نقد التحقيق عند الدكتور علي جواد الطاهر في كتابه، فوات المحققين : نقد لكتب محققة من التراث

د. علي جاسم سلمان محمد الغراوي

كلية التربية الاساسية، الجامعة المستنصرية، العراق

 الملخص

شهد العصر الحديث تحولاً في قراءة التراث، وإعادة انتاجه، فشرع الغربيون بقراءته، ووضع القواعد التي ساروا على وفقها لتحقيقه، ثم توجه قسم من المستشرقين الى التراث الشرقي، فأَعادوا الحياة الى كثير منه، بعد ذلك نهض علماؤنا لإحياء تراثهم، فاطلعوا على ما حقق منه، واخذوا من الغرب قواعد التحقيق التي رسموها، وما وجدوه منثوراً في التراث العربي والاسلامي، فحقق ما حقق من تراث الامة ولكن هذه الحركة العلمية لم تسلم ممن تطفل عليها، فأنتج تحقيقات حادت عن الجادة، فتصدى الحريصون على تراثهم لها، فشرعوا الى نقدها والاشارة الى فائتها، فكانت حركة ((نقد التحقيق)) تُقوَّم ما فات بعض التحقيقات، وتدلّ على اخفاقاتها. فكان الدكتور علي جواد الطاهر واحداً من اهم اعلام تلك الحركة، وتأتى ذلك له من حرصه على تراث امته المخطوط والمطبوع، يقف وراء ذلك قراءة مستوعبة لذلك التراث، ومداومة على مصاحبته، فنهض محققاً ودارساً للأدب العربي ونقده، وصار عنده (نقد التحقيق) درساً اكاديمياً. نشر الدكتور الطاهر مقالات عديدة على تحقيقات وجد فيها ما يستحق أن يشار الى فائته، وتصحيح ما جانب الصواب في أمور عديدة، وقد توج جهده هذا في كتابه ((فوات المحققين)). إنَّ الذي يقرأ ما كتب الدكتور علي جواد في نقده الكتب المحققة سيجد أنَّهُ أخلص لتقويم ما فات المحققين، بلا تعصب، أو تجريح، ولا حباً للتباهي، فلم يكن متحاملاً على احد، بقدر كونه اراد ان يقوم ما جانب الصواب من جوانب تحقيق النصوص، ما له علاقة به، وتوجيهه الى جادته الصحيحة متقناً، خدمة لتراث الامة، ولقارئه. لقد نهض بحثنا على مقدمة، ومبحثين خصص المبحث الاول للحديث عن حركة نقد التحقيق المعاصرة وخصص المبحث الثاني لمنهج الدكتور الطاهر في نقد كتب محققة. وختمنا البحث بما استنتجناهُ منه وبقائمة الهوامش والمصادر.

الكلمات المفتاحية : نقد، الطاهر، فوات المحققين.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

المقدمة

يمكن ان نصف منهجية موروثنا العربي الاسلامي بالموضوعية الدقيقة المنظمة على الرغم من بكارتها، ونجد مصداق ذلك في ما أُلَّفَ في تفسير القرآن الكريم، وقراءاته، وفهم غريبه، وتدوين الاحاديث النبوية الشريفة. أَمّا الدَّرس اللغوي فقد نهض عند الاسلاف خدمة لكتاب الله، وصوناً للسان العربي، وقد سار سيراً علمياً بحتاً لرسم الحدود العلمية لدراسة اللغة بحسب منهجية أصيلة، ملامحها واضحة، بها تحقق وضع الضوابط اللغوية، وكان ذلك في مطلع القرن الثاني الهجري، وتلك الحركة العلمية كانت تدور في فلك علوم القرآن فهماً وتحصيناً لكتاب الله العزيز، ولتنظيم أمور الامة الفكرية والعلمية والثقافية، فكان لتلك الحركة ان تكون راسخة ثابتة. تزامنت مرحلة جمع الحديث وتدوينه مع انطلاق علوم العربية والرحلة الى مشافهة الاعراب والسماع عنهم، وكان جمعة الحديث مَضْرب المثل في التثبت والدقة، حتى كان لغيرهم ان يتمثل بهم(1) لما يتصفون بتوثيق الاخبار وضبط النصوص، إذ كانوا ((عيار هذا الشأن، واساس هذا البنيان))(2) .

اما ما يخص علوم تفسير القرآن فقد مُهَّد له الطريق في رحاب الحديث الشريف تفسيراً وتأويلاً للقرآن الكريم اعتماداً على منهجية التفسير بالإسناد، وهذا المنهج ذاته اتبعه القراء وهو منهج يعتمد النقل رواية واسناداً. اهتمت الامة بتراثها الثري المتعدد، فسخرت امكاناتها المعرفية لخدمته قراءة واستدراكا وتعقيباً حتى مجيء عصر التحقيق ونقده.

وهذا النهج زاوله الاقدمون وكان بعض علمائنا ينظر في كلام غيره، استدراكاً، أو تخطئة أو رد متأخر رأي متقدم في عبارة أو مسألة، وقد تأتي تلك التعقيبات بألفاظ الاعتراض والمؤاخذة أو بالاستدراك وغيرها(3).

إنَّ مّنْ يطيل الوقوف عند مصنفات الأقدمين وبخاصة ما يتعلق بالتراث الادبي واللغوي يجد اصحابها يدققون في نصوصها شعراً كانت أو نثراً، فيهتمون بضبطها، ويعدون أن النقط أمر لابُدَّ منه، واستعمل بعضهم الرموز والمختصرات وهذا المنهج وجدناه واضحاً في معجم الفيروز آبادي – القاموس المحيط، إذ عمد الى استعمال الرموز الدالة على المواضع والبلدان والقرى ….الخ(4) ، كذلك كان هذا المنهج حاضراً في كتاب (كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون)، إذ وجدناه يكثر من ذكر الرموز والمختصرات، منها الرموز التي وضعت لأصحاب الكتب الستة في الحديث النبوي الشريف، ويبدو أن هذا الصنيع قد وجده في الكتب التي ترجم لها، ومن ذلك قوله:
(( ووضعوا لأصحاب الكتب الستة علامة ورموزاً بالحروف، فجعلوا (خ) للبخاري، لان نسبه الى بلده اشهر من اسمه وكنيته، وليس في حروف باقي الاسماء (خ)، ولمسلم (م) أول حرف اسمه…))(5) وقال: (( البحر المحيط للشيخ اثير الدين ابي حيان … الاندلسي وضع (ش) علامة للزمخشري و(ع) لابن عطية…))(6).

