كلية الآداب، جامعة البصرة، العراق
ملخص البحث
الجملة هي موضوع النحو العربي نظرية وتطبيقا , والعلاقة التي تؤلف الكلمات في الجملة الواحدة , تعود لما يصطلح عليه لسانياً بـ( قيود الانتقاء), وهو مفهوم تابع للبنية العميقة منها , وبه تُفسّر طبيعة العلاقة بين الكلمات المركبة في تركيب نحوي تام ما , إنّها علاقة تختصر القيم المعجمية والنحوية معا في حالة بناء الجملة المفيدة ؛ فحينما يبدأ المتكلم بالكلمة الأولى للجملة فإنها تستدعي كلمة تتراكب أو تضام معها , معنى وتركيباً . ومن هنا تبرز فكرة التنبؤ التي طُرِحتْ لسانيا وهي فكرة مرتبطة بقانون تأليف الكلام وقواعد الجملة العربية بنحوها الموروث , التي تصف جانبيها الشكلي / النمطي والدلالي فيها . يسعى الباحث إلى التحقق من صدق فرضية التنبؤ في الجملة اللغوية . ويتم ذلك من خلال اختبارين يُرصدُ فيهما التنبؤ وكلاهما يستند إلى قواعد اللغة العربية التركيبية ؛ الأول منهما , جاء على صورة فرضية تجريدية تسبق الأداء اللغوي (الحدث) أي إمكانية توقع صورة التعبير. أمّا الفرض الثاني فيُعنى بالتنبؤ في لحظة بدء التركيب , بلحاظ قيود التوارد , ثم مقارنة نسبة التحقق الواقعية منهما بناء على قوة التنبؤ . وتدعم مشكلة البحث – من خلال الحقل اللغوي – العلوم الانسانية في سعيها للكشف عن فاعلية التفسير وواقعيته في حقولها .
الكلمات المفاتيح : – التفسير- المعجم – التضام – القاعدة اللّازمة – القاعدة المُلزمة.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
المقدمة
يمتاز عصرنا الحالي بغلبة العقل العلمي التجريبي على التفكير البشري في مجال البحث نظرية ومنهجاً . ويستهدف هذا العقل فهم الظواهر الطبيعية أو الإنسانية في المأمول , وذلك من خلال إدراك تلك الظواهر بالملاحظة الواعية , ثمّ وصفها فتفسيرها وصولاً إلى التنبؤ بمسارها لإحكام السيطرة عليها . ولذا لزم من الباحث العلمي ضبط بنائه النظري وأدواته المنهجية وتطويرها من أجل بلوغ العلميّة وأهدافها الموضوعية المبتغاة . والعلم – كما يرى فلاسفة العلوم – هو بناء منطقي لا تتحقق أغراضه العليا إلا بقيام مرحلتين متداخلتين تكمل بعضها الأخرى ؛ الأولى هي مرحلة الوصف التي من شأنها الإجابة عن السؤال الضروري الجوهري وهو : كيف تحدث الظاهرة ؟ أو كيف تتبّدى ؟ والمرحلة الثانية , هي التفسير ويتكفل بالإجابة عن السؤال الجوهري الضروري الآخر الذي مفاده : لماذا تحدث هذه الظاهرة ؟ ويرى المشتغلون في فلسفة العلوم أنّ محور الوصف في العلم يمثل معيار وجوده أو عدمه – إمكانيته , في حين يمثل محور التفسير معيار تقدم العلم وتطوره ( الخولي , 2011,ص 43- 44 ) . ومن المعلوم أنّ هاتين الخاصتين صارتا مزيّة في العلوم الطبيعية عنها في نظيرتها الإنسانية , وبفضلهما شهدت الأولى تطوراً وتقدما كبيراً ملحوظاً في تحقيق أهداف العلم للوصول إلى نتائج حاسمة قابلة للتعميم والتنبؤ , في حين تسعى الإنسانية بخطى حثيثة إلى تجاوز منطق تخلفها النسبي في مضمار العلم والعمل على الالتحاق بركب نظيرتها الطبيعية .
أمّا التنبؤ العلمي – بصورة عامة – فهو بناء نظري منظم يُشتق من التفسير ولا ينفك عنه بحال , حتى ذهب قسم من العلماء إلى المطابقة بينهما , لاستحالة وجود تنبؤ علمي بلا تفسير, فهما يتحدان في البناء المنطقي الصوري , من خلال الشروط المسبّقة , والتقريرات أو القوانين العامة , والنتائج المستنبطة منهما . لكنّ قسماً آخر يذهب إلى التمييز الدقيق بينهما بالرغم من تداخلهما الوثيق للاختلاف الزمني في الاستنباط , ولكوننا لا نستبعد وجود تفسير بلا قدرة تنبؤيّة ( أنور , 1988, ص 99- 101 ) .
والتنبؤ – بعدُ – هو أهم الخصائص النظريّة للعلم , بل الغاية المرومة من كل العلوم التي تأخذ بأسباب البحث العلمي( الخولي , 2011, ص 43 ) . ومن صفته أنّه يقوم على معطيات نظرية وحسيّة منظمة يُزود بها الباحثُ نفسه قبل توقّع مسار الظاهرة , بناءً على تلك المعطيات ؛ ومن ذلك ؛ فلن يوجد تنبؤ ما إذا لم يوجد استقراء أو وصف يتبعه التفسير. ومن الخصائص النظرية الأخرى للعلم وأهدافه – ايضاً – وجود الفرضيّة وهي ( تصريح يتنبّأُ بعلاقة بين عنصرين أو أكثر ويتضمن تحقيق إمبريقي ) ( أنجرس , 2010 , 150 ) والفرضية في واقعها تنبؤ من وجه آخر( أنجرس , 2010 , 151-150 ) .
وتعدُّ اللسانيات ( وهي الدراسة العلمية للغة )( باي, 1998, ص29) أحد أهم فروع العلوم الإنسانية وأبرز حقولها التي تفوقت فيها على أخواتها من تلك الحقول في مسارها النظري والمنهجي , ولاسيما إنّها اختبرت أهداف العلم الرئيسة , وقطعت فيه أشواطاً متقدمة , ابتداء من الوصف حتى أدركت قيم التفسير وضوابطه . وقد حدث ذلك التطور بفعل تحول مسار النظرية اللسانية من العناية بالمعطيات اللغوية , من كونها ظاهرة سطحية قابلة للوصف والتصنيف الشكلي , إلى العناية بالنحو الممثل للملكة اللغوية العامة , وتوجهت اللسانيات إلى مباشرة موضوعات الاكتساب والإبداع اللغويَين , وقدرة المتكلم على انتاج جمل غير المحدودة وفهمها مع قصر التجربة أو ما يعرف بـ( مشكل فقر المنبّه ) (حدّاد , 2014 , ص67-68 ) ؛ فضلا عن حركة اللغة وعوامل تغيّرها إلخ . إنّ حضور هذه المفاهيم في الفكر اللساني – حتى صارت هدفا في ذاتها – أتى عن انتقال الدراسة اللغوية من العناية بالبيانات الشكلية التصنيفية لعملية الوصف التام المستقل , إلى العناية بالتفسير بعد استيفاء شروط الوصف . وبذلك بدأت النظرية اللغوية تنحو نحو الفكر العقلي التجريدي في بنائها ومنطقها من وضع الفرضيات واقتراح النماذج الصورية الممثلة للملكة اللغوية والتحقق من صدقها , باعتماد خاصية التكذيب المعتمدة في العلوم الصرفة , التي تعني أنّ المقياس في بيان قوة النظرية وصدقها يأتي من قدرتها على دفع النقض عنها , وليس من انطباقها أو نسب تعميمها على الظواهر(تشومسكي 1987, ص51) .
– التنبؤ في اللغة
1– اللسانيات الوصفية التصنيفية
أخذ هذا المفهوم بالتداول في مجال الدراسات اللغوية ابتداء من مرحلة التحول من الدراسة التأريخية إلى الدراسة الوصفية فيها , مع بداية القرن العشرين . وفي هذه الفترة بدأ مصطلح ( العلميّة ) يطرح في أروقة الجامعات , تقليدا للأسلوب التجريبي الوضعي الذي أخذ بزمام العلوم الإخبارية بالظواهر الطبيعية. وأسهمت محاضرات دي سوسير- التي ظهرت للعلن في العقد الثاني من القرن الماضي على يد طلابه – في شيوع هذا المفهوم , وفيها انتقد سوسير المنهج التأريخي الذي كان سائداً آنذاك , ووصف البيانات التي يقدمه الباحث التأريخي بأنها غير علمية ؛ لافتقادها شروط الآنية في وصف الظاهرة اللغوية . وفي هذا المضمار دعا إلى تحديد موضوع الدراسة من خلال التفريق بين اللغة والكلام . بين ما هو اجتماعي وما هو فردي , جاعلاً من ( اللغة ) موضوعا للدراسة اللسانية ؛ لكونها ظاهرة اجتماعية نقية تمثل النظام المستقر القائم في ذهن مجتمع اللغة أو الجماعة اللغوية , ويمكن للباحث ملاحظة ذلك النظام ورصد قوالبه وتجريبه وتجريده والتنبؤ به( بارتشت , 2004, ص251) .
أمّا الكلام فهو حدث فردي حر , ( والفردي يقوم على عنصر الاختيار , وعنصر الاختيار لا يمكن التنبؤ به ) ( الراجحي , 1986, ص28) ؛ ومن أجل ذلك لا يصلح الكلام أن يكون موضوعاً للبحث اللغوي . لأنّ المعيار العلمي في التفريق بين ثنائية اللغة والكلام قائم على قدرة الرصد للظاهرة محل الدراسة وإمكانية التنبؤ بها .
وهكذا مضت فكرة ( العلميّة ) للدراسة الوصفية في مسارها , آخذة منحىً شكليا متطرفاً على يد سابير و بلومفيلد , اللّذين ركزا على الحدث اللغوي الكلام , بوصفه شكلاً صوريا يُلحظ بمعزل عن المعنى ؛ ورأى سابير أنّ المنهج العلمي يقتضي التركيز على ( التركيبات الشكلية ) من خلال دراسة الأنماط في الصوت والكلمة والجملة في لغة معينة محل الدراسة( الراجحي , 1986, ص34-35) .
