كلية اللغة والأدب العربي، جامعة الشهيد العربي التبسي، الجزائر
الملخص
من المسائل الهامة التي تطرح بشدة في الآونة الأخيرة خاصة ونحن في زمن الماديات والتكنولوجيا الحديثة، التي طغت على المعنويات ودفعت بشكل عفوي أو قصدي على أرشفة العادات والتقاليد وكل ما ينطوي تحت لواء الثقافة الشعبية، هي إحياء الثقافة الشعبية والاهتمام بكل مكوناتها، باعتبارها أحد مقومات الهوية الوطنية والشخصية القومية، كما أن الأهمية التي تحملها الثقافة الشعبية كظاهرة حاول دعاة إحيائها والمدركون لصلتها العميقة بالهوية إدخال الوسيلة الإعلامية كطرف في المعادلة بعد أن أصبحت وعاء يحمل الكثير من المضامين، فلا غرو بأن نحملها أيضا مضمون الثقافة الشعبية في ظل هذا العصر الذي يشهد تسارعا كبيرا في موجة المد التكنولوجي خاصة في مجال الاتصالات، فالثقافة الشعبية شكل من أشكال الماضي ومادة الحاضر وذخيرة المستقبل، تصطبغ بسمات وخصائص المجتمع في تنوعها وتباينها وثرائها وغناها اللامحدود، وبالتالي تتمحور الاشكالية في رصد المكانة التي تحتلها الثقافة الشعبية في البرامج التليفزيونية الجزائرية ، وكيف ينظر التليفزيون الجزائري لموضوع الثقافة الشعبية؟
الكلمات المفتاحية: الثقافة الشعبية، الادب الشعبي، واقعها، تمثلاتها.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
مقدمة:
يحيلنا الحديث عن مفهوم الثقافة الشعبية إلى الهوية الثقافية ، باعتبارها تمثل شخصية الفرد وذاته، لأنه وليد هذه الثقافة التي ساهم في صنعها وساهمت في صنعه، والفرد بلا ثقافة شعبية بلا تراث، فرد بلا هوية وبلا ماضي ولا مستقبل ، وقد يبدو هذا الطرح للكثير أنه مجرد تفكيرات لا أساس لها ، لكنها في الحقيقة هي المعرفة الأولية التي تشكل قاعدة ما وصل إليه الإنسان في حاضرنا من تطور وتقدم وحتى هذا الأخير لا يتيح له أن يقضي على هذه الثقافة بإقصائها وتهميشها ، ويستخدم مصطلح الثقافة الشعبية كمصطلح مضاد ومخالف للثقافة العليا والنخبوية ، حيث استخدمه ريد فليد في مؤلفه الثقافة الشعبية عند الياكنان 1941، في مقاله تحت عنوان المجتمع الشعبي 1947، حيث صورها بأنها نموذج مثالي أو بناء عقلي ، تسود فيه العلاقات الشخصية وتتفوق فيها القيم المقدسة ونظام البط الاجتماعي ، وذلك عائد الى كون انتقالها يتم بصورة شفاهية، وتعد الجزائر من البلدان التي تزخر بتراثها الشعبي التنوع المادي واللامادي ، حيث يساهم ذلك في تعزيز مكانتها ونقل صورتها الحقيقية مابين الأجيال المتعاقبة من ناحية ، ونقل صورتها الفنية والشعبية ليضع لها مكانة بين الأمم والشعوب من ناحية أخرى، وقد عدت الثقافة الشعبية في نظر الغرب المستعمر أداة أساسية لبناء استراتيجياته الاستعمارية في مستعمراته في العالم العربي والإفريقي، حيث جند طاقات هائلة لمحاولة معرفتها باطنيا وظاهريا، وهذا لأجل رصد نقاط القوة والضعف عبر الموروث الثقافي للشعوب ، ولأجل الحفاظ على البعد الشعبي للثقافة الجزائرية ، في قالب علمي وإعطائها الوجه الصحيح إضافة إلى الدور الذي تلعبه دور الثقافة والمتاحف الوطنية، وقد تأسس معهد الثقافة الشعبية بجامعة تلمسان سنة 1986ليعزز البحث في الثقافة الشعبية الجزائرية بأسلوب أكاديمي علمي ، ذي طابع أصيل يراعي فيه الاختلاف بين الثقافة الشعبية الجماهيرية والثقافة الشعبية ، والملاحظ أن الباحث في هذا المجال ومحاولة التعرف على أسرار ثقافته الشعبية ومكوناتها ووضعها أن المفهوم إذا كان فعلا وليد بيئته فإن الثقافة الشعبية غنية بالمفاهيم التي تطلبت المرور بعمق على معرفة بيئات مختلفة أنتجت رصيدا ثقافيا متراكما ومتواصلا عبر تعاقب الأجيال ، ومن ثم فإنه لا داعي للتوهم بأن المعرفة العلمية في مواضيع التي تخص حقل الثقافة الشعبية سهلة المنال لأنها جزء من الحياة اليومية التي نعيشها ، لأن ميزة الثقافة الشعبية أن أكثر أشكالها غير مدون في الكتب بل محفوظ بشكل مادي متمثل في :اللباس والأدوات الإستعمالية و أشكال الطبخ…، أو في الذاكرة الجماعية كالأمثال التي لا صاحب لها والأغاني التي لا مؤلف لها …وفي القيم والعادات والتقاليد والأعرف والشعائر والطقوس التي يقع الجميع تحت وطأتها، وقد كانت حتى نظرة الأكاديميين في الماضي تنبذ الاهتمام بمواضيع الثقافة الشعبية على أنها شيئ تافه ، ومضيع للوقت .إلا أن انفتاح المثقف على الثقافة الشعبية وخاصة المحلية أي الثقافة العضوية على حد تعبير المفكر المغربي عبد الله العروي له ، و انفتاح على الشعور الجماعي وهو إدراك لخصوصية التجارب ومحاولة إبراز تنوعها وثرائها.