إذن استعمال الرموز والمختصرات كان معهوداً في مصنفات العرب منذ زمن مبكر، وهو منهج واضح في مؤلفاتهم(7)، لذا فأَنَّ اهتمام المحققين المحدثين بالرموز والمختصرات وجعلهم إياها من الاسس المنهجية في عملية تحقيق النصوص  لا يلغي سبق العلماء الاقدمين لهم في هذا الجانب. أما بعض المستشرقين(8) ولاسيما في الثلث الاول من القرن العشرين الذين يرون ان العرب لم يعتادوا على ذلك، فهو امر تدحضه الأدلة التاريخية في مصنفاتهم  التي يمكن الوقوف عندها حين مراجعتها في مظانها، وهذا ما لاحظناه عند صاحب (كشف الظنون) الذي ترسم خطاهم، وسار على هديهم. فالأمة اعتنت بتراثها بحرص شديد ضبطاً وإشارة الى ما جانب الصواب والى ما صحف وحرَّف وسقط، وحددوا مكانه في نصوص المتون، ووضعوا الاشارات التي تحدد الساقط، وتحدثوا عن الزيادات وكيفية علاجها بالضرب أو الحك أو المحو، وعندهم (الضرب) أفضل، وبعضهم عَدَّ الحك تهمة، وبعضهم رأى ان تحصر الزيادة بين قوسين (  )، أو توضع نقطة كبيرة فوق اول الزيادة وآخرها، وإذا تكررت كلمة – سهواً– ضُرب على الثانية، لأَنَّ الاولى صحيحة تغني عن الثانية او نبقي أجودهما كتابة، وكانوا يرون ان لا بأس بكتابة الحواشي على الجانب في حالة وجود سهو او خطأ أو إذا أرادوا الاضافة، وتكتب مقابل السطر المعني، وكانوا ينصّون بعدم الاكثار من الحواشي لكي (لا يُظَلَّم) الكتاب(9). ما تقدّم يمكن ان نستنتج منه طابعاَ عملياً لبعض قواعد تحقيق النصوص التي وجدناها منظرة عند الغربين في العصر الحديث، وهذا يعني ان العرب لا سابق لهم بالتنظير في ما يتعلق بقواعد تحقيق النصوص، بل كانوا يتعقبون(10) النصوص، ويعلقون عليها، ويفسرون غامضها ويعارضون بعضها، ويستدركون عليها، ويعالجون فوائتها، فضلاً عن ذلك وجدنا كثيراً من علمائنا يشيرون الى المصادر التي اعتمدوها في تأليفاتهم، فهذا ابن فارس إذ صرح في مقدمة معجمه بالمصادر التي اعتمدها في كتابه (مقاييس اللغة)(11)، وقد نهض في العصر الحديث كثير من علمائنا مستدركين، ومعقبين ومصححين لما وقع في كتب المحدثين، وتحقيقاتهم، زاول هذا النهج كثير من علمائنا في العصر الحديث كالكرملي، والدكتور مصطفى جواد، والاستاذ عبد السلام هارون، والاستاذ محمد ابي الفضل ابراهيم، والدكتور رمضان عبدالتواب وكثير غيرهم(12) وهذه الجهود كانت تنمُّ عن حرص شديد على تراث الامة مخطوطاً او مطبوعاً.

وفي العصر الحديث عصر الطباعة نُشر التراث، وصار بين أيدي القراء، واستقر علم تحقيق النصوص على ايدي المستشرقين الذين قيدوه بقواعد رصينة تضبط النصوص على الوجهة التي يراد لها، فأهتموا بنشر تراثهم الخطي، وتراث الديار الشرقية(13).

عرف العرب التحقيق الذي رسم ملامحه وأصوله الغربيون، حين حَلَّ المستشرق برجستراسل  زائراً الى جامعة القاهرة فألقى محاضرات حول تحقيق النصوص ونشرها التي استحالت في ما بعد كتاباً انتفع به العرب، فشرعوا بنشر تراثهم الخطي، ثم ألفوا كتباً بقواعد التحقيق، وكان الاستاذ عبدالسلام هارون قد نشر كتابه البكر ((تحقيق النصوص ونشرها))، فهو أول كتاب عربي في هذا الفن(14).

لا يغفل دور المستشرقين في نشر بعض تراثنا، إذ كان لهم فضل السبق بما قدّموا الى الباحثين، والدارسين، والقراء من امات مصادرنا، فأتقنوا اخراجها ضبطاً دقيقاً، وتحقيقاً متقناً. وحين عرف العرب في العصر الحديث قواعد نشر النصوص وتحقيقها، شرعوا بنشر تراثهم، وتحقيقه، واذا كانت بداية كل علم يشوبها بعض الهفوات، والاخفاقات، كانت بعض التحقيقيات غير متقنة في جوانب، فضلاً على ذلك – ولأجل الربح التجاري – طبعت بعض المخطوطات ليس على ما يراد لها، فحصلت اساءات إلى كتب حققها المستشرقون، فطرحت الهوامش، وحذفت المقابلات، ورفعت الصور، وأُلغيت الهوامش(15)، إلّا أن هذا الامر استدرك، وتعرَّض للنقد، إذ تبنى محققون أثبات تحقيق تراثهم، بعد أن وقفوا على قواعد التحقيق التي وفدت الينا من ديار الغرب، ومما وجُد متفرقاَ – عرضاَ – في بعض مصنفات الأولين، فنشروه متقن التحقيق، فاستوت عندهم منهجيات التحقيق العلمي على ما أُريد لها، ثم شرعوا بالتأليف في قواعد تحقيق النصوص ونشرها، فتوالت الاصدارات والجهود في هذا الحقل العلمي فكان الدكتور مصطفى جواد، والدكتور رمضان عبدالتواب، ومحمد ابو الفضل ابراهيم و الدكتور علي جواد الطاهر و الدكتور ناصر الدين الاسد والدكتور يحيى الجبوري، و الدكتور احمد صقر وغيرهم كثر.

حينها نشطت حركة التحقيق العلمي في الديار العربية، تسيدها من اتقن التحقيق على اصوله، ولازم التراث العربي المخطوط والموضوع فصدرت لهؤلاء تحقيقات خَدَمُوا بها تراث الامة وأذاعوه بين الدارسين، والباحثين الذين بهم حاجة اليه.

المبحث الأول: حركة نقد التحقيق

في الربع الاخير من القرن العشرين – وبخاصة في العراق – نشطت حركة علمية على يد سلاطين التحقيق في العراق، هدفها تقويم ما جانب الصواب في بعض التحقيقات، فاستدركوا، ونقدوا، وصححوا، ليستقيم التحقيق على الصورة التي تراد له، ولتنبيه القارئ على فائت تلك التحقيقات التي لم تراع بعض ما يراد لتحقيق النص التراثي تحقيقاً علمياً بعيداً عن التسرع، والكسب التجاري، والتسلط على جهود الاخرين، والوقوع في الاخطاء والسهو، وقد افادت هذه الحركة زيادة في المعرفة من جديد جَدَّ(16).