في حين تأثّر بلومفيلد – نبي الوصفية الشكلية – بالنظرية السلوكيّة في علم النفس أيّما تأثّر , فعدّ اللغة – تبعاً لذلك – سلوكاً انسانياً قائماً على مبدأي المثير والاستجابة , اللذين ترتفع فيهما – برأيه – نسب التنبؤ وقوته في مجال البحث اللغوي . وجاءت هذه الأفكار مشرعةً في كتابه المشهور (اللغة) , الذي بُنيت مسائله وقضاياه على هذه الأسس السلوكية . وتناول فيه العناصر اللغوية المحوريّة من الفونيم , والتركيب الصوتي , والأشكال النحويّة في حال كونها أنماطاً ظاهرة في لغة الدراسة . يقول د. عبده الراجحي(1986, ص41) : ( ويمضي بلومفيلد يقدّم في كتابه عرضاً مفصلاً يطبّق فيه نظريته في دراسة الحدث الكلامي , باعتباره سلوكاً يخضع للملاحظة والتنبؤ والتفسير) . ومع بروز اللسانيات التفسيرية تراجعت قيم اللسانيات الوصفية شيئا فشيئا أمام الطرق النظري التفسيري . وتبعاً لهذا ؛ عُدّت دراستها التي تعتمد الوصف الشكلي دراسة آلية منقوصة تتنكر للمقدرة الإبداعية في الإنسان , فضلاً عن أنّ بياناتها تأتي من معطيات ظاهرية يشترك فيها الحس العام , ومن هنا تفقد السمة العلميّة التي تدعيها.
2– اللّسانيات التفسيريّة
إنّ التنبؤ في النظرية اللسانية التفسيرية فرضية تطرح فيما يعرف بالدراسة الداخلية للغة , وتتصل بفهم الملكة اللغوية وطبيعة الوعي فيها ؛ بين ملكة واعية وأخرى غير واعية . مع الإقرار بأنّ تلك الملكة فطرية في الأدمغة البشرية تنطوي على مبادئ عامة , تسعى النظريات اللسانية إلى كشفها وتفسيرها . وعن صورة الوعي في المبادئ الكليّة لتلك الملكة يوافق اللساني الكبير تشومسكي جون سيرل بقوله : ( لن تكون هناك قوة تنبؤية أو تفسيرية عند القول أنّ ثمّة مستوى من المبادئ اللّاواعية العميقة )( تشومسكي , 2005, ص29-30) فعقّب عليه تشومسكي ( 2005, ص30) , قائلاً : (ذلك صحيح تماماً ) .
ومع هذا كلّه ؛ تظل امكانية التنبؤ اللغوي محلّ شك وتردد في المباحث النظرية للسانيات التفسيرية , ويعود ذلك إلى طبيعة اللغة وتعقد ظاهرتها , وتحديداً فيما يرتبط بالجانب المتعلق بالمعنى من أحد وجهيها في مقابل الشكل , لكونه أثراً عقليا / نفسياً , واجتماعياً / تداولياًّ معاً , يصعب معه ضبطه وحصره والتنبؤ به لطبيعته التجريدية النسبيّة , على الرغم من الثبات الشكلي النسبي الذي تحظى به الأنماط التركيبية في الحدث الكلامي . وهكذا ؛ تزداد المسألة تعقيداً في اللسانيات الوظيفية المقابلة التي ترى أنّ البنية تبعٌ للوظيفة .
وتنظر النظرية التفسيرية إلى اللغة كما ينظر لها المشتغلون بعلم النفس اللغوي , في كونها نافذة للعقل البشري . وقد بادرت بهذا المنحى التأملي ذي النزعة العقيلّة اللسانيات التوليدية التي اتخذت من الصياغة النظرية وبناء النماذج منهجاً لها , وهي مَن عمل على وضعها وتطويرها مبتكرها تشومسكي مع مرور الزمن وتراكم الدراسات , سعيا منه إلى صياغة مثالية لنموذج صوري رياضي يحكي نحو القواعد العامة التركيبية للملكة اللغوية البشرية الكامنة في الدماغ ؛ باعتقاد أنّ النموذج الحاسوبي الممثّل لتلك المبادئ والقواعد يتيح للساني التنبؤ بنحو الجملة وتحقيق التعميم على سائر اللغات بناء على القوة التفسيرية ومصداقية التنبؤ . ( فالنظرية تقيم افتراضات وتأملات وتنبؤات حول ما يوجد عليه الواقع وحول ما يمكن أو يُحتمل أنْ يكون عليه , بينما يقوم النموذج بتقديم صورة مشابهة للواقع , صورة تقول لنا كيف هو الواقع . لكنْ , لا النظرية ولا النموذج يطابقان الواقع الظاهري بشكل تام , إنّهما تجريدٌ للواقع وأمثلة له ) ( تشومسكي , 2013, ص12).
ولمّا كانت النظرية التفسيرية كثيراً ما تواجه مشكلة عدم التجانس في الظاهرة اللغوية اقترحتْ وضع مبادئ مفترضة تأخذ طابعا كليّا عاما , وأعرضتْ – في الوقت نفسه – عن صياغة قوانين ذات صفة تعددية تقوم على وصف كلّ ظاهرة على حدة , بحسب تعدد المعطيات ؛ من أجل ذلك وُضعِت جملة من الفرضيات , مثل الفرضية القالبيّة التي تعمل على ربط المبادئ المفترضة الممثلة للملكة اللغوية ؛ سعياً لضبطها والتنبؤ بها .
– الجملة العربية وامكانيات التنبؤ
ما زالت الجملة – كما كانت – تحظى بموقع الصدارة في اللسانيات الحديثة بالرغم من تشعب الدراسات والاتجاهات والنظريات والمناهج فيها ؛ إذ لا يُتصور قيام دراسة ما للغة في أي مستوى من مستوياتها لا يكون التركيب الجملي حاضرا فيها قوة أو فعلاً . بل لم تغب صورة الجملة وقيمها عن تلك الدراسات التي اجتهدت في الابتعاد عن سلطتها مثل لسانيات النص ؛ فإنّها – وإن تجاوزتها في تحليلاتها النصيّة – لكنّها غير قادرة على أن تحلّل نصاً ما بعيدا عن قواعد الجملة التامة التي تألّف مع مجاوراتها النص الطويل , بوصفه مجموعة من الجمل , ناهيك عن النص القصير منهما ؛ فالجملة – لزوما – هي الموطن الدائم للتعبير والتواصل المحوري من خلال الكلام , ومن مجموع علاقاتها التركيبية يظهر المعنى غرض التواصل وغايته . وما في اللغويات الحديثة والمعاصرة من أنظار مختلفة ومناهج – وإن تشعّبت موضوعاتها وتخصصت – فإنّها – وفي العمق – تدور حول الجملة في أغلب دراساتها لكونها مظنة التعبير, أضف لها مركزية التركيب في نظام اللغة شكلا ومعنى .
وتمتاز الجملة العربية بغنى دلالي وتركيبي يفوق نظائرها في اللغات العالمية الأخرى , لقدرتها على التعبير بأقل مؤونة ممكنة , على سعة في سياقاتها التركيبة ومقاماتها . وقد حظيت تلك الجملة بعناية فائقة من لدن القدماء وصولاً إلى المحدثين , مع اختلاف اتجاهاتهم اللغوية والفكرية والفلسفية . على أنّ اللسانيات المعاصرة قد منحت الدارس العربي فيها مجالات حيوية ورؤى عميقة فتحت منها آفاق جديدة لم تتح للسابقين ممّن سلف , حتى أسهمت تلك المعطيات المعرفية في إغناء البحث عن الجملة وفيها وفهمها على نحو أكثر سعة وشمولاً ؛ استجابة إلى التطور الدائم للنظريات والمناهج في مجال اللغة عامة والجملة خاصة .
وللجملة العربيّة خصائص حاول قسم من اللسانيين مباشرتها وكشفها استناداً إلى معطيات النظرية اللغوية العامة ذات المبادئ الكليّة , مبينين ظواهرها التي تشترك مع سائر اللغات العالمية الأخرى . لكنّ ذلك لا ينفي حتماً أنّ العربية تحتفظ في الغالب بخصائصها الذاتية من كونها لغة خاصة تتمتع بظواهر منها ما يقبل التعميم للنظريات اللسانية العامة , وأخرى لا تستجيب لمبادئ هذه النظريات ؛ ومن ذلك يمكن طلب التنبؤ من الجملة العربية – تحديدا – في صورتين أو قل نحوين ؛ الأول يُراعي المبادئ الكلية المطروحة في الأنظار اللسانية , والثاني يُراعي القواعد الخاصة بتلك الجملة المنتمية إلى نظام اللغة العربية . ويظلّ النحو الثاني من التنبؤ هو الأكثر واقعية , لكونه فرضية نابعة من دراسة مخصوصة لظواهر تلك اللغة الخاصة , وهي قد أتت من متكلم هذه اللغة المعينة سواء اتفقت مع النظرية التفسيرية العامة أم انفردت عنها .
