معهد الترجمة، جامعة الجزائر 2 – أبو القاسم سعد الله، الجزائر
الملخص:
إن ترجمة الفلسفة عموما وفلسفة الحضارة خصوصًا وظيفة بالغة الأهميّة من حيث إنّها وسيلة لنقل رسالة المفكّرين إلى أجيال المستقبل لتحقيق النّهضة وتخليص الحضارة الإسلاميّة من الرّكود القاتل الذي تتخبّط فيه. ولهذا جاء بحثنا ليتناول مسألة ترجمة فلسفة الحضارة في فكر مالك بن نبي من الفرنسيّة إلى العربيّة وهو أحد أهم الفلاسفة المهتمّين بمشكلات الحضارة الإسلاميّة. ويلقى موضوع ترجمة الفلسفة منذ بضع سنوات صدى قوياً لدى الفلاسفة والمترجمين الغربيين، إلاّ أنّ المهتّمين به عند العرب قليلون جدًا، ولعلّ أبرز من اهتمّ بنقل الفلسفة إلى العربيّة مؤخرا الفيلسوفُ المغربي طه عبد الرّحمان الذي وضع نظريّة لترجمة الفلسفة إلى العربيّة وهي نظرية قائمة على توجه تداولي وأخلاقي يتبنى التأصيلَ سبيلاً لنقل الفلسفة. إلا أن خصوصية الفلسفة الإسلامية في فكر بن نبي، التي وإن كانت بغير العربية، تدفعنا لطرح الإشكالية التالية: إذا كانت ترجمة الفلسفة الغربية تتعارض في عديد النقاط مع مجال التداول العربي الإسلامي وتتطلب طريقةً مناسبة لترجمتها ، فماذا إذن عن طريقة ترجمة فلسفة الحضارة عند بن نبي؟ وكيف يتعامل المترجم مع خصوصية الفكر الإسلامي غير الناطق بالعربية؟ سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة بواسطة دراسة تحليلية نقدية في ضوء نظرية طه عبد الرحمان لنماذج من كتاب vocation de l’Islam لمالك بن نبي.
الكلمات المفتاحية: الترجمة، الفلسفة، نظرية طه عبد الرحمان، مالك بن نبي.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
المقدمة
تعتبر ترجمة الفلسفة عموما وفلسفة الحضارة خصوصًا وظيفة بالغة الأهميّة من حيث إنّها وسيلة لنقل رسالة المفكّرين إلى أجيال المستقبل للتخطيط من أجل حدوث النّهضة وتخليص الحضارة الإسلاميّة من الرّكود القاتل الذي تتخبّط فيه. وعليه جاء بحثنا ليتناول مسألة ترجمة فلسفة الحضارة في فكر مالك بن نبي من الفرنسيّة إلى العربيّة وهو أحد أهم الفلاسفة المهتمّين بمشكلات الحضارة الإسلاميّة.
ويلقى موضوع ترجمة الفلسفة منذ بضع سنوات صدى قوياً لدى الفلاسفة والمترجمين على غرار دريدا وريكور وبرمان وميشونيك وحديثًا لادميرال، إلاّ أنّ المهتّمين به عند العرب قليلون جدًا ونكاد نجزم أنّهم يعدّون على الأصابع، ولعلّ أبرز من اهتمّ بنقل الفلسفة إلى العربيّة في العصر الحديث الفيلسوفُ المغربي طه عبد الرّحمان الذي وضع نظريّة لترجمة الفلسفة إلى العربيّة وهي نظرية قائمة على توجه تداولي وأخلاقي يتبنى التأصيلَ سبيلاً لنقل الفلسفة وبالتالي أقلمتها مع مجال التداول العربي الإسلامي.
إلا أن خصوصية الفلسفة الإسلامية في فكر مالك بن نبي، التي وإن كانت بلسان أجنبي، تدفعنا لطرح الإشكالية التالية: إذا كانت ترجمة الفلسفة الغربية تتعارض في عديد النقاط مع المجال التداول العربي الإسلامي وتتطلب طريقةً ترجميةً مناسبةً لنقلها، فماذا إذن عن طريقة ترجمة فلسفة الحضارة في فكر مالك بن نبي؟ وكيف تعامل أشهر مترجم لمالك بن نبي عبد الصبور شاهين مع خصوصية فكره الإسلامي غير الناطق بالعربية ؟ سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها عن طريق دراسة تحليلية نقدية في ضوء نظرية طه عبد الرحمان لنماذج من كتاب vocation de l’Islam لمالك بن نبي.
بداية, سنتناول بالدراسة العلاقة بين الترجمة والفلسفة في العالم العربي والإسلامي عموما، ثم سنبين موقع النص الفلسفي في الدراسات الترجمية لنقدم بعد ذلك نظرية طه عبد الرحمان كي يتسنى لنا تطويق العلاقة التي تهمنا بالدراسة بين الممارستين الترجمية والفلسفية في المجال التداولي العربي. وأخيرا نقوم بدراسة تحليلية نقدية لبعض النماذج المأخوذة من كتاب مالك بن نبي المترجم من الفرنسية الى العربية متبوعة ببعض من أهم النتائج التي توصلنا إليها.
- الفلسفة الإسلامية وعلاقتها بالترجمة
إن الفلسفة والترجمة متلازمتان معرفيا عند العرب لأسباب تراثية، ذلك أن الفلسفة الإسلامية ارتبطت بالحركة الترجمية في العصر الذهبي للدولة العباسية وتحديدا في عصر المأمون عندما بدأ العصر الذهبي للترجمة ونقل العلوم الإغريقية وغيرها إلى العربية وهكذا كانت الترجمة بمثابة بوابة العرب لدخول عالم الفكر الفلسفي. إذ لم يدخل أرسطو مثلا إلى الساحة العربية إلا بعد حملة الترجمة التي قام بها الخليفة المأمون. ويؤكد بول كراوس )[1]( ” أنه لم يتم خلال الفترة الأولى قبل المأمون ترجمة أي شيء عدا الأجزاء الثلاثة الأولى من الأورغانون التي تتناول المنطق فقط دون الفلسفة الأولى و الطبيعية على عادة المسيحيين السريان, لكن حركة الترجمة في عصر المأمون مدّدت ذلك لتشمل كتب أرسطو غير المنطقية.” (لجابري، 2009، ص197) والحق يقال إن الفلسفة بدأت مسبقا عند المسلمين كتيار فكري ولكن ليس بالمعنى الحالي للفلسفة وسميت آنذاك بعلم الكلام )[2]( والذي نشأ عن ” عوامل إسلامية خالصة بدأت بمشكلات سياسية ارتبطت بالخلافة واقتتال المسلمين حولها. ومن ميدان القتال ظهرت على نحو طبيعي مشكلتان كبيرتان […] فكان السؤال: ما هو حكم المسلم الذي يقتل مسلما آخر: أيظل مسلما أم يصبح كافرا، أم أنه يقع في منزلة وسط بين الكفر والإيمان؟ […] ثم ظهر سؤال آخر حول الحاكم وشروط اختياره ومدى ضرورة وجوده ” (علي، 2011، ص93) وهكذا كانت أهم مباحث الفلسفة السياسية في الإسلام آنذاك.