لقد استقر مصطلح (نقد التحقيق) في اذهان كثير ممن حرصوا على رصد ما حاد عن جادة التحقيقات العلمية الرصينة، وهذا الامر كان حاضراً عند الاقدمين، قبل ان يصبح التحقيق علماً اليوم، ومثال ذلك ما جاء في كتاب كشف الظنون: (( روض المناظر في علم الاوائل، والاواخر وهو تاريخ مشهور لابي الوليد … المعروف بابن الشحنة …ثم سأله بعض طلبته … في اختصار فأجابه، ورسمه وبالغ في الايجاز غير أنَّ ناقله الأول نقله من مسوّدة فقدم وأخر، وزاد ونقص فترتب عليه مفاسد))(17)، لقد نال نقد التحقيق في العصر الحديث – على يد قلة من كبار المحققين – نصيباَ عظيماَ، وبمرور الزمن اتسعت دائرته، واستقر مصطلحاً علمياً، وهو عند الدكتور الطاهر يأتي بعد التحقيق ((يمتحنه، ويدرس مدى ما راعى من القواعد، ومدى ما قصر، واذا كنا مقصرين في هذا الجانب، فلا بد لنا من تلافي النقص، خدمة للتحقيق، وسهراً على التراث))(18)، وقد تمثل ذلك مصداقا في كتابه فوات المحققين، إذ يقول: ((ويقع كتابنا هذا في نطاق نقد التحقيق))(19)، ونشر بعض المحققين كتباً وجهت عنايتها الى نقد كتب محققة، سواء أكانت نثراً، أم شعراً، تحرت فائت تحقيقاتها من المخطوطات، والاوهام في تخريج النصوص، وسوء قراءة النص المحقق، وما جَدَّ حول الكتاب المحقق، وغيرها، وقد صدر للمحقق الاستاذ هلال ناجي في هذا الجانب (بحوث في النقد التراثي) و(المستدرك على صناع الدواوين)، وصدر للدكتور يونس السامرائي (مع بعض الكتب المحققة) و(في نقد التحقيق) وكان للدكتور حاتم الضامن شأن بهذا الامر، وبخاصة في محاضراته في نقد التحقيق في مؤسسات علمية في بعض دول الخليج العربي، وكذا الامر مع الدكتور بشار عواد(20).

إِنَّ قارئ هذه الكتب، والمقالات، والمستمع الى بعض المحاضرات يجد اصحابها أنهم اتبعوا منهجية متقاربة في تعاملهم مع التحقيقات المنقودة، وقد يجد فارقاً بحسب طبيعة التحقيق المنقود.

الذي يقرأ ما كتبه الدكتور الطاهر في (نقد التحقيق) يجد أن المصطلح كان راسخاً واضحاً مستقراً عنده، ذلك لأنه مارس التحقيق، وخبر دقائقه، فضلاً عن ذلك فأَنَّه أكاديمياً جعل التحقيق أو نقده درساً في الدراسات العليا، وقد كتب مقالات كثيرة في (نقد التحقيق) في مجلات وصحف عديدة، منها مجلة المكتبة، ومجلة الاديب البيروتية، ومجلة المجمع العلمي في دمشق، وفي جريدة الجمهورية البغدادية، حدث ذلك منذ سبعينيات القرن المنصرم(21).

وفي هذا المنحى صدر له كتاب (كتب محققة وفوائد)، و(ملاحظات على وفيات الاعيان)، الذي حققه الدكتور إحسان عباس سنة 1977، وهو من الكتب التي وقف عندها الدكتور الطاهر ناقداً فوائته في كتابه ( فوات المحققين).

إنَّ الذي يقرأ ما كتب الدكتور علي جواد في نقده الكتب المحققة سيجد أنَّهُ أخلص لتقويم ما فات المحققين، بلا تعصب، أو تجريح، ولا حباً للتباهي، فلم يكن متحاملاً على احد، بقدر كونه اراد ان يقوم ما جانب الصواب من جوانب تحقيق النصوص، ما له علاقة به، وتوجيهه الى جادته الصحيحة متقناً، خدمة لتراث الامة، ولقارئه.

وكان – منهجياً – حين يقف عند كتاب، يقلَّب أبعاده كلها، ولم يُسَلَّم بكل ما يجد في المصادر، بل يوازن بين الاقوال، ويحاكم الآراء، بعقل صارم ناقد(22)، ولذلك لم يطمئن للنص المحقق، وما قيل فيه وحوله من دون تمحيص، ونقد، فكانت قواعد تحقيق النصوص ونقدها تنساب بين سطور الكتاب، تنظيراً، وتطبيقاً، وهو يرى ان المحقق (من الممكن جداً أن يقع في الخطأ أو السهو… وليس صحيحاً أن يبقى الخطأ في مكانه، ويمر السهو على الاخرين، ومن هنا كان واجب جديد يلقى على القارئ العارف في تصحيح الخطأ عندما يوجد، والتنبيه على السهو عندما يحصل، وواجب كذلك على المحقق نفسه أن يصغي إلى القول، ويستمع ويستجيب، ويشكر) (23).

 وفي ما يتعلق بمصطلح ( نقد التحقيق) نجد أن الدكتور الطاهر في كتابه (فوات المحققين) قد منحه استقراراً، وشيوعاً، وصارت له اهداف، وغايات(24)، ولذلك يمكن القول: إنَّ كتاب ( فوات المحققين) جاء حاملاً تجربة الدكتور الطاهر في مجال التحقيق ونقده، وعنده أن علم التحقيق يوطد اساسه نقد التحقيق، ليخرج الكتاب المحقق منزَّهاُ، وعلى الصورة التي تركاه صاحبه، ويطلبها القارئ، فالنظرات النقدية لم يرد منها اسقاط النص المحقق، واذاعة عيوب محقَّقه، او التشهير به، والتقليل من شأنه بقدر خدمة النص بالفوائت، والتعليقات، بعد الرجوع الى مصادر النص التي فات بعضها المحقق، والتنبيه الى قضايا اهملت، وقد تقف – عرضاً – على تغيير في لغة الدكتور الطاهر مع بعض المحققين، فتغير(– حسب مقتضى الحال – خشية شيوع الكسب الحرام، وذيوع شهادة الزور، وفساد المنطق) (25).

