آليات التماسك النصي في منفرجة ابن النحوي

د. فوزية دندوقة

جامعة  بسكرة، الجزائر

الملخص:

يأتي هذا المقال للبحث عن الأدوات الشكلية والدلالية التي تعاضدت لتحقق للقصيدة المنفرجة تماسكها، وكشفا عن العلاقات أو الأدوات الشكلية والدلالية التي تسهم في الربط بين عناصر النص الداخلية والخارجية، فالتماسك النصي يهتم بالعلاقات الموجودة بين أجزاء الجملة، وبين الجملة والجملة، بالتركيز على كيفية تركيب النص كصرح دلالي متميز عما ليس بنص، وذلك اعتمادا على منهج التحليل اللساني النصي الذي يميز النص من اللانص.

الكلمات المفتاحية: نص- تماسك- انسجام- سياق- معنى.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

  1. مقدمة:

تعددت المقاربات النصية من حيث المنهجية واتفقت من حيث الغرض، فجميعها إنما يدرس النص لإثبات نصيته، باحتِوائه على معايير النَّصِّيَّة التي وضعها روبرت دي بوجراند (Robert de Beaugrande)، وهي: السبك والحبك والقصد والمقبولية والإعلام، والمقاميَّة، والتناصّ (دي بوجراند، 1998، صفحة 103)، أما اختلافها فكان في طريقة البحث عن هذه المعايير وكيفية تصنيفها، وسيكون معتمدنا في هذا البحث على المخطط الآتي، تبسيطا للتحليل النصي، وانتهاجا لخطة واضحة، لا إيمانا بنجاعة هذه العناصر دون غيرها.

                           التماسك الخارجي                         التماسك الداخلي

                             – السياق                       التماسك الشكلي  التماسك الدلالي

                             – موقف المتلقي (المقبولية)         – العطف     – وحدة الموضوع

                              – الإحالة الخارجية                – التكرار      – العلاقات الدلالية

                                                                               – الإحالة الداخلية

 Bas du formulaire

  1. الدراسات السابقة:

نالت قصيدة المنفرجة شهرة واسعة وأهمية كبيرة عند مختلف العلماء والدارسين، مما جعل المترجمين ينقلونها إلى عدة لغات أجنبية كالتركية والفارسية، وجعل العلماء يعكفون على شرحها، وتوضيح ما استغلق من ألفاظها، كما جعل الباحثين يتفرغون لدرسها وتحليلها، ومن بين من تناولها بالبحث والدراسة د.محمد زمري في مقاله الموسوم بـ “المنفرجة- دراسة تحليلية” حيث قدم “بحثا في بنية النص وتشكيله الفني، كشفا للعلاقات الثنائية فيه وإبرازا لدلالاته ومضامينه، إضافة إلى الخيال ومستويات الصورة، اعتمادا على منهج وصفي تحليلي. (محمد زمري، 2004، صفحة 22 وما بعدها)

ووفق المنهج نفسه تناول د. عبد القادر قهلوز في مقاله الموسوم بـ “قصيدة  المنفرجة لابن النحوي دراسة وصفية تحليلية” المنفرجة بالوصف والتحليل للإبانة عن معنى اسمها،  وسرْد ما عرفت به من أسام أخر، وشرح موضوعها وسبب نظمها، وسر شهرتها،  وآراء العلماء فيها وفي ناظمها، وأشهر شروحها. (عبد القادر قهلوز، 2018، صفحة 519 وما بعدها)

فيما اختلف الباحثان عبد القادر لصهب، ومحمد درق في دراستهما للمنفرجة اختلافا واسعا عما سبقهما من حيث الهدف، فإذا سعى الأوَّلان إلى وصف النص، فقد سعى الأخيران إلى بيان أثره على حركية الثقافة العربية، لذلك جاء عملهما موسوما بـ “أثر قصيدة الـمنفرجة لابن النحوي في الحركية الثقافية العربية. (لصهب، ودرق، 2018، صفحة 10 ما بعدها)

كما كشف الباحث بعلي عبد الرزاق في مقال وسمه بـ” بلاغة الإيقاع الشعري في قصيدة المنفرجة”، عن دور الإيقاع في تبليغ رسالة الشاعر، وتعزيز معنى القصيدة، وحمله إلى المتلقي في صورة سمعية موحية. (بعلي عبد الرزاق، 2020، صفحة 117 وما بعدها).