- ضبط مفهوم الثقافة الشعبية
كانت الثقافة الشعبية حتى قيام الثورة الصناعية ثقافة للجماهير العادية ، فهي تعبير عفوي تلقائي عن أحاسيسهم اليومية تخوفاتهم ، امالهم ، ضعفهم ، قوتهم، وبالتالي فالشعب منتجها ومستهلكها في ذات الوقت، وعد لفظ الشعبية حتى وقت ليس ببعيد يشير عن البدائية والتخلف، وما الثقافة الشعبية إلا ترسبات وتراكمات الماضي البعيد، غير أن المقصودة بالشعبية “مجموع العناصر الثقافية التي تصدر عن الشعب وتمثل حصيلة معارفه وخبراته ومهاراته في مرحلة تاريخية معينة ، وأكدت الدراسات الإنسانية الحديثة أن الثقافة الشعبية تساير في نموها نمو العقل والفكر والسلوك البشري ، تتسم بالأصالة وبالتالي فهي خزان التراث والحافظ له وهي من أهم عوامل التكامل المحلي والوطني ، في إبرازها لخصوصية المجتمع وهويته”[1]
يتكون مصطلح الثقافة الشعبية من شقين : الثقافة و الشعبية ، وذلك تعيين لمجال وتخصص هذه الثقافة فأول ما يتبارد للذهن في إطار الحديث عن الثقافة الشعبية ، هو قضية إحيائها وإحاطتها بالاهتمام اللازم الذي ينصب في خانة إحياء الثقافة الوطنية التي تعرضت للكثير من محاولات الطمس بغرض إبادة الهوية في الفترة الاستعمارية من ناحية ، ومن ناحية أخرى نجدها اليوم تقف في صراع مع ثقافة النخب أو ما تسمى بالثقافة العالمية الراقية الأكاديمية ، حيث ينظر هؤلاء إلى الثقافة الشعبية بأنها ثقافة وضيعة ينتجها عامة الشعب ، رغم أنه في الآونة الآخيرة بدأت فئة النخبة والصفوة تطالب بإعادة الاعتبار للثقافة الاجتماعية الشعبية ، وقد تم انتاج العديد من المؤلفات التي تنادي بذلك من بينها :
_ كتاب تلخيص الإبريز الذي احتوى على قراءات وترجمات تعرف بعادات وتقاليد الشعوب وعرافهم
_ وكتاب قلائد المفاخر في عادات الأوائل والأواخر[2] .
فالثقافة الشعبية تمثل الكيان والهوية والشخصية والتراث والحضاري لأي مجتمع إنساني، وكل ما يشمل المأثور والتراث واستخدمه العرب كمصطلح خاص بهم يطلق على فكرهم وحضارتهم ، فلا بد من تقسيم المصطلح الذي يحوي شقين :
- الثقافة:
تعد الثقافة من المفاهيم التي اختلف التعريفات حولها ، فكل إنسان له ثقافة تميزه عن الكائنات الحية ، وهي عند العرب كانت تستعمل للتعبير عن الحكمة كونها مشتقة من الثقافة وهي الأداة التي يسوي بها المربي الرمح ، أما في الاستعمال العام الحاضر فيطلق لقب المثقف على المتمكن في بعض المجالات المعرفية : كالفن ، والموسيقى ، والآداب ، وكذلك من يتمتع بلياقة ولباقة في تعاملاته، وفي علم الأنثربولوجيا فيعتبر الفرد مثقفا لمجرد كونه إنسان ينتمي إلى مجتمع ترى فيه الثقافة ذلك الميراث الاجتماعي الذي يحصل عليه الفرد من مجموعته[3]
ومن التعريفات التي رصدت للثقافة نجد:
يعرفها كلوكهن: على أنها ذلك الجزء من السلوك الذي يتعلمه أفراد المجموعة الثقافة، ويشتركون فيه وهي الميراث الاجتماعي في مقابل الوراثة العضوية ، وهي التي تعطيهم فرصة العيش في جماعة منظمة توفر لهم حلولا لمشاكلهم ، وتجعلهم قادرين على التنبؤ بسلوك الآخرين[4]
أما مالينوفسكي : فيعرفها على أنها الحرف الموروثة والسلع والعمليات الفنية والأفكار والعادات والقيم فلا يمكن بحال من الأحوال فهم مصطلح البناء ل الاجتماعي فهما حقيقيا إلا بمعالجته باعتباره جزء من الثقافة
أما المفكر مالك بن نبي : يرى أن الثقافة لا تضم الأفكار فحسب بل تضم كذلك أساليب الحياة في مجتمع معين وكذا السلوك الاجتماعي للفرد وهي انعكاس للواقع الاجتماعي الموضوعي لذلك المجتمع بكل ما فيه من ماديات ومعنويات ، فهي كما عرفها في كتابه مشكلة الثقافة : هي مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته لتصبح لاشعوريا تلك العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه[5]
ومن أشهر التعريفات التي حظي بها مفهوم الثقافة تعريف ادوارد برنت تايلور: سنة 1877 الذي اعتبر الثقافة ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عنصر في مجتمع وأجمع علماء الأنثروبولوجيا على هذا التعريف كونه عبر عن حقيقته كون الثقافة تركبيا معقدا تتطلب من الفرد جهدا لاكتسابها والذي أساسه التعلم باكتساب اللغة ، كما أنه جمع عددا من خصائص الثقافة المادية واللامادية ومكوناتها وحصرها في انتماء الفرد إلى المجتمع [6]
وبالتالي يكاد يكون الاتفاق حول كون الثقافة هي أسلوب حياة الإنسان داخل مجتمعه أي نمط سلوكاته وتفاعلاته مع غيره من بني جنسه في حياته اليومية ، وتخضع كما اصطلح على تسميته بالوراثة الاجتماعية كونها تنقل من جيل إلى آخر عبر التعلم والتنشئة الاجتماعية مما يساعد على ذلك امتلاك الإنسان للرموز اللغوية.
