قسم اللّغة العربيّة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة صفاقس، تونس
الملخص
إنّ تناول قضيّة الشّفاهيّة وتبعا لها الكتابيّة في الثّقافة العربيّة هو من باب أنّهما أمسيا مدخلا هاّما للدّراسات اللّسانيّة والأدبيّة في العصر الحديث. وذلك مزاوجة بين ما هو لسانيّ وما هو أدبيّ، أو بالأحرى تطبيقا لبعض منطلقات اللّسانيّات الحديثة على بعض المدوّنات العربيّة ذات الأصول الشّفهيّة على غرار الخطب الجاهليّة والأمويّة والوصايا وغيرهما. فعليه، فنحن نريد في هذا البحث تقصّي آثار الشّفاهيّة في الثّقافة العربيّة القديمة وكيف انتقلت من طور المشافهة إلى طور التدوينن؟ وتبيّن آثار هذه النقلة فيها، بالإضافة إلى تلمّس الرّوافد الاِيبستيميّة العميقة التي أعانتها على هذه النقلة الفارقة. فلا جرم أنّ التّعرّض لهذه القضيّة لممّا يجعلنا نستشعر أهمّيّة الشّفاهيّة في الحضارة العربيّة التي طغا عليها كمثيلاتها من الأمم في حقبة ما تدوين المعارف والعلوم، واعتمدت منذ قرون متطاولة على الكتابة وسيلة مثلى للتعليم متناسية فضل المشافهة التي كانت المعين الثرّ لفجر المعرفة البشريّة ومن رحمها اِنبثقت العلوم والتّجارب وتشكّلت الحضارات الإنسانيّة على اِختلاف مشاربها وتنوّعها. وقد كان للعرب نصيب لا بأس به من الثّقافة الشّفهيّة جعلها لا تتنكّب ركب الأمم ذات الأعراق الشّفاهيّة وحظّ محمود أيضا من الثّقافة الكتابيّة حين اِنغمست عن قصد أو غير قصد في التفاعل الحضاري الذي نهض على تدوين المعارف والاجتهاد في التصنيف والتّأليف فأتت من الكتب والدّواوين بما جعلها تتصدّر المشهد الثّقافيّ العالميّ لقرون كثيرة. غير أنّ الغرب هو أوّل من تنبّه لأهمّية الشّفاهيّة في العصر الحديث فعاد على أعقابه يقصّ آثارها ويدعو إلى اِعتمادها من جديد معيارا للعلوم والأبحاث وإيلائها مكانتها التي سلبتها إيّاها شقيقتها الكتابيّة عن طريق إقامة المنتديات العالميّة والنّدوات الدّوليّة حول الشّفاهيّة وأهمّيّتها من أجل إقامة نظريّة ذات أسس متينة.
الكلمات المفتاحية: الشّفاهيّة، الكتابيّة، المشافهة، التدوين، النّظريّة الشّفهيّة المعاصرة.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
تمهيد
سنتناول في هذه المداخلة مسألة تطوّر اللّغة العربيّة واِنتقالها من طور شفهيّ إلى طور كتابيّ محاولين تقصّي آثار الشّفاهيّة وكذا الكتابيّة في مجريات الثّقافة العربيّة القديمة وأثر هذا التّحوّل العميق فيها، بالإضافة إلى تلمّس الرّوافد الاِيبستيميّة العميقة التي أعانتها على هذه النقلة الفارقة. فلا جرم أنّ التّعرّض لمثل هذه القضيّة لممّا يجعلنا أوّلا نستشعر أهمّيّة الشّفاهيّة مبحثا لسانيّا ولغويّا ضاربة أصوله في الحضارة العربيّة منذ القديم. وثانيا إدراك ما لصنوها أو ضديدتها الكتابيّة من بروز لافت طغا على حضارات العهد القديم والحديث جميعها، إذ اِعتمدت منذ قرون متطاولة على الكتابة وسيلة مُثلى للتعليم متناسية فضل المشافهة التي كانت المعين الثرّ لفجر المعرفة البشريّة ومن رحمها تشكّلت الحضارات الإنسانيّة والثّقافات على اِختلاف مشاربها وتنوّعها.
وقد كان للعرب نصيب لا بأس به من الثّقافة الشّفهيّة جعلها لا تتنكّب ركب الأمم ذات الأعراق الشّفاهيّة وحظّ محمود أيضا من الثّقافة الكتابيّة حين اِنغمست عن قصد أو غير قصد في التفاعل الحضاري الذي نهض على تدوين المعارف والاجتهاد في التصنيف والتّأليف فأتت من الكتب والدّواوين بما جعلها تتصدّر المشهد الثّقافيّ العالميّ لقرون كثيرة.
غير أنّ اللّسانيّات الغربيّة تُعدّ أوّل من تنبّه لأهمّية الشّفاهيّة في العصر الحديث فعاد على أعقابه يقصّ آثارها ويدعو إلى اِعتمادها من جديد معيارا للعلوم والأبحاث وإيلائها مكانتها المرموقة التي تستحقّ والتي سلبتها إيّاها شقيقتها الكتابيّة. فما الشّفاهيّة والكتابيّة؟ ما الفرق بينهما ؟ ماهي لحظاتهما الفارقة في الحضارة العربيّة؟ وكيف تلقّى العصر الحديث مسألة الشّفاهيّة ؟
1- في الشّفاهيّة
- لغة واِشتقاقا
إنّ الاشتقاق اللّفظيّ للفظ “الشفاهيّة” اُستُعمل في الثقافة العربيّة تحت مسميّات عدّة يُلاحظ عليها للوهلة الأولى بعض اختلاف يرجع بالأساس إلى اختلاف الحقل المعجميّ الذّي سيقت فيه الكلمة وإلى ما أفرزته مختلف المجالات الفكريّة التّي اشتغلت بهذا المفهوم. وتلك التسميات هي من قبيل المشافهة + الشفاهيّة + الشفويّة + الشفاهي + الشفهي + الشفوي + التشافه +.. . هذا فضلا عن وقوع هذه العبارة في مركبات نعتيّة أو إضافيّة تحمّلها معانيَ أخرى وتضفي عليها شُحناتٍ دلاليّةً متنوّعة على غرار: الثقافة الشفاهيّة + التصوّر الشفهي + الأدب الشفوي + الشفهيّة الأدبيّة + النظام الشفوي + مشافهة الرواة + تشافه المتحاورين أو مشافهة المتناظرين.
وقد ورد في لسان العرب لابن منظور الإفريقي التونسي حول مادّة “شفه” ما نقتبس منه هذا النصّ الذّي يفيدنا فيما نحن منه بسبيل، قال: ” شفه: الشفتان من الإنسان: طبقا الفم، الواحدة شفة، منقوصة لام الفعل ولامها هاء، الشفة أصلها شفهة لأنّ تصغيرها “شفيهة”[1]…، وإذا نسبت إليها فأنت بالخيار إن شئت تركتها على حالها وقلت شفي مثل يدي ودمي وعدي وإن شئت قلت شفهيّ..، ولامه هاء عند جميع البصريين، ولهذا قالو الحروف الشفهيّة ولم يقولوا الشفويّة[2].. وشافهه: أدنى شفته من شفته فكلّمه، وكلّمه مشافهة ..، الجوهري: المشافهة المخاطبة من فيك إلى فيه”[3]، أهمّ ما يمكن استخلاصه من هذا النصّ أنّ مرجع العبارة الاشتقاقي هو الشفتان اللّتان منهما تخرج الأصوات. فالشفاهيّة إذن أصوات مسموعة وألفاظ منطوقة لا رموز مكتوبة وعلامات مدوّنة.
ونسوق هنا ملاحظة اشتقاقيّة هامّة في اعتقادنا لذيوع استخدامها في الدراسات المعاصرة، وهي شيوع استعمال المصدر الصناعيّ في البحوث اللّسانيّة على غرار الشفاهيّة والكتابيّة اللّتين بهما نشتغل، والظاهريّة والظاهراتيّة؛ والمعجميّة والمعجميّات؛ والبنيويّة والتوليديّة والتوزيعيّة والأسلوبيّة والتداوليّة وغيرها من التسميات التي نشأت في اللغة العربيّة بسبب الترجمة لا سيّما من الفرنسيّة والانجليزيّة للمصطلحات الأجنبيّة التي تُلحق بها في اللّسان الأعجميّ “لواحق” (suffixes) من قبيل (Fr : ité, ique, logie, isme و Ang : ity, logy, ism)، للدلالة على اتّخاذ توجّه معيّن وانتحال نحلة مخصوصة. على أنّ هذه الظاهرة المصطلحيّة ليست بنشاز في اللّغة العربيّة خلافا للبعض، إذ نلفي لها أصولا في التراث العربيّ نحو الشّعوبيّة والأشعريّة والدهريّة والمالكيّة والمسيحيّة ونحو ذلك من النّحل والطّوائف.
1-2- قراءة في المفهوم
يشير “إيريك. أ. هافلوك” (Eric A. Havelock) أحد أبرز أعلام هذا المجال أعني الشفاهيّة والكتابيّة، والذي تأثّر به “والتر أونج” كثيرا بشهادته هو نفسه بذلك، إلى أنّ “التّوجّه الشّفاهي Oralisme أو الشّفاهيّة ترمز إلى مفاهيم امتدّت بعيدا متجاوزة “هومر” والإغريق، فهي تصوّر مجتمعات كاملة اعتمدت على التواصل الشفهي دون التواصل الكتابي. وهي كذلك تحاول تحديد هويّة شكل معيّن من أشكال الاستعمال اللّغوي يجري استعماله في التواصل الشفويّ، وأخيرا تُستعمل لتحديد نوع معيّن من الوعي، نوع يُفترض أن قد أنشأته الشّفاهيّة”[4]. فللشّفاهيّة أثر كبير في تحقيق التّواصل بين أفراد المجتمع.
وغنيّ عن البيان أن نعلم أنّ “الشّفاهيّة” مرتبطة باللّغة وتجليّاتها المختلفة واستعمالاتها المتنوّعة لدى أولائك الأفراد، وإذا كان معلم جنيف قد عرّف اللّغة بأنّها “نتاج اجتماعي لملكة اللّسان ومجموعة من التقاليد الضروريّة التّي تبنّاها مجتمع ما ليساعد أفراده على ممارسة هذه الملكة “[5] فهذا ينبئ بأنّ ما تكلّم به قوم ما وتشافهوا به هو اللغة سواء تُرجم إلى رموز وعلامات كتابيّة أم لا، وهو ممّا يفيد أيضا بلا مراء أسبقيّة الشفاهية على الكتابيّة، إن في الوجود أو في الأهميّة.
من هذا المنطلق في التحليل وبالاطّراد في النظر بالإمكان أن نقرّر أنّ الشفاهيّة عند العرب الجاهليّين أيضا ظاهرة سابقة على الكتابيّة، مثَلُهم في ذلك مثل سائر المجتمعات. فالنّاظر في حياة الجاهليين، المتفحّصُ لتفاصيلها وتاريخها ولطرائق عيشهم ومضامينها لا يعسر عليه أن يتبيّن أنّ مجتمعهم الجاهلي كانت تسوده الشفاهيّة يقينا، وأنّ لغة التخاطب والأدب الأولى بينهم كانت المنطوقةَ لا المكتوبة. فالتسلسل الطبيعيّ للّغة وطرائق استخدامها في رأينا هو كونها تتجلّى أولاّ في صورتها الشفاهيّة المنطوقة، ثم تأتي الصورة الكتابيّة متجلّية في نظام من الرموز والعلامات تمّ التواضع عليه سلفا من قبيل الجماعة الواحدة أو العرق الواحد ضمن تقاليد المجتمع ومواضعاته النطقيّة وسلطته النافذة. وما يبرح ذاك النظام اللّغويّ المتعارف عليه بالمواضعة يتقلّب ويتطوّر في أجيال متعاقبة التي تحكمها أنساق معرفيّة مختلفة وأنماط حياتيّة متفاوتة. فلا مندوحة من أن يتأثّر ذاك النّظام ويتغيّر حسب ما يعرض له من وسائط وتقنيات وسيطيّة متباينة ومتّصلة بصناعة الكتابة اِبتداء من لحظة نشأتها الأولى التي مرقت من نفوذ الشّفاهيّة وصولا إلى عالم الورق والطباعة فالإعلاميّة والرقمنة.
