد لاحمد المخلوقي إنموذجاً ، مقالة ، نيوز الجديدة.
  • حمداوي ، جميل ،2011، نظريات النقد الادبي والبلاغة في مرحلة ما بعد الحداثة، شبكة الألوكة، الناظور، المغرب،
  • كارتر ، ديفيد ، 2010، النظرية الأدبية، ترجمة باسل المسالمة، دار التكوين، دمشق، سوريا، ط1،
  • المسدي عبد السلام ،1982، الأسلوبية والاسلوب، الدار العربية للكتاب، ط3،
  • المتقي عبد الله ، 1-10-2019، بلاغة الصمت في رواية «متاع الأبكم» للراحل لمحمد غرناط، الاتحاد الاشتراكي،.
  • الصباغ، فايز علم الاجتماع، 2005، مركز دراسات الوحدة العربية، ط ،1عمان، الأردن.
  • الشيخ ، محمد ، 2005، نقد الحداثة في فكر هايدغر، الشبكة العربية للنشر، بيروت، ط1، 2008.
  • سبيلا محمد و عبد العالي بن عبد السلام ، ما بعد الحداثة، طريق العلم.
  • ينيس محمد ،1998، حداثة السؤال بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة، المركز الثقافي العربي، ط2.
  • ميسلون هادي،2019 أخوة محمد، رواية، دار الذاكرة للنشر، بغداد.

الرسائل والاطاريح الجامعية

  • الجبر علا ، اشكالية الهوية في أدب نبيل سلمان ،دراسة في ضوء نقد مابعد الاستعمار، رسالة ماجستير، جامعة دمشق ،2018.
  • عطافي ، كريمة ، الرمز و أسئلة ما بعد الحداثة في رواية ” الحلزون العنيد” لرشيد بوجدرة، رسالة ماجستير، جامعة 8 ماي، 2019.

المجلات والمقالات

  • بلعبدي ، نبيلة ، تجليات مظاهر العنف في الرواية الجزائرية المعاصرة رواية أشباح المدينة المقتولة لبشير مفتي نموذجا، التعليمية، المجلد 6 العدد 2، 2019.
  • بهتشي، زهراء، العسكري صادق ، تجليات السرد البولوفيني في رواية اعترافات كاتم الصوت ، مجلة إضاءات نقدية، السنة الثامنة ،العدد 31، أيلول 2018
  • حمدي ، محي الدين ، مدخل إلى الصمت في النص السردي، مجلة كلية الاداب واللغات، العدد الثامن، 2011.
  • كريم ، ميادة عبد الامير ، الواقعية السحرية في رواية مستعمرة المياه، مجلة الأستاذ، العدد 210، المجلد الأول، 2014. 

[1]  يسمى الكولاج بالديكوباج (Découpage) والمونتاج (Montage).

[2]  تنعت الأليغوريا  بـfigure d’expression  وهي اسلوب للتعبير المجازي و في هذا الصدد عد فونتاني جاك الاليغوريا هي المجازات التي تكون بعبارات متصلة tropes en plusieurs.

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)