ثم وصلت الفلسفة الإسلامية ذروتها عندما سمحت الترجمة للمسلمين بالاطلاع على الفلسفة اليونانية مما أدى إلى ظهور فلاسفة مسلمين يختلفون عن علماء الكلام، على غرار الكندي وابن سينا والفارابي والغزالي…الخ. ويعتمد هؤلاء على المنطق وتحكيم العقل لتحليل القوانين الكونية الناشئة من إرادة الله وبناءً على هذه النظرة، بذلوا جهودا كبيرة في سبيل وضع منهج قويم في دراسة الفلسفة يرمي لإصلاح ما رأوه فاسدا. وفي هذا الصدد يقول الكندي في مطلع كتابه إلى المعتصم بالله في باب الفن الأول؛ حدّ الفلسفة وعلو منزلتها: ” إن أعلى الصناعات الإنسانية منزلة و أشرفها مرتبة صناعة الفلسفة، التي حدها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الانسان، لأن غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق ” (الكندي، 1978، ص.25)
إنّ دوافع المفكرين المسلمين في الاهتمام بالفكر اليوناني آنذاك كانت جد مبررة إذ لا يمكن لحضارة مهما بلغت من قوة أن تعيش بمنأى عن الحضارات الأخرى فلابد من تلاقح الأفكار والعلوم ليحصل التطور المنشود. فكانت الترجمة الوسيلة المثلى لنقل تلك الروح العقلية والعلمية التي تحملها الفلسفة وبالتالي خلق توازن بنّاء مع الروح الغيبية الغالبة في ذلك الوقت على الفكر الإسلامي. ومنه يمكن الاستنتاج أن العلاقة بين الترجمة والفلسفة العربية الإسلامية علاقة وطيدة جدا وفريدة من نوعها فنحن لا نبالغ إذا ما قلنا إنه لولا الترجمة لما كانت هناك فلسفة عربية إسلامية. هذا لأن العلاقة بين الترجمة والفلسفة في مجال التداول العربي الإسلامي مختلفة لا بل معاكسة تماما لنظيرتها في مجال التداول الغربي. ففي المجال التداولي الغربي تُعد الفلسفة أصلا والترجمة فرعٌ عنها، أما في المجال التداولي العربي فالترجمة أصلٌ والفلسفة فرع)
- النص الفلسفي من وجهة نظر ترجمية
توصل الباحثون إلى ثنائية نصية ” dichotomie textuelle” تتعامل معها الترجمة وهي: النصوص الأدبية والنصوص التقنية. ففي أي من الخانتين يمكن تصنيف ترجمة النصوص الفلسفية؟ هل يمكن أن تستقبلها النصوص الأدبية رغم تقنية مصطلحاتها؟ أم تستقبلها النصوص التقنية رغم تعدد معانيها وضبابتيها؟ في هذا الصدد يقول جون روني لادميرال أحد كبار المهتمين بترجمة الفلسفة ما يلي:
Sans être vraiment passée tout à fait inaperçue, la traduction philosophique m’en a pas moins manqué à retenir toute l’attention qu’eût mérité son importance dans le champ des études traductologiques. Alléguant qu’il y a un jargon philosophique avec sa technicité, les traducteurs littéraires rejetteront la traduction philosophique vers les marches extérieurs de la traduction technique, et les traducteurs techniques souligneront au contraire le polysémantisme, quand ce n’est pas l’imprécision ou le flou, de la conceptualisation propre à chaque philosophe, qui fait dès lors figure d’écrivain confidentiel avec sa terminologie propre, de sorte que la traduction philosophique se trouvera alors assimilée à une ” spécialité” excentrique de la traduction littéraire. (Ladmiral,1981,pp19-34)
”بالرغم من أن الترجمة الفلسفية لم تمر مرور الكرام على الدارسين، إلا أنها لم تحض بالاهتمام اللائق بمكانتها في حقل الدراسات الترجمية. إذ يزعم المترجمون الأدبيون أن الترجمة الفلسفية تتسم بلغة اصطلاحية متخصصة بالإضافة إلى تقنيتها، وبالتالي فهم يلقون بها في طريق الترجمة التقنية، في حين أن المترجمين التقنيين يؤكدون على عكس ذلك؛ فتعدد المعاني أو الغموض والضبابية المتعلقة بالتصورات المفهومية لكل فيلسوف تجعل منه كاتبا سريا حاملا في جعبته مصطلحات خاصة به. وبالتالي تجد الترجمة الفلسفية نفسها مقترنة ”بتخصص” شاذ عن الترجمة الأدبية. ” -ترجمتنا- وقد نحى لادميرال نحو التصنيف التقليدي المكرّس للنصوص الأدبية في مقابل النصوص التقنية ولكنه أضاف إلى هذه الثنائية بعدا ثالثا يتمثل في نمط نصي جديد-قديم اسمه النص الفلسفي يتسم – بخصوصية– نمطية تجعل منه مختلفا وتعطيه الحق في الانتماء إلى خانة تصنيفية خاصة به في الدراسات الترجمية. وعليه، إضافةً إلى الثنائية الكلاسيكية التي أقرتها الدراسات الترجمية والمتمثلة في الترجمة التقنية مقابل الترجمة الأدبية أضاف لادميرال خانة ثالثة صنف فيها الترجمة الفلسفية.