ولقد كان الجاحظ من أوعى القدامى بهذه الثنائيّة، وسنخصّه بمبحث مفرد لأن ّلحظته تمثّل حدثا هامّا في الشفاهيّة والكتابيّة عند العرب. على أننا يمكن أن نستفيد الآن مما ذَكَر عن خصائص العرب ولغتهم ونستصفي منه ما يبرز جليا استفحال الشفهيّ البليغ والكلام الفصيح بينهم عفوا وسليقة إذ يقول: “وكل شيء للعرب إنما هو بديهة وارتجال، وكأنّه إلهام وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنّما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام وإلى رجز يوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر أو يحدو ببعير أو عند المقارعة أو المناقلة، أو عند صراع أو في حرب. فما هو إلاّ أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذّي إليه يقصد فتأتيه المعاني أرسالا وتنثال عليه الألفاظ انثيالا. ثمّ لا يقيده على نفسه، ولا يدرسه أحدا من ولده، فكانوا أمّيين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون”[6].
ولا يجمل بنا أن يمرّ بنا نصّ الجاحظ هذا الذّي نقلناه على طوله لأهميّته وبلاغته ووضاحته فيما نحن بصدده دون أن نقف على بعض الملاحظات التي توضّح مشغلنا المتعلّق ببيان تغلّب الشفاهيّة على الأمّة العربيّة في الفترة الجاهليّة. ونبدأ بآخرها وهو نعت العرب بأنهم أمّيّون. فلا جرم أنّ هذا الوصف ثابت لعرب الجاهليّة، راسخ فيهم وصادق عليهم رسوخ القرآن وصدقه، فقد قال الله تعالى: “هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ اُلْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ”[7]، فوصفَهم بـ”الأمّيين” في مواضع من القرآن عديدة لا نطيل في ذكرها فهي ميسورة لمن طلبها ولكن من المفيد أن نقف على معناها.
فــ”الأمّيّين” جمع أميّ، ومعناه كما ورد في تفسير “الطاهر بن عاشور”: “من لا يعرف القراءة ولا الكتابة، والأظهر أنّه منسوب إلى الأمّة بمعنى عامّة النّاس، فهو يرادف العاميّ. وقيل منسوب إلى الأمّ[8]، وهي الوالدة أي أنّه بقي على الحال التّي كان عليها مدّة حضانة أمّه إيّاه فلم يكتسب علما جديدا. وكانت الأمّية معجزة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث كان أعلم النّاس مع كونه نشأ أمّيا قبل النبوءة “[9]، بل قد ورد عن الرسول نفسه التصريحُ بمعنى الأمّيّ وبنسبة العرب قاطبة إلى الأمّيّة حيث قال:” إنّا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب”[10]. فضمير جمع المتكلّم يريد به الرسول ذاتَه ومن معه من الحاضرين المخاطبين، ومن لم يحضر ممّن آمن به من العرب سواء الساكنون في البوادي والقفار أو القاطنون في الحواضر والقرى. فإذا كان حال معاصريه الأمّية، وفيهم كثير ممّن عاش ردحا في الجاهليّة وأدرك الإسلام شيخا كبيرا أو شابّا يافعا، فلأن ينطبق الوصف على من قبلهم وسبقهم ممّن عاش جاهليّة محضة أولى وأصوب.
“ولكن لمّا كان القرآن قد نزل الوحي به في كنف أمّة أمّي معظمُها، واعتمد آلية شفاهيّة تناسب طبيعة ما كان سائدا من أصول الثقافة الشفويّة لدى الموحى إليهم فإنّ “اللّفظ في السّيلان لا يلبث إلا ريثما يقرع الأسماع ثمّ ينحلّ على المكان (مواد البيان 33) فلا بدّ حينئذ من الحفظ والذّكر.. كي لا يضيع اللفظ بعد سماعه”[11]، أي إذا كان الغالبُ على العرب الأمّيّةَ احتاجوا لتجاوز هذه الخصيصة التي لم تكن في زمانهم نقيصة إلى قوّة الحافظة. وقد كان العرب الجاهليّون مضرب المثل في قوّة الحفظ وسيلان الذاكرة، لا سيما خطباؤهم الفصحاء.
ولقد كانت الرواية الشفويّة خيرَ وسيلة لحفظ تراثهم، خطبا كانت أو شعرا أو أمثالا أو وصايا أو غير ذلك، وأنسبَ أداة لتداوله ونشره. يقول المستشرق الفرنسي “ريجيس بلاشير” (Régis Blachère) موضّحا الطريقة المتداولة بين الجاهليّين في تناقل آدابهم: “خلاصة القول ، فإنّ الرواية الشفويّة وحدها تؤلّف الطريقة الأساسيّة لنشر الآثار الشعريّة التّي قذف بها الشاعر وراويتُه في خضمّ الجماهير”[12]، فإذا كان هذا حالَ الشعر الموزون المقفّى الذّي يسهل حفظه وتداوله فكيف بغيره من خطابة ونحوها من الأشكال النثريّة كالقصص وأيّام العرب وغزواتهم وأنسابهم ممّا هو غير موزون أو مسجّع، حيث يسهل ضياعه واندثاره، وتضعف مقاومته لحادثات الدهر وأخطاره. فَلَتواثبُ الرّواية الشّفويّة عليه وكثرة تداولها لشأنه لِتثبيته وتخزينه، وَلَتحفّزُها لمراجعته ومدارسته أولى من غيره، واستعدادُ الرواة من ثمّ للمّ شتاته وإنقاذه قبل تلفه وهلاكه أجدى لديهم وأوكدُ. وهذا المعنى هو ما حدا ببعض الدّارسين أن يعلن:”إنّ النهر الذي فاض بالشعر الجاهليّ إنّما هو الرواية الشفويّة التّي كانت الأداة الطيّعة لنشره وذيوعه”[13].
وإنّنا لنجد في أشعار الجاهليين أنفسهم ما ينبّهنا إلى اعتماد هذه الآليّة –أقصد الرّواية الشّفويّة- وسيلةً لتناقل الآثار. فعبر وساطتها كانت تصل أخبار العرب من شعر وخطابة وأيّام إلى أصقاع الجزيرة العربيّة برمّتها يقول المسيّب بن علس:
فلأُهديّـــنَّ مع الرياحِ قَـــصِيدةً منِّي مُــــغَلـــْغلةً إلَى القَـــــــعْقَــاعِ
تردُ المــياهَ فمــا تــزالُ غريــبــةً في القَــومِ بين تمثُّــلٍ وسَمــــــاعِ
فالقصيدة التّي يروم الشّاعر إرسالها إلى القعقاع لن تكون في رقّ مكتوب أو كاغذ مسطور بل ترد شفاها ويتمثلّها القعقاع وقومه سماعا مثلما ذكر. ويقول عميرة بن جعل نادما على هجائه قومه وشيوع ذلك في العرب وأنّه لم تعدله حيلةٌ في ردّه:
ندمتُ على شــــــــتمِ العشيــــــــــــرةِ بعدمـــــا مضـــتْ واستـــــــتبَّتْ للرواةِ مذاهبُـــــــهْ
فأصبحتُ لا أستطيعُ دَفْعًا لما مضَى كما لا يَرُدُّ الــــدُرَّ في الضــــرعِ حالِبُــــهْ
فكأنّي بالشاعر –كما يُفهم من هذه الأبيات ومن غيرها- يُنشد قصيدته بين جماعة أو في محفل من النّاس فيتلقّفونها عنه ويروونها، ويطيرون بروايتها إلى مختلف أرجاء هذه البيئة الشّاسعة لإذاعتها في النّاس. وشيء مثل هذا لا يمكن أن يحدث في عصر كانت علاقة أهله بالكتابة على النحو الذّي بيّنّاه من الندرة إلاّ عن طريق الرواية والمشافهة. فهكذا كان شأن ذيوع الشّفاهيّة ونفوذها بينهم.
وإنّنا لنجد في أشعار الجاهليين أنفسهم ما ينبّهنا إلى اعتماد هذه الآليّة –أقصد الرّواية الشّفويّة- وسيلةً لتناقل الآثار. فعبر وساطتها كانت تصل أخبار العرب من شعر وخطابة وأيّام إلى أصقاع الجزيرة العربيّة برمّتها يقول المسيّب بن علس:
فلأُهديّـــنَّ مع الرياحِ قَـــصِيدةً منِّي مُــــغَلـــْغلةً إلَى القَـــــــعْقَــاعِ
تردُ المــياهَ فمــا تــزالُ غريــبــةً في القَــومِ بين تمثُّــلٍ وسَمــــــاعِ
فالقصيدة التّي يروم الشّاعر إرسالها إلى القعقاع لن تكون في رقّ مكتوب أو كاغذ مسطور بل ترد شفاها ويتمثلّها القعقاع وقومه سماعا مثلما ذكر.
ويقول عميرة بن جعل نادما على هجائه قومه وشيوع ذلك في العرب وأنّه لم تعدله حيلةٌ في ردّه:
ندمتُ على شــــــــتمِ العشيــــــــــــرةِ بعدمـــــا مضـــتْ واستـــــــتبَّتْ للرواةِ مذاهبُـــــــهْ
فأصبحتُ لا أستطيعُ دَفْعًا لما مضَى كما لا يَرُدُّ الدُرَّ في الضرعِ حالِبُــــهْ
فكأنّي بالشاعر –كما يُفهم من هذه الأبيات ومن غيرها- يُنشد قصيدته بين جماعة أو في محفل من النّاس فيتلقّفونها عنه ويروونها، ويطيرون بروايتها إلى مختلف أرجاء هذه البيئة الشّاسعة لإذاعتها في النّاس. وشيء مثل هذا لا يمكن أن يحدث في عصر كانت علاقة أهله بالكتابة على النحو الذّي بيّنّاه من الندرة إلاّ عن طريق الرواية والمشافهة. فعلى مثل هذا النحو كان شأن ذيوع الشّفاهيّة ونفوذها بينهم.
- في الكتابيّة
لا أحد ينكر أهميّة اكتشاف الكتابة في حياة البشريّة، فقد كان حدثا –لا ميْنَ- مفصليّا دفع بالإنسان إلى منهج مختلف من مناهج التفكير وطريقة أخرى خاصّة من طرق التواصل، ومن ثمّ إلى حياة من نوع آخر. ولم يكن ذلك بمعزل عن الشفاهيّة بل “إنّ فهما أعمق للشفاهيّة الأصليّة ليمكّننا من فهم عالم الكتابة الجديد فهما أفضل. لقد غيّرت الكتابة شكل الوعي الإنساني أكثر من أيّ اختراع آخر. إن الكتابة تخلق ما سماه بعض الباحثين “لغة طليقة من السياق” أو “الخطاب المستقلّ”، وهو خطاب لا يمكن مساءلته أو معارضته على نحو ما يحدث في الخطاب الشفاهيّ، ذلك لأنّ الخطاب المكتوب منفصل عن مؤلفه”[14]، يسعى “أونج” من هذا المنطلق إلى التأكيد على أنّ الكتابة عامل هامّ لإعادة بناء الوعي الإنساني على نمط غير النمط السابق حين كانت الشفاهيّة هي الملكة التي تتربع على عرشه، نمطٍ أكثرَ صرامة ودقّة موسومٍ بالتحضّر والتمدّن.