أما عن مكونات الثقافة حسب ما حدده هاري جونسون فهي كالآتي:
العناصر المعرفية: وهي المعارف التي تفسر العالم الطبيعي الاجتماعي .
المعتقدات :هي بعض جوانب تلك المعرفة التي لا تخضع للإثبات أو الرفض عن طريق البحث التجريبي بالإضافة الى أنها تتكون من القيم والمعايير هذا من جانبها اللامادي ، أما في شقها المادي تشمل الأدوات و الاختراعات وشتى الوسائل التي يستخدمها الإنسان في حياته اليومية .
أما عن خصائصها : فتتمثل في النقاط التالية :
_ مميزة ومستقلة
_ تتميز بالتوافق والتكيف
_ الانتشار والذيوع
_ كما أنها سلوك مكتسب وظاهرة اجتماعية نفسية متكاملة
_ مستمرة تنتقل عبر الأجيال ونتاج تراكم الإبداع الإنساني
_ تتميز بالثبات والتغيير كأي ظاهرة إنسانية أخرى.
فقد كانت الثقافة حتى قيام الثورة الصناعية ثقافة للجماهير العادية ، فهي تعبير عفوي تلقائي عن أحاسيسهم اليومية تخوفاتهم أمامهم ضعفهم وقوتهم ، وبالتالي فالشعب منتجها ومستهلكها في ذات الوقت
وكان لفظ يدل في وقت ليس ببعيد عن البدائية والتخلف ، وأن الثقافة الشعبية ماهي إلا ترسبات وتراكمات الماضي البعيد ، إلا أن المقصود بالشعبية مجموع العناصر الثقافية التي تصدر عن الشعب وتمثل حصيلة معارفه وخبراته ومهاراته في مرحلة تاريخية معينة ، وأكدت الدراسات الإنسانية الحديثة أن الثقافة الشعبية تساير في نموها نمو العقل والفكر والسلوك البشري ، تتسم بالأصالة بالتالي فهي خزان للتراث الحافظ له وهي من أهم عوامل التكامل المحلي والوطني في إبرازها لخصوصية المجتمع وهويته.
2-خصائص الثقافة الشعبية
أول ما اتفق عليه هو أن الثقافة الشعبية يجري عليها ما يجري على الثقافة كمفهوم عام وشامل خاصة حين التطرق للخصائص وبالتالي فلثقافة الشعبية القدرة على التغير والتنوع وذلك لخلق نوع من التكيف مع متغيرات العصر ، كما أنها تكشف على صور التداخل بين الإبعاد المتفاعلة في عملية التغيير الاجتماعي ، كونها تتكون من التقاء العادات والتقاليد والفنون الشعبية وتعبر عن البنيات والتغير وهي جزء لا يتجزأ من الهوية ولها خاصية الانتقال من مجتمع إلى مجتمع آخر ، ولقد حازت في شقها الشفوي على اهتمام بالغ من قبل علماء الأنثروبولوجيا أمثال : سابير وتيت الذين رأوا أن الحكايات الشعبية والأساطير تحمل في طياتها معلومات يمكن الوثوق والاستدلال بها في غياب الوثائق والسجلات المكتوبة [7]
في حين يرى باير أن الثقافة الشعبية مصدر أساسي لمعرفة تسارع الفكر العلمي الإنساني لأي شعب وذلك بناء على دراسته لأساطير اليوريا إذ توصل لمعرفة أسلافهم وطريقة عيشهم ، وهنا يرى الدكتور فاروق أن الفلكلور هو التراث وهو جزء من الثقافة الشعبية .
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
3-الثقافة الشعبية الجزائرية واقعها وتحولاتها:
تعد الثقافة الشعبية عنصر محوري في تشكيل الشخصية وابرز الخصوصية خاصة ونحن في زمن العولمة ، التي كسرت الحدود الجغرافية وفتحت الأبواب على مصرعيها للثقافات التي تلج دون أن تدق الباب ، وكل هذا جعل الإنسان المعاصر يتبرأ من كل ماهو أصيل ، في حين أن الثقافة الشعبية تشكل للكثير من الشعوب والأمم مصدرا ثريا تتناقله الأجيال بصفة متواترة وتعيد بعثه مرة أخرى طبقا لتاريخها وخصوصياتها الاجتماعية والعقائدية ، وهي بهذا كفيلة برسم هويات هذه الجماعات وانتماءاتها الحضارية لأنها تحيل على وضعيات وحالت متجذرة في التاريخ ذلك أن ما تحمله الذاكرة الشعبية من قيم ولغات وطرق تفكير واعتقادات وممارسات تشكل طابع ونمط حياة ، يكسب أصحابها الإحساس بالهوية والاستمرارية ويسهم في تعزيز واحترام التنوع الثقافي والإبداعي للإنسانية حسب ما جاء في مواثيق اليونسكو ، ونظرا لاتساع دائرة عناصرها ومكوناتها فانه يمكن للأفراد والجماعات منتجين وحاملين لها في ان واحد[8]
4- واقع الثقافة الشعبية الجزائرية:
إذا كان الفرد والمجتمع يقران بضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية وحمايتها من الاضمحلال والسقوط في هوة الآخر فلا بد من الاهتمام بكل ما يرمز من قريب أو من بعيد إلى الشخصية والذات الوطنية ، وليس هناك ما يمكنه إبراز خصوصية أي مجتمع كالثقافة الشعبية بما تحمله من عناصر ومضامين تعكس شخصية أي بقعة تنتسب إليها ، كما أن التنوع والاختلاف لا يصنع الخلاف ونما يعزز التنوع والثراء الثقافي ، وللثقافة الشعبية علاقة وطيدة بالتنمية ذلك أن تطبيق التنمية في اي مجتمع يستوجب الأخذ بعين الاعتبار الثقافة الشعبية لذلك المجتمع .