كما قدّم رسما بيانيا يوضح تصنيفه الثلاثي وجاء على الشكل التالي:
التصنيف الثلاثي لأنواع الترجمات التحريرية حسب لادميرال:
نظرية الترجمة الفلسفية عند طه عبد الرحمن
طه عبد الرحمن فيلسوف مغربي متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق ويعتبر أحد أبرز الفلاسفة في مجال التداول الإسلامي العربي. تتميز ممارسته الفلسفية بالجمع بين التحليل المنطقي والتشقيق اللغوي وذلك في إطار الاشتغال على تقديم مفاهيم ذات صلة بالتراث الإسلامي بالاستناد إلى أهم مكتسبات الفكر الغربي المعاصر على مستوى نظريات الخطاب والمنطق الحجاجي وفلسفة الأخلاق وهو الأمر الذي جعله يأتي بفلسفة يغلب عليها التوجه ” التداولي” والأخلاقي ‘’. وهو يعتبر أن التقليد دخل على الفلسفة العربية الإسلامية من الترجمة لترابطهما الوثيق منذ بدايات الفلسفة العربية. فالواقع يقول إن أصل الفلسفة العربية هو الترجمة ولايزال الحال كذلك. وانطلاقا من هذا ألف الدكتور طه عبد الرحمن كتابه الموسوم بـ ” الفلسفة والترجمة ‘’ اشتغل فيه على نحت تصور جديد لترجمة النصوص الفلسفية، ذلك أن طه عبد الرحمن يعد الترجمة بمثابة سؤال مصيري للفلسفة العربية ويعتبره الدكتور صالح مصباح من أفضل المؤلفات التي تصدت نظريا لقضية الترجمة من مقام صلتها بالفلسفة (مصباح،2013، ع.6، ص ص 61 -75). أسهب طه عبد الرحمن في شرح نظرية الترجمة الفلسفية مستندا إلى التمييز بين فعل الفلسفة وفعل الترجمة وتحليل وجوه التعارض بينهما ثم عمد إلى اقتراح نظرية خاصة بترجمة الفلسفة إلى العربية، تتألف من مراتب ثلاث متفاوتة فيما بينها هي:
الترجمة التحصيلية والترجمة التوصيلية والترجمة التأصيلية. تتميز كل طريقة بخصائص مميزة لها، نفصلها فيما يلي: (عبد الرحمن، 1995،ص ص 299- 405)
هي ترجمة حرفية لكل ما يتضمنه النص الفلسفي الأصل لفظا ومعنى وتعمل جاهدة على محاكاة الصورة التعبيرية لهذا النص وتستحوذ عليها اللغة في صيغها الصرفية وبناها التركيبية ويعمل فيها المترجم على نقلها بتمام كيفياتها وكل مقتضياتها إلى اللغة الهدف. وتتصف الترجمة التحصيلية بخصائص ثلاث هي: التعارض الكلي والنقل الكلي والتوجه اللغوي. وينتج عن هذه الخصائص:
ليس المقصود بالسقم البعد عن معاني النص الأصل بسبب سوء الفهم أو التأويل إنما المقصود به إيراد المعاني – سواء أحسن فهمها أو لا-في تراكيب ملتوية تبتعد عن التركيب السليم للجملة العربية. ومثال ذلك يوحنا بن البطريق وابن الناعمة الحمصي ومتى بن يونس في الترجمة الذين اتسعت سمعتهم وكثرت نقولهم، لكن عرفوا بين معاصريهم بعسر عباراتهم وسقمها وغيرهم كثير خاصة خلال الطور الابتدائي لترجمة الفلسفة الى العربية.
لا يقصد به الإضافة أو الزيادة المفيدة بغرض الشرح والتوضيح، بل المقصود بذلك الإضافة التي تخل بفائدة النقل فتسقط في اللغو واللبس وهذا لعدم إلمام المترجم بالنقاط المشتركة بين اللغتين المنقول منها والمنقول إليها من حيث العلوم والمعرفة الفلسفية فعوض استثمار التشارك المعرفي يسقط في فخ الحشو بالشرح والتوضيح عند التعرض للتعاريف والتحليلات مثلا. وهو ما يسبب إرهاق فكر القارئ وإهدار وقته.
هي الترجمة التي تفي بغرض الأمانة المعنوية أو المضمونية وبتعبير طه عبد الرحمن هي تلك الترجمة التي تتوخى الحرفية المضمونية أي ” تُبلغ المضمون كله دون تصرف إلا التصرف في بعض الألفاظ لأن المضمون يقدس تقديسا كاملا فيسعى (المترجم) لنقل هذا المضمون بحذافيره ” فالمترجم التوصيلي يستحوذ عليه هم المعرفة فيتبع المكونات المعرفية للنص الفلسفي محققا معانيها المفردة ومضامينها المركبة مع مراعاة بعض مقتضيات التلقي في اللغة الهدف. وتتصف الترجمة التوصيلية للفلسفة حسب طه عبد الرحمن بالتعارض الجزئي والنقل الأكثري والتوجه المعرفي وتتجلى الترجمة التوصيلية فيما يلي:
تظهر غرابة الأسماء الفلسفية في حفظ صورها الصوتية الأصلية وكتابتها بحروف عربية وتشمل هذه الاسماء نوعين هما أسماء الأعلام والأسماء العامة
ينعكس هذا الوضع على اختراع مصطلحات على أوزان نادرة الاستعمال وتوسيع مدلولات بعض المفردات توسيعا يبعد إدراكها على الإفهام، كما ينعكس على استبدال معان مألوفة عند العرب بمعان غير مألوفة أو لا تعكس الدلالة الأصلية على غرار المصطلحات ذات الصيغ النادرة أو التوسيع الدلالي البعيد.
هي الترجمة التي تتصرف في النص الأصل ألفاظا ومعانيا بما يناسب المجال التداولي للقارئ العربي، مع الحفاظ على كل الصفات التجديدية للفلسفة فتصبح الترجمة وسيلة لبلوغ مقاصد الفلسفة. فالمترجم التأصيلي ينقل أقل ما يمكن من المضامين الفلسفية المفيدة له والتي من شأنها النهوض بقدرة المتلقي على التفلسف. وعلى هذا الأساس فإن الترجمة التأصيلية تتصف بالتوفيق الكلي والنقل الأقلي وينعكس ذلك في شكل آثار على الترجمة فيأتي فيها حذف وإضافة وتحويل.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
- الدراسة التحليلية النقدية
سنتناول النّماذج المنتقاة بالتّحليل والنّقد في ضوء نظريّة الترجمة الفلسفيّة التي قدّمها طه عبد الرّحمان. وقد جنحنا إلى اعتماد هذه النّظريّة لأنّها تهتم بصفة استثنائيّة بترجمة النّصوص الفلسفيّة إلى اللّغة العربيّة وهذا موضوع دراستنا بالذّات. وقد رأينا سابقا أن نمط النّصوص الفلسفيّة تنتمي إلى نوع خاص من الترجمة لاهي أدبيّة ولاهي تقنيّة بل هي الترجمة الفلسفيّة بكل خصوصيّاتها كما يقول جون روني لادميرال وبالتّالي وجب تناولها في إطار نظريّة ترجميّة خاصة بها.
سنصنف فيما يلي بعض النماذج المنتقاة حسب طريقة ترجمتها:
هي الترجمة التي تهتم بالنّقل الكلي للنص الفلسفي معنى وتركيبا.