– الجملة بين المفهومين اللغوي والمنطق
يتعلق هذا العنوان بمفهوم الجملة منقسما على الاتجاهين اللسانيَين الكبيرين وهما : الاتجاه الوصفي التصنيفي الشكلي الاجتماعي , والاتجاه التفسيري العقلي ؛ أي إنّ مفهوم الجملة ينقسم بين من يرى الكلام من كونه عادات نطقية يأخذها المتكلم من بيئته اللغوية , الجماعة تحتضن ذلك النظام اللغوي , وبين من يرى أنّ الجملة حقيقة عقلية تتحقّق في ذهن المتكلم قبل تحققها نطقاً وكتابة . يقول ابراهيم أنيس من وجهة نظره الوصفية : ( .. فالجملة اصطلاح لغوي , يجدر بنا أن نستقلّ به عن المنطق العام , لأنّ العادات في كل بيئة هي التي تحدّد الجمل في لغة هذه البيئة ) ( أنيس , 2003, ص236 ) . وهو يستدل على صدق دعواه تلك باختلاف الفصائل اللغوية في تحديد أركان الجملة بين اللغات الهندية الأوربية ونظيرتها السامية ؛ ففي الوقت الذي تكتفي اللغات السامية بالمسند والمسند إليه , فإنّ الهندية الأوربية تشترط لتمام الفائدة في جملتها أن تضيف إلى ركني المسند والمسند أليه ركناً ثالثاً وهو الربط الممثل بفعل الكينونة
لكنّ اصحاب الاتجاه التفسيري , يرون أنّ العادات اللغوية ليست معياراً تاماً في تحديد أركان الجملة وأنماط بنائها , بل للبعد العقلي المنطقي العام أثره الواضح في صياغة أركانها ؛ إذ لم تقم الجملة على نظام ما إلّا بوجود العلاقات المنطقية التي تحدد قوانين تلك الجملة وتسهم في تحديد أركانها . لأنّ العقل سمة في الكائن البشري المتكلم , وباللغة – نتاج العملية العقلية – ينفرد الإنسان عن الحيون ؛ لذا كانت دراسة اللغة وفق القيم العقلية والمنطقية ضرورة . ومن أجل ذلك فرّق تشومسكي بين الكفاءة والأداء ؛ الأولى , تمثل المعرفة اللغوية المجردة الكامنة في العقل التي تنطوي على قواعد النحو الكلي أو الخاص , في حين يمثل الأداء الكلام ؛ بوصفه انعكاساً حسياً لتلك المعرفة العقلية المجردة . وإنّ اللغة التي تمثلها الجملة التامّة ( مسار عقلي ودينامي ؛ .إذ إنّ وراء السلوك اللغوي الظاهر الذي يتجلّى ويتمظهر في الأداء الكلامي – الذي يمكن لحظه مباشرة – يكمنُ التنظيم المحرّك القائم في ذهن الإنسان ضمن الكفاية اللغوية , والذي يحدد هذا السلوك )( زكريّا , 1986, ص34-35 ) ومع هذا كلّه , فإنّ الوصف الدقيق للجملة يثبت أنّها وحدة لغوية دنيا تتبدّى في بعدين : لغوي شكلي محسوس , وعقلي معرفي مجرد ؛ لأن فيها ما هو راجع إلى العادات اللغوية التي يكتسبها المتكلم من جماعة لغته وبيئتها التي يأخذ عنها اللغة وأنماط الكلام وطبيعة التركيب , ومنها ما يعود إلى المنطق العقلي العام , الذي يتحكم بالعلاقات المنطقية التي بسببها يتحدد نظام الجملة وتتآلف أركانها على النحو المقبول منطقياً مع ملاحظة السياق والمقام ؛ لكي تتحقق الغاية من التواصل والإبلاغ . وفي القسم الداخلي أعني العقلي المعرفي من اللغة تقبع المبادئ الكلية للنظرية اللغوية التفسيرية . أمّا إمكانية التنبؤ في الجملة العربية فيمكن أن نظفر بها في الاطرادات الشكلية التركيبية النمطية , وكذا في مستوى العمق لعلاقات الجملة الداخلية التي تنتظم تبعا لمنطق العقل وقيم الدلالة , سواء دُرسا بصورة منفردة , كلّاً على حدة , أو مجتمعَين معاً .
– التنبؤ بنوع الجملة وأنماطها .
نعلم أن الظاهرة اللغوية ظاهرة معقدة , لأنها متشابكة ومتشعبة الأواصر والروابط , وتتحكم فيها عوامل نفسية وفسيولوجية واجتماعية وثقافية وفكرية وسواها , وكل عامل يأخذ نصيبه من منها ويؤثر فيها وربما يتأثر بها , وبسائر العوامل الأخرى . وهي فوق هذه كلّه تمتاز بالدينامية وحيوية الحركة , استنادا إلى تطور المجتمعات البشرية معرفيّا وحضارياً , ما يجعل إمكانية ضبطها أمراً صعباً على اللسانيين وغيرهم من المهتمين بها , ولاسيما علماء النفس والاجتماع . في حين يشق الأمر أكثر على اللساني الذي يعمل على وصف اللغة وتفسيرها , وهو يدرك أنّها ليست مستقلة أو ثابتة , كما هي الحال في الظاهرة التي تدرس في حقول العلوم الطبيعية . ومهما يكن من أمر , تظلّ الفرضيات الجزئية من ضروريات البحث اللساني فهو وسيلته المتاحة لمباشرة حقله اللغوي , ولأجل تنظيم الأفكار وتحديد وجهة البحث ومجاله وطرائقه على الرغم من وعورة المسلك , ومحاذيره العلمية .
ونحاول – هنا – أن نتأمل في إمكانية بناء الجملة , بوصفها محور العملية التواصلية في مجال اللغة , من خلال توقع الحدث اللغوي المركّب (الجملة) نوعاً وبناء لمتكلم يعبر عن ذك الحدث الواقع تحت الاختبار المفترض . ويحظى الانتقاء – هنا – بوظيفة رئيسة لأنّه سوف يحدد طبيعة الجملة , اسمية أكانت أم فعلية , استنادا إلى الكلمة التي يبدأ بها ذلك المتكلم جملتَه المعبرة عن حدث ما , في ضوء قواعد النحو العربي للجملة العربية عند مستوى اللغة الأدبية المعاصرة , لِمَن يتمثّلها تمثيلاً فاعلا على نحو الكفاية . غير أنّ الصعوبة تبرز في بواكير عملية الاختبار النظري , وتحديدا في اختيار فاعل الحدث إنْ كان متكلماً واحداً أو أكثر من ذلك . ومن المعلوم لدى اللسانيين أنّ المتكلم الواحد لا يلتزم مستوى ثابتا في الأداء الصوتي عند تعبيره عن حدث واحد في زمان ومكان متحدَين , فضلا عن كونهما مختلفين ؛ وربّما لا نعدم ذلك في نمط التركيب أيضا , لضعف مستوى التنبؤ فيه , وهذا كله يختصر مظهراً من مظاهر التعقيد في الظاهرة اللغوية .
– الموقف التواصلي المشترك
لو افترضنا وجود متكلمَين اثنَين ينتميان إلى نظام لغوي مشترك , أو قل ينتميان إلى نظام اللغة العربية الفصيحة تحديدا , ثمّ يُعرّضان لموقف تواصلي موحّد , فهل سيكون تعبيرهما عن الموقف متطابقاً ؟ . اللساني ومن يعي طبيعة اللغة يدركان صعوبة تحقق ذلك إن لم يكن أمراً مستبعداً تماما . ومع ذلك كله ؛ يقتضي منّا البحث العلمي أنْ نفترض نماذج لوقوع الحدث اللغوي من هذه العينة المفترضة , بصيغة الحصر العقلي , وبما يأتي :
1- أن يشتركا في التركيب نفسه لفظاً ومعنى أو دلالة .
2- أنْ يتفقا لفظاً ( تركيباً ) ويختلفا معنى أو دلالة .
3- أن يتفقا معنى أو دلالة ويختلفان لفظاً ( تركيباً )
4- أن يختلفا في التركيب لفظاً ومعنى أو دلالة .
ومن خلال معرفتنا بواقع اللغة وطبيعة تكوينها وتعقيداتها نفسيا واجتماعياً وفسيولوجيا وسواها لمتكلم واحد أو أكثر في مقامات تواصلية مشتركة مفترضة أو مختلفة , سنحكم باستبعاد الفرض الأول حتماً ؛ لأنّه غير واقعي ونسبة الفرض فيه تكاد تكون معدومة . أمّا الفروض المتبقية فإنّها تختلف في قوة الفرض ونسبته الاحتمالية , إذا ما اقترحنا ترتيباً له , بناء على احتمال ورودها ؛ فإنَ الفرض الثالث هو أقواها , إذ نسبة الاحتمال فيه عالية بالقياس إلى الفرضَين المتبقيَين . ويأتي الثاني بعده , فالرابع .
– الحدث البسيط والحدث المركّب
إن إمكانية التنبؤ تزداد في التعبير الجُملي المباشر عن حدث بسيط عنه في التعبير غير المباشر لحدث مركّب ؛ كأن يحضر اشخاص في مكان بارد , ثمّ يُطلب منهم التعبير عن شعورهم بالمكان . إنّ نسبة اشتراكهم في وصف المكان بالبرودة أمر وارد جدا , لكنّهم قد يختلفون في نمط التركيب عند إيقاع هذا المعنى . غير انّ قوة التنبؤ تقوى ونسبة الاحتمال تكاد تنعدم إذا ما استنطقنا المشاركين للحدث نفسه , بقولنا : كيف هو المكان ؟ الجواب – لزوماً – سيكون : ( بارد أو المكان بارد ) . وعلى أساس أنّ طبيعة السؤال ترشّح – في الغالب – نمط الجواب في مثل هذا النوع من التعابير , ومنه تتحقق لنا نسبة تطابق عالية في الإجابة ؛ إذ تترفع درجة التنبؤ , لكونه حدثاً بسيطاً , وأنّ إيقاعه يتمّ بصورة مباشرة . وقسْ على هذا من نظائر التعبير المباشر البسيط , الذي قد يحاكي جانباً من واقعية المنهج السلوكي في علم النفس في تفسيره الحدث اللغوي بآليّة المثير والاستجابة , في حين أنّ الأداء اللغوي – في جوهره وواقعه – حدث إبداعي يضيق بالبيانات الآلية للمنهج ذاك .
وفي حالة التعبير عن الحدث المركب غير البسيط أو غير المباشر فإنّ نسبة توقع انتظاماته وتركيباته من متكلمين يتمثلون الحدث نفسه لغوياً تنخفض شيئاً فشيئاً مع تعقّد الحدث وتنوعه ؛ فإذا ما أردنا اختبار هؤلاء المشاركين في حدث ضرب مضى من محمد لخالد مثلا , أو تعقّبنا تعبيراتهم على سجيّتها دون إثارة مسبّقة منّا , وكلٌّ بحسب خبرته اللغوية وعلاقته بمعمولي الفعل من حدث الضرب , أعني محمداً (الفاعل) وخالداً (المفعول به) , فسوف يُحتمل أن نحصل على الأنماط الآتية من الجملة العربية ذات الرتبة الحرّة :
1- ضربَ محمدٌ خالدا
2- محمدٌ ضربَ خالداً
3- خالداً ضربَه محمدٌ
4- محمدٌ خالداً ضربَ
5- خالداٌ محمدٌ ضربَه
لكنّ الصورة ستكون مغايرة حتماً إذا ما جاء التعبير عن حدث أكثر تعقيدا ممّا سبق , كأن يُطلب من المشاركين للحدث اثنان أو أكثر وصف حادث سير مثلاً , أو مباراة في كرة القدم. وهكذا صعوداً ؛ كأن يصفون مشاعرهم حول حدث سياسي أو اجتماعي أو ثقافي أو فكري , أو قراءة نص أدبي أو سماعه , إلخ .. فحتما , ستضيق نسبة التنبؤ مع توسّع الحدث وتعقيده , ولا مجال للبحث عن مشتركات في مجال التركيب وأنماطه على مستوى بنيته السطحيّة .