بالعودة للمجتمع الجزائري الذي يشهد الكثير من التطور والتغيير ، رغم كون الميدان الثقافي آخر الميادين التي بلغتها كوجهة التحول مقارنة بالميدان السياسي والاقتصادي ، مع العلم أن المؤسسات الرسمية هي الطرف الأول الذي يقع على عاتقه رد الاعتبار للثقافة الشعبية، بما يحتم عليها من تسخير للجهود المادية والبشرية في خدمة الموروث الشعبي ، ومن بعدها النخبة المثقفة التي من وجبها نشر الوعي والتحسيس الجيد بقيمة الثقافة الشعبية وارتباطها الوثيق بالهوية الوطنية ، وكذلك المنظومة التعليمية بإدراج مواد ومقاييس تتمحور حول الثقافة الشعبية ، وتسعى للتعريف بها وبقيمتها ، ومنه تأسيس معهد للثقافة الشعبية بتلمسان الذي يتخرج منه طلبة متخصصين في الثقافة الشعبية ، ويجري الطلبة أيضا دراسات عليا في المجال ، خطوة مميزة ومطمئنة .
5-تحولات الثقافة الشعبية الجزائرية :
مس التغيير عناصر الثقافة الشعبية في الجزائر خاصة في النصف الثاني من لقرن العشرين ، وذلك نتيجة التغيير الذي عرفه المجتمع ككل في عملية تأثيرية متبادلة بداية من فترة الاستعمار وما تخللها من إبادات جماعية ، وتهجير إجباري الأهالي نحو المدن المستوطنة ، ثم تليها فترة ما بعد الاستقلال التي عرفت فيها المجتمع الجزائري موجة من الهجرة الريفية نحو المناطق والمراكز السكانية الكبيرة ذات الكثافة العالية خاصة نحو المدن الساحلية والصناعية ، إضافة إلى ذلك تزايد عدد السكان والولادات مقارنة بالمرحلة السابقة وتحسين المنظومة التربوية ، وانتشار وسائل الإعلام ببرامجها الثقافية كل هذا جعل المجتمع يعيش حالة من اللااستقرار والضعف في التواصل بين الأجيال ، وقد أثر ذلك على على استمرار التقاليد الثقافية الموروثة ، ومسألة الهوية أصبحت مسألة خفية مما فرض كحتمية لا مفر منها : الاتجاه الجماعي العلمي للعناية بالثقافة الشعبية بداية من جمعها من كل أنحاء الوطن واستعادتها بكل الوسائل والطرق المتاحة ، وهنا يؤكد عبد الحميد بورايو على ضرورة إقامة أطلس لعناصر الثقافة الشعبية وتشكيل أرشيف وطني لها ، وأيضا ضرورة الاهتمام باللهجات العربية منها والأمازيغية في إطار العناية بالبحث اللساني بإنشاء مخابر للبحث وأقسام جامعية ، فكل لغة هي حاملة لثقافة من يستعملها والتخطيط الميداني للعمل في هذا المجال ضروري خاصة في الوسط الجامعي وليس هناك أهم من وضع دليل للبحث في أمور التراث ، بهذا يمكننا ضمان استمرار عناصر الثقافة الشعبية الذي هو مرهون أيضا بملائمتها للتغيرات الحاصلة في المجتمع ، فالثقافة الشعبية كما تحدث عنها الدكتور محمد الجوهري قابلة للتغير كونها تخضع لقانونين متلازمين قانون الاستمرار وقانون نشوء البدائل ، ويقترح عبد الحميد بورايو تقسيما لعناصر الثقافة الشعبية لتنظيم هذه العناصر وتسهيل عملية البحث والتنقيب في هذا الميدان[9]
6-عناصر ومظاهر الثقافة الشعبية الجزائرية
أ-العادات والتقاليد الشعبية:وتضم دورة الحياة أي العادات لتي تمارس بمناسبة الميلاد ، الختان ، الزواج، الوفاة، وكذا الأعياد والمناسبات المرتبطة بدورة السنة ، وأيضا ما يخص الأمور المتعلقة بالحياة اليومية من المعاملات الاجتماعية
ب – الأدب الشعبي: وهو ما يتعلق بقصص البطولات والغزوات والبطولة البدوية ، قصص الخارجين عن القانون وقصص الثورات ، ثم الأساطير والحكايات الخرافية ، وكذلك الشعر الشعبي كشعر المناسبات والشعر النسوي والشعر التاريخي ، وشعر الأغاني ، والمدائح الدينية والأذكار وما يقال من رثائيات للمفقودين ، الأغاني الأندلسية ، والأغاني العاصمية بالإضافة إلى الأمثال الشعبية ، والألغاز الشعبية ، والنوادر.
ج-المعتقدات والمعارف الشعبية التي تتعلق بالظواهر الكونية التفاسير التي تعطى لها كعدم سقوط المطر والكسوفات والخسوفات التي تحدث من وقت لآخر وغيرها ، بالإضافة غلى الأمور التي تتعلق بممارسة الشعوذة وزيارة الأولياء الصالحين وتفسير الأحلام وغيرها.
