د. سلطان بن سعيد بن محمد الفزاري
جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق، سلطنة عمان
ملخص:
يأتي الاهتمام بدراسة العتبات النصية في القصة القصيرة؛ نظرا لما لها من دور في فهم خصوصية النص وتحديد جانب أساسي من مقاصده الدلالية، وهو اهتمام أضحى في الوقت الراهن مصدرا لصياغة أسئلة دقيقة تعيد الاعتبار لهذه العتبات النصية ذات الأنساق المتنوعة، وقوفا عند ما يميزها ويعيّن طرائق اشتغالها. ولا شك أن هذه العتبات النصية تختصر علينا وجوه التأويل – إلى حد ما- عند قراءة القصة القصيرة، كما تحمل رؤية متكاملة ملمة تعبر عن تصور متماسك مما يجعل القصة بعتباتها نصا واحدا. إن دراسة العتبات النصية في القصة العمانية القصيرة أمر مهم، فهي ليست حلية شكلية بل تقدم خدمة قرائية وجمالية لمتلقي النص القصصي العماني، وليس من المبالغة القول إنه لا تكتمل دلالة بعض النصوص إلا بها، وقد يبقى النص رهن هذه العتبات، كما قد يُحدث غيابها إشكالية تأويليه يحول بين المتلقي وفهم النص فهما دقيقا. هذه المسألة دفعت الباحث لتبني فكرة دراسة دلالات عتبة العنوان في القصة العمانية القصيرة، من خلال تتبع تجلياتها في النصوص القصصية العمانية الحديثة، وتعرف علاقتها بمتن النص القصصي العماني القصير، ومدى تأثيرها فيه جماليا.
الكلمات المفتاحية: العتبات النصية – القصة القصيرة– العناوين.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
تمهيد:
عني النقد الأدبي الحديث بدراسة جزئيات العمل الأدبي وعلاقاته الداخلية والخارجية. فأصبح كل شيء يحيط بالنص جزءا من النص يوضح بواعث إبداعه وغايته. وهو الأمر الذي يجعل المتلقي يمسك بالخيوط الأولية والأساسية للنص.
فالعتبات النصية تعد مفاتيح إجرائية أساسية تستخدم لاستكشاف أغوار النص العميقة قصد استنطاقها وتأويلها. أي أنها تلك المداخل التي تتخلل النص “المتن” وتكمله وتتممه(1). فهي عناصر ضرورية ” في تشكيل الدلالة وتفكيك الدوال الرمزية. وإيضاح الخارج قصد إضاءة الداخل”(2). وهي بذلك عناصر موجهة للقارئ في قراءته للنص تمنحه الخطوة الرئيسة وتضعه على المسار الصحيح في القراءة. كما أنها ” تسيّج النص، وتسمّيه وتحميه، وتدافع عنه وتميزه عن غيره، وتعيّن موقعه في جنسه، وتحث القارئ على اقتنائه”(3). وهي بنية مجاورة لبنية النص”المتن” في فضاء الصفحة من الكتاب، أو مفصولة عنه ببعد مكاني أو زماني. إلا أنها تتعالق مع النص المتن من خلال البحث والتأمل والتأويل(4).
لقد سعى جينيت إلى توسعة منطقة العتبات؛ لأنه رأى أن النص/ الكتاب قلما يظهر عاريا من مصاحبات لفظية أو أيقونة تعمل على إنتاج معناه ودلالته، كاسم الكاتب والعناوين….، وبمساءلته لهذه المنطقة المحيطة بالنص والدائرة بفلكه، استطاع أن يضع مصطلح “المناصّ”، أي ذلك النص الموازي لنصه الأصلي، فالمناص نص ولكنه نص يوازي النص الأصلي، فلا يعرف إلا به ومن خلاله(5).