ومن المؤكد أنّ النحو العربي التراثي لم يُعنَ بهذا المضمون من الكلام , لأن قابلية ضبط مثل هذا المنوال بقواعد نحوية أمر يستحيل وقوعه في تلك القرون الغابرة وما تلاها , عطفاً على طبيعة العلوم والمعارف والمناهج السائدة في مجال التفكير اللغوي والعقلي آنذاك , مع أنّهم كانوا قد تناولوا في علوم البلاغة النموذج المعياري المثالي للتعبير الأدبي دون الكلام العادي وهو مبحث ليس له صلة من قريب أو بعيد بمجال هذا البحث . على أنّ ضبط مثل هذا الغرض أمر مستعص – كما نعلم – في حقولنا اللسانية المعاصرة أيضاً بالرغم من تطور نظرياتها ومناهجها وأساليب التفكير فيها ونزوعها نحو الضبط النسبي لظواهر اللغة على غرار العلوم الطبيعية . لكن السبيل إلى ذلك قد يكون متاحاً في حدود وصف اكثر عمومية , إذا ما افترضنا له صورتين ؛ الأولى تكون اقرب إلى نظام الجملة للغة المعينة (الخاصة) , والثانية أشمل منها , لأنها تعود إلى مجال نظرية عامة للغة وصفاً وتفسيراً . الصورة الأولى منهما يراعى فيها النظر إلى الإطار العام للجمل المتوقعة أو الممكنة محلّ الدراسة , وذلك عند افتراضها تبعاً إلى أنماطها ورتبها المألوفة في اللغة المعينة . غير أنّ الحال ليست بذلك التبسيط النظري الذي يغرينا لأول وهلة , فعلى سبيل الجملة العربية تسير قيم التنبؤ ونسبه بخطى متعثرة , ومرجع ذلك يعود إلى سعة انتظاماتها المطردة وتنوعها وهي تتوزع على نوعيها : (الجملة الفعلية والجملة الاسمية) . أضف لها عناصر القيم الوظيفية التي تتحكم بالبنية كالغرض والمقام والسياق وسائر الوظائف التداولية والدلالية الفاعلة فيها .
أمّا الصورة الثانية فهي أكثر عمومية من الأولى , لأنها تستعين بما عملت عليه اللسانيات التفسيرية في صياغة نماذج نحوية صورية تمثل الملكة اللغوية التي تكمن فيها المبادئ العامة بوصفها معارف فطرية قابلة للتعميم ؛ إنّما هو النحو العام أو الكلي الذي يصف تلك الملكة ويفسرها , لكونها موضع الاطراد المنتظم في العمق , وإنْ قامت الاختلافات الظاهرة في اللغات الخاصة أو تلك التي تظهر على السطح وهي في العمق منتظمة ؛ ولذا , كانت إمكانية التنبؤ في هذا النحو ممكنة , لأنّه أثرٌ , وإن كان غير بادٍ للعيان على مستوى البناء السطحي المتحقق في الجملة , لكنّه كامن داخل النموذج المفترض الذي يضعه اللساني لوصف اللغة وأنحائها . وبعدُ ؛ فهذا النحو وإن كان عاما إلّا أنّ نسب التنبؤ فيه أعلى من النحو الذي تمثله الصورة الأولى التي تضعف فيه نسب الاحتمال .
– التضام
من الظواهر التي شغلت الفكر اللغوي العالمي , ما اصطلح عليه – في الغالب – بـ ( التضام ) , وهو العنصر اللغوي الذي يفسر طبيعة العلاقة القائمة بين المعجم والنحو في الجملة الواحدة من كونها وحدة لغوية مستقلة تركيباً ودلالة . وتلخّص هذه العلاقة البعدين اللذين عُنيت بهما الدراسة اللغوية الحديثة , وأعني بهما البعد الأفقي والآخر الرأسي أو العمودي معاً . الأفقي منهما ؛ يمثّل العلاقة بين العناصر اللغوية المتجاورة المركبّة في الجملة عندما تتجلى وتتحقق في عالم الكلام . والرأسي منهما ؛ يمثّل علاقة عنصر لغوي بعناصر لغوية أخرى خارج السياق كتلك العناصر القابلة للتبادل المعجمي انتقاء أو اختياراً بحسب الملاءمة أو نقيضها . ويدرك المختصون طبيعة هذه العلاقة وتشعبها وتعقّدها , لكونها مزيجاً من مجموع التركيب والدلالة والسياق ؛ موزعة على أنظار ومناهج واتجاهات لسانية عديدة متقاربة أو متعارضة . وبالرغم من أنّ التضام يشير بمجمله إلى علاقة استدعاء كلمة لأخرى في سياقات تركيبية معينة أو مختلفة وتتحدد بها سلباً وإيجاباً , لكنّ منه ما يشتمل على استعمالات تكون فيهما تلك العلاقة أكثراً بروزاً وإلحاحاً عن غيرها من التراكيب اللغوية الأخرى . ونسعى في الصفحات اللاحقة إلى مباشرة أمثلة ونماذج مختلفة للتضام , لتبيان واقع التنبؤ فيه ؛ ويأتي ذلك في عنوانَين مقترحين موزّعين بحسب العلاقة وضوحاً و غموضاً , وهما :
أولاً- المصاحبات اللغويّة
وضع اللغويون تعريفات عديدة للمصاحبة اللغوية , لكنها لم تخرج عن أن تكون شكلاً من (الارتباط الاعتيادي لكلمة ما في لغة ما بكلمات معيّنة) (عمر,2006, ص74) , وهي على هذا (نمط من العلاقات المعجميّة الأفقية .. يمكن التنبّؤ بها على نطاق واسع أو على نطاق ضيّق) (حيدر,2008, ص138) . والمصاحبة – في جوهرها – بحث ينتمي إلى نمط الدراسة الشكلية للغة , يُعنى بدراسة الكلمة في شكلها . وقد حظيت تلك الظاهرة اللغوية بعناية اللسانيين باختلاف أنظارهم واتجاهاتهم ومناهجهم ؛ كالوصفيين النسقيين الذين باشروها في ضوء نظرية السياق , ومثلهم الوصفيون الشكليون الذين يميلون إلى اعتماد التجريب الحسي وانتهاج اسلوب الوصف والتصنيف على أساس معطيات الشكل اللغوي . ولمّا كانت المصاحبة بحثاً في الجانب الشكلي للغة وجد التوزيعيون ضالتهم فيها , اعتماداً على نظريتهم التي تصف الكلمات وتعيّن دلالاتها بناء على توزيعها في السياق والتوزيع – بعدُ – سبب وليست بنتيجة لها .
أمّا التوليديوين وعلى رأسهم تشومسكي فقد باشروها في البناء العميق لمكونهم النحوي الأساس الذي يفسر العلاقة بين المعجم والنحو في ضوء ما يعرف عندهم بـ ( قيود الانتقاء) . وكذا لم تغب المصاحبة – حتماً – عن اتباع اللسانيات الوظيفية وفي مقدمتهم ( هاليداي) الذي أفرغ وسعه في تتبع العلاقة بين المعجم والنحو , من خلال اقتراحه نظرية معجمية مكملة لنظرية النحو , تعمل مجتمعة على وصف أنماط اللغة النحوية والمعجمية(عبدالعزيز, 1999,ص13).
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
– أنواع المصاحبة
تأمّل اللّسانيون في المصاحبة وأنماطها فوجدوها على ثلاثة أنواع هي (عمر,2009 ص134- 136) :
1 – المصاحبة الحرّة , التي تمثّل نمطاً من العلاقة الرأسية بين العناصر اللغوية , وهي ( علاقة عنصر لغوي بعناصر أخرى يمكن أن تحلّ محلّه ) (عبدالعزيز, 1999, ص34) , وذلك عندما يقع الترابط بين كلمة وكلمات أخرى يمكن أن يستبدل بها في سياقات مختلفة . مثل كلمة ( أصفر) , فهي تقع في العادة متصاحبة مع كلمات معيّنة كـ( رمل , وليمون , ووجه .. ) . لكنّها قد تأتي وصفاً لكلمات غير محدودة مثل ( الصحف الصفراء ) .
2- المصاحبة المنتظمة , التي تمثّل نمطاً من العلاقة الأفقية بين العناصر اللغوية , ( وهي علاقة ارتباط بين كلمة وأخرى تقع في نفس الجملة أو النص )( حيدر ,2008,ص140) . ويتحقق هذا النمط من المصاحبة ونوعها عندما يتكرر وقوع كلمة بصحبة كلمة أخرى في سياقات متنوعة , يتعذّر عندها استبدال إحداهما بسواها , أو إضافة كلمة زائدة على نمطها المألوف في لغة أو سياق لغوي معّينين . ويطلق بعضهم على هذا النوع من التصاحب اسم ( مجالات الاستخدام ) . ومن أمثلتها قولنا : ( السلامُ عليكم ) , الذي يتعذر فيه الاستبدال كأنْ نقول : ( الأمان عليكم ) أو ( السلام إليكم) , وهكذا دواليك .
3- التعابير الاصطلاحية . حظي هذا المفهوم بعناية اللسانين عامة , واللسانيين العرب خاصة , فوضعوا له تعريفات عديدة , منها : ( كلّ عبارة تتألف من لفظين أو أكثر , وتنظّم معاً في الوضع الذي يقتضيه علم النحو , ولكنها في النهاية تؤدي إلى دلالة تختلف عمّا يقتضيه ظاهر التركيب )( أبو أسعد , 1996, المقدمة ج ) . وهذا الظاهرة من المصاحبة تمثل نمطاَ من العلاقة الأفقية بين عناصر التركيب كما في سابقتها , فضلا عن تمتعها بالثبات في عرف الجماعة اللغوية . غير أنّ عناصرها المكونة لبنيتها تقع بهيأة وحدة دلالية واحدة على اختلاف سياقتها ومقاماتها الواردة ؛ وبذا استقلت عن المصاحبة المنتظمة وامتازت عنها .