لعلّه من المفيد أن نلمّ ببعض تعريفات الكتابة في بعض القواميس، فقد ورد في القاموس الفرنسي ثلاثة معان لها، “الأوّل: أنّ الكتابة “تمثيل الفكر من خلال علامات مرئيّة”، والثاني: “هي طريقة خاصّة في تشكيل الحروف”، والثالث: “هي طريقة في التعبير”[15]، ويمكن أن ندمج هذه المعاني الثلاثة فيحصل لدينا مثلُ هذا التعريف: الكتابة هي طريقة مخصوصة للتعبير عن الأفكار في شكل حروف تمثّلها علامات مرئيّة.
ويصفها “فولتير” (voltaire) فيقول: “الكتابة هي رسم للأصوات”[16]، وبالإمكان أن نقول مع “كريستيان بوبن” (Christian Bobin) متذوّقين ما قال “الكتابة هي القلب الذّي ينبض بقوّة في صمت”[17]، فهي أفكار متخلّقة وعواطف متفجّرة، أوهي أداة لذلك تسميةً للشيء باسم وسيلته، كأن ننعت الأستاذ بأنّه المعرفة بعينها إيذانا منّا بأنّه أداتها المثلى ووسيلتها الجُلّى. كذلك الكتابة هي الوسيلة الكبرى للتعبير عمّا يجيش في القلب من مشاعر أو ما يموج في العقل من أفكار، ولا ريب أن هذا التعبير صامت لا نسمع له رِكزا ولا همسا إلاّ إذا أخرجناه باللّفظ والصوت من فضائه الكتابيّ إلى فضائه الشفهيّ بواسطة القراءة، وذلك أمر ثانٍ غيرُ الذّي نحن فيه.
وما من شكّ في أنّ مخرجات الثقافة تختلف باختلاف وسائلها وتنوّع أدواتها وأنّ الفروق بين الوسيط الشفاهي في تجليّات الثقافة والوسيطِ الكتابي ليست فروقا شكليّة خارجيّة تنحصر في تغيير الحامل الفيزيائي، بل الأمر أكبرُ من ذلك بكثير. فلقد أسهم التحوّل من طور التواصل الشفوي إلى طور التواصل بالكتابة عند العرب في بروز تحوّلات عميقة تمسّ المجتمع والفكر والثقافة جملة. وذلك “لأنّ المعرفة المكتسبة بالسمع تختلف عن المعرفة المحصّلة بالبصر اختلافا نوعيّا ووظيفيّا يتجاوز مجرّد التباين الشكلي القائم بين وسائل البث والإخبار وأدوات النقل والترويج” [18]. فالأداة النّاقلة للعلم تؤثّر -لا ريب- فيه، وكذلك الخبر تؤثّر فيه أداته الناقلة له.
يقول بعض الدّارسين المهتمّين بهذا الشّأن ” فمثلما أنّ الخبر المتأتّي من حاسّة السمع( في الشفاهيّة) تؤثّر فيه أداتُه، فكذلك الخبر المكتسب بالقراءة( في الكتابيّة) تؤثّر فيه وسيلته وتوجّهه أيما توجيه”[19] بل إنّه يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يضيف مفترضا: ” لو كان نفس المعطى المعرفي أو الإخباري يؤدّى مشافهة ثمّ بالكتابة لتجلّى للمتلقّي هنا وهناك كما لو كان شيئا مغايرا”[20]، فيحصل التغاير رغم أنّ المعطى(le donné) المتداول في القبيلين الشفهيّ والكتابيّ واحد، وذلك لاختلاف قناة التبليغ مثلما سنتبيّن ذلك مع التوحيديّ، فكيف لو كانت المعطيات مختلفة في مجرى الثّقافة؟!
ولقد ذكر الباحث نفسه أنموذجا هامّا لإيضاح هذه القضيّة متمثّلا في خبر النعمان بن المنذر-أحد ملوك الجاهليّة- مع الطّائي، وأوضح كيف أنّ اختلاف الخبر والرواية بين ما ذكره الميداني في “معجم أمثاله” وما أورده الإبشيهي في “المستطرف في كلّ فنّ مستظرف” راجع إلى اختلاف أدوات البثّ والنقل ووسائل الالتقاط والحفظ، وإلى كيفيّة تناول الأيدي لها، وتداول الرواة عليها، وترديدِ الأفواه لها ثمّ تساءل كيف تلقّفتها الأسماع وتلقّتها الأبصار منتهيا إلى أنّ هذه الاختلافات ” لا تعود إلى ما بين الواقع والخيال من مسافات والابتعاد عن الواقع الاجتماعي والتاريخي قليلا أو كثيرا، وإنّما تعود خاصّة إلى الفوارق الزمنيّة والمسافات الفضائيّة الفاصلة بين عمل الحافظة الطبيعيّة وعمل الذاكرة الصناعيّة من تأثير في طبيعة الملفوظ وتغيير في مجرى وقائع التلفّظ وإزاحة فعل إنتاج المعنى عن بؤره الأصليّة ومقاماته الأصيلة”[21].
من هذا المنطلق بإمكاننا أن نقول إنّ المرحلة الشفاهيّة التّي طال أمدها قد بان أثرها في فكر العرب وأدبهم حتّى أنّنا لن نعدم سماتٍ دالّةً على ذلك وعلامات في إنتاجهم الكتابيّ رامزةً إلى الصبغة الشفاهيّة التّي كانت غالبة عليها وتواصل تأثيرها حتّى بعد أن نزع العرب إلى الكتابة والتدوين نزوعا بيّنا بداية من منتصف القرن الثاني للهجرة. بيد أنّه لنا أن نتساءل: هل عرف العرب في جاهليّتهم الكتابة؟ أي هل احتمال وجودها فيهم وارد أم أنّهم أمّة أميّة بحتة فلم يعرفوا كتابة إلاّ بعد أن جاء الإسلام؟
إنّ الإجابة على هذا السؤال لا تبدو في رأينا عسيرة فإنّ الباحث لا يصادف مشقّة كبيرة ولا يجد عنتا لإثبات وجود كتابة في العصر الجاهليّ. من ذلك أنّ القرآن الكريم ناطق بها مثبت إيّاها حيث ورد فيه أنّه أمر بالقراءة من أوّل لحظة نزوله كما مرّ معنا من أنّ النبي نُبّئ بـ “اقرأ”، والقراءة هي الوجه الثاني للكتابة، بل ورد الأمر فيه بالكتابة نفسها صريحا عند التداين بين العباد، وكان ذلك في أطول آية على الإطلاق في القرآن ضمن أطول سورة، وهي التي تسمّى “آية الدّين”، فقد قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ وَلَا َيْأَبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ “[22]. ففي ورود لفظ الكتابة ومشتقاتها ستّ مرّات[23] في هذا المقطع القصير من الآية، بالإضافة إلى استعمال مرادفها وهو الإملاء في قوله “فليملل”، ما ينبّه على حجم عناية القرآن بالكتابة ومدى استيناس الجاهليّن بهذه الظاهرة إذ هم المعنيّون بالأساس بالخطاب القرآنيّ وإلاّ لما كرّرها هذه المرّات العديدة في موطن واحد قصير كما قلنا.
وإلى قضيّة كَتْب المعاملات بين النّاس وإبرام العقود هذه أشار الجاحظ موضّحا أهميّة الكتابة والخط، قائلا:”لولا الخطوط لبطلت العهود والشروط، والسجلات والصكاك، وكل إقطاع وكل إنفاق، وكل أمان وكل عهد وعقد، وكل جوار وحلف. ولتعظيم ذلك والثقة به والاستناد إليه، كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف والهدنة تعظيما للأمر وتبعيدا من النسيان، ولذلك قال الحارث بن حلّزة في شأن بكر وتغلب:
واذكرُوُا حِلفَ ذي المجازِ وما قُــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــدّم فيـــــــه العــــــــهــودُ والكفــــــــلاءُ
حَذَرَ الجورِ والتعَدِّي وهل يـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــنقُضُ ما في المهَارقِ الأهواءُ !
والمهارق: ليس يراد بها الصحف والكتب، ولا يقال للكُتُب مهارق حتى تكون كتب دين، أو كتب عهود، وميثاق، وأمان[24]. فهذا مثال بيّن على وجود الكتابة عند عرب الجاهليّة استقيناه من إمام النقد والأدب أبي عثمان. ولو يمّمنا وجوهنا شطر الشعر الجاهليّ لوجدنا أمثلة كثيرة على ذلك. من ذلك:
قول طرفه بن العبد :
أشجاكَ الرّبعُ أم قدمُــــه ؟ أم رمادٌ دارسٌ حِمــمُـــــه ؟
كــسُطورِ الرّقِّ رقــــــــشـــــــه بالضّحى مرقّش يصِمُهْ
وقولِ امرئ القيس :
لمن طلل أبصرتُـــهُ فشجانِـــــــــــــــــي كخطّ زبورٍ في عسيبِ يمانٍ
أمّا النّابغة الذّبياني فيذكر الخطّ، كما يذكر التنميق، والتنميق صنو الرقش والترقيم :
يخطِّطْنَ بالعيدانِ في كلّ مقعـــــــــدٍ ويُخبِّئـــنَ رمّـــان الثّديِ النّواهِــــــــــــدِ
ويذكر عبد الله بن عنمة المداد والدّواة فيقول :
…………………… قلمٌ أصابَ من الدّواةِ مِدادَها [25]
فكلّ هذه الشّواهد – وغيرها كثير أعرضنا عن ذكره خشية التّطويل- يدلّ دلالة قاطعة على علم كان للعرب بالكتابة ومعرفة سابقة بها. وهذا ينضاف إلى ما تمّ اكتشافه من نقوش كتابيّة في بلاد العرب عامّة وخاصة منها بلاد العرب الجنوبيّين باليمن حيث أنّ مملكة سبأ بلغت شأوا لا يستهان به في الحضارة والمدنيّة ممّا سوّغ معرفة أهلها بالكتابة، وإلى ما ذكرته المصادر التاريخيّة من أنّ بعض العرب كانوا يكتبون ويقرؤون على غرار قصّة صحيفة المتلمّس مع خاله الشّاعر طرفة، وأمرهما مع ملك الحيرة وواليه على البحرين، وكيف نجا المتلمّس لأنّه قرأ الصّحيفة وهلك طرفة حين لم يقرأها، وما إلى ذلك من أخبار ونُقُول وآثار تبرهن على وجود الكتابة بين الجاهليّين.