يرى لحمداني أن “المصطلحات التي يوجد بينها تداخل في الدلالة على مظاهر نصيَّة قابلة لأن تلعب وظيفة الشروع في النص، وبالتالي تكون بمثابة عتبة له، ومن هذه المصطلحات: المطلع، والافتتاحية، والمقدمة، والتنبيه، والتوطئة، والتمهيد، والمدخل، والإهداء، والشكر، والقفلة، بل يمكن أن نذهب بعيدا في فهم دور العتبة، ليشمل ذلك أيضا: العنوان ومحتويات الغلاف، وكل العبارات والأقوال الاستهلالية المقتبسة، التي يفضّل كثير من الكتاب تصدير أعمالهم بها، وتكون لها علاقة مباشرة بموضوع النص وأبعاده”(6).
من هنا يظهر أن مفهوم العتبات مفهوم متسع يتناول عناصر كثيرة من عناصر العمل الأدبي، ولا يكتفي بالعنوان فقط.، ويأتي الاهتمام بدراسة العتبات في القصة القصيرة نظرا إلى ما لها من دور في فهم خصوصية النص وتحديد جانب أساسي من مقاصده الدلالية، وهو اهتمام أضحى في الوقت الراهن مصدرا لصياغة أسئلة دقيقة تعيد الاعتبار لهذه المحافل النصية متنوعة الأنساق وقوفا عند ما يميزها ويعين طرائق اشتغالها(7). ولا شك أن هذه العتبات النصية تختصر علينا وجوه التأويل – إلى حد ما- عند قراءة القصة القصيرة، كما تحمل رؤية متكاملة ملمة تعبر عن تصور متماسك مما يجعل القصة بعتباتها نصا واحدا(8).
عتبات العناوين: أهميتها، ووظائفها:
تقود العتبات النصية القارئ إلى داخل النص الأدبي، وجوهره، كاشفة له عتمة المعنى والانغلاق، لذا لا يمكن عزلها خارج دائرة الاهتمام بالنص، فهي تبين الأبعاد الدلالية والجمالية التي تدفع القارئ إلى تتبع شفرات النص ورموزه.
لقد أضحت علاقة عتبة العنوان بالنص بالغة التعقيد، “فقد أخذ العنوان يتمرد على إهماله فترات طويلة، وينهض ثانية من رماده الذي حجبه عن فاعليته، وأقصاه إلى ليل من النسيان”(9)، فأصبح مرجعا يتضمن بداخله العلامة والرمز، وتكثيف المعنى، بحيث يحاول المؤلف أن يثبت فيه قصده برمته، أي أنه النواة المتحركة التي خاط المؤلف عليها نسيج النص، وهذه النواة لا تكون مكتملة ولو بتذييل عنوان فرعي، فهي تأتي كتساؤل يجيب عنه النص إجابة مؤقتة للمتلقي، كإمكانية الإضافة والتأويل(10).
والعنوان هو مجموعة العلامات اللسانية من كلمات وجمل وحتى نصوص، قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتعينّه، وتشير إلى محتواه الكلي، ولتجذب جمهوره المستهدف(11)، وهو ليس مجرد تسمية لمكتوب يعرف به ويحيل عليه، بل هو حلقة أساسية من حلقات البناء الاستراتيجي للنص، لأنه مفتاح التجربة وكنزها المعبأ بكل صنوف الوجدان ، كما أنه مفتاح الدلالة الكلية للقصة، يستخدمه القارئ الناقد مصباحا يضيء به المناطق المعتمة في النص(12).
إن عنوان النص الأدبي بوصفه شبكة دلالية يفتتح بها المؤلف نصه، ويؤسس عليها نقطة انطلاقه الطبيعية فيه، “يتوالد ويتنامى ويعيد إنتاج نفسه وفق تمثلات وسياقات نصية تؤكد طبيعة التعالقات التي تربط العنوان بنصه، والنص بعنوانه”(13)، وهو يأتي بمستوياته المختلفة ليبرهن بأنه العتبة الأهم من بين العتبات النصية من حيث العلاقة بالنص والقارئ معا؛ فهو يمنح النص الأدبي شخصيته وكيانه، ويكون في الوقت ذاته دليلا يقود القارئ إلى النص وتفاصيله.