وبهذا العرض البسيط لأهم الدراسات السابقة يبدو اختلاف دراستنا عما سبقها واضحا، من حيث المنهج والهدف، حيث اعتمدت جميعها على المنهج الوصفي، وكان اعتمادنا على منهج التحليل اللساني النصي الذي يكشف عن آليات التماسك، لأن هدفنا من البحث هو بيان مدى اتساق المنفرجة وانسجامها، وترابط جميع أجزائها.

  1. ما هي المنفرجة، ومن ناظمها؟

قبل الشروع في بحث معايير النصية المذكورة يجدر بنا الوقوف سريعا عند مدونة الدراسة، للإجابة عن هذا السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان، ويَعِنّ بالخواطر كلما ذُكر اسم المنفرجة.

المنفرجة قصيدة من أربعين بيتا، عرفت بهذا الاسم في أوساط المتصوفة، فلاقت عندهم قبولا واسعا، قال ابن عبد الملك (ت703هـ) إنها “قصيدةٌ مشهورةٌ، كثيرةُ الوجود بأيدِي الناس، ولمْ يزالوا يَتَوَاصَوْنَ بحفظِها، ويتجافون عمَّا حواه معظمها مِنْ حوشيّ لفظها” (ابن عبد الملك، 2012، صفحة 356)، وقال عنها أبو العباس النقاوسي (ت 810ه) ـبأنها قصيدة قد شَهِدَتْ لصاحبها بجوْدَةِ الشِّعْرِ وإتْقانِه، واستعمال أساليبِ البلاغةِ بلَا تكلّف؛ بلْ بمقتضى السَّليقَة، وجودة الطبيعةِ (النقاوسي، 2016، صفحة 41).

 أما ناظم القصيدة فهو يوسف بن محمد بن يوسف، أبو الفضل، المعروف بابن النحوي التوزري نسبة إلى توزر مسقط رأسه جنوب تونس، ولد سنة (433هـ)، وتوفي سنة (513هـ) في قلعة حماد بالمسيلة (الجزائر) (ابن عبد الملك، 2012، صفحة 356).

كان متقدما بالمعرفة في علم الكلام، وأصول الفقه، يميل إلى النظر والاجتهاد، ولا يرى التقليد، وكان ذا فضل، سباقا إليه، يهتدي بهدي السلف الصالح، ذا حظ من الأدب وقرض الشعر، كل كلامه جزل، عويص على الفهم، عسير على الإفادة، نظم قصيدته التي قيل إنها أطول وأجود شعره إثر ضائقة لحقته، فاشتهرت باسم المنفرجة، كما تسمى أيضا أم الفرج (ابن عبد الملك، 2012، صفحة 154).

  1. التماسك الخارجي:

وهو ما يمتلكه النص من صلة وثيقة بعالمه الخارجي، صلةٌ تضع المتلقي في قلب التجربة الإبداعية، دون عزله عن واقع هذه التجربة أو خلفياتها، كما فعلت  البنيوية، فعلى الرغم من أهميتها في تحديد خصائص الخطاب إلا أنها قد حملت في طياتها بذور فنائها بسبب هذا العزل الذي فرضته على النصوص، فالمؤلف بالنسبة لها ميت يوم يولد نصه، فضلا عن ذلك فقد أقصت كل الظروف الاجتماعية وكل العناصر الخارجية التي يكون النص من دونها غامضا، ولا معنى له.

أ. السياق:

لعل أهم العناصر المحققة للتماسك الخارجي السياقُ الذي صار محط اهتمام علماء اللغة على اختلاف تخصصاتهم، فهو ملازم للمعنى، به يتضح وينكشف ويزول الغموض، وذلك أمر لا مناص منه، لأن اللغة وليدة المجتمع (الفقي، 2000، صفحة 105، 106)، وفي ظل هذه العلاقة الترابطية الوثيقة بين النص والسياق لم يعد مستساغا البتة دراسة أي نص من النصوص بمعزل عن سياقه.