وتعدّ التعابير الاصطلاحية في اللغة واحدة من الظواهر التي تعالج فيها اللغة محدودية الرمز اللغوي في قبال سعة المعاني والمفاهيم الخارجية والذهنية . على أنّ اللغة – عموماً- تحلّ هذه الاشكالية اعتماداً على وسيلتين تمكّن الرمز اللغوي من التعبير عن أكثر من معنى مفرداً كان أو تركيباً , وهاتان الوسيلتان هما : 1- الاشتراك اللفظي 2- التضام اللغوي نحتاً أو وظيفة ؛ كالمصاحبة . ( القاسمي , ص19)
– بنية التعبيرات الاصطلاحية
حصر الدكتور علي القاسمي التعبيرات الاصطلاحية بثلاثة أنواع موزعة على أقسام الكلام في اللغة العربية , وقد جاءت هذه التعابير منسجمة تماماً في بنيتها مع قواعد النحو العربي , وعلى النحو الآتي : ( القاسمي , ص22)
أ– التعابير الاصطلاحية الفعلية , التي تتكون من فعل يليه حرف أو اسم أو غيرهما , مثل ( انقطعَ لـ ) و ( ألقى الضوءَ على ) و ( يتجاذبونَ أطراف الحديثِ )
ب- التعابير الاصطلاحية الاسمية , التي تتكون من اسم تليه كلمة أخرى أو أكثر , مثل ( غنيٌّ بـ ) و ( يدٌ من حديدٍ )
جـ – التعابير الاصطلاحية الحرفية التي تتكون من حرف يليه اسم أو أكثر , مثل ( على قدمٍ وساقِ ) و ( بشقّ الأنفس )
– خصائص التعابير الاصطلاحية
تمتاز هذه التعابير بخصائص بارزة جعلت منها نمطاً مستقلاً , وأقامت بها حدوداً فاصلة بينها وبين التعابير السياقية والكنايات والتشبيهات والأمثال , فاتضحت على إثرها معالمها البنيوية والدلالية بوضوح تام . وعدت هذه الخصائص بست , هي : ( القاسمي , ص28)
1- التعبير الاصطلاحي وحدة دلالية واحدة لا يمكن استخلاص معناه من مجموع معاني المفردات أو العناصر المكونة له .
2- لا يجوز التعديل أو التبديل أو الحذف في عناصر هذا التعبير .
3- إنّ عناصرها من ذوات الرتب المحفوظة , أي يمتنع فيها التقديم أو التأخير .
4- تلتزم التعابير الاصطلاحية الفعلية بقواعد المطابقة في الشخص والعدد والنوع .
5- يلحظ المعنى المجازي حصراً دون الحقيقي منهما , باعتماد القرائن المقاليّة والمقاميّة .
6- التعابير الاصطلاحية – بوصفها وحدة دلالية واحدة – تحتمل في معناها المجازي المعنى المقابل لها حالها حال الترادف والاشتراك اللغوي في الكلمة الواحدة .
– المصاحبة والتنبؤ
أنّ المصاحبة ظاهرة تنتمي إلى النظام اللغوي وتحديدا إلى النظام المتعلق بمعجم اللغة الذي يدخلها في إطار العلاقات اللغوية الأفقية والرأسية أو العمودية . ونوع تلك العلاقة أفقية كانت أو رأسية , لها أثر محوري في فرضية التنبؤ وتحديد معياره ونسبته . ولا يغيب عن أذهاننا أنّ هناك معيارين لتحديد طبيعة التصاحب بين الكلمات أفضت بهما الجهود اللسانية في هذا الموضوع ؛ الأول : يتمثل بمعيار الشيوع والإلفة . والثاني : يتمثل بما يصطلح عليه ( ماكنتوش ) بـ(range ) / ( المدى ) , ويقصد به ( قائمة محدودة نوعاً ما من الكلمات يمكن أن تتعيّن بالكلمة المدروسة ) (عبد العزيز , 1999,ص47) . ويحتل الجانب الشكلي للمصاحبة أولوية على الجانب الدلالي في الوصف اللغوي من غير أنْ يعني ذلك إغفالاً الدلالة وإثرها فيها . وتباعاً ؛ تعتمد درجة التنبؤ على طبيعة العلاقة رأسية كانت أم أفقية , وعلى درجة المصاحبة وقوة الارتباط بين العناصر اللغوية فيها ( المدى ) . وعند الأخذ بهذا المعيار وسيلة للتحقق من نسبة التنبؤ في أنواع المصاحبة الثلاثة نستنتج الآتي :
1- النوع الأول : المصاحبة الحرة , التي تحكي نمطاً من العلاقة الرأسية للتصاحب المعجمي بين الكلمات , والتوقع أو الرابط المتبادلَين بين تلك الكلمات المتحققة بالتضام يفتقد للسياق أو النص المعيّنَين لأنّ سياق المصاحبة هنا حر شكلاً ودلالة . وعليه , فإنّ درجة التنبؤ في هذا النوع ضعيفة جداً , إذا ما استندنا إلى معيار العلاقة إذ هي رأسية , ومعيار( المدى ) الذي يعتمد معادلة التنبؤ في المصاحبة التي مفادها : ( كلّما قلّ عدد الألفاظ المصاحبة للفظ معيّن – أي كلّما كان المدى محدوداً – زادت قوة التنبؤ بوقوعها – أي الألفاظ المصاحبة – عندما يذكر هذا اللفظ )( حيدر( 2008 ), ص139)
2- النوع الثاني : المصاحبة المنتظمة , التي تحكي النمط الثاني من العلاقة وأعني بها الافقية منهما , مع توافر عنصر المدى المحدود في التصاحب ؛ ليكون على إثر ذلك عاملاً في رفع نسبة التنبؤ وقوته عن النوع الأول , فضلاً عن حضور الجانب الشكلي فيه على نحو نسبي شيئاً ما ؛ إذ إنّه نوع تصاحب قد حظي بتوقع وترابط متبادلين في السياق نفسه أو النص نفسه , فيقع به معنى معيّن من تلك الكلمات المتصاحبة , وهذا المعنى لن يتحقق – مطلقاً – إذا ما افترقت كلماته .
3- النوع الثالث : التعابير الاصطلاحية , وينتمي هذا النوع إلى العلاقة الأفقية الصارمة بين كلماته المتآلفة على نحو أوجد نمطاً مقيّداً من ترابط شكلي دلالي سواء , ومنها تتحققّ في وحدة دلالية واحدة , بأثر من العلاقة الأفقية للسياق أو النص أنفسهما وليس من خارجهما , أضف له قيد المدى , عندما غابت نسب الاحتمال لقائمة المصاحبة الممكنة ؛ كل ذلك بمجموعه كان قد رفع من درجة التنبؤ في هذا الشكل من التصاحب . وهكذا ؛ فإنّ التعابير الاصطلاحية تمتاز بنمط شكلي صارم يستجيب بفاعلية للمنهج الوصفي المستقل الذي يعتمد أسلوبي الاستقراء والتصنيف , الأمر الذي رفع من نسبة التنبؤ وقوته فيها , لتنفرد عن سواها من أنواع المصاحبة.
ثانياً – المعجم تركيبي
1- قيود التوارد
قيود التوارد أو الانتقاء هي علاقة تجمع بين المعجم والنحو في المكون الأساس للجملة بمفهوم النظرية التوليدية , وقد طوّعها أحد اللسانيين العرب وهو الدكتور تمام حسان في نموذج ( المبنى والمعنى ) للغة العربية بأثر من تلك النظرية( حسّان , مقالات , 1,2006/135 وما بعدها ) . وقد وظّف هذه العلاقة فيما يعرف عنده بـ( قرينة التضام ) وهي قرينة لفظية تصف طبيعة العلاقة التي تقوم بين الكلمات المتجاورة في الجملة العربية سلباً كانت أو ايجاباً , وتنحصر -عنده – تلك العلاقة في ثلاث صور لا رابع لها , هي : التلازم , والتنافي , والتوارد(حسّان , ,2006, اللغة العربيّة معناها ومبناها , ص216- 217) يمثل التلازم ظاهرة تعالق ملزمة بين مكونين أو مبنيين نحويين على نحو اختصاص كلمة بأخرى ؛ كما هو الحال في العربية من التلازم الذي يقع بين الجار والمجرور , و الاسم الموصول وصلته , واسم الإشارة والمشار إليه وسواها . ونقيض ذلك التلازم التنافي القرينة السلبية التي تعني امتناع ورود كلمة مع أخرى في الجملة , كامتناع دخول ( أل ) التعريف أو التنوين في المضاف إذا كان من قسم الإضافة المحضة , نحو قولنا : ( ثمارُ الشجرةِ يانعةٌ ) فلا يصح دخول ( أل ) على المضاف ( ثمار) ؛ لأنه من الإضافة المعنوية المحضة . وكذا لا يجوز تنوينه ؛ فنقول : (ثمارٌ الشجرة .. ) .
أمّا قرينة التوارد فهي ذات منحى حيادي , لكونها سمة ترجع إلى الاختيار الفردي الحر في إيقاع الكلام وبناء جملته . وقد طوّر د. تمام حسان هذا المفهوم فتحوّل عنده من عنصر معجمي متعلق بالأساليب والقيم الجمالية – وهو مستقل عن النحو – إلى آخر ذي رباط وثيق في التركيب النحوي , دالّا على الصحة والخطأ في الجملة , حتى تحقّق فيه مفهومان : الأول : ( المناسبة أو الملاءمة المعجمية ) والثاني : ( المفارقة المعجمية ) ؛ وكلّ منهما يلخّص طبيعة العلاقة بين الكلمات المتعاقبة في الجملة , ويفسرها على أساس قيم معجمية نحوية تتضافر معا في تحقيق الكلام التام المفيد( حسّان , 2006, مقالات,1/137) ؛ وفي قرينة التوارد تلك مداخل متنوعة منها ما يتيح قدرة ما على التنبؤ , بتتبع آثار الجملة ومسارها قبل تمامها وتحقيق أغراضها .