و يقرّ “روجيس بلاشير” في معرض إثباته لذيوع الشفاهيّة عند العرب الجاهليّ ين أيضا بوجود الكتابة بينهم على قلتها إذ يقول: “لا شكّ في أنّ بعض الرواة في بعض المراكز الحضريّة قد دوّن كتابة بعض القصائد الهامّة ، ولكنّ ذلك يعوزه الدليل، حتّى ولو سلمنا بصحّة وقوع ذلك فإنّ التدوين لم يشمل إلاّ جزءا من آثار الشعراء الحضريين، أمّا البقيّة فقد سارت في الصحراء عن طريق الرواية الشفويّة”[26]، ولعلّ القصائد الحضريّة الهامّة والمكتوبة التّي أشار إليها “ر. بلاشير” هي المعلّقات، فقد ذكرت كثير من المصادر الأدبيّة -بقطع النظر عن مدى صحّة ما أوردوه أو عدمه-، لكنّ ذلك ورد بالتّواتر أنّ طائفة من قصائد الجاهليّين قد لاقت استحسانا منقطع النظير لدى العرب وراجت في القبائل وتناقلتها الركبان، فكانت تُكتب ثمّ تعلّق على أستار الكعبة في الموسم من سوق عكاظ ليطّلع عليها الجميع حين يتوافدون، ومن ثمّ سميّت بـ”المعلّقات”، وهذا أمر ووجه من وجوه الكتابة عند العرب قد سلّم له غالبيّة الأدباء والنقاد والدارسين إلى يوم النّاس هذا.
ثم إنّه ممّا لاشكّ فيه أنّه كان ولا يزال للكتابة دور أساسي في حفظ منتجات الحضارة الإنسانيّة، وهذا الدور يتمثّل في قدرتها على تدوين أنماط النشاط الشفهي، عدا ما تمتلك من قدرة على الخلق والإبداع في إنتاج متريّث متأمّل. ومن هنا فهي ضرورة ملحّة للإنسان والمجتمع البشري برمّته، كضرورة الشفاهيّة لهما وبالإلحاح نفسه وفرض الذّات. غير أنّ الأكثر إلحاحا في رأينا في هذا الصدد هو محاولة إيجاد فضاء تفاعلي بين الكتابيّة والشفاهيّة قادرٍ على تعديل موازيين القوى بينهما، والانتفاع بكل منهما على حدة في شتّى مناحي الحياة وحسب الحاجات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة والسياسيّة وغيرها.
ولعلّ المثال المناسب والأنموذج الأمثل لتقبّل الفكر العربي لهذه المعادلة العويصة نسبيّا بين الشفاهيّة والكتابيّة، سواء في مستوى التنظير أو مستوى الإجراء، هو الجاحظ. وكانت اللّحظة القرآنيّة المتميّزة قبله هي الشّرارةَ التي قدحت الرّغبة إلى تلك الموازنة بين ثنائيّة الشّفاهيّة والكتابيّة فضلا عن التنبيه إليها في غمرة اِنتقال الأولى إلى الثّانية، بل لا يشكّ منصف على دراية بثقافة العرب في الجاهليّة والإسلام أنّها كانت المنطلقَ المتين والمستند الرّكين لا للعَلَم المذكور فحسب بل لكلّ من جاء بعد الجاهليّة من علماء وبلغاء ولغويّين وأدباء وفقهاء على مختلف المشارب وتنوّع المذاهب. فكيف يمكن أن نتبيّن ذلك ؟
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
- الشفاهيّة والكتابيّة عند العرب: لحظتين مفصليّتين وومضتين باهرتين
3-1- اللّحظة القرآنيّة
كان نزول القرآن وتداوله شفويّا أمرا طبيعيّا مألوفا من أوّل لحظة ولد فيها وحيُ السّماء. حتى صارت القناعة بتدوينه جميعا في مصحف إثر ذلك بدهرٍ متأكّدةً لظروف تاريخيّة طارئة، حتّمتها ضرورة صيانة القرآن عن الضياع وحفظه من التلف بعد مقتل كثيرين من حملته عند حرب المسلمين مسيلمةَ الكذّاب، وذلك في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة للهجرةـ ثمّ تطوّر أمر الكتابة بد ذلك رويدا رويدا في الثقافة العربيّة الإسلاميّة إذ تمّ الالتفات إلى تدوين كلّ ما وصل عن العرب من وقائع وأيّام وحكايات وتواريخ وأشعار وخطب حتّى إنّه بالإمكان أن نعتبر أنّ المرحلة الشفويّة التّي تواصلت في فجر الإسلام مع تواتر ظهور الكتابة وذيوعها ما هي إلا الطفولة الناضجة للكتابة وعبرها نما جسدها واستوى حتى بلغ أشدّه في القرن الثالث للهجرة.
وبفضل القرآن الكريم الذي مزج بتدرّج بين قطبي تلك الثنائيّة في نزوله أوّلا مشافها به وتثبيته بعد ذلك كتابة لم يكن هناك أدنى إشكال في هذا الانتقال من الطور الشفويّ إلى الطور الكتابيّ في الثقافة العربيّة وضرورةِ محاولة ترسيم ما كان يتداول شفويّا وتسجيل ما كان حكرا على اللّسان والذّاكرة، رغم استمراريّة حضور الشفوي بلا انقطاع مغذِّيا خلفيّا للكتابيّ. يقول جابر عصفور مؤكّدا ما طرحنا: “إنّ الانتقال من النزعة الشفاهيّة إلى النزعة الكتابيّة على مستوى الإبداع والفكر قد حدث مع نزول القرآن الكريم. فهو النموذج الكتابيّ الأوّل الذّي يفارق نماذج الشفاهيّة بإعجازه وينتقل بالعقل العربي الذّي يتلقّاه ويتوجّه إليه من حال البداوة إلى حال الحضارة، من حال الوعي بالقبيلة إلى حال الوعي بالأمّة، من حال الاستجابة العفويّة إلى حال البناء المعقد للثقافة، ويكتمل معنى هذه الدلالة الرمزيّة حين نضع في اعتبارنا أنّ أوّل ما أنزل من القرآن الكريم كان أمرًا بممارسة فعل القراءة الذّي هو الوجه الآخر لفعل الكتابة”[27].
ولإبراز قيمة هذا المنعرج التاريخي الحاسم الذي أحدثه القرآن ألصق به بعض المهتمّين بالحضارة العربيّة من المستشرقين لفظة “الحدث” نعتا له مميّزا ووصفا مبيّنا بقوله “الحدث القرآنيّ”[28]، يريد بذلك أن يشير إلى الأثر العميق الذّي خلّفه هذا الكتاب في طابع الحضارة الإسلاميّة الفتيّة والمهمّة الحاسمة التي أُنيطت به لتحويل مجرى حياة المجتمع الجاهلي، حتّى سمّى هذه اللّحظة بـ”الحدث”. وكان من أكبر خصائص هذه الرسالة السماويّة الأخيرة “بالإضافة إلى جمعها بين البعد الروحي العقائدي والبعد الدنيوي المدني أنّها اتخذت من شكلها اللّغوي حجّة لنبوّة الرسول الذّي اصطفاه الخالق ليبلّغ عنه فكانت معجزته من خصائص اللّغة في الرسالة وجودتها زيادة عمّا يحتويه من آثار عن الغيب وقصص عن الأمم السالفة ترد على لسان رجل أميّ لا يعرف القراءة ولا الكتابة”[29]. وهذه الخصلة النبويّة الأخيرة التي ذكرها صمّود آية شفاهيّة القرآن، فضلا عن شفاهيّة صاحبه، وقد سبق أن فصّلناها. وقد تحدّاهم القرآن “وهم على ما هم عليه قدرةَ بيان وطلاقةَ لسان أن يأتوا بشيء مثله فأذعنوا ولم يعارضوا[30]. ولم تستطع ردود الفعل الأولى الرافضة لهذه الرسالة بكثير من العنف، إلاّ أن تقرّ بخصائصه المميّزة وتسلم بها وإن ربطتها، مسايرة لتيار الرفض ذلك، بشعائر تعبيريّة تبرّأ منها القرآن بل هاجمها”[31].
والمعروف أنّ الجيل الأوّل من صحابة الرسول سعى إلى تقييد القرآن الكريم في أدوات بدائيّة نظرا إلى غياب الورق، ولم يأل جهدا في محاولة جمعه وتدوينه من العظام البالية والجلود وسعف النخيل ومن كلّ ورق منشور وغير منشور، وكان المقصود الأسنى من هذه المحاولة الأولى في الكتابة هو حفظَ القرآن الكريم من التلف. وبهذا الدافع الدّينيّ القُدسيّ اِنبرى المسلمون الأُوَل يدوّنون القرآن ويحترفون صناعة الكتابة والتّدوين التي يتمثّل الغرضُ منها مثلما نصّ على ذلك القلقشندي: ” تقييدَ الألفاظ بالرسوم الخطيّة، فتكمل قوّة النطق وتحصل فائدته للأبعد كما تحصل للأقرب، وتحفظ صوره، ويؤمّن عليه من التغيير والتبدّل والضياع. وغايتها انتظام جمهور المعاون والمرافق العظيمة، العائدة في أحوال الخاصّة والعامّة بالفائدة الجسيمة في أمور الدين والدنيا”[32]
فالكتابة عند صاحب “صبح الأعشى” تؤبّد الألفاظ وكذا تحفظ الأغراض، وتقيهما من الضياع. ومن أجل هذا يذكر صراحة أنّ الكتابة صناعة من بين إحدى الصنائع الهامّة التي على الإنسان أن يعلم أصولها ويتدرّب عليها حتّى يُتقنها. يقول: “والكتابة إحدى الصّنائع، فلا بدّ فيها من الأمور الأربعة[33]. فمادتها الألفاظ التّي تخيّلها الكاتب في أوهامه ، وتصوّر من ضم بعضها إلى بعض صورة باطنة تامّة في نفسه بالقوّة والخطّ الذّي يخطّه القلم ويقيّده تلك الصور، وتصير بعد أن كانت صورة معقولة باطنة صورة محسوسة ظاهرة وآلتها القلم”[34]، والأمر الرّابع هو الغرض منها وقد مرّ ذكره.
ولئن كنّا نعترف بأنّ – هذه الشروط الأربعة في الكتابة التّي تكشف عن بعد تأصيلي واضح للعقل الكتابي العربي وتمثّلٍ عميقٍ ينبئ بتراكم معرفي في الثقافة العربيّة الإسلاميّة بعد مضيّ قرون طوال على بدء حركة التدوين واستحكام الكتابة وتحوّلها إلى تقليد عامّ ومقنّن لم تكن مستحكمة وحاضرة بقوّة في اللّحظات التدوينيّة الأولى أعني اللحظة القرآنيّة حيث كانت عمليّة التدوين بدائيّة جدّا كما ذكرنا- لئن اعترفنا بذلك فإنّه بإمكاننا ارتدادا إلى الأصول الأولى التي تمخّض عنها هذا الحسّ التأصيليّ لدى القلقشندي، وإشادةً بالقادح الفعليّ لهذا التطوّر الفريد الذي حصل لمجرى الثّقافة العربيّة أن نعتبر أنّ الحدث القرآني هو السّبب الرّئيس في ذلك كلّه.