      وإذا نظرنا في تصنيفات العلماء والباحثين للسياق وجدناها كثيرة ومتعددة، منها مثلا ما ذهب إليه  فان ديك (Van Dyke) من أن السياق نوعان؛ سياق تداولي، وسياق إدراكي معرفي، والسياق التداولي هو النظر إلى النص (كفعل كلامي) والبحث في الوظيفة التي ينجزها، فهو يعتمد على تأويل النص باعتباره فعلا للغة أو متتالية من أفعال اللغة كالوعود والتهديدات والتأكيدات، ويتكون هذا السياق من كل العوامل النفسية والاجتماعية (فان ديك، (د ت)، صفحة 67)، ونلمح مثل هذا السياق في قول ابن النحوي (المتدارك) (السبكي، (د ت)، صفحة 8/56): اشتَدَّي  أزمَـةُ   تَنـفَرِجي  قَــد آذَنَ لَيلـُكِ بِالبَلَـــجِ


يسعى الناظم من خلال هذا البيت إلى تحقيق وظيفة تداولية ينتقل فيها القارئ من ساعة الضيق إلى ساعة الفرج، لهذا يقول آمرا: اشتدي أزمة تنفرجي، إنه فعل إنجازيّ يسعى المتلفظ من خلاله إلى تحقيق معنى إضافيّ يختبئ خلف المعنى الأصليّ، وثمة مكمن تأثيره، لما يحدثه من أثر على المتلقي الذي يجد نفسه منساقا إلى الاقتناع.

       تتطلب هذه الأفعال كما يقول فان ديك تخصيصا من خلال مجموعة المعرفة التي تشترط تحقق ثلاث فئات متمثلة في معرفة العالم الذي تؤول فيه العبارة، ومعرفة المقامات المتنوعة للسياقات، ومعرفة اللغة المستعملة، إذ بدون هذه المعرفة لا يجوز معاملة العبارة معاملة لفظية، ولا يجوز إنتاجها أو تأويلها (فان ديك، 2000، صفحة 261، 262)، والسياق في حقيقة الأمر حاضر في كل المعايير، به تتضح، ومن دونه تصبح غامضة مبهمة.

ب. المقبولية:

لما كان موقف المتلقي من النص قبولاً أو رفضا أحد معايير النصية عند دي بوجراند، فإننا نستطيع الانطلاق في تحليلنا لقصيدة المنفرجة – بعد الذي ذكرنا لها من المكانة والأهمية عند الناس- من الحكم عليها بالنصية، فقد انشغلت الأذهان بها قراءة وحفظا وشرحا، بل تجاوز الأمر ذلك إلى اتخاذها نصا للدرس والتحليل في أوساط الباحثين والدارسين.

 وحُكمُنا عليها بالنصية استنادا إلى تلك المكانة إنما تعضده مكانة المتلقي في الدراسات النقدية الحديثة، فهو عادة لا يقبل النص إلا إذا توافرت له شروط السَبْك والالتحام (دي بوجراند، 1998، صفحة 104)، ثم إنه لم يعد في لسانيات النص مجرد قارئ، أو مجرد مستهلك سلبي، بل هو ركن أساسي من أركان التحليل النصي؛ لأنه يمثل القراءة الثانية للنص، نظرا للمشاركة التي من شأنه أن يقدمها إسهاما في عملية التأليف، وكشفا عن مكنونات الكتابة (الفقي، 2000، صفحة 1/110).

ج. الإحالة الخارجية:

إن المادة اللغوية للفظة إحالة باتفاق معاجم اللغة العربية داله على الانتقال، ففي القاموس المحيط: “أحال عينه وحوَّلها: صيَّرها حولاءَ” (الفيروزآبادي، 2005، صفحة 990)؛ أي نقلها من حالة إلى حالة، ونلمس معنى النقل في الإحالة اصطلاحا عندما نعرف أنها انتقال دلالي في النص وبين جنباته، من خلال أدواتٍ تضمن للكاتب/ القارئ الانتقال تقدما أو تأخرا، دون أن تختل موازين الكتابة/القراءة.