وبناء على هذا ؛ فإنّ قيود التوارد أو قوانينها هي ما يجب أن يراعيه المتكلم في اختيار مفردات الجملة الملائمة لها , إذ كلّ كلمة يختارها المتكلم تُحمل في بنيتها وسماتها شروطاً لانتظامها مع الكلمة اللّاحقة وتضامّها معها . وهكذا ؛ حتى يكتمل البناء , ويتحقق الغرض من الكلام . مع التذكير أنّ في هذا الانتقاء جانبَين : الأوّل نحوي / وظيفي , كانتقاء الفعل الذي يحتّم اسناده لفاعل , أو انتقاء المبتدأ الذي يشترط الخبر في سياقه . أمّا الثّاني , فهو معجمي ؛ يلحظ التأويل الدلالي المقروء من المعجم . فضلاً عن صياغة قاعدة , مفادها : أنّ المتكلم – كلّما تقدّم في بناء الجملة بمقدار كلمة – قلّت قدرته على الاختيار. وإذا ما طرقنا بهذا المفهوم أبواب التراكيب العربيّة في نحوها , ستتكشّف لنا العلاقة المتينة بين الوظيفة والمعجم على نحو واضح , يسهل علينا بعدها توقع الحدث الكلامي بناء على ما تقدم فهمه . ومن المسائل النحوية التي ترتفع فيها نسب التنبؤ ورود كلمة ( كلّما ) في بداية الجملة , وهي مركّب ينطوي على قيود وظيفيّة ومعجميّة بارزة في حال انتقائه ؛ لأنّه يأتي في نمط يقتضي وجود فعلَين ماضيَين في الغالب , ويمنع – في الوقت نفسه – ورود فعل الأمر في سياقه . أمّا القيود المعجميّة التي توجدها (كلّما) , فتظهر في إيراد فعلها ( الموضوع لمعنى ) . إذ يعمل على زيادة قيود الانتقاء , حتى تضيق مع تقدّم بناء الجملة , نحو قولنا : ( كلّما أنبت الفلاحُ شجرةً حصدَ ثمارَها ) . وظيفياً , تلزم (كلّما) هنا وجود فعلَين ماضيَين في تركيبها قبل النطق بالفعلَين . وتمنع أيضا فعل الأمر من أن يكون طرفاً في فعليها . أمّا معجمياً فإنّ الفعل (أنبت) يستدعي قوانين معجميّة لاختيار الفاعل . وفي المعهود – أيضاً – أن يكون الإنبات من عمل الفلاح , فإذا جاء بالفاعل (الفلاح) , كان ملزماً في العادة أن يكون المفعول بما يصح غرسه , من أمثلة الشجر أو الحبوب أو سواهما ؛ وهو بدوره يحتّم وجود نتيجة لذلك الانبات ممثلة بالحصاد المرجو منه . وإلزاماً يكون ما يحصد من الشجرة ثمارها . وتبرز هذه القيم في الوظيفة المعجمية أكثر , إذا ما حللنا الجملة السالفة , تبعاً للسمات التركيبية الدلالية , وعلى نحو من القراءة الآتية :
– أنبتَ : [+ فعل ] [+متعدٍّ ] [ +مستمر] [+نشاط ] [+ عمل ]
– الفلاح :[+ اسم ] [+عام ] [+إنسان ] [+متحرك] [+مذكّر] [+مفرد]
– شجرة :[+اسم ] [+عام ] [- إنسان ] [- متحرك] [ + نامٍ ] [+مؤنّث] [+مفرد]
– حصَدَ : [+ فعل ] [+متعدٍّ ] [ +مستمر] [+نشاط ] [+ عمل ]
– ثمارها : :[+اسم ] [+عام ] [- إنسان ] [- متحرك] [ + نامٍ ] [- +مؤنّث] [+مفرد]
ويُستنتج من القراءة الدّلالية للجملة أعلاه , أنّ الفعل ( أنبت ) لا يتخذ اسماً فاعلاً في العادة غير متحرّك ومثله الفعل ( حصدَ ). ولذا , عُدّت جملة مثل ( أنبتَ الشجرةُ الفلاح ) جملة صحيحة التّركيب بنائياً , ولكنّها غير مقبولة تأويليّاً . لأنّ الفعل (أنبتَ) لا ينخرط في تركيب فاعله يساوي : [- إنسان ] و[- متحرك ] , ومثلها قولنا : ( حصدتِ الثمارُ الفلاحَ ) ؛ إلاّ على سبيل المجاز , والمجاز لا فرص للمتنبّئ اللغوي فيه . أضف إلى ما تقدّم بيانه , أنّ مدخلاً معجميّاً مثل المحمول / الفعل أو الاسم المشتق ( الصفات ) , يحدّد موضوعاته من خلال سماته التّركيبيّة بناء على إمكاناته التفريعيّة في الاشتقاق أو التّعدي أو اللّزوم . وهذه بمجموعها ظواهر وظيفية معجميّة ذات اثر طبيعي في التّتابعات اللّغويّة . وأظن أنّنا في مثل هذا المنوال يُتاح لنا التوقّع عطفا على الوظيفة والسمات المعجمية الدلالية , ومن مثله تضيق نسب الاحتمال وترتفع نسب التنبؤ بالقياس إلى الفرض الأول السابق . لكن مع التذكير أنّ مدخل التنبؤ هنا مقيد بورود المحمول فعلاً كان أو صفة , والمحمول من طبيعته يرشح موضوعاته أعني الأسماء التي تأخذ ترتيبها في الجملة تبعاً لأنماطها النحوية .
2- نحو الأحوال
سبق أنْ نوهنا بأنّ النظرية التفسيرية يعترض طريقها مشكل عدم التجانس في الظاهرة اللغوية , غير أنّ هذه الظاهرة تبرز أكثر في المستوى الدلالي , , وأدلُّ عنصر عليها المعجم , الذي يمتاز بخصائصه الصوتية والشكلية / الصوريّة , والدلالية . وللمدخل المعجمي خصائص أخرى ذات طبيعة فراديّة يصعب على مبادئ النحو الكلي والأنحاء الخاصة ضبطها . لكنّ الضبط قد يُحكَم في حال إذا ما جاءت تلك الخصائص مصفوفة في بناء نحوي معياري , لا تُدمج فيه إلّا السمات التي يمكنُ التنبّؤ بها ؛ كسمات الاسم الصرفية مثل الجنس والعدد والشخص وهي قيم شكلية , مضافاً لها العنصر المقولي الذي يُرمز له بـ( + س ) ومثله الفعل . ولكنّ قدرة الضبط وإمكانية التنبّؤ أمران عصيّان في الأسماء العربية التي تحمل سمة إفراد وهي تدلّ على الجمع , مثل : إبل , قوم , نساء , شعب .. إلخ من أسماء الجمع التي لا واحد من لفظها . وهي ما لا يمكن التنبؤ بها اعتماداً على الصورة الشكلية لكلماتها(غلفان ,2010, ص324).
ومن التعميمات الخاصة بالمعجم العربي المرتبط بالتركيب في البنيات التحتية للجملة , ومنه ترتفع فيها نسب التنبؤ , ما اقترحه ( فيلمور ) فيما عرف بـ ( بنحو الأحوال) , بوصفه فرضية للدلالة التوليدية . ونحو الأحوال يفسر الحالة الإعرابية التركيبية , ومن أمثلته المركب الاسمي الفاعل , الذي أعطيَ – بحسب الفرضية – أكثر من حالة منها , المنفذ , والضحية , والمستقبل , والمستفيد , والمجرب . وتبعاً لذلك ؛ حكمَ بأنّ اختيار ترتيب الحالة في (الفاعل) تحددُ بدءاً نوع الجملة , ثمّ تؤدي إلى اختيار الفعل . ومن الأمثلة التي يعالجها هذا النحو البنية التحتية للجملتين البسيطتين :
1- أحبَّ الجمهورُ الافتتاحَ
2- أعجبَ الافتتاحُ الجمهورَ
إنّ الفعلين : ( أحبّ ) و( أعجبَ) , ينتميان إلى جهة واحدة ويعبران عن المعنى العام نفسه , لكنهما يختلفان في المركب الاسمي ( الفاعل ) ؛ فالفاعل في الجملة الأولى (الجمهور) الذي أخذ حالة ( المجرب) , في حين أخذ الفاعل ( الافتتاح ) في الجملة الثانية حالة ( الأداة ) الموضوع غير الحي . ومع وجود الفرق الظاهر في المستوى التركيبي التحويلي أعني به البنية السطحية للجملتين , لكنّ ذلك لا يمنع من أن نحكم بتساويهما من جهة الدلالة ؛ إذ لا فرق بينهما في هذا المستوى . أمّا امكانية التعميم والتنبؤ لهاتين الجملتين ونظائرهما تركيباً ودلالة فهي تعود إلى حالة الفاعل وترتيبه في الجملة . واستناداً إلى نحو الأحوال ؛ يذهب فيلمور إلى ( أنّ نوعية المركب الاسمي الذي يقع موقع الفاعل هو المسؤول عن تحقيق أحد الفعلين دون الآخر … إذ إنّه يتنبّأ بالفعل الذي ينبغي أن يظهر ) ( جحفة ,2000, ص80). وهذه الفرضية تتيح لنا تعميمها على اللغة العربية , بعدما ظفرنا من خلالها بتطبيق واقعي قابل للتعميم على سائر النماذج المماثلة لها , كما تبيّن لنا من التحليل الظاهر لنموذج الجملة البسيطة أعلاه .
– التنبؤ في ضمائر الجملة
لأجل تحليل جملة الضمير وبيان نسب التنبؤ فيها , نقترحَ – هنا – تقسيماً للقاعدة النحوية فيها , وقد يصدق ذلك التقسيم على استعمالات أخرى , بمراعاة حالة الإلزام أصلاً وتبعاً ؛ ويقوم هذا التقسيم المقترح على قاعدتين هما :
1- قاعدة مُلزِمة ( أصل ) وبها تُبنى جمل اللغة في الافتتاح حتى الختام .
2- قاعدة لازمة ( تابع ) تكون تبعاً لأسلوب اختياري عند الافتتاح حتى الختام .
1- ضمير الفصل وضمير الشأن
أ- ضمير الفصل
ضمير الفصل في الجملة العربية , هو لفظ مؤكِّد يُؤتى به لتوكيد الخبر وهو عمدة وليس بتابع . ويعمل على رفع الإبهام الواقع في الكلام , ويزيل اللبس عنه ؛ إذا ما احتملت الجملة معنيَين في تركيبها , مثال ذلك قولنا :
– العلمُ الكفيلُ بالرفعةِ يبني الأوطانَ
فالجملة الاسميّة – أعلاه – ملتبسة , كونها تحتمل معنيَين , والسبب يرجع إلى تردّدها بين خبرَين في بنائها , إذ كلٌّ منهما تتمُّ به الفائدة ؛ فأحدهما المشتق ( الكفيل ) وهو الخبر الأول المحتمل للمبتدأ , وجاء بصيغة الوصف الذي يتضمن ضميراً يربط بينه وبين المبتدأ . والخبر الثاني المحتمل أيضاً الفعل ( يبني ) , وفيه رابط كذلك بالمبتدأ , وقد وقع الابهام في الجملة بسبب غياب القرينة الدالة على أحدهما . ولكي يرفع المتكلم ما التبس من الجملة , يأتي بضمير الفصل ( هو ) قبل الخبر الأول وبعد المبتدأ مباشرة , ليؤكّد أنّه خبر وليس تابعاً نعتاً ؛ وبه يتعيّن المعنى الأول المستفاد من الخبر (الكفيل ) , ويمتنع – حينها- ورود الثاني منهما – لزوماً- ليصير الكلام على النحو الآتي :
– العلمُ هو الكفيلُ بالرفعةِ , يبني الأوطانَ .