وقد سمّاه “أدونيس” بـ”الثورة الكتابيّة الأولى التي نشأت في وجه الخطابة”[35]، التي كانت ميسم الشّفاهيّة الأمثل في العصر الجاهليّ. واعتبر هذه الثّورة المحرّك الرئيسيّ الذي انطلق منه العلماء العرب القلقشندي وغيره ممن قبله كثير أو حتى ممّن جاء بعده على مرّ العصور والمعبر الفذّ بين نمطين بارزين من الثّقافة العربيّة. ويصرّح “أدونيس” في وصفه للحظة نزول الوحي وتدوينه مفرّقا مع كتبته خاصّة إبّان نزوله، بأنّ القرآن يمثّل بذلك “نهاية الارتجال والبداهة.. نهاية البداوة وبدء المدنيّة.. إنّه بداية المعاناة والمكابدة، وإجالة الفكر. القرآن إبداع للعالم بالوحي (من حيث إنّه تصوّر جديد للعالم) وتأسيس له بالكتابة”[36]. هكذا يرى صاحب “الثّابت والمتحوّل” قيمة القرآن وأثر لحظته البارزة في الانتقال بالعرب من الحضارة الشفاهيّة إلى الحضارة الكتابيّة.[37]
وجماع القول في بيان القرآن وإعجازه ولحظته المتميّزة المذكورة، “أنّ جملة هذه المباحث (يقصد صمود المباحثَ القرآنيّة التي اشتغل بها المسلمون الأوائل كتدوينه وترتيله وفهمه وتفسيره واعجازه ومجازه وبلاغته وإعرابه وغير ذلك من المباحث) ستكون عظيمة الفائدة بالنسبة للتفكير البلاغيّ في مستوى قضاياه الجمليّة، ومسائله الجزئيّة، بحيث نستطيع أن نقول إنّ الجدل الذي قام حول القرآن، وخاصّة شكله كان من الحوافز القويّة التّي دفعت الفكر العربيّ إلى الاشتغال بقضايا اللّغة وبضروب طرقها في التعبير والتركيب”[38]. وكذلك بمسائل خَطَابيّة وبلاغيّة ذات بال كالذي صنعه الجاحظ ممّا ظلّ تتناقله الأجيال وتتدارسه العلماء والطّلاّب والأدباء على مرّ العصور، ففيم تتمثّل لحظة الجاحظ الشّفاهيّة- الكتابيّة؟
3-2- اللّحظة الجاحظيّة :
من رحم اللّحظة السّابقة انبثقت اللّحظة الجاحظيّةُ، بل جلّ اللّحظات المفصليّة في التراث العربي أدبا وفقها وتاريخا ولغة واجتماعا وبلاغة وعقيدة، وما إلى ذلك. بيد أنّ اللّحظة الجاحظيّة – ويعنينا من التراث العربي الأدبَ والبلاغةَ عامّة والشّفاهيّةَ والكتابيّة خاصّة – تُعدّ من بينها اللّحظةَ المفصليّة الرّائدة في الأدب العربي عند كثير من النقّاد، ناهيك أنّ “بيانه وتبيينه” يعتبر أصلا بارزا من أربعة أصول نص عليها ابن خلدون نقلا عن مشائخه كابرا عن كابر لتعلم الأدب العربي وإتقان صنعة الكلام[39]، بل هي أهمّ تلك الأربعة على الإطلاق، ممّا حدا بحمادي صمود في “تفكيره” أن يجعل من لحظة أبي عثمان “حدثا جاحظيّا” هامّا في التراث العربي، وقد أشرنا إلى أهميّة النعت بالحدث.
ومن ثمّ فإنّه لم يجانب الصواب في نظرنا، من زعم أنّه “ثمّة شبه إجماع على أنّ الجاحظ كان “مؤسّسا للبيان العربي”. لذلك يمكن اعتباره مقياسا وحجّة في كون الأساس الذي يقوم عليه الأدب العربيّ، شعرا ونثرا إنما هو في الخطابة: البداهة والارتجال، وما يجري مجراهما“[40] من سياقات الشفاهيّة. فالخطابة في رأي الجاحظ هي خصيصة العرب، هم من برعوا فيها ومن فُتقت قرائحهم بإتقان التلفّظ بها وإحكام الصّنعة في إلقائها. وهذا الشاهد السّابق هامّ بالنسبة إلينا في إيضاح أنّ مقياس البيان هو الخطابة ومقياس الخطابة هو الجاحظ الذي عدّ مصنّفه “البيان والتبيين” منبعا ثرّا للخطابة العربيّة.
وقد تجلّى بيان الجاحظ في أبهى صورة حسب رأينا في الفصول التي عرض فيها للخطابة، حيث تكشّف عنها وعيُه الحادُّ بقواعد الأداء الشفوي من مختلف نواحيه: الإيقاعيّ / التركيبيّ/ الدلاليّ/ البلاغيّ مثلما تطرّقنا إلى ذلك في الرّهان التّداوليّ. هذا إلى جانب أمور أخرى تمُتّ إلى الشّفاهيّة بسبب متين من قبيل: الإشارة والإيماءة والحركة والعصا والعمامة وغيرها ممّا يعدّ من لوازم الخطاب الشفهيّ وأدواته طالما أنّ هذه الأمور تقتضي يقينا وساطة البصر المقتضي ضرورة الحضور في المقام. كما عرض الجاحظ لقضايا كثيرة ومباحث تقع في باب المشافهة ومسائلها كباب اللّسان، وتفضيل النطق على الصمت، ومباحث إشكاليّات المقام الشّفويّ ومصاعبه، على غرار العيّ والحصر والإرتاج وعيوب النطق، بل قد أورد فصولا فيمن اُرتجّ عليه من الخطباء كعثمان بن عفّان إبّان تولّيه خلافة المسلمين وما وقع لبعضهم من إكراهات الجمع بين الفعل الخطبي والمقام الشفهي.
وفي مقابل ذلك اعتنى الجاحظ بالكتابة وقضاياها كالخط وضروب التأليف والكتابة وما يعتورهما من تصحيف وتحريف، وقارن بين القلم واللّسان مبرزا فضل الأوّل وأهميّته في الثقافة العربيّة الإسلاميّة من غير أن يغمط حقّ الثاني أو أن يقلّل من شأنه، فكل هذا وغيره يبرز وعيا حادّا لدى الجاحظ بضربين هامّين من ضروب الثقافة العربيّة وهما الشفاهيّة والكتابيّة اللّذان نحن منهما بسبيل، وبعلاقة كلّ واحد منهما بالّآخر وتأثيره فيه. ولقد مرّ بنا انتباه الجاحظ، وغيره من أعلام الثقافة العربيّة كالتوحيدي وابن رضوان وغيرهما[41]، إلى خطر هذه الثنائيّة وحيويّتها وقوّة تأثيرها في النمط الثقافيّ المتحوّل آنذاك من الشفاهيّة إلى الكتابيّة والذي فرض نفسه على نواحي الحياة عامّة وعلى الفكر والأدب خاصّة. وهو ما جعل هؤلاء الأعلام يسعون في محاولة حثيثة بوعي ودراية وتبصّر إلى إيجاد نوع من التوازن مبنيّ على تفهّم الحاجة إلى كلّ منهما دون الانحياز إلى واحد على حساب الآخر.
ومن نافلة القول أن نعلم أنّ عصر الجاحظ غادر مجمله زمن البداهة والارتجال إلاّ قليلا ظلّ مبثوثا في البوادي والقرى. ولم تعد السليقة العربيّة مواتية عفوا كالسّابق، ولم تعد أغلبيّتها تنطق طبعا وفطرة لاختلاطهم بالأعاجم، وترجمة أدبيّاتها إلى العربيّة لا سيّما تراث اليونان واحتكاكهم به وانبهارهم، إلاّ من أخذ نفسه بمصاحبة الأعراب واتّباعِ خُلّص البدو في محاوراتهم ومجالسهم وأنديتهم. وصارت الكتابة تبعا لذلك بدلا عن الشّفاهيّة الوسيلة الجُلّى للمعرفة والأدب والعلم، منذ مطلع القرن الثّالث فتنافس العلماء في التأليف والتصنيف.
بيد أنّه وبالتّوازي مع ما ذكر من اِزدهار الكتابة وذيوعها، ازدهر أيضا السّجال الفقهيّ في ذلك العصر أيضا وكثرت المناظرات الكلاميّة وازداد الجدل فِي مسائل العقيدة وتنامت المشادّات في شتّى أنواع العلوم، بالإضافة إلى تواصل الاحتفاء بالخطابة الإسلاميّة سواء الجمعيّة أو الوعظيّة أو السياسيّة، كلّ ذلك قد أبقى الحاجة مستمرّة إلى التّمرّس بمقتضيات المقام وحذق التعبير الشّفهيّ وإتقان الارتجال. وهو ما حفظ للظّاهرة الشّفاهيّة شيئا من ماء وجهها، يقول أحد الباحثين: “عاش الجاحظ في زمن صاخب بالجدل والمساجلات والنظر والمقابسات، حيث ولدت الجماعات والمدارس والاتجاهات الفكريّة المتباينة التّي كانت تتصارع في ما بينها على تداول الأفكار التّي من شأنها حسم القضايا المرتبطة بالخلافة، والسلطة، والنص القرآني، والمعارف الوافدة”[42].
ولقد كان لهذه البيئة السّاخنة والجدل المسترسل دور حاسم في نقل الثقافة العربيّة إلى مناحٍ جديدة في التفكير وطرق في النظر ومناقشات عميقة لم يسبق لها مثيل. فكانت الحاجة إلى البلاغتين معا بلاغةِ اللّسان وبلاغةِ القلم. ومن هذا المنطلق عرف الكلامان سويّا الشفويُّ والكتابيُّ بصفة أخص وأبرز تطورا ملحوظا في عصر الجاحظ في محاولة للاستجابة لتحدّيات العصر المستجدّة.
ولو عدنا إلى ترجمة أبي عثمان في كتاب أدبيّ “كمعجم الأدباء” لياقوت الحموي مثلا محاولين تفحّص شخصيّة الرجل من منظور الشفاهيّة، لألفيناها داخلة في صميم تكوينه مؤثّرة في تآليفه، إذ اِعتمد الجاحظ في تعلّمه المشافهة والسماع فكان يسمع في البصرة من “أبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش أبي الحسن وكان صديقه، وأخذ الكلام عن النظّام (وكلّ ذلك مشافهة). كما تلقّف الفصاحة من العرب شفاها بالمربد”[43]. ولخبرته الكبيرة بالسماع نجد الجاحظ لا ينفكّ يروي من سماعه وحفظه في كتبه ويستعمل في ذلك الأسانيد في الرّواية الشّفهيّة على طريقة المحدّثين والرواة.
وأمّا من الزاوية الكتابيّة فقد اشتهرت مصاحبةُ “الجاحظ” للكتب وحرصه الشديد على ملازمتها ودعوته المطّردة إلى القراءة وذكره المستفيض لفضل الكتاب[44] والكتابة في تضاعيف كتبه. وهذا النهم للقراءة والعشق للكتاب والكتابة هو الذّي جعل من أبي عثمان موسوعيّا، ومن مؤلّفاته أشبه بـ”دوائر معارف” على حدّ تعبير شوقي. وربما موسوعيّته هذه هي التي تفسر ظاهرة الاستطراد المطّردة في مصنّفاته التّي عابه عليها بعضهم. بل وكانت هي السّببَ فيما يروى في موته، حيث توفّى الأجلُ هذا الجهبذ وهو في المكتبة بصدد المطالعة حين سقطت عليه كتب ودواوين كثيرة.