 هذه التجربة الغنية عند الدكتور الطاهر غذتها عوامل عديدة، تتقدمها الموهبة والحرص على تنميتها، إذ قرأ تراث امته قراءة حريصة، دقيقة، فاحصة ألمَّ بصلبها، وحواشيه.

وحين حطَّ رحال معرفته العلمية في سوربون فرنسة، هناك وسع دائرة معرفته، بعد أن اخذ من العالم الفرنسي بلاشير ما به حاجة اليه، فلازمه أُستاذ درس، ومشرف بحثه (الشعر العربي في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقي)، هناك قرأ كتاب أُستاذه (قواعد تحقيق النصوص) فزاول التحقيق في عقر داره، وأدام صلته بالكتاب العربي مطبوعاً ومخطوطاً، وبالحقول المجاورة له، فجعل لنفسه منهجاً معرفياً متسع (26) المفاهيم فألّف في منهج البحث، فكان كتابه الذائع الصيت – منهج البحث الادبي – في نظر الباحثين، فضلاً على ذلك كان ناقداً بارعاً، ومقالياً متمكناً في صياغته اللغوية، والاسلوبية، وطريقة معالجته الموضوعات التي كتب بها.

وكان محققاً ثبتاً متمرساً بارعاً، لاز م الاطلاع على خزائن المخطوطات في المكتبات العربية والأجنبية، وهو يلاحق مطبوعات أمّات الكتب العربية، ويشهد على ذلك كتابه (فوات المحققين)، فهو يدلُّ على تلك التجربة الغنية، وهو في كل ذلك لم يغادر الرأي الأصيل، تحفه اصالة السداد في منطقه(27).

 أمّا لغته فهو يحرص على فصاحتها، ولم ينزل بها الى دون ذلك فكان يبتغي الافصح، ولا يجامل على حساب لغته، ولكنه يميل الى التيسير، وبلا تكلف، وقد ينحو – احياناً – إلى جادة الدكتور مصطفى جواد(28).

وهو في نقده الكتب المحققة يقف مدققاً ما جانب الصحيح اللغوي، فيتعقبه، ويشير الى موطن الخطأ فيه، لغوياً كان أو أُسلوبياً.

مما تقدم يمكن القول إنَّ حركة نقد التحقيق التي نشطت في سبعينيات القرن المنصرم وبعده، كانت قد صبت عنايتها وهي تتصفح الكتب المحققة على:

واحد– فائت التحقيق من المخطوطات.

اثنان– أوهام في تخريج النصوص.

ثلاثة– سوء قراءة النص المخطوط.

اربعة– ظهور جديد حول الكتاب المحقق.

خمسة– تصحيحات لغوية.

ستة – متابعة مخطوطات النص المحقق.

سبعة– الوقوف عند بعض مصادر التحقيق، وأُمور اخرى.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

المبحث الثاني: منهج الطاهر في نقد التحقيقات

يمكن ان نوجز القول في المنهج الذي اتبعه الدكتور الطاهر في كتابه (فوات المحققين) الذي لم يفارقه – غالباً– وقد تمثل ذلك في:

1-1: التعريف بالكتاب المحقق الذي يقف على فائته، فيذكر مؤلفه، ومحققه، ومكان طبعه، وسنة طبعه، وعدد مرات الطبع، وتحقيقات الكتاب الاخرى – إن وجدت – وما طبع منها بلا تحقيق، فضلاً على ذلك – أحياناً –  يوجز القول في توصيف الكتاب، وبيان اهميته.

ومن ذلك قوله في كتاب وفيات الأعيان: (من أُمهات الكتب العربية، والأمر مشهور جداً، وقد طبع مراراً، وصدرت آخر طبعة له عن دار الثقافة ببيروت، تحقيق الدكتور إحسان عباس، فجاءت في سبعة مجلدات)(29)، وقال في كتاب (المحمدون من الشعراء – ط / بيروت ألَّفه علي بن يوسف القفطي، حققه حسن مَعَمَّري، راجعه وعارضه بنسخة المؤلف حمد الجاسر- منشورات دار اليمامة بالرياض – مطبعة المتنبي – بيروت 1969)(30)، وقد وصف الكتاب بكونه ينفع الدارسين، والمحققين، لما فيه من الاخبار، والاشعار(31)، ومما قاله في كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير: (كتاب مهم، ومهم جداً في بابه من البلاغة والنقد والكتابة … ومنهج البحث. عرف الناس قدره في عصره، وعلى مر العصور، وما زالت العناية تزداد يوماً بعد يوم، وشأنه يرتفع) (32).

2-1: يلاحظ في كتاب (فوات المحققين) ان صاحبه لم يغفل ما يبذله كثير من المحققين، لإخراج النص المحقق على الصورة المرجوة له، ومن ذلك قوله في محقق كتاب المحمدون من الشعراء للقفطي الدكتور عبد الستار خان ( وقد بذل المحقق جهداً بيناً تدل عليه نظرة سريعة الى الهوامش، وقدم له بما يدل على الاستقصاء، والسهر، لإيجاد الحقائق والمزايا)(33).

كذلك قوله في محقق كتاب (الحيوان) للجاحظ: (انجز الاستاذ هارون بتحقيقه كتاب الحيوان عملاً نادراً، يعد من مفاخر الجهود العلمية المعاصرة)(34).

3-1: ومن منهجه ايضاً أنَّه يسوغ لتلك النقودات، وبحسب طبيعة الكتاب المنقود، ومن ذلك قوله في تحقيق كتاب (المحمدون من الشعراء وشعرهم) الذي حققه حسن مَعَمَّري: (ولا شك في أنَّ أي تحقيق على المنهج العلمي يتعب صاحبه، ويلزمه بأشياء كثيرة تعرّضه – بدورها – إلى سهو حيناً وشيء من التقصير حيناً اخر، ومن هنا وجب على القارئين والباحثين ممن لهم صلة بالكتاب المحقَّق أو بجزء منه أن يبدوا ما يعن لهم من ملاحظات امتحاناً لصحتها، وإسهاماً في الكمال، وبمعنى من هذا سمحت لنفسي تسجيل الملاحظات)(35)، وهذا الامر يبدو جلياً في فواته على تحقيق كتاب (المحمدون من الشعراء) للقفطي الذي حققه السيد محمد عبدالستار خان، إذ قال (ويصعب أن يحقق كتاب كـ (المحمدون)، ويسلم صاحبه من فوات هنا أو فوات هناك)(36)، ومن جانب آخر تجد الدكتور الطاهر يقف وقفة طويلة عند بعض الكتب المحققة، للإخفاقات المنهجية التي يفترض أنَّ يتنزّه منها الكتاب المحقق، وهكذا كان مع كتاب (المثل السائر)، لابن الاثير الذي حُقق أكثر من تحقيق، ومنها طبعة دار نهضة مصر، إذ إنَّ (التقصير الكبير الذي يكتنف طبعة دار نهضة مصر… يدعو المرء الى بحثه منهجياً… ولا بُدَّ لمن يرجع اليها، وهي الطبعة المتيسرة حالياً أن يكون على علم سابق بها يجعله في حذر دائم من امرها)(37)، وكذا يرى في تحقيق الشيخ محي الدين عبدالحميد للكتاب نفسه، إذ عرف في تحقيقاته بالأكثار والأسراع، وكل ذلك تقف وراءه دوافع تجارية كسباً للمال(38).