يتحدّث مالك في فصل بعنوان النّهضة والحركة الإصلاحيّة عن النّفس الأوروبيّة التي تنقلب من مسيحيّة ذات فضائل جديرة بالاحترام إلى نفس مستعمرة عندما تحتك بالعالم الإسلامي، إلاّ أنّ هذا الأوربي قد ترك أثرًا فعّالاً إلى حدٍّ ما في تاريخ العالم رغم نفسيّته المحتقرة لبقيّة الإنسانيّة فيقول مالك في هذا الصّدد:
” Si détaché qu’il fût du reste de l’humanité, n’y voyant qu’une sorte de marche pied l’Européen n’en a pas moins tiré le monde musulman du chaos des forces occultes dans lequel sombre toute société qui substitue à l’esprit sa simple fiction ” (Bennabi, 2006, p.85)
وورد مقابله في العربيّة كما يلي:
“ ومهما كان في موقفه من انفصال عن بقيّة الإنسانيّة المحتقرة في نظره، والتي لا يرى فيها سوى سلّمًا إلى مجده، فإنّه قد أنقذ العالم الإسلامي من فوضى القوى الخفيّة، التي يغرق فيها كل مجتمع يستبدل الخيال السّاذج بالرّوح. (بن نبي، وجهة العالم الإسلامي1986 ،ص ص. 41-42)
ابتعد شاهين عن المعنى الذي أراده مالك بن نبي فجاءت ترجمته خاطئة سقيمة في معناها ويبدو أن الخطأ هنا غير مقصود فالأرجح أنّه لم ينتبه إلى التّرتيب الذي اعتمده مالك بن نبي في إيراد المفعول به الأوّل والمفعول به الثّاني بعد الفعل المتعدّي إلى مفعولين ( (Substituer، بحيث قدّم المفعول به الثّاني ((à l’esprit-COI على الأوّل (la simple fiction-COD) وذلك رغبة منه في إبرازه وشد انتباه القارئ إليه. لكن عبد الصّبور شاهين واجه على ما يبدو صعوبة في فهم المعنى الذي جاء في تركيب خاص. ويسمّى هذا المعنى بالمعنى النّحوي أو الدّلالة النّحويّة وهو “يستمّد من نظام الجملة وترتيبها ترتيبا خاصًا بحيث لو اختلّ هذا التّرتيب أو النّظام أصبح من العسير أن يفهم المراد منها، وهو يتحدّد بموقع الكلمة من الجملة وعلاقتها بأخواتها فيها، فالمعنى النّحوي للكلمة إنّما يظهر ببيان موقعها في الجملة وبيان نوع علاقتها بغيرها من الكلمات المستعملة في هذه الجملة أو بمعنى آخر بيان وظيفة الكلمة في الجملة” (خضير، ،2010، ص. 36 ) فالشائع هو القول:
“Substituer la simple fiction à l’esprit” وهذا ما نجده في معظم القواميس. مثلاً نجد في قاموس “Larousse ” :
“Substituer : verbe transitif, mettre une personne, une chose à la place d’une autre : substituer un enfant à un autre “
وفي قاموس Wiktionnaire:
Substituer : mettre en lieu et place de quelqu’un, de quelque chose d’autre : substituer la copie d’un tableau à l’original
وهذا هو الترتيب الشّائع الذي اعتمده شاهين على الأغلب في ترجمته:” يستبدل الخيال السّاذج بالرّوح ” وهو معنى عكسي للمعنى الأصل لأنّه لم يراع المعنى النّحوي، أمّا الترجمة الصّحيحة فتكون هكذا:“ ومهما كان في موقفه من انفصال عن بقيّة الإنسانيّة المحتقرة في نظره، والتي لا يرى فيها سوى سلّمًا إلى مجده، فإنّه قد أنقذ العالم الإسلامي من فوضى القوى الخفيّة، التي يغرق فيها كلّ مجتمع يستبدل الرّوح بالخيال الساذج
نموذج عن الحشو
يتحدّث مالك عن شروط الثّورة الصّحيحة القادرة على تغيير الانسان والأوضاع في العالم الإنساني:
“Mais le levier de cette révolution était mal forgé, il ne pouvait être efficace qu’à la condition d’être non pas un sentiment, “la fraternité islamique” mais un acte “la fraternisation islamique“. (Bennabi, op. cit., p. 90)
التّرجمة:
“لم يحسن تشخيص الدّافع إلى تلك الثّورة، وما كان لثورة إسلاميّة أن تكون ذات أثر خلاّق إلاّ إذا قامت على أثر “المؤاخاة” بين المسلمين، لا على أساس “الأخوة” الإسلامية، وفرق ما بين “المؤاخاة” وبين “الأخوة”: فإن الأولى تقوم على فعل ديناميكي، بينما الثّانية عنوان على معنى مجرّد تحجّر في نطاق الأدبيات” (بن نبي، المرجع السّابق، ص. 46)
أوّل ما جذب انتباهنا عند قراءتنا هذه التّرجمة هو طولها مقارنة مع الفقرة الأصل ولو أنّ المعنى فيها قد تحقّق إلاّ أنّه جاء في جمل فيها الكثير من اللّف و الدّوران، إذ نرى مثلاً عبارة “وما كان لثورة اسلاميّة أن تكون ذات أثر خلاّق” كمقابل لـــ “il ne pouvait être efficace ” وهذا المقابل جاء طويلا بالمقارنة مع الأصل فمالك بن نبي يتحدّث عن دافع قيام الثّورات والذي لم يكن فعّالا في نظره أمّا شاهين فقد أورد هذا المعنى البسيط في عبارة أطول وأحال عدم الفعاليّة على الثّورة لا على الدّافع وهو تصرّف طفيف في المعنى ليس بنيّة تغييره ولكنّه نتج عن التّطويل أو بعبارة أخرى الحشو.
ولعلّ أوضح حالة عن الحشو في هذا النّموذج هو العبارة من “إلاّ إذا قامت…” إلى “نطاق الأدبيّات” وفيها نقل المترجم المعنى نقلا غير مباشر إذ نقل جزءًا منه ]إلاّ إذا قامت على أساس المؤاخاة الإسلاميّة لا على أساس الأخوّة الإسلاميّة [ ثمّ الجزء الثّاني ]فإنّ الأولى تقوم على …نطاق الأدبيات [ كل هذا لنقل عبارة بسيطة اختصرها مالك بوضوح في قوله:
” Qu’à la condition d’être non pas un sentiment “la fraternité islamique” mais un acte “la fraternisation islamique””
وفي الجزء الثّاني أضاف كلامًا لم يقله مالك، مثل “عنوان على معنى مجرد” و”شعور تحجّر في نطاق الأدبيّات” وهذا حشو أدّى إلى إثقال المعنى عوض تبسيطه كما جاء في الأصل، ونظن حسب رأينا المتواضع أن الأصح هو أن نقول:
“لم يحسن تشخيص الدّافع لتلك الثّورة، لأنّ فعاليته مشروطة بقيام ثورة لا على أساس شعور يتمثّل في “الأخوّة الإسلاميّة” بل على أساس فعل يجسّد “بالمؤاخاة الإسلاميّة” “
نشير إلى أنّ بعض الإضافات التي وردت في التّرجمة المقترحة على غرار “يجسّد” مثلا لا تمسّ بالمعنى بل هي ضروريّة لتحقيقه حسب خياراتنا كمترجمين.