تتعاظم أهمية عتبة العنوان في النص الأدبي حينما ندرك بأن عملية اختيار العناوين، عملية قصدية تخلو من الاعتباطية والعشوائية؛ فالعنوان يحمل رسالة لغوية تعرف بهوية النص “وتحدد مضمونه، وتجذب القارئ إليه، وتغريه لقراءتها، وهو الظاهر الذي يدل على باطن النص ومحتواه”(14).
لقد حدد جيرار جينت في كتابه “عتبات”، أربع وظائف للعنوان، تميزه عن باقي أشكال الخطاب، وهذه الوظائف هي:
(1) الوظيفة التعيينية: هي أولى الوظائف، وأشهرها، وفيها تشترك الأسماء جميعها “وتصبح بمقتضاها مجرد ملفوظات تفرق بين المؤلفات والأعمال الفنية” (15)، فهي في الأصل “تحديد لهوية النص وتبدو إلزامية، ولكن دون أن تنفصل عن الوظائف الأخرى”(16).
(2) الوظيفة الوصفية: هي وظيفة براجماتية، يسعى العنوان عبرها إلى تحقيق أكبر مردودية ممكنة، وهو ما يجعلها المسؤولة عن الانتقادات الموجهة للعنوان، وهي وظيفة يستعملها العنوان ليقول بها شيئا عن النص (17).
(3)الوظيفة الدلالية الضمنية المصاحبة: هي وظيفة ترتبط بالوظيفة الوصفية، وتحمل بعضا من توجهات المؤلف في نصه، كما أنها تعتمد على مدى قدرة المؤلف على الإيحاء والتلميح من خلال تراكيب لغوية بسيطة (18).
(4) الوظيفة الإغرائية: تعد من الوظائف المهمة للعنوان، المعوّل عليها كثيرا، بالرغم من صعوبة القبض عليها؛ فهي تغري القارئ المستهلك من خلال تحريك فضول القراءة فيه، وتنشيط الرغبة الشرائية لديه(19).
مما سبق يتبين بأن عتبة العنوان في النص الأدبي من أهم عتبات النص الموازي التي تحيط بالنص، وهي من أهم عناصر البناء الفني فيه، فهي بمثابة مدخل أساسي لولوج عالمه، وهي ترتبط به ارتباطا تواصليا ممنهجا، ولا تقل أهميتها عن ذلك في بناء النص القصص؛ حيث تشكل عتبة أساسية في تحديد أثره الأدبي، وبه تتجلى جوانب جوهرية تحدد الدلالات العميقة لأي نص قصصي.
ومن ثم فإن دراسة عتبات العناوين في القصة العمانية القصيرة أمر مهم؛ فهي ليست حلية شكلية بل إنها تقدم خدمة قرائية وجمالية تسهم في تلمس مواطن الجمال. وليس من المبالغة القول بأنه لا تكتمل دلالة بعض النصوص إلا بها، وقد يبقى النص رهن هذه العتبات، كما قد يحدث غيابها إشكالية تأويليه تحول بين المتلقي والفهم الدقيق للنص.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
دلالات عتبة العنوان في القصة العمانية القصيرة:
يأتي العنوان “في مقدمة الموجهات التي يمكن أن تستقطب فضول القراء من أجل العمل على حل مشكلات النص، لذا بدأت إشكالية عتبة العنوان تشغل حيزا استثنائيا في الدرس النقدي الحديث. إذ تكشف عن إمكانات خطيرة في فهم النص وتأويله، وأظهرته الدراسات الحديثة مفتاحا تأويليا كاشفا تبقى أية دراسة نقدية للنص الإبداعي ناقصة دون معاينته والنظر إليه بجدية”(20). وكل هذا سببته النظرة الأولى التي تعد أول لقاء مادي محسوس بين المرسل من خلال عنوان النص، بوصفه علامة لغوية، والمتلقي. وهذه العلامة اللغوية لا تقدم نفسها للمتلقي بسهولة؛ فغالبا ما تقدم مشفرة تحمل ألغازا تحتاج إعمال الفكر لحلها، مع العلم أن الحل لا يكون نهائيا، بل يقدم كل قارئ قراءته للعنوان من خلال تأويله الشخصي، وقد تكون معظم التأويلات صحيحة ومقبولة رغم تباينها. وهذه الدلالات تعطي في نهاية المطاف مفتاحا يتغلغل به إلى قلب النص(21).