ويذكر “الجاحظ” أهمّيّة القلم والكتابة عموما فيقول: ” فممّا ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه من فضيلة الخطّ والإنعام بمنافع الكتاب قوله لنبيّه عليه السّلام: “اَقْرَأْ وَ َبُّكَ الأَكْرَمُ الذِي عَلَّمَ بالقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ ما لَمْ يَعْلَمْ”. وأقسم به في كتابه المنزّل على نبيّه المرسل حيث قال الله تعالى: “ن والقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ”، ولذلك قالوا: القلم أحد اللّسانين، كما قالوا: قلّة العيال أحد اليسارين. وقالوا: القلم أبقى أثرا واللّسان أكثر هذرا. وقال عبد الرّحمان بن كيسان: استعمال القلم أجدر أن يحضّ الذّهن على تصحيح الكتاب، من استعمال اللّسان على تصحيح الكلام” [45]
واسترسالا مع فضيلة الخط الذي به تحصل الكتابة وفائدته، “وإيضاحا لأبعاد هذه العمليّة الاتّصاليّة التي ترتكز على اللّغة المنطوقة والمكتوبة وعلى وسائل أخرى”[46] يقسّم الجاحظ الحواس الخمس مبيّنا أدوارها وعلاقتَها بأصناف الدّلالة الخمسة السّالفة وبمستعمليها ووظائفَها قائلا: “ثم قسم الله الأقسام ورتّب المحسوسات ، وحصّل الموجودات، فجعل اللّفظ للسامع وجعل الإشارة للناظر، وأشرك الناظر واللامس في معرفة العقد إلا بما فضل الله به نصيب الناظر في ذلك نصيب اللامس. ثمّ جعل الخط دليلا على ما غاب من حوائجه عنه، وسببا موصولا بينه وبين أعوانه، وجعله خازنا لما لا يأمن نسيانه مما قد أحصاه وحفظه وأتقنه وجمعه وتكلّف الإحاطة به، ولم يجعل للشام والذائق نصيبا”[47].
ولا شكّ في أنّ عناية الجاحظ هذه بالكتابة سيكون لها أبلغ الأثر على الثّقافة العربيّة من بعده وإشعاع حضاريّ. فها هو القلقشندي قد أفاض أيضا في بيان فضيلة الكتابة والخط وأهميّته وكلّ ما يتعلّق به وعقد له بابا بعنوان “فيما يحتاج إليه الكاتب من الأمور العلميّة: وهو الخطّ، ومباديه، وصوره، وأشكاله، وما ينخرط في سلك ذلك، وفيه فصلان”[48]، ومن بين أهمّ المباحث المتعلّقة به ذكر أداته وهي القلم. يقول عنه صاحب “صبح الأعشى”: “واعلم أنّ القلم أشرف آلات الكتابة، وغيره من آلات الكتابة أعوان له، وقد قال الله تعالى: ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ، فأقسم به وذلك في غاية الشرف”[49]، ثم استرسل في ذكر فضائله واشتقاقه وصفته وبريه وما إلى ذلك من تفاصيل دقيقة. ولا يخفى أنّ ما ذهب إليه واستدلّ به قريب ممّا قاله الجاحظ فهذا وجه من وجوه تأثير الجاحظ الكبير فيمن بعده.
هكذا كان للشفاهيّة والكتابيّة دور هامّ في تكوين هذا العالم الجهبذ تكوينا جعله متفرّدا متميّزا في الثقافة العربيّة. ساعده في ذلك –وهو من الرعيل الأوّل إذ أدرك نهاية طور المشافهة وبدايات التدوين حيث عاش شطر حياته في القرن الثاني للهجرة- “تلقائيّة التدوين وعفويّة تعامل حضارة الحفظ والذاكرة مع فجر حضارة القلم والصحائف”[50]. فأضحت الثقافة العربيّة الجديدة نسيجا كليّا مادّته الأساسيّة من أصول عربيّة دافع الجاحظ وأترابه عنها، إلى جانب خيوط متداخلة تنتمي إلى ثقافات متنوعة كان للتداخل الحضاريّ وتشابك الأمم بفضل الفتوحات الإسلاميّة من جهة، ولحركة الترجمة للإرث العالميّ: الفارسيّ والهنديّ ولا سيّما اليونانيّ التي نشطت في ذلك العصر من جهة ثانية، الفضل الكبير في وجودها ونمائها[51].
تلك إذن كانت لحظة الجاحظ الفذّة شفاهيّةً وكتابيّةً، وبفضل جهوده تبدّا لنا وجه من وجوه رحلة اللّغة العربيّة من التقليد الشّفاهيّ إلى التقليد الكتابيّ. ثمّ إنّ المعلوم من مجريات الثّقافة عربيّة كانت أو غيرها على مرّ القرون الأخيرة أنّ التّقليد الكتابيّ هو الذي طغا على الثّاني واِستبدّ بالمعرفة وأمسى المعيار الأسمى في إنشاء العلوم ونشرها. فهل من ردّة فعل في العصر الحديث تعيد الاِعتبار إلى هذه الملكة المستضامة التي أزيلت من علياء عرشها الذي طالما تربّعت فوقه بزهو، وسُحب من تحت قدميها سجّاد الوصاية على العلوم والثقافة والتّواصل بين البشر ؟
- الشّفاهيّة والكتابيّة: الرّاهن والآفاق
اتّسع شأن الكتابة وعظم حين تمّ تطوير وسائطها من أقلام ودواة وورق ووسائل طباعة، فتقلّص سلطان الشّفاهيّة وأضحت الكتابة بعد دهر وبتدرّج سرعان ما أمسى ترقّيا محموما الوسيلةَ المثلى لنقل المعارف والآداب وتدوينهما. وذلك لنزوع الناس المستمرّ إلى كل ما هو يسير وعزوفهم المطّرد عن كلّ شاقّ وعسير. ولذا أولاها الكتّاب والعلماء وأصحاب المعاجم وأرباب اللّغة وأئمة النحو والبلاغة والمؤرّخون اهتماما منقطع النظير. فلم تعد العلوم تُتلقّى شفاها إلا النّز اليسير منها، وغدت قيمة العلماء وضروب المعرفة تقاس بالقدرة على التأليف وبحجم الكتب المصنّفة وكثرتها لا بما يلقى من محاضرات. فأفل نجم الشّفاهيّة تدريجيّا أمام سطوع نجم شقيقتها، وهُمّشت حتّى تناسى النّاس أهمّيتها العلميّة أو كادوا، وأمسى الاعتماد المطلق في العلوم على الكتب والكتابة.
فكان أن حدث في العصر الحديث نتيجةً لذلك التّعاظم والتّضخّم ردُّ فعل قويّ لما حصل للشفاهيّة من تدهور في القيمة، وتضعضع في المقام والاعتبار، وضعف في الاستعمال كأداة للعلم والمعرفة، ضدّ الأجيال السّابقة من العلماء والمفكّرين الذين انصبّ جلُّ عنايتهم ومجملُ تصانيفهم على اللّغة المحرّرة المكتوبة[52]، ووصل ردّ الفعل هذا إلى درجة الغلوّ في بعض الأحيان في الاهتمام باللّغة الشفاهيّة المغموطة، والإفراطِ في الاِنتصار لها على حساب الكتابيّة.
ومن هذا المنطلق فقد نادت اللّسانيّات الحديثة بأولويّة اللّغة المنطوقة على اللّغة المكتوبة بل بأفضليّتها لاعتبارات شتّى نذكر شيئا منها يتلخّص في كون الطفل يتكلّم ويتعلم الكلام قبل أن يكتب ويتعلم الكتابة بزمن طويل، وأنّ البشر قد مارسوا الكلام والشفاهيّة قبل الكتابيّة بأحقاب سحيقة. ونضيف هنا أمرين، الأوّل: “يقوم الكلام بوظيفة أعظم وأخطر بكثير من الكتابة في حياتنا، فنحن نُمضي في الكلام وقتا أطول بكثير من الذّي نمضيه في الكتابة أو القراءة”، والثاني: “يمكن تحويل اللّغة المكتوبة إلى كلام دون أيّ بخس أو تقصير، غير أنّ العكس غير صحيح، فإذا كتبنا (ما نقول) خسرنا الكثير من التفاصيل”[53]، فهذه بعض مزايا الشفاهيّة مقارنة بشقيقتها الكتابيّة.
وقد بدأ هذا الاهتمام بالشفاهيّة وردّ الاعتبار يتجلّيان في الأوساط العلميّة منذ بداية القرن المنصرم خاصة من خلال أعمال “ميلمان باري” (Milman Parry) الذي أولى مسألة الشفاهيّة اهتماما محمودا في سنّ مبكّرة من عمره من خلال إنجازه أطروحة الدكتورا سنة 1929 قبل أن يتم عقده الثالث. ويتمثّل طرحه في أنّه أعاد النظر فيما كان مسلّما به في الثّقافة الغربيّة، وأعمل عقله بالبحث والفحص، “ذلك أنه نُظر إلى الإلياذة والأوديسا في التراث الغربيّ بوصفهما قصائد من أعجب ما أبدع الإنسان نموذجا وإلهاما وصدقا.. وقد نجح الباحث الكلاسيكيّ “باري” أكثر من أيّ باحث سابق في تقويض هذه الشوفينيّة الثقافيّة”[54]. وقوي بعد ذلك هذا التوجّه عبر ما قام به رفيقه وتلميذه “ألبرت لورد” (Albert Lord) خاصة بعد إصداره كتابا وسمه بـ “مغنّي الحكايات” Singer of Tales سنة 1960، الذي عُدّ حسب “أونج” إنجيل النظريّة الشفاهيّة. ولنفاسة أعمال الأستاذ باري وتلميذه في هذا المجال يصرّح مترجم شفاهيّة “أونج” “بأنّهما وتلاميذَهما من أرسى دعائم النظريّة الشفاهيّة على مدى ستين سنة”[55].
وقمين بالذكر أن هذا الاهتمام بالشفاهيّة في بداية القرن الماضي وتلك العنايةَ لم يخبُ بريقُهما بل تواصل وازداد إلى عصرنا الحاضر خاصّة في ظلّ الطفرة الهائلة الحاصلة في مختلف وسائل التواصل البشري السمعيّة والبصريّة والإعلاميّة التّي سهّلت نقل الأصوات، ويسّرت نشر الملفوظات في أصقاع الأرض في أيّ لحظة من اللّحظات عن طريق الفضائيّات، أو في أيّ زمن من الأزمنة الممتدّة عبر التسجيلات الصوتيّة والفيديوهات، وصارت لغة المشافهة اليوم ذات وزن وثقل أكثر من أيّ يوم مضى. ومن الجهود التي تذكر من أجل النّهوض بالشّفاهيّة المشروعُ الذي تبنّته جامعة كولومبيا في أمريكا سنة 1948 بعنوان “مشروع التّاريخ الشفهي”. وأنشأ في بريطانيا “بول طومسن” (Paul Tompson) “جمعيّةَ التاريخ الشفوي البريطانيّة” (History Society British Oral) أوائل السبعينات. ثمّ انعقد مؤتمر دولي في بوخارست في رومانيا خلال الفترة ما بين 10 و17 أوت 1980 لمناقشة مسألة الشفاهيّة، ونشرت أعماله في ثلاثة مجلّدات بدعم من اليونسكو، وهو أوّل مؤتمر دولي يتناول النظريّة الشفاهيّة في علاقة مع أختها الكتابيّة، وقد ضمّ علماء أعلاما من مختلف أنحاء العالم.