على أنّ ضمير الفصل – في حقيقته – لفظ خالص الحرفية , وليس من صنف الضمائر أو الأسماء , بالرغم من دلالته على التكلم أو الخطاب أو الغيبة , لكنّه حرف يلحظ فيه لفظه الدال على المعرفة , دون معنى الضمير( ابن يعيش ,2,2001/231-233 / والسيوطي ,1,1992/236) . وقد وضع النحاة لضمير الفصل ستة شروط هي (حسن, 1,2007/206) :
1- أن يكون أحد ضمائر الرفع المنفصلة
2- أن يكون مطابقاً للاسم السابق في المعنى , وفي التكلّم أو الخطاب أو الغيبة , والإفراد أو التثنية أو الجمع , وفي التذكير والتأنيث .
3- أن يكون الاسم الذي قبله معرفة .
4- أن يكون الاسم الذي قبله واقعاً مبتدأ أو ما أصله المبتدأ كالجمل الاسمية التي تسبق بالنواسخ .
5- أن يصلح الاسم الذي بعده في أن يكون خبراً للمبتدأ أو ما لما أصله مبتدأ .
6- أن يكون هذا الذي يصلح خبراً معرفة أو ما يقاربها في التعريف مثل أفعل التفضيل المتبوع بحرف الجر ( من ) .
ممّا تقدّم أعلاه ؛ نستنتج أنّ ضمير الفصل يمثل مطلباً ضرورياً للمتكلم في نحو اللغة العربية , وينطبق عليه مفهوم القاعدة الملزمة التي تلتزم برتبة الضمير وإعرابه في الجملة معاً , تبعاً لوظيفته النحوية والدلالية . مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الكلام في النحو العربي لا يتمّ حتى تتحقّق الفائدة به التي يحسن السكوت عليها(1) عند قيام القطع بدلالته ؛ وتلك الفائدة المطلوبة تغيب في الجمل الملتبسة التي تحتمل معنيَين واردَين بالتساوي مثل ما هي الحال في جملة ( العلمُ هو الكفيلُ بالرفعةِ , يبني الأوطانَ ) , أو ربّما في حال أقلّ لبساً في مثل ( زيدٌ هو الكريمُ ) , ليقطع الطريق عن توهّم المتلقي لخبر المبتدأ ( زيد ) , بعد تردّده بين أنْ يكون وصفاً نكرة أو فعلاً , مذكورين كانا أو غير ذلك . واللبس – كما عرفنا – جاء من غياب القرينة على مدلول الجملة قبل الفصل بالضمير . وكلّ كلام تغيب عنه قرينة السياقين : اللغوي وغير اللغوي (المقام ) , تصبح الحاجة إلى معالجة تركيبية تحدّد مدلوله بعنصر ثابت الرتبة والإعراب , قاعدة ابتدائية ملزمة , ومنها نتمكن من توقع مسارها والتنبؤ بتركيبها ؛ على ما هو الحال من لزوم ضمير الفصل لاحتمال الخبرين في الجملة الاسمية الملتبسة .
ولو قارنا بين ورود الضمير في النمطَين السابقَين وفي قولنا : ( كنتً أنت المنتصرَ) و: ( كنّا نحن المنتصرِين) , لوجدنا أنّه لم يأتِ – هنا – من ضرورة تركيبية سوى إيقاع التوكيد لمعنى كان قد تمّ أصلاً عند حدود جملته في نسبتها الأساسية . وعليه ؛ فذكر الضمير في التركيب ليس بقاعدة ملزمة كما كانت في النمطين المتقدمين بل هي من قسم اللازمة , لأنّ شرط الفائدة من الكلام قد تحققت بتمامها من غير الحاجة إليه ؛ وما مجيء ضمير الفصل هنا , إلّا لكي يؤدي المتكلم غرضاً بلاغياً اسلوبيا , هدفه توكيد مضمون الجملة فحسب . أمّا فرص التنبؤ في الجملتين السابقتين ونمطيها فهي ضعيفة , غير أنّها ليست معدومة في نحو العربية وأساليبها.
ب- ضمير الشأن
( وهو ضمير يكون في صدر جملة بعده , تفسّر دلالته , وتوضّح المراد منه , ومعناها معناه ) (حسن, 1,2007/213) :
, نحو قولنا :
– هو : الحقُّ منتصرٌ
– إنّه : الحقُّ منتصرٌ
– إنّها : الأمانةُ فضيلةٌ
ضمير الشأن اسم غامض مبهم(2), وهو عنصر أسلوبي يؤدي به المتكلّم غرضاً معنوياً , يكون بمنزلة الرمز لمفسِّره الذي بعده وكناية عن مدلوله ومعناهما واحد . وله ستة أحكام أو شروط خالفت بها القواعد والأصول العامة , وهي (حسن, 1,2007/2014-213) :
1- أنْ يكون مبتدأً أو ما أصله مبتدأً فحسب .
2- أنْ تكون صيغته مفردة , لا جمعاً أو مثناة , وأكثره مفرد مذكّر وقد يأتي مؤنّثاً.
3- أنْ تكون له جملة تامة الأركان لا يحذف أحد طرفي اسنادها , تأتي بعده تفسّره وتوضّح مدلوله , وتقع خبراً للضمير .
4- أنْ تكون تلك الجملة المفسِّرة له متأخرة عنه وجوباً ولا يجوز تقديمها , ومرجع هذا الضمير يعود على مضمونها .
5- أنْ لا يقع ضمير الشأن تابعاً من التوابع مطلقاً , كالبدل , والنعت , والتوكيد .
6- إذا سُبقَ الضمير بناسخ ينصب مفعولين وكان محلّه النصب مفعولاً به , وجب إبرازه واتصاله بعامله , نحو : ( حسبتُه : المطرُ نازلٌ )
إنّ ضمير الشأن عنصر تركيبي يؤدي وظيفة تداولية في الكلام , وهو ذو قيمة تعبيرية مرجعها الأسلوب . والوظائف التداولية وظائف حرة تأتي من انتقاءات ذاتية فردية للمتكلم , غرضها أسلوبي كما هو واضح . وكلّ خيار فردي ينفلت من قيود ( القاعدة الملزمة ) ويدخل في حيز ( القاعدة اللازمة) , بحسب ما افترضناه سلفاً ؛ ومن هذا المنطلق , يصعب التنبؤ بضمير الشأن لطبيعة تركيبه الفردي الحر, لكنّ نسب التنبؤ ترتفع في الجملة المفسِّرة المتأخرة عنه في حال ورود ضمير الشأن المبهم الغامض , إذ تبدأ – بعده – قائمة من الأحكام النحوية لتمثيل جملة الضمير ذاك ؛ ومعنى هذا أنّ الجملة المفسِّرة من قسم ( القاعدة لازمة ) تحصل على شروط ( القاعدة الملزِمة ) وأحكامها , بالتبعية لا بالأصالة , مع احتفاظ كل منهما بقسمه.
2- مرجع الضمير
إنّ الضمير – مدلولا – لفظ ذو معنى عام ينطوي على غموض وابهام , فاحتاج إلى مرجع يزيل عنه ابهامه المتأصل فيه . وتقع أحكام المرجع في عمومها على ضمير الغائب غير الصريح , أمّا ضميرا المتكلم والمخاطب فحضورهما في وقت التخاطب كان المرجع لهما , بخلاف الغائب فهو أكثر ابهاماً منهما , إذ ليس بحاضر أو مشاهد كما هما . وإنّ موضح الضمير الغائب ومدلوله كان مرجعه الذي لا ينهض بهذه الوظيفة التفسيرية إلّا وفق أحكام وشروط وضعها النحاة العرب , أهمّها أنْ يكون سابقاً على الضمير , متقدما عليه لفظا ورتبة وجوباً , أضف لها وجوب التطابق بين الضمير ومرجعه من حيث الإفراد أو التثنية أو الجمع , والتذكير والتأنيث ؛ على تفصيل تكفّلت به كتب النحو في مطولاتها .
إنّ موضوع المرجع في ضمائر اللغة العربية باب شائك ونسبي , لكون أحكامه غالبا ما تفتقر إلى ثباتها , ويرجع ذلك إلى أمرين : الأول ؛ يعود إلى سعة الاستعمال وكثرته في العربية كماً ونوعاً . والثاني منهما ؛ يرجع إلى كونه أكثر الأبواب النحوية التي تستجيب إلى قيم السياق الخارجي من سياق الموقف أو المقام والأغراض البلاغية والقيم التداولية . وفي الوقت الذي يُشترط أن يكون المرجع متقدما لفظاً ورتبة على ضميره في نحو( زيدٌ أكرمتُه) , فإنّك لا تعدم أن تجد المرجع متأخراً عليه من نحو ( أكرمتُه زيداً ) وله من مثل ذلك نظائر وسواها كثيرة .
غير أنّ المطابقة لم تكن بأوفر حظّا من رتبة الضمير, ففي حين نلتزم بها في قولنا : ( الطالبُ نجحَ , والطالبانِ نجَحَا , والطّلابُ نجحُوا , والطّالبات نجحْنَ ) , لكنك سرعان ما تصطدم بخلاف ذلك في مثل ( كم صديقٍ قدِمَ للزيارةِ , وكم صديقٍ قدِمَا للزيارةِ , كم صديقٍ قدِمُوا للزيارةِ ) أو( كمْ صديقةٍ قدِمَت للزيارةِ , و كمْ صديقةٍ قدِمَتا للزيارةِ , وكمْ صديقةٍ قدِمْن للزيارةِ ) ؛ فالضمير جاء مرة مفرد أو مفردة مؤنثة , وأخرى مثنى , وأخرى جمعاً , ومرجعه في ذلك كلّه واحد في الظاهر . وفُسّر النحاة هذا التنوع في المرجع بما يقتضيه مراد المتكلم وغرضه من رعاية معنى ( كم ) الخبرية التكثيرية التي تضمّ في طياتها دواعي هذا الاختلاف ( الأنصاري , 1/245) . يقول عباس حسن : ( ومع أنّ مطابقة الضمير للفظ المرجع أو لمعناه جائزة وقياسية , فإنّ السياق والمقام قد يجعل أحدهما أنسب من الآخر أحياناً .. ) (حسن , 1,2007/226) . وهكذا ؛ فضوابط السياق والمقام منوال ينطبق على سائر أحكام المرجع الأخرى , كلزوم عود الضمير على الأقرب منه أو الأقوى في التعريف والشهرة في حال تنازعه أكثر من المرجع ولكن ذلك ليس بنحو مطلق إذ هو مقيد بوجود قرينة تدلّ على الأبعد منهما فهي وظيفة حاكمة على القاعدة الأصل .