من جهة أخرى، لقد أصبحت عملية الاهتمام بجماليات العنونة من أبرز الأمور البنائية في الشعرية الجديدة. لما تنطوي عليه عتبة العنوان من أهمية سيميائية كبيرة في تشكيل النص القصصي على النحو الذي يسهم إسهاما كبيرا في تطوير بنيته العامة ومنحه صفته الجمالية(22).
“سفر هو حتى مطلع الشمس”(23) هو عنوان مجموعة قصصية للكاتب سمير العريمي، وهو كذلك عنوان لإحدى قصص المجموعة. وجمالية “سفر هو حتى مطلع الشمس” تظهر في البعد الدلالي الذي يتضمنه هذا العنوان، فالسفر الذي يشير إليه الكاتب لم يكن إلى مكان من الأمكنة التي قد تتبادر إلى ذهن القارئ، وإنما خرق المكان المتعارف عليه ليمتد إلى حدود زمانية يعرّفها الكاتب بأنها مطلع الشمس. إذاً، فالكاتب يرمي إلى تماهي عنصري الزمان والمكان في النص وإلغاء الحدود بينهما، وذلك ما يصادفه المتلقي فعلا أثناء دخوله للنص، فالشخصية الرئيسية التي نستدل عليها بضمير الغائب “هو”، تصل إلى مكان ما بكل تأكيد، غير أن ذلك المكان لم يحدد، وإنما حدد الوقت الذي ستصل فيه، وهو مطلع الشمس. كما أن تلك الشمس، التي يقصدها الكاتب أيضا في قصته، ليست هي الشمس المعروفة بمعناها الحسي، وإنما هي كناية عن الحقيقة التي يود الوصول إليها، وهذا ما يستنتجه المتلقي كذلك من خلال المقطع التالي: “هنا غابت الشمس ذات شتاء، ولم تعد تشرق، فمن سيرسم النور فوق الجباه، ومن يزرع الشدو، أو يحصد الورد، عند الشفاه، سأرحل، لعلي أطبب نفسي الجريحة، سأرحل، سأبحر نحو الحقيقة، نحو الفجيعة نحو الصباح، سأرحل”(24).
كما يأتي عنوان قصة “عيون الفتى الميت”(25) في جملة ناقصة تتطلب من المتلقي أن يضع لها خبرا مناسبا يتم المعنى معه، فالسؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هنا: ما بالها عيون الفتى الميت؟. ثم سرعان ما تتداعى الأسئلة: من هو الفتى الميت؟ هل هو إحدى الشخصيات الموجودة في النص؟ هل هو شخص يعرفه المؤلف أم أنه المؤلف ذاته؟.
ثم إن عنوان القصة ينفتح على تأويلات كثيرة، لأن صفة “الميت” قد يكون لها معنى آخر يدل على الموت الوجودي أو المعنوي، وهو نوع من الموت قد يكون أشد ضراوة وأوقع ألما من الموت الطبيعي المعتاد، لأنه يترك للإنسان حرية الحركة المادية ويصادر منه حريته وإرادته اللتين هما أساس وجوده وجوهر كرامته الإنسانية.
قصة “مصرع الأمل”(26) تشتغل في مداها العنواني على جدل العلاقة بين “المصرع” بوصفه طريقا إلى الموت، و”الأمل” بوصفه نافذة على الحياة، إذ يلعب الأمل دورا مركزيا في فتح طريق الخلاص من مصرع الموت الذي لا يحيل على أي صورة من صور الحياة، فالأمل في النص يرسم خطوة محتملة باتجاه أفق آخر، لكنه يظلّ أملا ممتدا حتى خاتمة النص.