وعلى هذا فالإحالة في الاصطلاح: “علاقة دلالية لا تخضع لقيود نحوية، بل تخضع لقيد دلالي، وهو “وجوب تطابق الخصائص الدلالية بين العنصر المحيل والعنصر المحال عليه” (خطابي، 1991، صفحة 17)، ولهذه الأداة النصية وظيفة مهمة في تحقيق التماسك النصي من خلال الاستمرارية التي توفرها للنص، باستعمال عناصر إشارية خاصة تغني عن الذكر، أو إعادة الذكر، ونظرا لأهمية الإحالة في الدراسات النصية نجد  من الدارسين من يتوقف عندها دون غيرها من الأدوات في بحثه عن تماسك نص ما.

تتم الإحالة بمجموعة من الأدوات النحوية أهمها الضمائر والإشارة، وقد كثرت هذه الأدوات في القصيدة المنفرجة، ومن نماذجها قول ابن النحوي (السبكي، (د ت)، صفحة 58):

فَكُـنِ المَرضِيَّ لَهَـا بِتُقىً         تَرضَــاهُ غَداً وَتَكُونُ نَجِى
واتلُ القُـرآنَ بِقَلـــــــبٍ ذِي         حَـزَنٍ وَبِصَوتٍ فيهِ  شَجِي

وَصَـلاةُ   اللَّيلِ مَسافَتُهـا       فـاذهَب فِيهَا بِالفَهـمِ  وَجِي
وَتَأَمَّلـــــــــــهــا   وَمَعانِيهَــا           تأتِ  الفَــردَوسَ  وَتَنفَرجِ

وَاشـرَب   تَسنيـمَ  مَفُجَّرِها        لا مُمتزِجــــــــــاً  وَبممتــزِجِ

 

كن
ترضاه
تكون
تأت
اشرب

 

                                   أنت

اتل
اذهب
تأملها

 

ففي الأبيات مجموعة من الأفعال التي أضمر فاعلها، ولولا وضع النَّصِّ في إطاره السياقي لما استطعنا تحديد مرجعية معينة لهذا الضمير الفاعل، أو إزالة غموضه وإبهامه؛ لأنه ضمير يعود على عنصر ماثل خارج البنية اللغوية، وهو المتلقي الذي قصد بالخطاب، وتوجه له الناظم بالأمر قائلا: كن، اشرب، اذهب…

تتضح نصية الضمير أيضا في قوله أيضا (السبكي، (د ت)، صفحة 58):

فإذا كُنتَ المِــقدَامُ  فَـلا   تجزَع في الحَربِ مِنَ الرَّهَج
وَإِذا أَبصَـرت مَنَـــــــار َهُدىً         فاظهَــــــــــر فَـرداً فَوقَ الثَّبَجِ

حيث يستعمل ابن النحوي الضمير (أنت)، مع مجموعة كبيرة من الأفعال كالآتي:

 – كنت

أنت

         – لا تجزع

         – أبصرت

         – اظهر

فالضَّمير عنصر إحالي بارز لما يحققه للنص من تَّماسُك وترابُط من خلال علاقته بما يُحيل أو يشير إليه؛ ومن خلال العلاقة التي يخلقها بين الأفعال المذكورة، التي استغنت رغم دلالة الخطاب فيها عن مخاطب،  جريانا على كلام العرب، وتجنبا للتكرار المستهجن.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

  1. التماسك الداخلي: ويشمل كما بينا في المخطط السابق التماسكين الشكلي والدلالي.

أ. التماسك الشكلي: وهو السبك الحاصل على المستوى اللفظي للنص، محققا اتساقه وترابطه في البنية السطحية،  ويحصل ترابط الجمل في النص بعضها مع بعض بوسائل لغوية معينة (شحدة فارع، 2000، صفحة 201)، تجعل النص نسيجا متسق الأجزاء، وهذه الوسائل هي العطف والتكرار، والحذف، وعلى الرغم من أن العطف مثلا من الوسائل المشتركة بين نوعي التماسك، إلا أننا نكتفي بدراسة بعض نماذجه في هذا النوع حصرا للدراسة لا أكثر، وتركيزا على الأهم منها.