وعلى غرار هذا المؤتمر انعقد مؤتمر دولي آخر سنة 1987 لطرح الموضوع ذاته أعني الشفاهيّة والكتابيّة برعاية مشتركة من كلّ من برنامج المالوهن في جامعة “تورنتو” والمعهد الدولي للسيميائيّات والدّراسات البنيويّة، وكان أن أخرج ثمرة من ثماره النافعة “ديفيد ر. أولسون”(David R. Olson)، و”نانسي تورانس” (Nancy Torrance)، ممثّلةً في كتاب بعنوان “الكتابيّة والشفاهيّة” (Literacy and Orality) المركز القومي للترجمة بإشراف جابر عصفور بترجمته إلى العربيّة[56] وطبعها سنة 2010. كما أنتج المركز العربي للأبحاث عملا ضخما يتعلّق بالشفاهيّة سنة 2015 في مجلّدين ضخمين، شارك فيه العديدُ من الباحثين من أصقاع الأرض في ورقات هامّة ومتنوعة أربت على السبع والعشرين. وكان عنوان العمل : “التاريخ الشفوي، المجلّد الأوّل: “مقاربات في المفاهيم والمنهج والميزان”، المجلد الثاني: “مقاربات في الحقل الاجتماعي الانثروبولوجي”.
وصفوة القول إنّه بالرغم من أنّ اللّسانيّات الحديثة قد تأخّر توليةُ وجهها شطر العناية باللّغة الشفاهيّة المنطوقة فإنّها قد احتلّت الآن مركز الثّقل في الدّراسات العلميّة المعاصرة بفضل النّهضة الهائلة في الدّراسات الميدانيّة للّهجات والعناية بجمع التراث الشفهيّ ودراسته. وقد عبّر عن هذه الأهميّة للغة المنطوقة وتقدّمها على اللّغة المكتوبة “جون لاينز”(John Lyons) بقوله: “إنّ جميع علماء اللّغة ومعظم الفلاسفة يؤيّدون مشافهةً على الأقلّ مبدأ إعطاء الأولويّة للغة المحكيّة (المنطوقة)”[57]. ونعتقد أنّ ذلك الأقلّ الذّي أشار إليه “لاينز” في قولته السالفة قد تغيّر فانقلب إلى تأييد كبير لا شفاهيّ فحسب بل وكتابيّ أيضا، وذلك عبر دراسات علميّة معمّقة في اللّغة المنطوقة مكتوبة ومطبوعة، وبواسطة أطروحات أكاديميّة مستفيضة في الشفاهيّة منشورة، ومن خلال إقامة ندوات علميّة وملتقيات دوليّة تشتمل على ورقات بحثيّة هامّة تتّصل بهذا المنهج اللّساني أو المدرسة اللّسانيّة الشّفهيّة مثلما ألمعنا إلى ذلك.
خاتمة وأهمّ نتائج البحث
- إدراك مفهومي الكتابيّة والشّفاهيّة لغةً واِصطلاحا
- تبيّن أهميّة اللّغة العربيّة منطوقة ومكتوبة
- ترسّم سمات الشّفاهيّة والكتابيّة في الحضارة العربيّة في الجاهليّة والإسلام
- إدراك ارتحال اللّغة العربيّة من طور الشّفاهيّة قبل الإسلام إلى طور الكتابيّة بداية من اِنطلاق عصر التدوين في منتصف القرن الثّاني للهجرة وتجلّيات هذه النقلة العميقة على الثّقافة العربيّة
- تلمّس أهمّ لحظتين حضاريّتين كان لهما بالغ الأثر في هذا التحوّل الثّقافيّ الجذري، وهما اللحظة القرآنيّة واللّحظة الجاحظيّة
- تبيّن أنّ طغيان الكتابيّة في القرون الأخيرة المتطاولة في مقابلة تهميش الشّفاهيّة وإخراجها عن أن تكون معيارا للعلم أدّى إلى ردّة فعل عكسيّة من اللّسانيّات الحديثة التي سعت بجدّ إلى إعطاء الشّفاهيّة مكانتها المرموقة التي تستحقّ وبناء نظريّة لسانيّة تتّصل بها من خلال إقامة الندوات وعقد المؤتمرات وضخّ الأموال للتشجيع على البحث العلمي في هذا المجال.
قائمة المصادر والمراجع
- باللّسان العربيّ
- القرآن الكريم
- السنّة النبويّة (كتابا البخاري ومسلم)
- إبراهيم (عبد الله) “النثر العربيّ القديم، بحث في ظروف النّشأة وأنظمة البناء”، ، منشورات جامعة السّابع من أبريل، ط 1، 1425 هـ، مبحث “ركائز النظريّة الشّفاهيّة(عند ابن رضوان)”.
- أدونيس (علي)، “الثّابت والمتحوّل بحث في الإبداع والاتّباع عند العرب”، دار العودة، بيروت، 1974.
- أونج (والتر) “الشفاهيّة والكتابيّة”، ترجمة حسن البنا عز الدّين ومراجعة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، العدد 182، الكويت، فيفري 1994
- بن عاشور (الطاهر) ، “التحرير والتنوير من التفسير”، دار سحنون للنشر والتوزيع تونس،(د ط)، 1997.
- بن عياد (مراد) ، “من الوسائط الإجرائيّة في الأدب العربي القديم” ، دار التسفير الفنّي، صفاقس تونس، 2010.
- بلاشير (ريجيس) ، “تاريخ الادب العربي العصر الجاهليّ”، ص 120
- الجاحظ (أبو عثمان)، – “الحيوان“، تح: عبد السلام محمد هارون، مطبعة مصطفى الحلبي وأولاده بمصر، ط 2، 1965.
– “البيان والتبيين“، تح. عبد السلام هارون، دار الجيل بيروت، 1990.
- الحموي (ياقوت) ، “معجم الأدباء –إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب”، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، المغرب، ط 1.
- دو سوسير (فرديناند) ، “دروس في الألسنيّة العامّة”، تعريب : صالح القرمادي، محمد الشاوش، محمد عجينة، الدار العربية للكتاب، تونس، ط 1، 1985
- سرحان (هيثم) ، “الحجاج عند الجاحظ”، بحث في المرجعيّات والنصيات والآليات في المجلة العربيّة للعلوم الإنسانيّة، العدد 115، السنة 29، مجلس النشر العلمي- جامعة الكويت، صيف 2011.
- الشايب (فوزي حسن) ، “محاضرات في اللّسانيّات”، منشورات وزارة الثقافة ، عمان، ط 1، 1999.
- شلق (علي) ، “مراحل تطوّر النثر العربي في نماذجه”، دار العلم للملايين، بيروت-لبنان، ط 1، يناير .
- العبد (محمد) ، “اللّغة المكتوبة واللّغة المنطوقة، بحث في النظريّة” ، دار الفكر، القاهرة ، ط 1، 1990.
- عبيد الله (محمد) ،“الوعي بالشفاهيّة والكتابيّة عند العرب: قراءة في مصنّفات الجاحظ” ، كليّة الآداب والفنون ، جامعة فيلادلفيا ، الأردن، منشور حوليات الآداب والعلوم الاجتماعيّة مارس 2014، رسالة رقم 399.
- عصفور (جابر) ، “القلم واللّسان”، مجلة العربي، الكويت، العدد 435، فبراير،1995 .
- صمود (حمادي) ، “التفكير البلاغي عند العرب”، منشورات الجامعة التونسيّة، تونس، 1981.
- الضبّي (المفضّل) “المفضّليّات” ، تحقيق عبد السلام هارون وأحمد محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، ط 3، 1962.
- القرطبي (أبو عبد الله)، “الجامع لأحكام القرآن”، تحقيق د. حامد أحمد، القاهرة، دار الآفاق العربيّة، ط1، 2010.
- القلقشندي، “صبح الأعشى“، المطبعة الأميريّة بالقاهرة، سنة 1913
- المسدي (عبد السلام)، “قراءات مع الشابي والمتنبي والجاحظ وابن خلدون”، دار سعاد الصباح، القاهرة – الكويت، ط 4، 1993.
- ناصف (مصطفى)، “محاورات مع النثر العربي” ، سلسلة عالم المعرفة، رقم 218، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1997.
- هافلوك (إيريك) ، “المعادلة الشفاهية-الكتابيّة: صيغة للعقل الحديث”، ضمن “الكتابيّة والشفاهيّة”، ديفيد ر. أولسن ونانسي توارانس، تعريب صبري محمّد حسن، ومراجعة حسن البنا عز الدّين.
- باللّسان الأجنبيّ
- David R. Olson and Nancy Torrance, « Literacy and Orality», , Cambridge University Press, 1991
- Dubois Jean et autres, «Dictionnaire de linguistique» librairie « Larousse », Paris Tom 6
- Marcel Cohen et Jérome Peignot, «Histoire et art de l’écriture », Edition Robert Laffont, Paris, 2005
- Sandrine Piaget « Travaux neuchâtelois de linguistique », 2002.
[1] والتصغير كما هو معلوم في كتب النحو “يردّ الشيء إلى أصله”، ولذا عادت لام الكلمة المحذوفة وهي الهاء عند التصغير ، وكذا عند النسبة في قولنا شفهيّ تماما مثلما عودة الواو المحذوفة من يد ودم في النسبة إليهما إذ يقال يدوي ودموي.
[2] هذا حسب رأينا في القديم ، أو عند ابن منظور، إذ لا يخفى اطّراد استعمال شفويّة وشفويّ في العصر الحديث وتواتره . وهو منبئ بأنّ احتمال كون اللام المحذوفة واوا واردٌ، بل لعلّه الأرجح خلافا لابن منظور لاطراد هذا الحذف في كلمات كثيرة كاليد والدم وغيرهما.
[3] ابن منظور، “لسان العرب”، ج 8، ص ص 106- 107.
[4] إيريك هافلوك، “المعادلة الشفاهية-الكتابيّة: صيغة للعقل الحديث”، ضمن “الكتابيّة والشفاهيّة”، ديفيد ر. أولسن ونانسي توارانس، تعريب صبري محمّد حسن، ومراجعة حسن البنا عز الدّين، ص 35.
[5] دو سوسير، “دروس في الألسنيّة العامّة”، ص 276.
[6] الجاحظ، “البيان والتبيين“، تح. عبد السلام هارون، دار الجيل بيروت، 1990، ج 3، ص 28 .
[7] القرآن الكريم، سورة الجمعة / 62، الآية : 2.
[8] وقال القرطبي : “منسوب إلى الأمّة الأميّة التّي هي على أصل ولادة أمّهاتها، لم تتعلم الكتابة ولا القراءة”، “الجامع لأحكام القرآن”، تحقيق د. حامد أحمد، القاهرة، دار الآفاق العربيّة، ط1، 2010، مج 1، ج 2، ص 8.
[9] الطاهر بن عاشور، “التحرير والتنوير من التفسير”،دار سحنون للنشر والتوزيع تونس،(د ط)، 1997، مج 1، ص 573 .
[10] الحديث متّفق عليه من حديث ابن عمر، رواه البخاري ( حديث رقم 1913) ومسلم الحديث (رقم 1080)
[11] مراد بن عياد، “من الوسائط الإجرائيّة في الأدب العربي القديم” ، دار التسفير الفنّي، صفاقس تونس، 2010، مج 1، ص 515 .
[12] ريجيس بلاشير، “تاريخ الادب العربي العصر الجاهليّ”، ص 120
[13] شوقي ضيف، “تاريخ الأدب العربي – العصر الجاهليّ”، ص 141.
[14] أونج، “الشفاهيّة والكتابيّة”، ص 157 .
[15] Ecriture c’est : sens 1 : « Représentation de la pensèe grȃce à des signes visibles » , sens 2 : « Manière personnelle de former des lettres » sens 3 : « Manière de s’exprimer », Voir Dictionnaire Français, la lettre E, (Ecriture(.