نماذج عن الترجمة التوصيليّة
هي النقل الأكثري للمعاني الفلسفية مع مراعاة نقل المصطلحات والأسماء الفلسفية.
نموذج عن ترجمة الأسماء الفلسفيّة
ينتقد مالك السّياسة المنتهجة لتحقيق تركيب حضاري فيقول:
“Il est d’ailleurs difficile d’appliquer le terme de politique aux initiations anarchiques de ces différentes élites, et le terme de “boulitique” que le peuple algérien emploie pour désigner les confusions , les illusions et les mythes, lui serait certainement préférable” )Bennabi, op. cit., p.142(
ترجمها شاهين هكذا:
“فإنّ من الصّعب إطلاق مصطلح “سياسة” على تلك المحاولات الفوضويّة التي مرد عليها مختلف الزّعماء، ولعلّ من الأفضل أن يطلق عليها لفظة “البوليتيكا” الذي يطلقه عامّة النّاس على صنوف التّخبّط والأوهام والخرافات وألوان المخاتلات”
يصف مالك السّياسة الفوضويّة المنتهجة في العالم الإسلامي باستعمال كلمة من اللّغة العاميّة الجزائريّة (أي الدّارجة) وهي”boulitique” وهذه الكلمة من أصل فرنسي “””politique إلاّ أنّها تنطق في الدّارجة الجزائريّة بتحريف حرف”p” إلى الباء العربي، وهي تعني في ثقافتنا الشّعبيّة التّزييف والكذب والتّهريج ويطلقها الجزائري على أفعال الشّخص الذي يتقن فنّ الخداع والكذب أو على من يزرع الفوضى والتّشويش فيقول أحدهم للآخر مثلاً: “حبّس علينا البوليتيك هذا” أي توقّف عن هذا الكلام الفارغ أو توقّف عن زرع الفوضى والتّشويش والكذب، فالمعنى نفسه ويتفاوت قليلا حسب السّياق. وترجمها شاهين هنا بـــ “بوليتيكا” عوض “بوليتيك” ربّما جهلاً منه للنّطق الصّحيح بها في المجتمع الجزائري ممّا ألقى عليها غرابة في النّطق فأصبحت غير مستساغة لا في المجتمع الشّرقي ولا في الجزائري فكان الأحرى به أن يترجمها بإعادتها إلى أصلها الجزائري كما فعل مالك فيقول “البوليتيك” ويحيل على الهامش (حاشية المترجم) ليشرحها للقارئ العربي الذي قد لا يحيط تمامًا بمعناها الجزائري.
كما نشير إلى ترجمة عبارة “que le peuple algérien emploie” بـــــ “الذي يطلقه عامّة النّاس” أين عوّض كلمة الشّعب الجزائري بــــ “عامّة النّاس” في رأينا كان عليه الحفاظ على الأصل بالقول: “الذي يطلقه الشّعب الجزائري” لإفهام القارئ أنّ الكلمة جزائريّة الاستعمال وهكذا قد يتحاشى حتى اللّجوء إلى “حاشية المترجم”.
وبالتّالي نقترح ترجمة معدّلة لترجمة شاهين:
“فإنّ من الصّعب إطلاق مصطلح “سياسة” على تلك المحاولات الفوضويّة التي مرد عليها مختلف الزّعماء، ولعلّ من الأفضل أن يطلق عليها لفظة “البوليتيك” التي يطلقها الشّعب الجزائري على صنوف التّخبّط والأوهام والخرافات”.
يصف مالك العقل الإنساني عموما والعربي خصوصا نافيا صفة “الذّريّة” كصفة فطريّة خاصّة به، فيقول:
“Il s’agit plutôt d’une modalité de l’esprit humain en général, lorsque celui-ci n’a pas encore atteint un certain degré de développement et de maturité intellectuelle, ou lorsqu’il a dépassé … plus précisément l’esprit discursif s’inscrit dans l’évolution historique entre deux stades d’atomisme” ) Bennabi , op.cit, p 48 (
الترجمة:
” بل هي طراز من طراز العقل الإنساني بعامة عندما يقصر عن بلوغ درجة معيّنة من التّطوّر والنّضج، أو عندما يفوتها، وبعبارة أدق يقع العقل المعمم في التطوّر التّاريخي بين مرحلتين من مراحل الذّريّة“. -(نشير إلى أن شاهين قد أحال على مصطلح “ذريّة” في الهامش وشرحه)-( بن نبي، ، المرجع السّابق، ص15 )
استعمل مالك بن نبي في هذه الفقرة ثلاثة مصطلحات فلسفيّة ذات معانٍ عميقة تصبّ كلها في وصف التّفكير المنطقي.
- أوّلاً: Modalité: وترجمها شاهين بطراز أي النّمط والشكل. (مجمع اللّغة العربيّة، 2004، ص.554)
أما Modalité de l’esprit فهو مصطلح استعمله مالك داخل سياق فلسفي يشرح طبيعة العقل الإنساني وكيفيّة معالجة القضايا الفكريّة فتسمّى تلك الكيفيّة مادة القضيّة واللّفظ الدّال عليها يسمّى جهة القضيّة ويقدّم الدّكتور جميل صليبا المقابل العربي المناسب لمصطلح Modalité مع شرح مفهومه:
“القضايا عند كانط ثلاث ولها ثلاث جهات (Modalité):
- القضايا الاحتمالية أو المشكوك في أمرها كما في طرفي القضايا الشرطية: جهتها الإمكان واللإمكان.
- القضايا الخبريّة المطلقة التي تكون نسبة محمولاتها إلى موضوعاتها مطابقة للواقع في الإيجاب والسّلب، جهتها الوجود وعدم الوجود.
- القضايا الضّروريّة التي تكون نسبة محمولاتها إلى موضوعاتها ضروريّة، جهتها الوجوب والجواز.” (صليبا، 1994، ص. 420)
أمّا بالنّسبة لقضيّة العقل عند مالك فهي خبريّة مطلقة مطابقة للواقع المعيش، وجهتها الوجود وعدم الوجود وهو الأمر الذي يتبيّن عند إجراء قراءة متمعّنة في تحليله لجهات العقل الإنساني فعدم الوجود: عندما يقصر عن بلوغ درجة معيّنة من التّطوّر والنّضج الفكري، وأمّا الوجود: فعندما يبلغ تلك الدّرجة ويتجاوزها.
وبالتّالي فكلمة طراز لا تناسب المصطلح الفلسفي (Modalité) الحامل لدلالات فلسفيّة عميقة تعكس تصوّر بن نبي لقضيّة العقل الإسلامي المتّسم بالذّريّة.