4-1: وجدنا الدكتور الطاهر يدون ملاحظات، إنْ وَجَد خللاً في معاير تحقيق النصوص التي عرفها المنشغلون بهذا العلم.

ومن ذلك وردت في ترجمة (اليشكري) في كتاب (المحمدون من الشعراء) قصيدة مدح لليشكري، وقد وقف الطاهر عند بيتها الخامس

الحق أبلج، والسيوف عواري                       فحذار من أسد العرين حذار(39)

فقال: (كان المناسب ان يوضع بين أربعة اقواس ((..))، لأنَّه مضمَّن، فهو ليس من شعر اليشكري، وإنما هو مطلع قصيدة مشهورة لأبي تمام مدح بها المعتصم عند احراق الأفشين)(40)، وهذه الملاحظة ليست بغريبة عن منهجية البحث، وتحقيق النصوص.

وفي نقده منهج تحقيق كتاب (المحمدون من الشعراء – ط حيدر آباد) الذي حققه الدكتور محمد عبدالستار خان، استوقفته حاشية المحقق المتعلقة بكلمة (بحاصر) التي وردت في قول الأبيوردي الذي قال فيه:

فلست بحاصر إن لم ازرها                        على نهل شبا الأَسل الطوال

يقول الطاهر: (في الحاشية: هذا في الاصلين، وفي الحموي بحاصن. الأصوب في فن التحقيق أَن نثبت الأقرب الى الصحة في المتن أي أن تقول: فلست بحاصن، ثم نوضح الامر في الحاشية. وهكذا فعلت ط. بيروت ص49)(41).

وهذا ما عليه أهل التحقيق، لأن الآصل ان نقدم النص المحقق على الصورة التي ارادها صاحبه، ويطلبها المتلقي.

ومن ملاحظاته على منهجية تحقيق كتاب وفيات الاعيان – ط بيروت في مجلدها الاول، وقف الدكتور الطاهر عند نص جاء فيه: (… الخصيب بن عبدالحميد… ولأبي نواس فيه قصيدتاه الرائيتان، وكان قد قصده بها إلى مصر وهو أميرها، ومن احسن قوله في إحداهما:

تقول التي من بيتها خفَّ مركبي          عزيزٌ علينــــا أن نراك تسيــرُ

    دعينــي أُكثّر حاسديكِ برحلــــــةٍ              إلــى بلـد فيه الخصيبُ أَميــــرُ(42)

وقد علَّق على هامش المحقق بعد كلمة (أمير) الذي قال فيه: (اكتفينا بهذا القدر من القصيدة، وحذفنا (10) ابيات، لأَنَّ القصيدة وردت في ترجمة ابن الدراج)(43)، بأن هذا المنهج لا يجوز في تحقيق النصوص، إذ واجب المحقق ان يقدم النص المحقق على الصورة التي تركها صاحبه، إذ إنَّ ابن خلكان ذكر (14) بيتاً من رائية ابي نواس، والمنهج التحقيقي يفترض ذكرها كلها، إذ لا حجة للمحقق في ان الابيات العشرة وردت في ترجمة اخرى، لأن هذا تحقيق ومنهجه غير منهج التأليف في هذا الامر، إذ الواجب أن نقدم النص كما ورد في موضعه من الوفيات، وإذا وجد تكرار يشار اليه في الحاشية(44).

ويرى الدكتور الطاهر أنه ليس من منهجية تحقيق النصوص (عندما ترد آيات في المتن يعقبها المحقق في المتن نفسه باسم السورة ورقم الآية من السورة بين قوسين، وليس هذا من حق المحقق، لأنَّ المتن خاص بالمؤلف… لذا حسن بالمحقق أن يُنزل هذه الفائدة كلما قصد اليها إلى الحاشية)(45)، وهذه الملاحظة جاءت من وقوفه على منهج محقق وفيات الاعيان ط. بيروت المجلد الرابع/ 1971، إذ يذكر اسم السورة، ورقم الآية، في المتن المحقق من دون أن يذكرها المصنف، وهذه المنهجية لا تتوافق مع منهجية الدكتور الطاهر في التعامل مع متن النص المحقق.

وحين وقف الطاهر عند نص في وفيات الاعيان المجلد السادس ص23 سُئِلَ فيه ابو العلاء المعري عن ابي تمام والبحتري والمتنبي أيهم اشعر؟

استوقفه قول ابي العلاء المعري الذي قال فيه جواباً للسائل: (حكيمان والشاعر البحتري)(46)، والطاهر يرى ان سقطاً حصل في التركيب، وللتأكد، رجع إلى طبعة اخرى، وهي طبعة الوطن من كتاب الوفيات فتأكد ظنه إذ وجد فيها: (إنَّه قيل لابي العلاء المعري أي الثلاثة أشعر ابو تمام أم البحتري أم المتنبي، فقال: ( المتنبي وابو تمام حكيمان، وإنَّما الشاعر البحتري)(47)، وقد تساءل الدكتور الطاهر قائلاً: (تُرى أما وجد المحقق في النسخ الخطية الكثيرة ما يطابق ما جاء في طبعة الوطن؟)(48).

لقد كان الدكتور الطاهر في وقفاته ناقداً هفوات التحقيق وفوائته، لم يمر على مصادر الكتاب ومخطوطاته بدون تدقيق، وتحقيق، ومتابعة مظانها، ليطمئن على المنقول، ويدل على الفائت، وهذا منهج اختطه لنفسه في فوائت المحققين، وهو يدل على سعة اطلاعه على تلك الكتب المطبوعة والمخطوطة، وهو في كل ذلك لا يسلّم بكل ما يجده في المصادر، أو ما ينقله المحقق، إذ يوازن بين الأقوال ويحاكم الآراء، بعقل صارم ناقد، خدمة للنص المحقق، وما يحيط به، أو يضيء درب القارئ اليه، توثيقاً أو إضافة تفيد إخراج النص على الجهة المرادة له، دفعاً للبس، والمشكل، لإفادة في ترصين النص.