د-الفنون الشعبية والثقافية المادية وتشمل الموسيقى البدوية و العاصمية والأندلسية والصحراوية ، وموسيقى أولاد نهار وموسيقى الحواضر، والموسيقى الريفية وموسيقى أهل الديوان والآلات الموسيقية آلالات النفخ وآلات الإيقاع وآلات الوترية، والألعاب الشعبية البارود والكرة الحديدية الفروسية المبارزة السباق ، وفن التشكيل الشعبي وكذا فن العمارة الشعبية والصناعات الشعبية [10]
7-البعد الثقافي في التليفزيون الجزائري:
تعد الثقافة المضمون الأساسي الذي تنقله العملية الاتصالية ، فاللغة المستخدمة هي خاصية ثقافية وملكية مجتمع ، مجتمع معين دون غيره فهي تحمل رموزه وتبرز هويته وتعبر عن خصائصه فاللغة العربية والعربية الإسلامية ، ولو تتبعنا البرامج المقامة في المعاهد والكليات التي تتولى إعادة المترجمين والمؤولين فإنها لا تغفل بتاتا الجانب الحضاري الثقافي للغة المتعلمة بفتح اللام ذلك أنه لا أن تكتمل نجاعة اللغة إن لم نتعرف على الخصائص الثقافية لمجتمعها الأصلي، والهدف من ذلك هو تحقيق فعل التواصل والحوار الحضاري الفعال بين الشعوب والأمم ، ولقد أثبت الدراسات والأبحاث أن الارتباط بين الثقافة و واسائل الاتصال ارتباط بنيوي ، يفرض نفسه في كل مناسبة يشهد فيها عالم الاتصالات تطورا تقنيا محدثا هزة ثقافية ، ولو تتبعنا تاريخيا مسار هذا التطور فإننا سنجده يترك لنا في كل مرة بصمة خاصة ، فلاكتشاف الكتابة مثلا الفضل في إيجاد لغة الرموز واكتشاف الطباعة نقل الثقافة من الحالة الشفوية إلى المكتوب،أما اختراع الإذاعة والتلفيزيون فقد ادخل لنا ثقافة جديدة هي الثقافة السمعية البصرية وأخيرا أدى اكتشاف الحاسوب والشبكات المعلوماتية كالانترنيت إلى بروز الثقافة التفاعلية وأعطى الثقافة صبغة خاصة تقتصر على الشكل وقد لا تصل بالضرورة إلى المضمون مبرزا مدى التفاعل الجدي بين الثقافة ووسائل الاتصال ، كما أن أدبيات الاتصالات الحديثة ترتكز على الوسيلة وتعتبر وسائل الاتصال أساس الثقافة المعاصرة ، إلا أن عبد الرحمن عزي يرى أن الثقافة تبقى تحتفظ بأولويتها على وسائل الاتصال كونها تستوعب هذه الأخيرة التي لا تشتمل إلا على جزء محدد منها الجزء الذي ينتقل إلى وسائل الاتصال وهنا تراجع التساؤل حول ماذا تفعل الوسيلة الإعلامية بالثقافة إلى التساؤل عن ماذا تفعل الثقافة بالوسيلة الإعلامية؟ فالثقافة كمفهوم عرف الكثير من التعريفات غير أن اغلبها يركز على الجزء المعاش فيها كونها تمثل نمط للحياة يشمل كل ما ينتجه المجتمع من عادات وتقاليد وطقوس وحرف … ، كما أنها تتسم بالنسيبة ، ولا تعتمد على معايير يمكن من خلالها دراسة طبيعية ثقافية معينة كمستوى نضجها مثلا أو قيمة ما تطرحه من عقائد وسلوكيات والنقطة المتفق عليها هي أن كل ثقافة تؤدي وظيفتها في محيطها الزمكاني ، بالإضافة إلى أنها ظاهرة إجماعية يتم انتاجها باستمرار في العلاقات الاجتماعية [11]
إلا ن هذه التعاريف استثنت وسائل الاتصال كجزء من الثقافة ومن المنظومة الثقافية للمجتمع ، وهو ما يظهر في حتمية الاتصال فالحتمية حسب ما أورده الدكتور عبد الرحمن عزي ” هي اعتماد متغير من دون المتغيرات الأخرى في تفسير الظواهر ” ويضرب لنا مثلا في اعتبار الصناعة هي العامل المفسر لتطور المجتمع ، وبالحديث عن وسائل الاتصال كحتمية فإنه لا الحديث عن الوسيلة الرسالة التي تعتبر أساس العملية الاتصالية ، ولا مفر من أن الوسيلة تؤثر في طبيعة وشكل ومضمون الرسالة التي تمثل المرجع في ضبط العلاقة بين الثقافة ووسائل الاتصال ، كون الثقافة تبقى المرجعية الثابتة في التاريخ وتتجدد بالفعل والممارسة ، أما الوسيلة فقد تولدت في فضاء الثقافة وسعت إلى التعبير عن بعض مظاهر هذه الأخيرة وان كانت الوسيلة الإعلامية أنتجت ما سمي بالثقافة الجماهيرية، فإن هذه الثقافة لن ترتقي أبدا إلى مستوى ثقافة المجتمع الأصلي[12]
فالعلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا تعود إلى بداية الثورة الصناعية، حيث اعتبر المنظرون أنه في عصر التكنولوجيا هذه ستتحول الثقافة إلى مجرد أداة في خدمة التقنية وتصبح التقنية هي الثقافة ، ويوضح عزي عبد الرحمن حقيقة هذه العلاقة حينما يقول أن الثقافة تنتمي إلى العامل المادي والمعنوي فالمعنوي يشمل كل مايسموا من المعاني ، أما المادي فيتضمن الواقع المعاش كالعادات والتقاليد والعمران وتمثل وسائل الاتصال عالما رمزيا يتفاعل الفرد مع محتوياته من خلال رمزية اللغة أو الصورة أو الفيديو لوجود الجاذبية بين الثقافة ووسائل الاتصال ، وهنا ينتقل الفرد من عالمه الثقافي الحقيقي إلى العالم الرمزي الذي تعرضه وسائل الاتصال تلقائيا[13]
ولوسائل الاتصال تأثير في الثقافة فهي تعزز القيم أي تثبيت مواقف الأفراد السابقة وهذا ما أكده لازار سفيليد في دراسته الميدانية حين قال أن وسائل الاتصال لا تغير أراء الناس ومواقفهم بقدر ما تعمل على تدعيم هذه الأخيرة ، كما تساهم في التنشئة الاجتماعية التي ترمي إلى زرع قيم المجتمع وثقافته، لان وسائل الاتصال في حقيقتها عبارة عن مؤسسات اجتماعية تقدم أحزمة ثقافية محلية أو وافدة ، ويؤكد علماء الاجتماع أنها أدوات للتنشئة الاجتماعية، إضافة إلى أنها تحقق الانسجام وتعزز الترابط الاجتماعي وذلك بأحداثها الإحساس بالانتماء إلى المجتمع الذي تربطه صفات مشتركة كالقيم والثقافة واللغة والتاريخ ، ويزداد هذا في المجتمعات المتعددة الأجناس واللغات والمعتقدات ، كما أنها تساهم في نشر الثقافة في أوساط واسعة من المجتمع ، وتوفر للفرد فرصة الانتقال من ثقافة إلى ثقافة أخرى بمجرد تغيير القناة التليفزيونية [14]
8-الأدب الشعبي كظاهرة في الثقافة الشعبية
تتميز مادة الأدب الشعبي بغناها وتنوعها واتساع مجالها، وصعوبة مقارنتها واختلاف أدوات البحث والمناهج، وهو ما جعل موضوع الأدب الشعبي والبحث فيه يطرح الكثير من الجدال والإشكالات النظرية والتطبيقية، خاصة ما تعلق بالمناهج المطبقة على نصوصه الميدانية التي تتسم بالشفاهية وهذا ناتج عن طبيعة المجتمع وعن طبيعة الثقافة السائدة فيه، “ان هذه الميزة والخاصة الفنية عقدت مجال البحث في الأدب الشعبي ، حيث برغم توفر المادة واتساع دائرة الإبداع الشعبي ، وغنى الممارسات الفكرية والشعبية، فقد بقيت مجهولة لدى كثير من الدارسين والباحثين وأن انتشارها بقي ضيقا ومحدودا بل منحصرا بين أفراد فئة شعبية معينة”[15]
إن هذا الأدب الذي أنتجه فرد بعينه، ثم ذاب وانصهر في ذاتية الجماعة ، والذي استطاع أن ينقل من خلاله آمال و آلام جماعة شعبية لها مستوى فكري وثقافي ، وانعكس جليا فيما أنتجته، فشكلت بذلك رصيدا ثقافيا وأدبيا تناقلته وتوارثته الأجيال جيلا بعد جيل ، فهو بذلك الرابط الصحي بين الماضي والحاضر والمستقبل .
وعلى الرغم من الحيوية التي يتمتع بها الأدب الشعبي، فإن الباحث يواجه صعوبة في وضع مفهوم جامع له ومصطلحه الفولكلور، وتحديد منهج دراسته وأنواعه وخصائصه وذلك لأسباب منها: طبيعة الأدب الشعبي نفسه التي تعود لأول تعبير شفوي وجسدي للإنسان ، وفاعليته وحركيته لارتباطه الوثيق بالشعب المنتج له والمعبر عنه ، واستحالة تحديد أصول الأدب الشعبي ، لأن لكل مجموعة أو شعب من الشعوب طريقته الخاصة في نقل الموروث الشعبي والتعبير عنه ، ” كذلك التفاعل المستمر بين الأدبين الشفوي والمدون ، لاستعارة مؤلفي الأدب المدون حكايات وموضوعات وتقنيات من الأدب الشعبي، والعكس صحيح، إذ يلاحظ أن بعض عناصر الفولكلور كثيرا ما ترتفع إلى حيث يجري تضمينها في الثراث المتعلم المسيطر، ويمكن أن تكون منبعا للتجديد الفني والاجتماعي على السواء”
والواضح أن جل القواميس والمعاجم العربية والأجنبية تفتقر إلى تعريف محدد وثابت لأدب الشعبي، فمنها من يشمل أنواعا محددة ومنها من يحذف أنواعا ، ومنها من يتوسع ليضم إلى هذا الأدب كل أنواع التعبير الشفوي والجسدي الإنساني .