- ثانيًا: مصطلح (discursif) الذي ترجمه شاهين بـــ “المعمّم” وهي ترجمة غير دقيقة أيضًا تضفي نوعًا من الغرابة واللّبس في المعنى، فكلمة (discursif) تعني:
” En philosophie: qui procède par raisonnement، par enchainement de propositions, par opposition à intuitif”): https://dicophilo.fr/definition/discursif(
ويقدّم المعجم الفلسفي لمجمّع اللّغة العربيّة مقابلاً عربيًّا لها هو: انتقالي، ويشرح مفهومها كالتّالي: “انتقالي (discursif) : وصف للتّفكير الاستدلالي وفيه ينتقل الذّهن في خطوات من مبادئ إلى نتائج تترتّب عليها، ويقابل الحدس(intuitif) (مجمع الّلغة العربيّة،1983، ص. 24)
وبالتّالي فكلمة “معمّم” التي اقترحها شاهين لا تمتّ بصلة لا من قريب ولا من بعيد لمفهوم هذا المصطلح وكلمة “انتقالي” هي الأنسب خاصّة وأنّ مالكاً، إذا ما قرأنا الفكرة المواليّة للنموذج المقترح، يشرح ما عناه بكلمة (discursif) بإعطاء مثال يصوّر الأمر بوضوح:
” C’est ainsi que la pensée est forcément “atomistique” dans ses premières démarches, comme ce fut le cas en Europe à l’époque pré-cartésienne, et qu’elle le redevient lorsqu’elle cesse tout effort intellectuel, comme à l’époque post-khaldounienne dans le monde musulman”
أي أنّ الفكر في بدايته يكون “ذريًّا” ثم انتقاليّاً من مبادئ إلى نتائج معيّنة ليعود مرّة أخرى إلى “الذّريّة” عندما يتوقّف عن كلّ جهد فكري فعّال كما يحدث مع المسلمين ( Bennabi, op.cit, p 100)
- ثالثًا: نصل إلى مصطلح atomisme)) الذي يعتبر مدخل الدّراسة في كتاب مالك، وقد ترجمه شاهين بمصطلح “الذرّية” وهو اختيار جدّ موفّق لأنّه حافظ به على أسلوب مالك من جهة وأدّى به المفهوم الفلسفي الذي وصف به مالك العقل العربي والإنساني عمومًا من جهة أخرى، كما أرفق شاهين ترجمته بحاشية المترجم أين شرح فيه مفهوم الذريّة كالآتي:
“يقصد المؤلّف بالذريّة atomisme)) نزوع الفرد إلى تجزئة مشكلة الحياة فيتناولها ذرّة ذرّة” ممّا وضّح الصّورة وقرّبها أكثر إلى ذهن القارئ.
بناءً على هذه الملاحظات نقترح ترجمة بديلة نراعي فيها أسلوب مالك الفلسفي ونحافظ فيها على المصطلحات الفلسفيّة التي وردت في الأصل:
“بل هي جهة من جهة العقل الإنساني عموما عندما يقصر عن بلوغ درجة معيّنة من التّطوّر والنّضج، أو عندما يتجاوزها، وبعبارة أدق يقع العقل الانتقالي في التّطوّر التّاريخي بين مرحلتين من مراحل الذريّة “
- نماذج عن الترجمة التأصيليّة
هي الترجمة التي تتصرف في النص الفلسفي بالحذف وبالإضافة وبالتحويل.
“En Egypte, l’idée fondamentale tendant à créer la base morale de la vie musulmane s’est transformée et approfondie en un nouveau mouvement celui des Frères musulmans, dont il sera question plus loin”
الترجمة:
“فلقد رأينا في مصر أن فكرة الاصلاح تتغيّر، وتتحوّل في أعماقها إلى حركة جديدة، حين سعت إلى وضع أساس أخلاقي لحياة المسلمين، وستتناول هذه الحركة بالبحث فيما بعد (بن نبي، المرجع السّابق، ص. 54)
حذف عبد الصّبور شاهين عبارة ” celui des Frères musulmans” وقدّم ترجمة ناقصة لا تحوي جزءًا هامًا من المعنى الأصل الذي يسمّي هذه الحركة الجديدة في ميدان الإصلاح وهي “حركة الإخوان المسلمين” فهذه التّرجمة ليست حيّاديّة بل خاضعة لتصرّف إيديولوجي على المستوى الخطابي والثّقافي بحذف جزء هام من المعنى وتجنّب ذكر اسم هذه الحركة ربّما مراعاةً لظروف سياسيّة كانت سائدة آنذاك في مصر في عهد جمال عبد النّاصر، فمن المعلوم أن هذا الأخير قد اصطدم صدامًا شديدًا مع الإخوان المسلمين نتيجة مطالبتهم لضبّاط الثّورة العودة إلى الثّكنات وإعادة الحياة النيابيّة للبلاد ممّا أدّى إلى اعتقال عدد كبير منهم بتهمة محاولة اغتيال جمال عبد النّاصر سنة 1954 (وهي سنة صدور كتاب وجهة العالم الإسلامي) وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين محضورة منذ ذلك العام، كما تمّ إعدام عدد من قيادات الجماعة المؤثّرة. أمّا في سنة 1981 (وهي سنة صدور الترجمة العربيّة) فقد شهدت مصر معارضة شديدة لسياسات “السّادات” حتّى تم اعتقال العديد من الإخوان فيما سميَّ بإجراءات التّحفّظ في سبتمبر 1981.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على دوافع التّصرّف الإيديولوجي في التّرجمة التي قام بها شاهين إذ يبدو أن هناك قوى سياسيّة مارست نوعا من الرقابة على الإنتاج الفكري آنذاك وحضَرت أي ذكر لحركة الإخوان المعارضة للحكم. وعليه، نقترح ترجمة بديلة:
“فلقد رأينا في مصر أن فكرة الاصلاح تتغيّر، وتتحوّل في أعماقها على حركة جديدة تمثّلت في حركة الإخوان المسلمين، حين سعت إلى وضع أساس أخلاقي لحياة المسلمين، وستتناول هذه الحركة بالبحث فيما بعد”
نموذج عن الاضافة
يعتبر مالك بن نبي التّاريخ دراسةً اجتماعيّة، وبالتّالي هو ليس معزولا وتطوره مشروط ببعض الصّلات الضّروريّة مع بقيّة المجموعة الانسانيّة، فيقول هذا الصّدد:
“De ce dernier point de vue, l’histoire est une métaphysique parce que sa perspective –qui s’étend au-delà du domaine de la causalité historique- embrasse les phénomènes dans leur finalité” )Bennabi op.cit, p 63 (