ومن فوات كتاب الحيوان للجاحظ، تحقيق عبدالسلام محمد هارون في جزئه الثالث ط. البابي الحلبي/1938 ص51، ما وقف عنده الدكتور الطاهر من قصيدة لأبي العتاهية التي قال فيها:

لدوا للموت وابنوا للخـــراب             فكلكم يصير إلـــــى ذَهـــــاب

ألا يا موت لـــــم أرَ مِنك بُدّاً          أبيتَ فما تحيفُ لا تُحابـــــــي

    كأنك قد هجمت على مشيبي      كما هجم المشيبُ على شبابي)(49)

وكان المحقق في الهامش قد نسب النص إلى أبي نواس، فعلق الطاهر على أنَّ هذه الابيات معروفة (( جداً… من قصيدة لابي العتاهية مثبتة في نسخ ديوانه كلها، ونفسها نفس أبي العتاهية القائل: (( لو شئت ان يكون حديثي كله شعراً موزوناً لكان))، وابو نواس اشعر حتى في زهدياته. بقي كون الاستاذ المحقق وجدها في طبعة من طبعات ديوان أبي نواس لا يعني كثيراً))(50) وهذا الاطمئنان على نسبة الأبيات إلى أبي العتاهية، يعززه الدكتور الطاهر بـ

اولاً– الذي لديه دراية بشعر أبي العتاهية وأبي نواس يعلم ان زهديهما مختلطان.

ثانياً- الاضافات التي اضيفت الى ديوان أبي نواس تستدعي المهتم به ان يكون حذراً مما ينسب اليه.

ثالثاً- يفترض بالمحقق ان ينظر في ديوان أبي العتاهية، ليتثبت من أمر نسبة الابيات، وهي موجودة في كل النسخ الخطية لديوان أبي العتاهية، ولا وجود لها في النسخ الخطية من ديوان أبي نواس إلّا في بعض النسخ الخطية المتأخرة غير المحققة، فضلاً على ما تقدم، فقد فات المحقق الاطلاع على رسالتي الدكتوراه للدكتور علي الزبيدي اللتين حصل عليهما من جامعة السوربون وكانتا تقومان على ((أبي العتاهية…)) و((زهديات أبي نواس)) وخلص بنتيجة أن هذه البائية لأبي العتاهية، وليس لأبي نواس(51).

ومثل ذلك وقوفه على ما جاء في كتاب (( تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان اعجاز القرآن لأبي الاصبع المصري (585 – 654هـ) الذي حققه الدكتور حفني محمد اشرف / مطابع شركة الاعلانات الشرقية / تموز / 1963. إذ ورد فيه ما يتعلق بالمذهب الكلامي، في قول الفرزدق:

لكل امرئً نفْسان: نفسٌ كريمة      ونفس يعاصيها الفتى ويُطيعُها

ونفسك من نفسيك تشفع للندى      إذا قَلَّ من أحرارهنَّ شفيعهـــــا

قال الدكتور الطاهر: ((وفي الحاشية على (الفرزدق):بديع ابن المعتز: 101 العمدة: 2/64، الصناعتين: 410، معاهد التنصيص: 3/49، نهاية الادب: 7/114(52). وواضح أَنّه لم يشر إلى الديوان، وأنَّ البيتين لم يردا في الديوان، وديوان الفرزدق(ط. مصر 1939) من مراجع التحقيق))(53) وبعد هذه المتابعة لمصادر التحقيق، يستنتج الطاهر بحس نقدي أن البيتين – كما يرى – بعيدان عن نفس الفرزدق وثقافته، ويرجح أن يكونا لشاعر من شعراء البصرة ذي علاقة بالثقافة العقلية التي كانت سائدة آنذاك، أو هما لشاعر عباسي(54). يمكن ان نستنتج مما تقدم:

اولاً – أَنَّه نظر الى النص – حاشية المحقق- بعين ناقدة بصيرة تفصح عن ثقافة حسن فهم النص باطنه وظاهره، وذلك متأتٍ من قراءة منجز الشاعر،  ومرجعياته الاجتماعية والفكرية،  فضلاً على خبرته النقدية.

ثانياً – أّنَّهُ يضع القارئ أمام عينيه، ليوسع له معارف قد لا يجدها في النص المحقَّق، أو ما قام به المحقّق، وكل ذلك يقف وراءه حرص شديد لسد الثغرات التي رافقت النص المحقق.

5-1: النقد اللغوي

اللغة تمثل أصالة الأُمة، وهويتها، ولذلك علينا فهم اسرارها، والوقوف على طرائقها في الاستعمال، بما توحيه من طاقات تعبيرية، لنبتعد عن الغموض والإبهام، والعموم في استعمال ألفاظها، وعدم الدقة في التعبير، لأن هذا يؤدي إلى اللبس في دلالة الفاظها، والخلط بين وظائفها، ويجرد اللغة مما بها من دقة في الاستعمال.

والطاهر في كتابه (فوات المحققين) لم يغادر فصيح اللغة وبهاءها، فقد امتلك ناصيتها بحس لغوي ينمُّ عن ثقافة لغوية واسعة جعلت الفصاحة سمة فيما كتب، لذلك وجدناه قد وضع موضوع (النقد اللغوي) في جادة اهتماماته النقدية، وبخاصة في كتاب (فوات المحققين) فوجه ما جانب الفصيح اللغوي من الألفاظ والعبارات الى جادتها الصحيحة، وكل هذا متأت من معرفة لغوية مكتسبة من مراقبة الاستعمالات الفصيحة، ومعاودة النظر فيها في مظانها، والموازنة بينها، وبين ما يجري من الاستعمالات المتسامحة، فهو على صلة دائمة باللغة في ماضيها، وحاضرها، وهذا جعله يمتلك منهجاً نقدياً متكاملاً في اللغة والأدب، ووفاقاً لما تقدم، فأنَّ قارئ كتاب (فوات المحققين) يجد مصاديق كثيرة أشار إليها الدكتور الطاهر منها ما يتعلق بضبط كلمة أو تصحيح تركيب، أو دلالة، وسنقف عند أمثلة لما قلنا.

من ذلك تصحيحه الحركة الإعرابية من تنوين الضم إلى ضمة واحدة في كلمة ( مخارق)، كونها ممنوعة من الصرف، وقد جاء ذلك في كتاب (المحمدون من الشعراء) ط. بيروت، في قول الشاعر:

وإنَّ صلاة السيّئ الحال كلها              مخارق ليست تحتهنَّ حقائق(55)

قال الطاهر ( صحيح مخارقٌ: مخارقُ بضمة واحدة)(56)، ومنه في ضبط الحركة الأَعرابية في كلمة (البرّ) في قول الشاعر:

(ماذا يكلفك الروحات والدلجا             البرَّ طوراً وطوراً تركب اللُّججا ؟)(57).