في حين يشير عنوان قصة “لا يجب أن تبدو كرواية”(27) من المنظور الأجناسي إلى أن النص ليس نصا روائيا، فهو ينتمي إلى جنس القصة وإن كان يشبه الرواية، وقد يكون بين القصة والرواية، وفي ذلك قلق يستدعي من القارئ تتبعه حتى نهاية القصة.
عنوان قصة “نميمة مالحة”(28) يعد من أكثر العناوين جمالية، فالحس الأنثوي للكاتبة لا يتضح من القراءة الأولية للنص فقط؛ بل هو مرتبط ارتباطا كليا بموضوعات جميع قصص المجموعة التي ركزت معظمها على الثرثرة التي تعتمر مجالس النساء في أغلب الأحيان.
إن جمالية العنوان مرتبطة بالصورة المبتكرة للنميمة، إذ أعطتها الكاتبة طعم الملوحة، وكأن النميمة أصبحت ملحا تحتاج إليه النساء لإعطاء قيمة إلى جلساتهن وأحاديثهن.
ومثل تلك الملوحة المبطنة نجدها أيضا في قصة “ملح”(29) التي أتت في الوقت ذاته لتحمل اسم المجموعة كاملة، فالكاتبة –وهي تكتب لأول مرة- تنثر على موضوعات شديدة الحساسية تتعلق بالمرأة نثارها الخاص، وهي تختار من القضايا ما يمكن معها أن تنفتح بعض الجروح في مجتمعات ذكورية لم تسمح للمرأة بعرض قضاياها الخاصة ومناقشتها كما يجب. ويبدو أن الكاتبة حينما اختارت عنوانها ليربط المتلقي بمضمون القصة، بل قصص المجموعة بأكملها؛ كانت تدرك أن تأثير ذلك العنوان سيكون كتأثير رش الملح على الجروح.
عنوان قصة “رفرفة”(30) يدخلنا بسرعة إلى أجواء النص، فهو يعلن منذ البداية بأن رفرفة العنوان هي ذاتها رفرفة المرأة العقيم التي يجف رحمها دون أن تجف عواطفها نحو الزوج الذي يقترن بأخرى تحفظ له الاسم. إن رفرفة العنوان هنا ليس فعل طيران كامل، حيث لا يبعد الطائر فيه عن عشه كثيرا بسبب إصابته أو عدم امتلاكه جناحين قويّين، وكذلك حركة المرأة، فروحها ما زالت ترفرف حول زوجها الذي تركها وتأمل أن يعود إليها.
“العابرون فوق شظاياهم”(31) هو عنوان ذو دلالة جمالية أيضا؛ وذلك لما يتضمنه من جرس موسيقي وما يحمله من رأي، فالعبور الذي يشير إليه العنوان هنا ليس عبورا حسيا أو اعتياديا، إنه عبور باتجاه الأمل، فجميع الشخصيات تعاني من الشتات والتشظي، ومع هذا تحاول العبور على شتاتها وتشظيها لتصل إلى مكان آخر بعيدا عن هذا الشتات.
وفي قصة “نوح الغياب”(32)، يأتي العنوان لافتا للنظر في طريقة إضافة الغياب إلى كلمة نوح، فالنوح مسند إلى شخصيات المجموعة وليس إلى الغياب نفسه، وفي ذلك انزياح في الدلالة المألوفة تؤدي إلى الخروج إلى معنى غير مألوف، وهذا المعنى يكمن في الصورة البلاغية. فالغياب يشكل وجعا في حد ذاته، ولتأكيد حدة الوجع جاءت كلمة “نوح” مرافقة له.