الترجمة:
“ومن هذا الجانب يصبح التّاريخ ضربًا من الميتافيزيقا، إذ أنَّ مجاله يمتد إلى ما وراء السّببيّة التّاريخيّة، لكي يلم بالظواهر في غايتها. هذا الجانب الميتافيزيقي يضم الأسباب التي لا تدخل ضمن ما أطلق عليه توينبي “مجال الدّراسة” لحضارة ما. فالمؤرّخون حين يدرسون مثلاً انهيار الامبراطوريّة الرّومانيّة يقصرون الأسباب التي حتمت ذلك الانهيار على نطاق معيّن ينطبق على رقعة تلك الامبراطوريّة من ناحيّة وعلى السّهول الشّماليّة التي تدفّقت من القبائل الجرمانيّة من ناحيّة أخرى،…(إلى غاية) فهناك إذن خلف الأسباب القريبة أسباب بعيدة، تخلع على تفسير التّاريخ طابعًا ميتافيزيقيًّا أو كونيًّا أيًا ذلك كان” (بن نبي، المرجع السّابق، ص. ص. 21-23)
حجم الإضافة التي أوردها شاهين في ترجمته لهذه الفقرة يمتد على طول ثلاث صفحات لم نستطع نقلها كلّها لطولها المبالغ فيه، يشرح فيها الأسباب التي لا تدخل ضمن ما أطلق عليه “توينبي “مجال الدّراسة” لحضارة ما حتّى لا يختلط على القارئ ما قصده مالك بـــ “مجال دراسة التّاريخ إلى ما وراء السّببيّة التّاريخيّة” لكن إضافة شاهين هنا غير مفيدة البتّة بل فتحت قوسًا إضافيًّا لم يهتم به مالك كونه لا يدخل في علاقة مباشرة مع وجهة نظره في دراسة التّاريخ، كما أن بن نبي قد استرسل بعد فكرته تلك وشرحها شرحًا واضحًا إذ يقول أنّه تناول في دراسة سابقة هذا الموضوع من جانب الفرد لاستخراج الشّروط الضّروريّة التي يجب عليه التّحلّي بها من أجل المساهمة في الحضارة باعتباره العامل الحاسم فيها وبيّن أنّه هنا يتناول بالدّراسة النّاحيتين الأخريين: النّاحية الميتافيزيقيّة والنّاحيّة الاجتماعيّة كي يحلّل التّطوّر الحديث بين العالم الإسلامي وعلاقة هذا التّطوّر مع الحركة العامّة في التّاريخ الإنساني. وقد أوردنا هذا الشّرح المقتضب بعد قراءة متمعّنة لفصل “الظاهرة الدّوريّة” في المدوّنة لتبيين أن الإضافة التي أوردها شاهين خارجة عن موضوع الدّراسة التي يقوم بها مالك. إلاّ أنّنا نثمّن اجتهاده في تبيين الفرق بين مجال الدّراسة التّاريخيّة للحضارة عند مالك بن نبي ومجال الدّراسة عند أرنولد توينيي المتخصّص في فلسفة التّاريخ. بيد أن الأجدر هو وضع هذه الشّروحات الإضافيّة في الهامش كتعليق وسيحسب هذا اجتهادا للمترجم، لكن أن يضيفها في متن النّص الأصل يجعل اجتهاده إضافة تحسب عليه لا له.
وهذه الطّريقة في الشّرح والتّعليق في جهة مخصّصة لذلك خارج متن النّص الأصل معروفة أيضًا عند المترجمين العرب الذين سبقونا في التّرجمة” فالفارابي يستعمل طريقة الشّرح الكبير والتي يسمّيها هو على جهة التّعليق أي ذكر نص ثمّ التّعليق عليه وهي الطّريقة التي استعملها ابن رشد أيضًا فيما يسمّى في التّفسير الكبير وتدل هذه الطّريقة على احترام نصوص القدماء، لا على تبعيّتها وتقديسها، وهي طريقة تعلّمها المسلمون من شروحهم للقرآن الكريم كما تدلّ على التّمايز الحضاري بين الموقفين”
فمبدأ احترام النّص المترجم والمؤلّف يملي ضرورة نقل المعاني دون الزّيادة عليها لأنّ هذا يوهم القارئ أن الإضافة من كلام المؤلّف نفسه والحقيقة غير ذلك. وهذا لا يعني أنه لا يحقّ للمترجم شرح غموض ما لتقريب المعنى بل على العكس فإن الأمر مستحب إذا ما وضع خارج متن النّص كحاشيةٍ للمترجم تحسب اجتهادًا قيِّمًا من قبله.
نتائج الدراسة
لقد مكّنتنا الدّراسة التّحليليّة النّقديّة التي قمنا بها على ترجمة شاهين لكتاب
“Vocation de l’islam” إلى العربيّة أن نخلص إلى الملاحظات التّالية:
- أوّلا فيما يتعلّق بالاستراتيجية الترجميّة التي انتهجها شاهين فهي مزيج بين الطّرائق الثلاثة أي التحصيل والتأصيل والتّوصيل، إلاّ أن انتهاج طريقة ترجميّة معيّنة دون التّحكّم الجيّد بها لا يسلم من بعض الانزلاقات وهو ما لاحظناه في اتخاذه التّحصيل الحرفي طريقة في النّقل دون مراعاة خصوصيّة كل لغة فجاءت بعض الترجمات سقيمة المبنى والأسلوب متّسم بالحشو واللّغو غير المفيد ممّا أثّر سلبًا في نقل أسلوب مالك بن نبي الذي يتّسم بالاختصار والدّقة والكلمة الموزونة.
- كما لاحظنا في اتخاذه طريقة الترجمة التّوصيليّة للمعنى بعض الأخطاء في ترجمة بعض الأسماء والمصطلحات الفلسفيّة خاصة تلك التي تنتمي للثّقافة الجزائريّة الشعبيّة. لكنّه أيضًا وُفّق إلى حدٍ كبير باتخاذه التوصيل في تأويل المعاني الفلسفيّة على الوجه الصّحيح ومن ثمّ ترجمتها مع الدقة في نقل عدد من المصطلحات الفلسفية التي استخدمها مالك بن نبي وتميّز بها فكره.
- إلاّ أن انتهاج الطريقة التأصيليّة في ترجمة فلسفة بن نبي لم يكن موفّقًا أبدًا كون مالك بن نبي فيلسوفا مسلما وبالتّالي ففكره لا يتعارض أبدًا مع مجال التّداول الإسلامي. فحتى وإن كان فكره بلسان غربي، إلاّ أن روح أسلوبه جزائريّة مسلمة وهو ما لمسناه في عديد النّماذج التي انتقيناها وغيرها فلا داعي لتأصيل فكره بالحذف أو بالإضافة عليه بل من واجب المترجم نقله بكلِّ أمانة إلى القارئ الجزائري خصوصًا والعربي عمومًا، لاسيما أن مالكاً كان يولي الترجمة إلى العربيّة اهتمامًا كبيرًا حتّى يُنقل فكره بكلّ أمانة كما رأينا في الفصل الأوّل التطبيقي.