إذ المحقق ضبط كلمة (البرّ) بضم وصحيحها الفتح، لأَنها وقعت في حالة نصب(58).

ومنه ايضاً ما يتعلق بضبط حركة عين الفعل المضارع ما جاء في قول الشاعر محمد بن حارثان:

(… فالنار يَعْشَقُها الظلامُ)(59).

إذ ضبط المحقق (يعشقها) بكسر الشين، وصحيحها بفتحها(60).

ويبدو لي أنَّ الدكتور الطاهر يقدم الافصح – على منهج الاقدمين وكثير من المحدثين، إذا كان له اكثر من وجه، وهذا يدل على أنّه يجوز الامرين، ويختار افصحهما، ومن ذلك ضبط محقق (المحمدون من الشعراء) (زوزن) و (زوزني) بفتح الزاي(61)، وقد علَّق الدكتور الطاهر على قوله: (وله وجه في ذلك، إلا أن الوجه الاقوى ضم الزاي)(62). لقد وقف الطاهر عند الاستعمالات اللغوية، والرسم الكتابي(63) فضلاً على الاساليب اللغوية، فكان يصحح، ويرجح، ويعلق، وكل ذلك ينمّ عن وعي لغوي متقدم، حريص على لغة امته، يبغي إشاعة الافصح بين أبنائها.

يؤكد الدكتور الطاهر على الاهتمام بلغة صاحب(64) النص المحقق ولوازمه الاسلوبية للوقوف على المعنى المراد سياقياً، وعلاقته بصاحبه، لأنه يعينه على حلّ المشكلات اللغوية أو الأسلوبية، ليقدم النص المحقق كما يجب بحسب سياقاته، وكذلك الحواشي المتعلقة به، ومثال ذلك قول ابن الاثير في كتابه (المثل السائر) في طبعة دار النهضة بمصر (1/42): (إذا خطب الكاتب المفلق عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور … فأنَّه يدوّن عنه من المكاتبات)(65)، يقف الدكتور الطاهر عند كلمة (المفلق) المعروفة الدلالة، وأَن ابن الاثير أراد بها صفة للكاتب، إلّا أن المحققين (( شرحاها في الهامش هكذا ( يقال: أفلق الشاعر إذا أتى بالعجيب)(66) وكان المناسب – لدى شرحها – أن يربطاها بالكاتب وربما كان الاستعمال – هنا – خاصاً بأبن الاثير))(67).

استنتاج

ما يمكن ان نستنتجه من قراءتنا (فوات المحققين) ما يأتي:

اولاً–  يمكن الوقوف عند اغلب قواعد تحقيق النصوص التي قال بها المحدثون، وأرسوا قواعدها، وهي منثورة في ثنايا الكتاب، جاءت في وقفات الدكتور الطاهر ناقداً فوات محققي الكتب التي وقف عندها.

ثانياً- لقد امتلك الدكتور الطاهر سعة معرفية، ونقدية عبر تجربة طويلة، وملازمة دائمة لكتب التراث المخطوطة والمطبوعة، فضلاً على كونه ناقداً ادبياً له شأن واسع في هذا المجال.

ثالثاً- إنَّ تجربة ( نقد التحقيق) قد اتسع مداها، واستقر مفهومها عنده، فكان مبرّزاً بين مجایليه، إذ استقر عنده المصطلح، وصار عنده درساً أكاديمياً، وبذلك فتح الدرب واسعاً للاشتغال به.

رابعاً- يبدو لنا أن نقد النصوص وتوثيقها، والقواعد السائدة اليوم لتحقيق النصوص ونشرها  في الغرب والمشرق ما هي إلّا حلقة من حلقات يمتد عمرها مع امتداد مسيرة الحضارة الانسانية التي يضرب بها علماؤنا الأوائل بسهم وافر، وقد نضجت واستوت على ساقها في العصر الحديث في الغرب ثم وفدت إلى الديار العربية والاسلامية.

خامساً- يبدو لنا أن (نقد التحقيق)، و(نقد التأليف) عند الدكتور الطاهر يمكن أن تنهض بهما دراسة أكاديمية في الدراسات العليا.

الهوامش

  1. ينظر الاحتجاج بالحديث في النحو واللغة: 199.
  2. علوم الحديث ومصطلحاته: 316.
  3. ينظر: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: ج/1   44-45.
  4. ينظر: القاموس المحيط : 28، ونظرة عامة في المعجم العربي:66.
  5. كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون: 1/640.
  6. المصدر السابق: 1/226.
  7. تنظر المختصرات والرموز التي استعملها القدماء في كتاب ( تحقيق النصوص ونشرها: 49 – 55.
  8. ينظر مثلاً: اصول نقد النصوص ونشر الكتب: 99.
  9. ينظر: التحقيق عند القدماء، محاضرة القاها الدكتور حاتم الضامن في مركز جمعة الماجد، منشورة على (you tube) في 8/5/2012.
  1. ينظر: تعقيبات الكشميري في كتابه فيض الباري على الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري: 11-12.
  2. ينظر معجم المقاييس في اللغة: 38، وينظر: نظرة عامة في المعجم العربي/ نشأته ومراحل تطوره وكيفية الافادة منه: 53 و 62 و68.
  3. ينظر كتابنا: آراء ومواقف في اللغة العربية ورسمها الكتابي: 98 – 114 ((2)) ينظر: فوات المحققين: 6.
  4. تحقيق النصوص ونشرها: 7.
  5. ينظر تفصيل ذلك في: الرواية الثانية: 380 – 381.
  6. ينظر: فوات المحققين : 6-7.
  7. ينظر: المصدر السابق: 5-6، وفي نقد التحقيق: 5-7.
  8. كشف الظنون: 1/920، وينظر: 1/492، وينظر: الرواية الثانية: 374-375.
  9. فوات المحققين: 154.
  10. المصدر السابق: 154.
  11. ينظر: في نقد التحقيق:60.
  12. ينظر: فوات المحققين: 7-10.
  13. ينظر: علي جواد الطاهر باحثاً: بحث للدكتور سعيد عدنان القيت خلاصته في الجلسة التي أقامها اتحاد الادباء في 20/7/2019، منشورة على الانترنت في صفحة دكتور سعيد عدنان: 30/7/2020.
  14. فوات المحققين: 6.
  15. المصدر السابق: 154.
  16. المصدر نفسه: 10.
  17. ينظر: اعلام عراقيون في القرن العشرين: 395 – 397.
  18. ينظر: علي جواد الطاهر باحثاً.
  19. ينظر: النقد اللغوي عند الدكتور علي جواد الطاهر/ بحث منشور في الانترنت في صفحة الدكتور جاسم الترابي.
  20. فوات المحققين: 165.
  21. المصدر السابق: 13، وتنظر: 281.
  22. ينظر: المصدر نفسه: 14.
  23. ينظر: نفسه: 88.
  24. نفسه: 79.
  25. نفسه: 281.
  26. نفسه: 14.
  27. نفسه: 79.
  28. نفسه: 87.
  29. ينظر نفسه: 87.
  30. ينظر: المحمدون من الشعراء: 30.
  31. فوات المحققين: 14.
  32. المصدر السابق: 48، وينظر المحمدون من الشعراء: 49.
  33. وفيات الاعيان ط/ بيروت: 1/188.
  34. المصدر السابق: 1/188.
  35. ينظر:  فوات المحققين: 179.
  36. المصدر السابق: 206.
  37. وفيات الاعيان / ط. دمشق: 6/23.
  38. المصدر السابق / ط. الوطن: 3/98.
  39. فوات المحققين: 232.
  40. كتاب الحيوان: 3/51.
  41. فوات المحققين: 284.
  42. ينظر: المصدر السابق: 284.
  43. ينظر: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن:121.
  44. فوات المحققين: 331.
  45. ينظر: المصدر السابق: 331.
  46. المحمدون من الشعراء وأشعارهم. ط. بيروت: 25.
  47. فوات المحققين: 15.
  48. المحمدون من الشعراء وأشعارهم. ط. بيروت: 161.
  49. فوات المحققين: 24، و ينظر: 32 و 38 و 47 و 64 و 111.
  50. المحمدون من الشعراء وأشعارهم. ط. بيروت: 226.
  51. ينظر فوات المحققين: 40، و 42.
  52. ينظر: المحمدون من الشعراء وأشعارهم. ط. بيروت: 109.
  53. فوات المحققين: 40، وينظر:42.
  54. ينظر على سبيل المثال فوات المحققين: 48 و 50 و 297.
  55. ينظر: فوات المحققين: 113.
  56. المثل السائر: 1/39.
  57. المصدر السابق: 1/39.
  58. فوات المحققين: 115، وينظر: 113 و: 116 و 117.