يتحقق العطف في العربية بمجموعه من الحروف تربط اللاحق مع السابق في صورة متناهية التنظيم والانسجام، وقد ورد هذا النوع من الربط في قول ابن النحوي (السبكي، (د ت)، صفحة 58):

فإذا كُنتَ المِــقدَامُ  فَـلا   تجزَع في الحَربِ مِنَ الرَّهَج
وَإِذا أَبصَـرت مَنَـار َهُدىً فاظهــــــــر فَـرداً فَوقَ الثَّبَجِ

يستعمل الناظم الواو والفاء للربط، مستفيدا من دلالة كل منهما، فالواو في العربية لمطلق الجمع، أما الفاء فتفيد الترتيب، وهو هنا يوظف الأداتين ليربط بالواو بين جملتي الشرط (إذا كنت المقدام فلا تجزع)، (إذا أبصرت منار هدى فاظهر)، ويربط بالفاء في كل جملة من الجملتين بين صفتين (الإقدام، الجزع)، (إبصار المنار، الظهور فردا)، تحقيقا لمعنى الترتيب بينهما، فإذا حصلت للمتلقي الصفة الأولى أصبح من الضروري أن يتصف بالصفة الثانية، فإن كان مقداما لن يجزع، وإن أبصر منارا للهدى ظهر فردا  فَوقَ الثَّبَجِ (البصروي، 2013، صفحة 99)..

ومثل هذا الاستعمال في قصيدة المنفرجة كثير، ووظيفته النصية بارزة واضحة، حيث إن الناظم يستفيد من الأداتين في الانتقال السلس من عنصر لغوي إلى آخر، فيرتبط اللاحق بالسابق وفق درجات من الاعتماد الذي “يتحقق في شبكة هرمية ومتداخلة من الأنواع” (سعد مصلوح، 2016، صفحة 154) تبدأ بالجملة، وتنتهي عند النص كنسيج متلاحم الخيوط.

أما التكرار: فهو أسلوب من الأساليب التعبيرية التي تقوي المعاني، وتعمق الدلالات، وترفع من القيمة الفنية للنصوص، بما تضفيه عليها من أبعاد دلالية وموسيقية متميزة، فتحقق التماسك النصي عن طريق امتداد عنصر ما من بداية النص حتى آخره، فتنتعش ذاكرة المتلقي، مع كل عملية ذكر، ويصنع بينها  وبين النسيان حاجز متين.

وهو من سنن العرب تريد به الإبلاغ بحسب العناية بالأمر، أما تكرير الأنباء والقصص في كتاب الله عز وجل فأصح ما يقال فيه أن الله جل ثناؤه جعل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثله، ثم بيَّن أمر عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع متعددة إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأي نظم جاء، وبأي عبارة كانت (ابن فارس، 1997، صفحة 158).

وأكثر ما يلاحظ على هذه القصيدة هو تكرار صوت الجيم، باعتباره رويا لها، وهو من الأصوات المجهورة التي توحي بالقوة، وفي هذه الأبيات يحث الناظم على التصبر والتحلي بالقوة، من خلال قراءة القرآن وصلاة الليل، والجيم يساهم –من خلال صفته الصوتية الجهورية- في تحقيق هذه الدلالة، كما يساهم –من خلال تكراره- في سبك النص، بالمحافظة على كينونته واستمراريته.

فضلا عن ذلك فقد تميزت هذه القصيدة بتكرار حرف العطف (الفاء)، كما سبق وأن أشرنا، فالناظم يأمر قائلا: فلا تجزع، فاظهر، فكن، فاذهب…، وهذا التكرار يحقق للنص تماسكه من خلال ما يوفره له من استمرارية تنجم عن القراءة التكرارية التي “تتجاوز استقلال البيت، أو الجمل الشعرية الصغرى” (محمد صابر عبيد، 2001، صفحة 184)؛ لأن الاستمرار في تكرار كلمة معينة يسهم في تتابع النص وترابطه، وكلما تحقق للنص هذا الاستمرار والاطراد، صار أقوى وأشد علوقا بنفس قارئه.

ب. التماسك الدلالي:

يرى فان دايك أن التماسك الدلالي “عبارة عن خاصية سيمانطيقية للخطاب قائمة على تأويل كل جملة مفردة متعلقة بتأويل جملة أخرى” (فان ديك، 2000، صفحة 137)، فهو يهتم بطرق الترابط الدلالية بين أفكار النص من جهة، مما يحقق لها وحدتها الموضوعية، ويهتم من جهة أخرى بالعلاقات الدلالية وبمختلف العناصر المحيلة داخليا كالضمائر والإشارات.