- كان المترجم متأثّرًا بأيديولوجيته السياسيّة ممّا دفعه إلى التّصرّف بالحذف وبالإضافة في ترجمة فلسفة مالك خاصّة حول القضايا السياسية والدينيّة وربّما كان مجبرًا على الخضوع لرقابة الدّولة المصريّة آنذاك على النّتاج الفكري المناهض لسياستها، لاسيما فيما يتعلّق بالإخوان المسلمين إلاّ أن ذلك العهد مضى اليوم بدليل وصولهم إلى الحكم وتعيين مرسي رئيسًا سنة 2012 لمصر بعد ثورة عارمة سنة 2011.
- وعليه نصل إلى أهم نتيجة خلصنا إليها في هذا البحث المتواضع وهي أن النصوص الفلسفية تتحيّن مع الزمن وتولد كل مرة من جديد لتتعايش معه وخاصة إذا ما تعلق الأمر بفلسفة الحضارة. فهي فلسفة مرجعية تحتاجها الشعوب المقهورة والغارقة في ظلام الركود الحضاري لكي تغترف منها أفكار الفيلسوف وتنهض بحضارتها. وعليه نقدم اقتراحا نأمل أن يترجم على أرض الواقع وهو ضرورة إعادة ترجمة النّتاج الفلسفي لمالك بن نبي لسببين هما: أولا الواجب الأخلاقي الذي يمليه علينا ضميرنا كمترجمين كون قامة فلسفيّة جزائريّة كمالك بن نبي لم تحض إلاّ بترجمة واحدة ووحيدة لكل كتبه تقريبًا على يد الأستاذ شاهين أو الدّكتور مسقاوي وهم مشكورون على ذلك جزيل الشكر فلولاهم لما تعرّف القارئ العربي على فكر الفيلسوف بن نبي رحمة اللّه عليه، إلاّ أن الوقت قد آن لإعادة ترجمة كتبه لأن الترجمة تذبل وتصبح قديمة أمّا الفكر فلا يذبل بل يتجدّد وهذا هو السّبب الثاني والأهم فأفكار مالك بن نبي لاتزال مجدّدة ومحلّ نقاش ودراسات عديدة إلى اليوم لا بل كلّما مرّ الزمن عليها كلّما عشنا الوقائع الحضاريّة التي ذكرها مالك منذ 44 سنة كونه سابق لعصره كما وصفه عديد الفلاسفة والمفكّرين فكيف يكون هذا الفكر حبيس ترجمة واحدة كانت خاضعة لرقابة الدّولة المصريّة سنة 1981؟!ويحضرنا في هذا السيّاق ما قاله كارل ماركس عن ترجمة جوزيف روي لكتاب “الرأسمال” إلى الفرنسيّة من أن تلك الترجمة وإن لم تكن نسخة مطابقة للنّص الألماني فهي تناسب الفكر الفرنسي وقت ظهورها، معنى ذلك أنّها لن تلائمه في وقت آخر وهذا بالضّبط ما تعرفه اليوم وما دعا إلى إعادة النّظر حتّى في تلك التّرجمة التي أمن عليها المؤلف نفسه وما دعا القراءات الجديدة تُصاحَب بترجمات جديدة كثيرة (إبراهيم، 2009, ص.29). ويمكن قياسًا على ذلك قول الشيء نفسه عن ترجمة مؤلّفات مالك والتي كانت تلائم فترة معيّنة ( في مصر فقط سنة 1981 وليس في العالم العربي والجزائر خصوصًا) ولكنّها لا تلائم الفترة الحاليّة، وعليه نرى ضرورة إعادة ترجمة كتب مالك بن نبي مرّة واثنتين وثلاث لأنّها حاملة لفكر فلسفي حضاري إنساني تحتاجه الأمّة الإسلاميّة في نهضتها تمامًا كما يترجم الغرب فكر ديكارت مثلاً أكثر من مرّة ذلك أنّ الترجمة تشيخ وتموت، إلا أن الفكر الإنساني لا يموت بدليل تجاوز أفلاطون وأرسطو الزمن وعيشهم بيننا ففكرهم لايزال يدرّس إلى اليوم والأمر ذاته ينطبق على الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي الذي لايزال فكره يشعّ نورا إلى اليوم.
المدوّنة
- Bennabi, Malek,2006 Vocation De L’Islam, Dar Albouraq, Beyrouth
- – بن نبي, مالك،1986, وجهة العالم الإسلامي، تر. عبد الصّبور شاهين، دار الفكر, دمشق
المراجع والمصادر
- ابراهيم ,احمد (ن.)، 2009, التأويل والترجمة: مقاربات لأليات الفهم والتفسير، منشورات الاختلاف, الجزائر
- الجابري, محمد علي، 2009, تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
- الكندي, ابن إسحاق أبو يوسف يعقوب، 1978, رسائل الكندي الفلسفية، كتاب الفلسفة الأولى، تق محمد عبد الهادي ابوريدة، مطبعة حسان, لقاهرة
- حسين ,علي،2011, ماهي الفلسفة؟، ، التنوير للطباعة والنّشر، بيروت
- مصباح. صالح، 2013, ”الترجمة وتجدد الفلسفة في العربية”، مجلة تبين، العدد 06
- عبد الرحمن, طه، 1995, فقه الفلسفة: الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، المغرب، الدار البيضاء
- خضير, محمد أحمد ،2010, الترتيب والدّلالة والسّياق: دراسة نظريّة، مكتبة الأنجلو المصريّة، القاهرة
- صليبا, جميل،1994 المعجم الفلسفي: بالألفاظ العربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة، ج.1، دار الكتاب العالمي، بيروت
- مجمع الّلغة العربيّة، المعجم الفلسفي،1983, الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة،. القاهرة
- مجمع اللّغة العربيّة، المعجم الوسيط،: 2004, مكتبة الشروق الدّوليّة، الطبعة الرّابعة, مصر
- -Ladmiral , Jean R,1981 ” Eléments de traduction philosophique”, revue Langue française, , Vol.51, N° 1, la traduction, pp.19-34
([1]) بول كراوس (1904- 1944) مستعرب يهودي, درس اللغات الشرقية بجامعتي براك وبرلين وله رسالة في “تاريخ الأفكار العلمية في الإسلام”.
([2]) اختلف الباحثون في سبب تسميته بعلم الكلام فذهب فريق إلى أن ذلك عائد لأبوابه التي عُنونت بـ: ” الكلام في كذا ” وقال آخرون إن السبب يرجع لاختلاف الفِرق حول كلام الله أمخلوق هو أم قديم؟
([3]) في كتابه ”الحق العربي في الاختلاف الفلسفي’‘ يسميها طه “الترجمة التعليمية” وفي ”روح الحداثة” يسميها ” الترجمة الدلالية”.
([4]) في كتابه “الحق العربي في الاختلاف الفلسفي” يسميها طه عبد الرحمن بالترجمة الإبداعية، وفي كتابه “روح الحداثة” يطلق عليها اسم الترجمة الاستكشافية.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)