المصادر والمراجع

  • الاحتجاج بلفظ الحديث في النحو واللغة، أحمد زكريا ياسوف، مجلة كلية الدراسات الاسلامية والعربية / العدد السابع عشر / الامارات العربية المتحدة / 1999م.
  • آراء ومواقف في العربية ورسمها الكتابي، د. علي جاسم سلمان / دار المرتضى بغداد / 2017.
  • أُصول نقد النصوص ونشر الكتب، برجستراسل، اعداد وتقديم د. محمد حمدي البكري / دار المريخ / الرياض / 1982.
  • اعلام عراقيون في القرن العشرين، توفيق التميمي / ط/1 / بغداد / 2018.
  • التحقيق عند القدماء، محاضر القاها الدكتور حاتم الضامن في مركز جمعة الماجد منشور على (you tube) في 8/5/2012.
  • تحقيق النصوص ونشرها، عبدالسلام محمد هارون ط/2/ مطبعة المدني / القاهرة / 1965.
  • تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان اعجاز القرآن، ابن أبي الأُصبع المصري (654هـ) تقديم وتحقيق د. حفني محمد شريف/ لجنة احياء التراث الإسلامي / يشرف على اصدارها محمد توفيق عويضة / القاهرة / 1963.
  • تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، الحافظ جلال الدين السيوطي (911هـ) الجزء الاول، تحقيق ابو قتيبة نظر محمد الفارياني ط2 / بيروت / 1415هـ .
  • تعقيبات الكشميري في كتاب فيض الباري على الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري، رسالة ماجستير، ناصر بن سيف ناصر العزري / كلية الدراسات العليا الجامعة الاردنية / 2008.
  • الحيوان لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (255 هـ)، تحقيق عبدالسلام محمد هارون، الجزء الثالث، ط/2/ مطبعة مصطفى البابي الحلبي/ 1965.
  • الرواية الثانية (دراسة تحقيق النصوص في مصادرها الثانوية)، عبدالعزيز ابراهيم ط/1/ بغداد / 1998.
  • علوم الحديث ومصطلحه، د. صبحي الصالح / دار العلم للملاين / بيروت / لبنان / ط/1/1989م.
  • علي جواد الطاهر باحثاً بحث للدكتور سعيد عدنان القيت خلاصته في الجلسة التي أقامها اتحاد الأدباء والكتاب في بغداد بذكرى وفاة الدكتور الطاهر في 20/7/2019، منشور على الانترنت في صفحة د. سعيد عدنان في 30/7/2020.
  • فوات المحققين، نقد لكتب محققة من التراث، د. علي جواد الطاهر، دار الشؤون الثقافية العامة، ط/1/ بغداد /1990.
  • في نقد التحقيق، عباس هاني الجراخ/ دار الشؤون الثقافية العامة/ط1/ بغداد/2002.
  • القاموس المحيط، للعلامة اللغوي مجد الدين بن يعقوب الفيروز آبادي (817هـ)تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف محمد نعيم العرقسوسي مؤسسة الرسالة. د.ت .
  • كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون، مصطفى بن عبدالله بن محمد حاجي خليفة (1067هـ)، عني بتصحيحه، وطبعة على نسخة المؤلف، محمد شرف الدين بالتقايا، ورفعت بيلكة/ مط / الإسلامية/ طهران / د.ت .
  • المحمدون من الشعراء واشعارهم، أبو الحسن جمال الدين علي بن يوسف القفطي (646هـ) تحقيق وتقديم حسن معمري، راجعه حمد الجاسر، منشورات دار اليمامة بالرياض / مطبعة المتنبي بيروت / 1970.
  • معجم المقاييس في اللغة، لابي الحسين احمد بن فارس بن زكريا (395هـ)، تحقيق: شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر للطباعة والنثر والتوزيع، د.ت .
  • نظرة عامة في المعجم العربي، نشأته، ومراحل تطوره وكيفية الإفادة منه، د. خلف رشيد العليان / دار الشؤون الثقافية / الموسوعة الثقافية / 34 ط /1 بغداد / 2006.
  • النقد اللغوي عند الدكتور علي جواد الطاهر/ بحث منشور في الانترنت في صفحة الدكتور جاسم الترابي.
  • وفيات الاعيان، وأَنباء أبناء الزمان، لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد ابن ابي بكر بن خلكان(681هـ)، تحقيق د. احسان عباس، المجلد الاول، دار الثقافة / بيروت / لبنان د.ت.

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)