اختلف الباحثون في تحديد موضوعاته التفصيلية التي تندرج تحته. واستغرق ذلك جدلاً طويلاً ليس هذا مجال الخوض فيه. ولكننا يمكن أن نقول إنه يسمى أحياناً الأدب الشعبي- كما فعلنا هنا- أو الأدب الشفاهي Oral Literature، أو الفن اللفظي Verbal Art أو الأدب التعبيري .Expressive Literature لكننا إذا أردنا أن نفهم مصطلح الأدب الشعبي، فيحدده عبد الحميد يونس بقوله: «هو القول الذي يعبر به الشعب عن مشاعره وأحاسيسه أفراداً وجماعات. فهو من الشعب وإلى الشعب. يتطور بتطوره، وهو غذاؤه الوجداني الذي يلائمه كل الملائمة وليس ينفعه غيره. وهو يمتاز عن سواه بسمات نجدها في سائر أنواعه وأقسامه التي تناقلتها الأجيال»[16][1]تعريف يونس للأدب الشعبي، لم يكن نهائياً، فهو في هذا التعريف لم يعطِ حدوداً واضحة لهذا الأدب، بل كان كلامه عاماً. غير أنه في كتبه التي جاءت بعد ذلك تعمّق في تفاصيل هذا المصطلح، ففي كتابه معجم الفولكلور، أشار إلى أن الأدب الشعبي «مصطلح جديد يدل على التعبير الفني المتوسّل بالكلمة، وما يصاحبها من حركة وإشارة وإيقاع؛ تحقيقاً لوجدان جماعة في بيئة جغرافية معيّنة أو مرحلة محدّدة من التاريخ»[17]. مضيفاً أن مدلول هذا الاصطلاح اختلف باختلاف المدارس الفولكلورية والأدبية، والأدب الشعبي جزء كبير من المأثورات الشعبية، وهو ليس الأدب العامي. ويتّسم بكل ما تتسم به المأثورات الشعبية من العراقة والتلقائية الظاهرة، وغلبة العرف، ووجود المضامين الثقافية، إلى جانب المرونة في التطوّر والجهل بمؤلف النص في معظم الأحيان»26. وفي طرحه هذا أعطى أكثر من سمة لهذا الأدب، فهو يختلف عن الأدب العامي من جهة، ويحتوي على مضامين ثقافية جُبلت عليها الجماعة التي تنتجه، ويتّسم بالمرونة، أي أنه ليس نصّاً جامداً، بل يحتمل الحذف والإضافة، فضلاً عن أنه في الأغلب مجهول المؤلف.
في مقابل ذلك، تبيّن الدكتورة نبيلة إبراهيم حدود مصطلح (شعبي) وتميّزه عن غير الشعبي، فمن وجهة نظرها، «معنى شعبيته أنه ينتمي إلى الشعب وحده بما له من تراث وتقاليد وعادات. هذا الشعب الذي يتكوّن من أفراد تربط بينهم ربطاً قوياً صفة الجماعية يستقبل تراثه بما فيه من عادات وتقاليد وأغنيات ورقصات وقصص، فيتسلمه كتلة واحدة، ويحافظ عليه، ويعمل على إضافة الجديد إليه مما قد يكون له صدى للأحداث المعاصرة. وقد يكون لهذا التراث الشعبي أصله الفردي كما قد يكون له أصله الجماعي منذ البداية، ولكن هذا الأصل قد تتعلق به الجماعات، ونتيجة لذلك يصبح شعبياً، وما يلبث اسم المؤلف الأصلي أن يذوي ويصبح المحرك الأول لهذا التأليف هو الشعب»33. ما يلفت الانتباه في كلام إبراهيم، نقطتان، الأولى إن النص يسمى شعبياً حين يتسلمه الشعب كتلة واحدة، ومن ثم يضيف عليه الجديد. النقطة الثانية يتّفق عليها دارسو الأدب الشعبي، وهي أن النص الشعبي نصٌّ قابل للحذف والإضافة في كل زمان ومكان، وهو ما نراه في الحكايات الشعبية التي تروى في أكثر من مكان وثقافة، لكن هناك تغيّرات في النص الواحد تتبع البيئة والثقافة والتقاليد الاجتماعية لكل مكان أو بلد، لكنها لم توضّح كيف أن الشعب يتلقّى النص الشعبي كتلة واحدة. من جانب آخر، يرسم عبد الحميد يونس حدّاً فاصلاً بين الأدب العامي والأدب الشعبي، في مرحلة متقدّمة من نتاجه النقدي، ففي كتابه (الأدب الشعبي) يشير إلى أن «الأدب العامي تبدعه قرائح معينة ويتّسم تبعاً لذلك بطابع الشخصية الفردية، والأدب الشعبي الذي يزول فيه الحاجز بين الإبداع والتلقي وتضيع فيه شخصية الفرد في شخصية الجماعة أو الشعب، والفيصل في التمييز هو الوجدان الجمعي والوجدان الفردي، ما يصدر عن الأول هو الأدب الشعبي، وما يصدر عن الثاني هو الأدب الرسمي أو الفصيح إلى جانب ما يقرره الباحثون من مقومات تبرز شعبية الأدب كصدوره تلقائياً مع عراقته ومع ما يتضمنه من عناصر الثقافة، بالمفهوم المتسع لهذا المصطلح»[18]. يخرج يونس في نصّه هذا عن مفهوم الأدب العامي الذي يُكتب باللغة العامية إلى الأدب الذي يكتبه الفرد، فيدمج في هذا بين نوعين من الأدب، الأدب الفردي الذي يُكتب باللغة العامية، والأدب الفردي الذي يُكتب باللغة الفصحى، وفي الوقت نفسه يقسّم الأدب إلى أدبين: عامي وشعبي، وبذلك يلغي وجود العامية في الأدب الشعبي؛ أو في جزء منه. إلا أنه يضع حدّاً مهماً في الفصل بين الأدب الشعبي والأدب الفردي، وهو الوجدان الجمعي والفردي، مضيفاً لهذا الحد عراقة النص وعناصره الثقافية الخاصة.
9– خصائص الأدب الشعبي
– عدم اقتصاره على الكلمة، فإذا أخذنا السيرة الشعبية على سبيل المثال، نجد أن راوي السيرة من النادر أن يكون بمفرده، بل يشكّل فرقة كاملة فيها بعض العازفين والمردّدين[19]، فإذا كان راوياً مفرداً، فمن النادر أن تكون روايته للسيرة بالكلمة فحسب، إنما يكون أغلب الرواة من عازفي الربابة أو أية آلة موسيقية أخرى، خصوصاً الوترية منها[20].
– تتداخل الأجناس والأنواع الأدبية في النص الشعبي، وفي التحديد في السيرة الشعبية، التي يمكن أن تجمع الشعر والنثر معاً، فضلاً عن الأنواع النثرية العديدة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه نصاً جامعاً[21].