عنوان قصة “من هي؟”(33) يتخذ بدوره أيضا نمطا جماليا من أنماط التأليف الجملي بأسلوب استفهامي يتقصد الإثارة والتحريض على التأمل وتحفيز نظر المتلقي وذهنه لانتظار خطاب الذاكرة القادم، ولا يستهدف الحصول على إجابة ما. فـ “من هي؟” سؤال يستدرج المتلقي نحو منطقة تعد بالإثارة والتعدد والتنوع والمفاجآت، وتغريه بالاستسلام للسرد والوقوع في شباكه، وهي تختزن –عبر صيغة الاستفهام الدالة- أحداثا واعترافات مؤجلة.
مثل ذلك نجده أيضا في عنوان قصة “من سحرَ ابنة خالي؟”(34) فقد جاء بصيغة الاستفهام الاستنكاري، وهو استفهام يدل على حيرة وقلق وسعي لمعرفة من قام بسحر ابنة خال الساردة. وهي بهذا الأسلوب الاستفهامي تظهر عجزها عن معرفة من قام بفعل السحر، وقد يتبادر إلى ذهن المتلقي أن معرفة الفاعل أمر سهل، لكن ماذا لو كان السحر الذي تعنيه الساردة هنا سحرا من نوع آخر؟
خاتمة:
من خلال ما سبق يتبين أن القاص العماني أدرك أهمية وضع العنوان على رأس نصه القصصي على النحو الذي يجعله نصا موازيا بعمق، وذلك على اعتبار أنه المفتاح الإجرائي الأول الذي يمكن من خلاله الولوج إلى عالم القصة وكشف أسراره. فهو يعمل من خلال عنايته في اختياره على تهيئة مناخ شعري خصب قابل للدخول إلى متن النص القصصي وقد تسلح المتلقي برؤية مساعدة جعلته يدرك شيئا من إيقاعه وملامحه.
إن عتبة العنوان لدى القاص العماني تكشف عن جمالية خاصة تشتغل على فاعلية تركيز التبئير في منطقة حيوية، فهي تعمل على اختزال الفاعلية الأدبية للرموز، وهي بذلك تعمل على تسهيل مرور القراءة والتلقي. ولقد جاء اشتغال القاص العماني عليها بوصفها مدخلا يخلق نصه الخاص به، وهي لم توجد اعتباطيا، ولا جاءت بمحض الصدفة، بل صدرت عن سبق تفكير، وعن إحساس عميق بقدرة هذه العناوين على الإيحاء والتفسير.
وبذلك، فإن القصة العمانية القصيرة اهتمت بعتبات عناوينها اهتماما فاعلا، كونها تمثل مدخلا يؤدي وظيفة فنية، إضافة إلى كونه جزءا له أهميته في المادة المكتوبة، وقد وعى القاص العماني ما يمكن أن تؤديه تلك العتبات من دور جمالي مهم في فتح آفاق السرد إلى مساحات أوسع، ودعم البنى المضمرة في الصعود إلى سطح القصة القصيرة.
وعليه، تكون عتبة العنوان في القصة العمانية القصيرة قد حققت كثيرا من الجدوى الفنية والجمالية لفلسفة القصّ عند الكتاب، وذلك من خلال توافر وعي عال بالحدود التي تعمل عليها هذه العتبة، ودورها في ضخّ طاقة جمالية خصبة في المتن النصّي كلّه.
المصادر والمراجع:
1- المطوي: محمد الهادي، فن التعالي النصي والمتعاليات النصية، المجلة العربية للثقافة، تونس-تونس، عدد32، 1997، ص195.
2- حمداوي: جميل، السيميوطيقيا والعنونة، مجلة عالم الفكر، بيروت- لبنان، مجلد25، عدد3، 1997، 109.
3- جينيت، جيرار، خطاب الحكاية: بحث في المنهج، ترجمة: محمد معتصم، وعبد الجليل الأزدي، وعمر حلى، القاهرة- مصر، الهيئة العامة للمطابع الأميرية، ط2، 1997، ص15.
4- هيّاس: خليل شكري، فاعلية العتبات النصية في قراءة النص السيري: السيرة الأدبية للربيعي أنموذجا، المؤتمر النقدي الثامن لقسم اللغة العربية بجامعة جرش: الثقافة العربية/ جدل الحرية والإبداع، جرش- الأردن، نشر مطابع المؤسسة الصحفية الأردنية، عمّان- الأردن، 2005، ص94.