– أما وحدة الموضوع فنلمسها في قول الناظم (السبكي، (د ت)، صفحة 56):

اشتَدَّي  أزمَـةُ   تَنـفَرِجي  قَــد آذَنَ لَيلـُكِ بِالبَلَـــجِ

وقوله (السبكي، (د ت)، صفحة 57):

وَالخَلـقُ جَميعـاً في  يَدِهِ  فَذَوُو سِعَــةٍ وَذَوُوحَـرَج

وفي قوله أيضا (السبكي، (د ت)، صفحة 57):

وَرِضاً بِقَضَاءِ اللـهِ حَجىً فَعَلَى  مَركُوزَتِــهِ  فَعُــجِ

ثم في قوله (السبكي، (د ت)، صفحة 59):

صَلوَاتُ اللَهِ عَلى المَهـدِيِّ الهادِي النــاسِ إِليالنَّهَجِ

         إذ نلاحظ من خلال هذه الأبيات أن القصيدة موزعة على أربعة محاور، تتعاضد فيما بينها لخدمة المعنى الكلي، وهو “بعد الشدة يأتي الفرج”، وهذه المحاور كالآتي: بعد الشدة يأتي الفرج- أمر الناس بيد الله- الرضا بقضاء الله وبأمره- الصلاة على المصطفى، وهذه الأفكار مترابطة من جهة ومتسلسلة من جهة أخرى، وكلُها إنما يقودُ العبدَ إلى الانشراح والاعتقاد يقينا بأنه بعد الشدة لا محالةَ فرجُ.

– العلاقات الدلالية:

وهي مجموعة العلاقات التي تربط أطراف النص بعضها ببعض، دون الحاجة إلى وسائل شكلية ملفوظة (خطابي، 1991، صفحة 286)، كالسببية، والضدية والعموم والخصوص…، وسنكتفي في هذا المقام الذي لا يتسع لذكرها جميعا بـالسببية والضدية.

برزت السببية في قول ابن النحوي (السبكي، (د ت)، صفحة 57):

 

وَإِذا انفَتَـحَت أَبوَابُ هُدِّى         فاعجِــللِخَزائِنِهَا وَلِــجِ
وَإِذا حــاوَلتَ  نِهايَتَهـا    فاحــذَر إِذ ذاكَ  مِنَالعَرَجِ
لِتَكُـونَ مِنَ  السُبَـاقِ إِذا  مــا جِئتَ إِلى تِلكَ الفُـرَجِ

فالمسارعة إلى الهداية عندما تفتح أبوابها سبب في السبق بساعة الفرج، وهنا نلاحظ كيف يبني الناظم قصيدته بناء يقوم فيه اللاحق على السابق، حيث ارتبط البيتان الأول والثاني بالبيت الثالث بواسطة اللام السببية التي اتصلت بالفعل المضارع الناقص (تكون)، محققة معنى السبب ونتيجته.

كما ظهر في النص مجموعة من الثنائيات الضدية التي تخدم الثنائية المحورية للنص وهي ثنائية (الشدة/الفرج)، البارزة في قول ابن النحوي (السبكي، (د ت)، صفحة 56):

اشتَدَّي  أزمَـةُ   تَنـفَرِجي  قَــد آذَنَ لَيلـُكِ بِالبَلَـــجِ

ففي قوله (السبكي، (د ت)، صفحة 56):

وَظَـلامُ اللَّيل ِ لَـهُ  سُرُجٌ      حَتّى يَغشَـــاهُ أبُو السُـرُجِ

تبرز ثنائية (الظلام/النور)، فالشدة ظلام دامس يعيشه المهموم، والنور نتيجة فرج يعقب الشدة وظلامها، وكل هذا ذو صلة وارتباط بثنائية المعصية والطاعة التي تظهر في قوله (السبكي، (د ت)، صفحة 58):

وَمَعاصِي اللَهِ  سَماجَتُهـا تَزدَانُ لِـذِي الخُـلُقِ السَمِجِ
وَلِطَاعَتِـهِ وَصَباحَتــــــــــــِهــا أنـوَارُ صَبَــــــــــــــاحٍ مُنبَلِــجِ

 

فالمسافة الفاصلة بين المعصية والطاعة هي المسافة الفاصلة بين (الشدة والفرج) هذه الثنائية المركزية في النص التي تنجذب نحوها باقي الثانئيات، فتخلق في القصيدة علاقات من التجاذب والتنافر، لأن الإنسان كلما اقترب من ربه، طاعة وتعبدا كلما اقتربت ساعة الفرج.