– يختلط في الأدب الشعبي الواقع بالخيال، فالحكاية الشعبية والسيرة الشعبية تبنى على نصٍّ مرجعي، لكن الراوي الشعبي يضيف إلى هذا النص من خياله وثقافته وبيئته ما يغير مسار النص حتى يتشكّل نصّ جديد ومغاير للنص المرجعي. مثل ما يحدث حين يستلهم شخصية مرجعية في السيرة الشعبية، لكن حياتها تبتعد كثيراً عن الروايات التي سُردت في الكتب التاريخية والنصوص العربية القديمة، وهو ما سنأتي عليه في فصل السيرة والتاريخ.
– هذه الإضافات التي تطرأ على النص من قبل الراوي، أو عدد الرواة المتتالين على النص الشعبي، غالباً ما تتسم بالمبالغة والتهويل، فيرسم بطولات خيالية وخرافية للبطل الشعبي، ويجعل ولادته خارقة، ويمتلك شجاعة لا يقهرها أحد، ويواجه مصاعب لن ينجيه منها إلا شخصيات عجائبية كالجن والأدوات السحرية التي سخّرها له أنبياء منذ مئات السنين.
-ويختم يونس كلامه عن بعض خصائص الأدب الشعبي، بأن هذا الأدب لا ينشأ دفعةً واحدة، بل يتشكّل عبر الزمن من بقايا حكايات الجماعات الشعبية، حتى يصل إلى المرحلة الأخيرة التي يروى فيها.
وتركز الدكتورة نبيلة إبراهيم على الخصيصة الأخيرة التي حدّدها يونس مبينة أنه « ليس من سبيل سوى أن نفترض أن النص الشعبي لا ينشأ مكتملاً دفعة واحدة، بل يتعرض لعملية تمحيص دقيقة، بحيث لا يخرج إلى الجماعة إلا وهو مستوفٍ لكل شروط النص الفني، وكأنه كائن حي لا يظهر للناس إلا في كامل هيئته، وعندئذٍ يعلن عن نفسه ليلتف الناس حوله»[22].
خاتمة
مما سبق نستنتج أن الثقافة الشعبية ظاهرة اجتماعية وثقافية من الطراز المتواتر ، حيث تمثل العامل المشترك لثقافة كل المجتمعات بلا استثناء، مع اختلاف قيمتها العلمية والمعرفية ، وتمثل كل التمثلات الجماعية للحياة المعيشية الفعلية منها والموجودة، المتمثلة في تطلعات الجماعة ورغباتها ومعتقداتها، وفي نظرتها للحياة التي عبر عنها بطريقة شفوية، بأشكال تعبيرية محددة في القصة والأسطورة والأمثال والحكم …، وقد مست الثقافة الشعبية الكثير من التحولات .
قائمة التهميش:
[1]- حسين عبد الحميد أحمد رشوان : الثقافة دراسة في علم الاجتماع الثقافي ، الاسكندرية –مصر ، مؤسسة شباب الجامعة ،2006، ص ص98_100
[2] – عبد الحميد حواس : أوراق في الثقافة الشعبية ، دار الأمين للنشر والتوزع، القاهرة –مصر، ط1، 2003، ص 58
[3] – محمد عبده محجوب و أحمد مصطفى فاروق واخرون : دراسة أنثروبولوجية في المجتمع والثقافة، دار المعرفة الجامعية، مصر- الاسكندرية، ط1، 2005، ص 33
[4]- غياث بوقلحة: تحولات ثقافية، دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1،2005، ص18
[5]- محمد السويدي : مفاهيم في علم الاجتماع الثقافي، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، ط1، 1991،ص 50-54
[6]- مرفت الطرابشي و عبد العزيز السيد: نظريات الاتصال ، دار النهضة، القاهرة –مصر، ط1،2006،ص47
[7]- محمد عبده محجوب و أحمد مصطفى فاروق واخرون : دراسة أنثروبولوجية في المجتمع والثقافة، ص 31
[8]- العولمة والهوية القومية بين أساطير الأصولية وتراث الحداثة ، مجلة أنفاس على الموقع الالكتروني: www .anfesse .net
[9]- عبد الحميد بورايو: الثقافة الشعبية الجزائرية التاريخ –لقضايا –التجليات، دار أسامة للطباعة، الجزائر، ط1،دس، ص35
[10]- المرجع نفسه ، ص ص39-40
[11]- ابراهيم عبده الدوسوقي: التليفزيون والتنمية ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، الاسكندرية –مصر ، ط1، 2004، ص 11
[12]- أسامة ظافر كبارة: برامج التليفزيون والتنشئة التربوية والاجتماعية ، دار النهضة العربية، ط1، 2001، ص 154
[13]-المرجع السابق ، ص 116
[14]- مؤنس كاظم: خطاب الصورة الاتصالية وهذيان العولمة ، عالم الكتب الحديث، اربد –الأردن، ط1، 2008، ص ص 89-110
[15]- سعدي محمد: الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ،دط، ص ص 25-24
[16]- عبد الحميد يونس: الهلالية في التاريخ والأدبالشعبي، أطروحة دكتوراه، 1957، الأعمال الكاملة ج3، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة،2010،ص،101
[17]- عبد الحميد يونس، معجم الفلكلور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، 2009،ص39
[18]- المصدر نفسه، ص 39
[19]- ينظر : موسوعة السرد العربي ، عبد الله ابراهيم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، لبنان، ط1، 2008،مج1، ص252
[20]- ينظر : عبد الحميد يونس ، الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي، ص 258
[21]- ينظر : صفاء ذياب، تمثلات العجيب في السيرة الشعبية العربية،دار صفحات، دمشق ،ط1، 2015، ص 14
[22]- نبيلة ابراهيم: المقومات الجمالية للتعبير الشعبي، مكتبة الدراسات الشعبية ، 1996، ص71-72
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)