[16] Ibidm, « l’écriture est la peinture de la voix » , voltaire
[17] Ibidm, « l’écriture c’est le coeure qui éclate en silence », Christian Bobin
[18] مراد بن عيّاد، “من الوسائط الإجرائيّة”، مج 1، ص 288
[19] م. ن، ص. ن .
[20] م. ن، ص 288 وما بعدها، أو انظر المبحث الشيّق والهامّ كلّه “الشفاهيّ والكتابيّ: مجالان وسائطيّان متقابلان ومتكاملان”، ص ص 287- 293.
[21] م. ن، ص 289 .
[22]القرآن الكريم، السورة 2/ الآية 281.
[23] ورد في هذا المُقيطع من الآية الكريمة الأمرُ بالكتابة للجماعة الحاضرة “فاكتبوه”، وللمفرد الغائب “فليكتب” مرّتين. واُستُعملت من الكتابة صيغةُ اسم الفاعل “كاتبٌ” مرّتين أيضا، وورد منها فعلها المضارع المنصوب بأن في قوله “أن يكتبَ”، فهذه المرات الست المستعمل فيها مشتقات الكتابة في السّطرين الأوّلين من الآية الكريمة !
[24] الجاحظ، “الحيوان“، تح: عبد السلام محمد هارون، مطبعة مصطفى الحلبي وأولاده بمصر، ط 2، 1965، ج 1، ص 69 .
[25] اُنظر “المفضّليّات” للضبّي، تحقيق عبد السلام هارون وأحمد محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، ط 3، 1962.
[26] روجيس بلاشير، “تاريخ الأدب العربي”، ج1، ص 120 .
[27] جابر عصفور، “القلم واللّسان”، مجلة العربي، الكويت، العدد 435، فبراير،1995 .
[28] ورد ذلك عن “ريجيس بلاشير”، في مواضع كثيرة من كتابه: Introduction au Coran, Maisonneuve & Laros, janvier 1995.
[29] حمادي صمود، “التفكير البلاغي عند العرب”، منشورات الجامعة التونسيّة، تونس، 1981 ص 33 .
[30] اُنظر ما ذكره عبد الله صولة في كتابه “الحجاج في القرآن من خلال أهمّ خصائصه الأسلوبيّة”، عن تحدّي القرآن للعرب وتبكيته إيّاهم وما نقله عن الجاحظ في هذا الصّدد عند تعليقه على فريق اعتبر القرآن “منبع الإعجاز ومناطه. فعند هؤلاء أنّ بلاغة القرآن فاقت بلاغة العرب وهم من هم حسن بلاغة وروعة بيان، فبذلك هو أعجزهم” ص 610 وما بعدها.
[31] حمادي صمود، “التفكير البلاغي عند العرب”،، ص 34.
[32] القلقشندي، “صبح الأعشى“، ج 1 ص 36
[33] وهي :الألفاظ + الخط + القلم + الغرض.
[34] م. ن، ص. ن
[35] أدونيس، “الثّابت والمتحوّل بحث في الإبداع والاتّباع عند العرب”، دار العودة، بيروت، 1974، ج 3، ص 23.
[36] م. ن، ص. ن.
[37] نعم فقد “جاء القرآن منجّما في سور قصار، يسيطر على إيقاعها السجع الذي ليس سجع الكهّان، ولا تقطيع أصحاب الخطب والوصايا.. وتحوم حول بنائه المحكم ملاطف الشعر وملاحن الإنشاد. وربّما أرعد وأبرق فأشبه غضبات الأجواء، وهدر وزمجر فذكّر بالسّوافي والأعاصير، وقد يزهر ويثمر ويتهدّل غصون بيلسان، ورفيف أقحوان، ويتخلّى عن الوعيد إلى المواعيد، فإذا بهمس رقيق من بحّة حبيب، ومن عندلة حلوة من جنّة.. قالوه شعرا وقاله قرآنا، وحسبوه كهانة وأعلنه وحيا..” علي شلق، “مراحل تطوّر النثر العربي في نماذجه”، دار العلم للملايين، بيروت-لبنان، ط 1، يناير 1991، ج 1، ص 142.
[38] حمادي صمود، “التفكير البلاغي عند العرب”، ص 44.
[39] يقول ابن خلدون: “وسمعنا من شيوخنا في مجالس التّعليم أنّ أصول فنّ الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي: كتاب الكامل للمبرّد، وأدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النّوادر لأبي علي القالي البغدادي. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروعها”، المقدّمة، ص 400.
[40] أدونيس، “الثّابت والمتحوّل بحث في الإبداع والاتّباع عند العرب”، ج 3، ص 132.
[41] حول تنظير اِبن رضوان لأصول الشفاهيّة في التصوّر العربيّ بالإمكان الرّجوع إلى كتاب: “النثر العربيّ القديم، بحث في ظروف النّشأة وأنظمة البناء”، تأليف: عبد الله إبراهيم، منشورات جامعة السّابع من أبريل، ط 1، 1425 هـ، مبحث “ركائز النظريّة الشّفاهيّة(عند ابن رضوان)”، ص ص 35-45.
[42] هيثم سرحان، “الحجاج عند الجاحظ”، بحث في المرجعيّات والنصيات والآليات في المجلة العربيّة للعلوم الإنسانيّة، العدد 115، السنة 29، مجلس النشر العلمي- جامعة الكويت، صيف 2011، ص 56.
[43] ياقوت الحموي، “معجم الأدباء –إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب”، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي ، المغرب، ط 1، 1993، ج 5/ ص 2101-2102، (ترجمة رقم 872).
[44] ولنأخذ مثالا على ذلك من كتابه “الحيوان”، ج 1، ص38. نصّا لقيمته العلمية والأدبيّة أُدرج في كتاب الثامنة أساسيّا في البرنامج الدّراسيّ التونسيّ بعنوان “الكتاب”، بيّن فيه الجاحظ بإطناب أهميّة الكتاب وفضائله ممّا لا مزيد عليه، يقول في مفتتحه:” الكتاب نعم الذخر والعقدة، ونعم الجليس والعدّة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم القرين والدّخيل، والوزير والنّزيل. وعاء مُلئ علما وظرف حُشي ظرفا، إن شئت كان أبين من سحبان وائل..” وهو خطيب العرب قاطبة، إلى الآخر ما قال في فضل الكتاب وشرفه فليُنظر ثَمّ . وحسبنا هنا أن نورد ما رواه صاحب “معجم الأدباء” في بيان ما للكتابيّة، كتبا كانت أو مطالعة لها، أو مكتبة أو غيرها، من أثر في تكوين الجاحظ الكتابيّ حيث يحدّث عن أبي هفّان : “لم أر قطّ ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ !، فإنّه لم يقع بيده كتاب قطّ إلاّ استوفى قراءته كائنا ما كان حتّى إنّه كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبت فيها للنظر”، اُنظر ياقوت الحمويّ “معجم الأدباء”، ج5، ص ص 2101-2102
[45] م. ن، ص 79.
[46] محمد عبيد الله ،“الوعي بالشفاهيّة والكتابيّة عند العرب: قراءة في مصنّفات الجاحظ” ، كليّة الآداب والفنون ، جامعة فيلادلفيا ، الأردن، منشور حوليات الآداب والعلوم الاجتماعيّة مارس 2014، رسالة رقم 399، ص 16.
[47] الجاحظ، “الحيوان”، ج 1، ص45. وقريبا ممّا قال الجاحظ في سياق تأمّلاته الفلسفيّة العميقة في الشفاهيّة و الكتابيّة وعلاقتها بالحواس يقول أونج بعدد 1150 سنة ! في تلك التأملات نفسها: “فلعلّ من نافلة القول أنّ اللغة ظاهرة شفاهيّة وقد نرى الكائنات البشريّة تتواصل بطرق شتى، مستخدمة كل حواسها: اللّمس، الذوق، الشمّ والبصر بصفة خاصّة وكذلك السمع وبعض طرق التواصل غير الشفاهيّة غنيّة للغاية كالتعبيرات الجسمانيّة مثلا، غير أنّ اللّغة أو الصوت المنطوق هي وسيلة الاتصال المثلى”. (انظر والتر أونج، “الشفاهيّة والكتابيّة” ص 53).
[48] القلقشندي، “صبح الأعشى“، ج 2، ص ص 430-477.
[49] م. ن، ج 2، ص 432
[50] عبد السلام المسدي، “قراءات مع الشابي والمتنبي والجاحظ وابن خلدون”، دار سعاد الصباح، القاهرة – الكويت، ط 4 ، 1993، ص 107.
[51] ويعنّ لنا أن لا نختم هذا المبحث الجاحظيّ دون أن نذكر ملاحظة طريفة لمصطفى ناصف تتعلّق بكيفيّة جمع الجاحظ بين الشفاهيّة والكتابيّة، أو بالأحرى بأصالتهما في تفكيره، من خلال أهمّ كتابين له. وهي أنّ أبا عثمان بدا في البيان والتبيين شفاهيّا، وفي الحيوان كتابيّا، يقول: “ففي الكتاب الثاني خرج الجاحظ من دنيا السمع والسّامعين (التي كان منغمسا فيها في “البيان والتبيين” بسبب إطنابه في ذكر الخطب وجميع ما يتعلّق بها) إلى دنيا القراءة والقراء… لا غرابة إذا قلنا إنّ كتاب الحيوان تأصيل للقراءة أو للبيان الجديد، الذي يُقرأ أكثر ممّا يُسمع “، انظر مصطفى ناصف، “محاورات مع النثر العربي” ، سلسلة عالم المعرفة، رقم 218، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت، 1997، ص 56. وانظر كذلك “،“الوعي بالشفاهيّة والكتابيّة عند العرب: قراءة في مصنّفات الجاحظ“، محمد عبيد الله ص ص 58 -59.
[52] تقول الباحثة “سندرين بياجي” (Sandrine Piaget) في هذا الصدد :
« Pendant de nombreux siècles, l’écrit était considéré comme l’aspect le plus important de la langue. C’était dans l’écrit que l’on trouvait toute la littérature, c’était les textes écrits qui établissaient les normes grammaticales. Cependant, au début de ce siècle, les structuralistes mirent l’accent sur l’aspect oral de la langue »Travaux neuchâtelois de linguistique, 2002, p 36
[53] فوزي حسن الشايب، “محاضرات في اللّسانيّات”، منشورات وزارة الثقافة ، عمان، ط 1، 1999، ص 27.
[54] والترج. أونج، “الشفاهيّة والكتابيّة”، ص 20.
[55] والترج. أونج، “الشفاهيّة والكتابيّة”، المقدمة ص 15، ويضيف ّإضافة هامة تتصل بعملنا في حال شفاهيّة الخطابة الجاهليّة وتشاكله: “وكان العمل السابق على عمل باري قد أرهص بعمله على نحو غامض من حيث إنّ الإطراء العامّ للقصائد الهومريّة كان غالبا مصحوبا بشيء من الشعور بالقلق. فغالبا ما شعر الباحثون بأنّ هذه القصائد منحولة“، والشّعور نفسُه رافق باحثين عرب قدامى ومعاصرين حول القصائد الجاهليّة والخطابة أو بعبارة أخرى حول الشعر والنثر جميعا، وسيأتي تفصيل ذلك.
[56] « Literacy and Orality » edited by David R. Olson and Nancy Torrance, Cambridge University Press, 1991. Published by the Press of the University of Cambridge.
[57] محمد العبد، “اللّغة المكتوبة واللّغة المنطوقة، بحث في النظريّة” ، دار الفكر، القاهرة ، ط 1، 1990، ص 51.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)