5- بلعابد، عبد الحق، عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص، الجزائر- الجزائر، منشورات الاختلاف، 2008، ص28.
6- لحمداني: حميد، عتبات النص الأدبي: بحث نظري، مجلة علامات في النقد، جدّة- السعودية، مجلد12، عدد46، شوال 1423هـ، ص8.
7- الحجمري، عبد الفتاح، عتبات النص: البنية والدلالة، الدار البيضاء- المغرب، منشورات الرابطة، 1996، ص7.
8- نفسه، ص8.
9- العلاق، علي جعفر، شعرية الرواية، مجلة علامات في النقد، جدّة- السعودية، مجلد 6، عدد23، 1997، ص100.
10- حمداوي: جميل، السيميوطيقيا والعنونة، ص109.
11- بلعابد، عبد الحق، عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص، ص67.
12- مداس، أحمد، لسانيات النص نحو منهج لتحليل الخطاب الشعري، إربد- الأردن، عالم الكتب الحديث، ط2، 2009، ص40.
13- الحجمري، عبد الفتاح، عتبات النص: البنية والدلالة، ص9.
14- البستاني، بشرى، قراءات في الشعر العربي الحديث، بيروت- لبنان، دار الكتاب العربي، 2002، ص34.
15- قطوس، بسام، سيمياء العنوان، عمّان- الأردن، وزارة الثقافة، 2001، ص50.
16- بلعابد، عبد الحق، عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص، ص83.
17- عبد القادر، رحيم، علم العنونة، بسكرة- الجزائر، دار التكوين، 2020، ص56.
18- بن الدين، بخولة، عتبات النص الأدبي: مقاربة سيميائية، مجلة سمات، مجلد 1، عدد1، مايو 2013، ص140.
19- بلعابد، عبد الحق، عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص، ص45.
20- عبيد، محمد صابر ، سحر النص من أجنحة الشعر إلى أفق السرد: قراءات في المدونة الإبداعية لإبراهيم نصر الله، عمّان- الأردن، دار الفارس للنشر والتوزيع، 2008، ص55.
21- الباتول، عرجون، د.ت، شعرية المفارقات الزمنية في الرواية الصوفية: التجليات لجمال الغيطاني أنموذجا، رسالة ماجستير، جامعة حسيبة بن بو علي، الجزائر، ص289.
22- نفسه، ص286.
23- العريمي، سمير، سفر هو حتى مطلع الشمس، مسقط- عُمان، وزارة التراث والثقافة، 2006.
24- نفسه، ص11.
25- المنجي، ناصر، عيون الفتى الميت، مسقط- عُمان، مؤسسة الرؤيا للصحافة والنشر، 2007.
26- العريمي، سعاد، أساطير عشق، مسقط- عُمان، وزارة التراث والثقافة، 2007.
27- البادي، هلال، لا يجب أن تبدو كرواية، مسقط- عُمان، وزارة التراث والثقافة، 2006.
28- الجهوري، هدى، نميمة مالحة، بيروت- لبنان، مؤسسة الانتشار العربي، 2006.
29- الإسماعيلي، بدرية، ملح، بيروت- لبنان، مؤسسة الانتشار العربي، 2014.
30- خلفان، بشرى، رفرفة، بيروت- لبنان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004.
31- الفارسي، عبد العزيز، العابرون فوق شظاياهم، بيروت-لبنان، مؤسسة الانتشار العربي، 2005.
32- النحوي، مريم، نَوح الغياب، بيروت- لبنان، دار الكنوز الأدبية، 2006.
33- البادي، هلال، مجرد خيال عابر، بيروت- لبنان، مؤسسة الانتشار العربي، 2005.
34- البلوشي، لينا، عينا محب، القاهرة- مصر، مكتبة بيروت، 2009.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)