ومن الظواهر المتعلقة أيضاً بهذا المجال الإحالة المقامية , أي أن يعود الضمير في العربية على غير المذكور , وله شواهد كثيرة عليه نثراً كانت أو شعراً , منها ما ورد في القرآن الكريم إلى حد الاطراد والكثرة ؛ فقد عُدّ سبعة وتسعون موضعاً منه عاد الضمير فيه على مرجع غير مذكور( صبرة ,2000, ص58) , وليس من معيار في تحديده والرجوع إليه إلّا الاستعانة بالقرائن الخارجية من مقتضى الحال , ولهذه القرائن ودلائلها القول الفصل في تمكين المرجع فيه أو في سائر ظواهره الأخرى التي ترد في الخطاب .
إنّ نسبة التفسير وقيمته في ظاهرة مرجع الضمير الغائب , نسبة ضئيلة جداً إنْ لم تكن معدومة , بناء على معطيات النظرية التركيبية ؛ لأنّ موقعه في الجملة أو محله لا تضبطه البنى التركيبية أو أنماط جملها , والأغراض التواصلية بين المتكلم والمخاطب هي التي تتحكّم بالضمير , انطلاقاً من كونها وظائف تداولية حرة تصعب مقاربتها بالوصف والتفسير صورياً , وإن صِيغَتْ مقاربتها في إطار نظرية النحو الوظيفي ؛ وبسبب ذلك تتضاءل إمكانية التوقع بالتعبير به وبمرجعه رتبة أو تنوعاً أو حضوراً وغياباً . وعليه ؛ فليس من اليسير قيام نظرية لغوية ما تستطيع التنبؤ بهذه الظاهرة الخاصة في اللغة العربية ذات السياق الحر الذي يفتقد للثبات النسبي , بما يمكّن اللساني من ضبطه بمبادئ أو قواعد عامة , سوى من تعميمات أسلوبية وتداولية تحاول وضع تفسير جزئي لكل حالة ؛ معتمدة على اختيارات المتكلم الذاتية . والظاهرة اللغوية التي تقوم على حرية الكلام الفردي يصعب تفسيرها في الغالب , وهي بالوصف الشكلي المستقل ألصق .
وبعدُ ؛ فالمرجّح أنّ ظاهرة الإحالة في الضمائر عامة في أغلب اللغات , مع كونها ذات دلالة وإحالة خاصة . وممّا تمتاز به الإحالة , أنّها علاقة غير اجبارية , وغير محدودة ( وكون هذه العلاقة غير محدودة , فلأنّه لا يمكن صياغة القاعدة الصورية , ولا التنبؤ بها في المجال الذي يمكن أن يكون فيه الضمير لكي يأخذ الإحالة مع سابقه )( غلفان , 2010, ص324)
أهمّ نتائج البحث
– الجملة العربية على تنوعها شكلاً ودلالة , فيها إمكانات للتنبّؤ انطلاقاً من نحوها الخاص لنظامها , فضلاً عن مبادئ من قيم النحو الكلي العام .
– إنّ نسبة التنبّؤ بنوع الجملة وأنماطها لموقف تواصلي معين من مشاركين مختلفين ضعيفة جدّاً .
– تزداد إمكانية التنبّؤ في التعبير الجُملي عن حدث بسيط مقارنة بالتعبير عن حدث مركّب غير البسيط الذي تكون فيه أقل .
– نسبة التنبؤ في العلاقات الأفقية للعناصر اللغوية أعلى منها في العلاقات الرأسية التي قد تنعدم في حالات منها تلك النسبة .
– ترتفع نسبة التنبؤ في الضمير الفصل إذا كان وجوده ملزِماً لتحقيق لفائدة برفع الالتباس , ولكنّها تضعف إذا جاء لأغراض التوكيد .
– ضمير الشأن عنصر يُؤتى به لإيقاع غرض أسلوبي , ودرجة التنبؤ فيه ضعيفة عندما يأتي بصيغة القاعدة الملزمة , غير أنّ تلك الدرجة ترتفع إذا ما أخذ موقع القاعدة اللازمة تبعاً.
– السياق والقرائن الخارجية هي العامل الحاسم في تحديد مرجع الضمير , ومن ذلك صارت قيم الرتبة وقواعدها الموضوعة له في الجملة نسبية ؛ الأمر الذي أدى إلى ضعف التنبؤ بمرجع الضمير .
الهوامش
1- يعرف النحاة الكلام بأنّه : ( اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها ) ( ابن عقيل ( 1980) .
2- المراد من الابهام هنا بالمعنى اللغوي منه لا الاصطلاحي الموجود في أسماء الإشارة والموصولات .
مصادر البحث ومراجعه
– ابن عقيل ( بهاء الدين عبد الله 769هـ ) , 1980, شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك , ط20 , القاهرة , دار التراث .
– ابن يعيش , ( أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش 643هـ ),(2001), شرح المفصل للزمخشري , قدّم له أميل بديع يعقوب , ط1, بيروت – لبنان, دار الكتب العلميّة .
– أبو أسعد ( أحمد ),( 1996) , معجم التراكيب والعبارات الاصطلاحية العربية القديم منها والمولّد , ط1 , بيروت , مكتبة لبنان .
– أنجرس ( موريس ) , (د. ت) , منهجية البحث العلمي في العلوم الانسانية , ترجمة بوزيد صحراوي وآخرين , دار القصبة للنشر , الجزائر , دار القصبة للنشر .
– الأنصاري ( جمال الدين ابن هشام 761هـ ) , مغني اللبيب عن كتب الأعاريب , تحقيق د. مازن المبارك و محمد علي حمد الله , ط 5 , طهران , مؤسسة الصادق – ناصر خسرو .
– أنور (على مصطفى) , ( 1988) , التفسير في العلوم الاجتماعية دراسة في فلسفة العلم , ط1, القاهرة , دار الثقافة للنشر والتوزيع .
– د. أنيس ( إبراهيم ) , (2003) , من أسرار العربيّة , ط1 , القاهرة , مكتبة الأنجلو المصرية
– بارتشت ( بريجيته ) ( 2004) , مناهج علم اللغة من هرمان باول إلى ناعوم تشومسكي , ترجمة أ. د. سعيد حسن بحيري , ط1 , القاهرة , مؤسسة المختار .
– باي ( ماريو) ( 1998) , أسس علم اللغة , ط8 , القاهرة , عالم الكتب .
– تشومسكي ( نعوم )
-(1987), البنى النحوية , ترجمة يؤيل يوسف عزيز, ط1, بغداد , دار الشؤون الثقافية العامة
– (2005) , اللغة والعقل واللغة والطبيعة , ترجمة د. رمضان مهلهل سدخان , ط1, بغداد – العراق , دار الشؤون الثقافية.
– (2013), اللّسانيات التّوليديّة ، من التّفسير إلى ما وراء التّفسير , ترجمة : محمّد الرحالي ، ط 1, بيروت – لبنان , دار الكتب الجديدة المتحدة .
– جحفة ( عبد الحميد ),( 2000) , مدخل إلى علم الدلالة الحديثة , ط1 , الدار البيضاء – المغرب , دار توبقال .
– حدّاد ( مصطفى), ( 2014) , اللغة والفكر , وفلسفة الذهن , ط1 , بيروت – لبنان , مؤسسة الرّحاب الحديثة .
– د. حسّان ( تمّام )
– ( 2006) , مقالات في اللّغة والأدب , ط1 , القاهرة , عالم الكتب .
– (2006) , اللّغة العربيّة معناها ومبناها , ط5 , القاهرة , عالم الكتب .
– حسن ( عبّاس ) ,( 2007 ) النحو الوافي , ط1 , بيروت – لبنان , مكتبة المحمدي .
– د. حيدر ( فريد عوض ) , (2008) , فصول في علم اللغة التطبيقي ( علم المصطلح وعلم الاسلوب ) , ط1, القاهرة , مكتبة الآداب .
– د. الخولي ( يمنى طريف ) ,(2011) , مشكلة العلوم الإنسانية , تقنينها وإمكانية حلّها , ط1 , القاهرة , رؤية للنشر والتوزيع .
د. الراجحي ( عبدة ) , ( 1986) , النحو العربي والدرس الحديث , بحث في المنهج , ط1, بيروت , دار النهضة العربية .
– د. زكريا ( ميشال ) ( 1986) , الألسـنيّة التّوليديّة التّحويليّة وقواعد اللّغة العربيّة ( النّظرية الألسـنيّة ) , ط2, بيروت , ، المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنّشر والتوزيع .
– السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين الّسّيوطي 911هـ ) , ( 1992) , هَمْع الهوامع في شرح جَمع الجوامع , تحقيق عبد العال سالم مكرّم , ط , بيروت, مؤسسة الرسالة .
– د. صبرة ( محمد حسنين ) (2000) , مرجع الضمير في القرآن الكريم , مواضعه وأحكامه وأثره في المعنى والأسلوب , ط1 , القاهرة , دار غريب .
– د.عبد العزيز ( محمّد حسين ) , ( 1999) , المصاحبة في التعبير اللغوي , القاهرة , دار الفكر العربي .
– د. عمر ( أحمد مختار )
– ( 2006) , علم الدلالة , ط1 , القاهرة , عالم الكتب .
– (2009) , صناعة المعجم الحديث , ط1 , القاهرة , عالم الكتب .
– د. غلفان( مصطفى )(2010) , اللّسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج الأدنوي , مفاهيم وأمثلة , ط1 , إربد- الأردن, عالم الكتب الحديثة .
– د. القاسمي ( علي ) التعابير الاصطلاحية والسياقية ومعجم عربي لها , مجلة اللسان العربي , المجلد السابع عشر , الجزء الأول . الرباط – المملكة المغربية.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)