                                             الطاعة     الفرج    النور

                                            المعصية   الشدة     الظلام

– الإحالة الداخلية:

يتحقق التماسك الداخلي أيضا بمجموعة من العناصر التي تحيل داخليا، منها الضمائر، في قول ابن النحوي (السبكي، (د ت)، صفحة 57):

وَالخَلـقُ جَميعـاً في  يَـــــدِهِ          فَذَوُو سِعَــةٍ وَذَوُوحَـرَج
وَنَزُولهُـمُ وَطُلـوعُــــــــــــــــــهُـمُ           فَعَــلى دَرَكٍ  وَعَلـَى دَرَجِ
وَمَعائِشُهُـم وَعَـواقِبُهُــــــــــم               لَيسَت في المَشيِ عَلى عِوَجِ

             الخالق                   الخلق جميعا

  • ذوو سعة
  • ذوو حرج
يده 
  • وَنَزُولهُـمُ عَــلى دَرَكٍ
  • وَطُلـوعُـهُـمُعلـَى دَرَجِ
  • وَمَعائِشُهُـم لَيسَت في المَشيِ عَلى عِوَجِ
  • وَعَـواقِبُهُـم ⫽       ⫽

الخالق هنا محور العملية التواصلية، من خلال ضمير الغياب الوحيد الذي يحيل عليه، والذي تنجذب نحوه باقي الضمائر العائدة على الخلق، محققة لنص القصيدة تماسكا وترابطا وثيقين. وقد أدرك نحاة العربية الأوائل الوظيفة النصية للضمير، وعدوها أصلا في الروابط النصية، ولهذا يُربط به مذكورًا، ومحذوفًا (عبد العزيز فتح عبد الباري، (د ت)، صفحة 9).

 ونصية الضمير في لسانيات النص في حقيقة الأمر لا تقتصر عليه فقط، فأدوات الإشارة والموصولات أيضا تدخل في الإطار نفسه، وتؤدي الوظيفة النصية نفسها، ، ومن أمثلة أدوات الإشارة في مدونتنا قول ابن النحوي (السبكي، (د ت)، صفحة 57):

وَلَها  أَرَجٌ  مُحْـيى  أَبَـدا         فَاقصُــد مَحيَـا  ذاكَ الأَرجِ

في هذا البيت يربط الشاعر لفظ (الأرج) وهو انتشار الريح الطيب بلفظ (الفوائد) المذكور في البيت السابق في قوله (السبكي، (د ت)، صفحة 57):

وَفَوائدُ مَولانا جُمَل     لسروحِ الأَنفُسِ والمُهَجٍ

فتراه يربط بين السابق واللاحق، بين البيت والبيت، ويواصل تحقيق الربط والترابط بأداة الإشارة (ذا) التي أحالت لفظا على متأخر وهو البدل المجرور (الأرج)، وأحالت معنى على متقدم وهو اللفظ نفسه المذكور في الشطر الأول (أرج الفوائد).

من نماذج الربط النصي بالإشارة أيضا قول الناظم (السبكي، (د ت)، صفحة 57):

وَإِذا حــاوَلتَ  نِهايَتَهـا    فاحــذَر إِذ ذاكَ  مِنَ العَرَجِ

 

نلاحظ بدايةً أن البيت الأول مرتبط بسابق له، وقد تحقق له ذلك بالضمير المضاف إلى لفظة (نهاية)، فهي نهاية أبواب الهدى التي استأنس الناظم عن عدم ذكرها بتوظيف لفظ إشاري أغنى عن تكرارها، لأن التكرار ورغم أهميته في اللغة إلا أن له مواضع لا يستساغ فيها، فإن وجد صار حطا للكلام عن رتبة البلاغة ومنزلة الفصاحة، لهذا فإن مختلف العناصر الإشارية في اللغة إنما تلعب أكثر من دور، فهي فضلا عن كونها وسيلة من وسائل الاتساق والانسجام ذات وظيفة جمالية، لأنها تضفي على الكلام مسحة من الجدة والإبداع.

  1. خاتمة:

في الختام لا بد أن نشير إلى أن ما كان من فصل بين آليات التحليل اللساني النصي في دراستنا للقصيدة المنفرجة إنما فصل نسبي يخضع له الدارس اتباعا لمنهجية التحليل التي تسهل الوصول إلى نتائج دقيقة؛ لأن العلاقة بين التماسك الدلالي والتماسك الشكلي في الحقيقة هي علاقة متداخلة ومتواشجة، تماما كالعلاقة بين مستويات اللغة الأربع التي يصعب الفصل بينها.

كما لابد أن نشير أيضا إلى أن المنفرجة رغم قصرها إلا أنها نص منتظم منسجم متلائم مترابط، توافرت له مختلف معايير النصية التي ركز عليها علماء لسانيات النص، وإن توهم القارئ للوهلة الأولى أنها شتات جمل، وبدت كل جمله فيها مفصولة في الظاهر عن سابقتها،  إلا أن مختلف الأدوات الداخلية للتماسك أثبتت أنها جمل لا يُمكن فهمُها بدون فهْم الروابط الموجودة بينها.

  1. المصادر والمراجع:
  2. البصروي (أبو الحسن علي بن يوسف)، شرح قصيدة المنفرجة، محمد نوري عباس، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، العدد 7، 2013.
  3. بعلي عبد الرزاق، بلاغة الإيقاع الشعري في قصيدة المنفرجة”، دفاتر مخبر الشعرية الجزائرية، مخبر الشعرية الجزائرية، جامعة المسيلة، الجزائر، المجلد 5، العدد 1، 2020.
  4. روبرت دي بوجراند، النص والخطاب والإجراء، ترجمة تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 1998م.
  5. السبكي (تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي)، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي، دار إحياء الكتب العربية، (ط، ت).
  6. سعد مصلوح، نحو أجرومية للنص الشعري، دار المنظومة، مصر، 2016.
  7. شحدة فارع وآخرون: مقدمة في اللغويات المعاصرة، دار وائل للنشر، عمان، الطبعة الأولى، 2000م.
  8. صبحي إبراهيم الفقي، علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، دراسة تطبيقية على السور المكية، دار قباء، القاهرة، ط1، 2000.
  9. أبُو العباس النَّقَاوسِيّ، الأنْوارَ الـمنْبَلِجَة فِي بَسْطِ أسْرَارِ الـمُنْفَرِجَة، تحقيق محمد عبد السلام محمد سويسي، منشورات جامعة المرقب، ليبيا، 2016.
  10. عبد العزيز فتح الله عبد الباري، التماسك النصي في الحديث النبوي الشريف، (د ط)، (د ت(.
  11. عبد القادر قهلوز، قصيدة المنفرجة لابن النحوي دراسة وصفية تحليلية، مجلة المدونة، المجلد 5، العدد2، مخبر الدراسات الأدبية والنقدية، كلية الآداب واللغات،ـ جامعة البليدة2، الجزائر، 2018.
  12. عبد القادر لصهب، محمد درق، أثر قصيدة الـمنفرجة لابن النحوي في الحركية الثقافية العربية، مجلة إحالات، معهد الآداب واللغات بالمركز الجامعي مغنية، الجزائر، المجلد 1، العدد 1، 2018.
  13. ابن عبد الملك (أبو عبد الله محمد بن محمد الأنصاري الأوسي المراكشي)، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، تحقيق إحسان عباس وآخرون، دار الغرب الإسلامي، تونس، ط1، 2012.
  14. ابن فارس (الحسين أحمد بن فارس بن زكريا)، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، تعليق أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1997.
  15. فان ديك، النص بنيته ووظائفه، مدخل إلى النص، (د، ط).
  16. فان دايك، النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، ترجمة عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء- بيروت، 2000م.
  17. الفيروز آبادي (مجد الدين محمد بن يعقوب)، تحقيق مكتبة التراث، إشراف محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، ط8، 2005.
  18. محمد خطابي، لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، 1991.
  19. محمد زمري، المنفرجة – دراسة تحليلية، مجلة الفضاء المغاربي،كلية الآداب واللغات،جامعة تلمسان، الجزائر، المجلد1، العدد2، 2004.
  20. محمد صابر عبيد، القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001.

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)