معهد الترجمة، جامعة الجزائر 2 – أبو القاسم سعد الله، الجزائر
الملخّص
نعتزم في هذه المشاركة تسليط الضوء على تخصص يعتبر نوعًا ما حديث العهد ألا و هو دراسات الترجمة الفورية، إذ لم ينفصل هذا الأخير عن الترجمة التحريرية عموما إلا منذ زمن قصير رغم إيغاله في القدم و امتداد أصوله و أولى تمثلاته إلى عهود بعيدة. شهدت الترجمة تطورا من حيث المقاربات و الدراسات، و لم تكن الترجمة الفورية استثناءً في ذلك فلقد شهدت هي الأخرى تطورا حملها من عالمها اللغوي الأصلي إلى عوالم أخرى تداخل فيها العلمي بالنفسي و بالإدراكي. ستتمحور مداخلتنا حول تتبع مسار تطور دراسات الترجمة الفورية كتخصص مستقل بذاته و دور العلوم الحديثة مثل علم النفس، و علم النفس الإدراكي و العلوم العصبية و الرياضية في محاولة فهم آلية الترجمة الفورية و مدى صعوبتها بهدف إعادة صياغة نظم فكرية تسهل عملية تدريسها للطلبة و نظريات تؤسس لهذا التخصص الجديد. غير أن هذه المدارس لا تتفق بالضرورة في طرحاتها و أحيانا كثيرة تتراشق بينها كلما تعلق الأمر بالحسم في مدى عِلميتها أو تأثيرها على تعليمية الترجمة الفورية. وللوقوف على كل هذه النقاط قسمنا عملنا إلى المحاور التالية:
1- مدخل تاريخي ، 2- ظهور أولى بوادر الترجمة الفورية ، 3- البدايات الأكاديمية،
، Natural Science و Liberal Arts 4- الدراسات الأكاديمية الممنهجة:
5- البروتوكولات، و خاتمة.
الكلمات المفتاحية: الترجمة الفورية، المقاربات متعددة التخصصات، البروتوكولات.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
مقدمة:
الترجمة كما أي ظاهرة إنسانية تتفاعل و تنفعل بالمحيط الذي تظهر فيه وفقا لقوانين الزمان و تطور الإمكانات. فبعد أن طغى على الدراسات الترجمية في بداياتها التوجهُ اللغوي و الفيلولوجي كتوجه وحيد، فتحت بعض الطرحات التي استفادت مما وصل إليه البحث العلمي في مجالات مختلفة من العلوم أفاقا جديدة من البحث فخاضت غمار الدراسات الترجمية برؤى جديدة. ربما أبرز أثر لهذا التواصل الملموس بين العلوم و الترجمة نرصده بشكل واضح في الترجمة الفورية. لكن قبل أن نتطرق إلى ذلك، آثرنا تقديم مدخل تاريخي موجز يرصد لنا تطور هذه المهنة منذ العهود القديمة قبل أن تصبح على ما هي عليه الآن.
- الترجمة الفورية في العصور القديمة:
كثيرة هي الدراسات التي حاولت التأريخ أو البحث في بدايات الترجمة الفورية و عن طرق عملها و ممارساتها في الثقافات و الحضارات القديمة و التنقيب في موضوع القائمين عليها من كانوا و كيف كانوا يزاولون عملهم؟ لكن البحث في هذا الموضوع تعتريه صعوبات شتى من بينها قلة المصادر و صعوبة البحث في الآثار و تحديد هذه المهنة بالمفهوم الحالي أو كمهنة قائمة بذاتها. و عليه لم يستقر البحث على رأي واحد، غير أن ثمة محاولات استطاعت أن تبحث في الآثار القديمة سنستفيد منها في هذا الجزء من البحث[1].
ما من دراسة تؤكد بداية الترجمة بالقطع، لكن الباحثين يجمعون على ظهورها منذ عهد بعيد كما تشهد على ذلك الحضارات القديمة، فالحضارة الفرعونية على سبيل المثال، القوة الإقليمية الكبرى صاحبة التاريخ الحافل من الصولات و الجولات في الأقاليم المحيطة كانت تعتمد بشكل كبير على تراجمتها و مترجميها في سياستها الخارجية و في حالات الحرب و السلم و تعقد الصفقات مع الدول المجاورة و تبعث الرسائل الدبلوماسية لأباطرة العالم. و كان هؤلاء المترجمون و التراجمة أشبه “بالكتاب الدوليين” كما يشير إلى ذلك غالان:
«Las intensas relaciones internacionales y la política imperialista de los faraones un papel esencial en el desarrollo de los acontecimientos, políticos, sociales, económicos y culturales del imperio egipcio fomentó la proliferación de intérpretes, escuelas bilingües de escribas y el uso de traducciones en la corte egipcia ente los años 1450 y 1200 a.C. Así, los “escribas internacionales” acabaron jugando un papel esencial en el desarrollo de los acontecimientos, políticos, sociales, económicos y culturales del imperio egipcio. (Galán, 2011:313) »
من الشواهد التاريخية التي تُقِرّ أيضا بوجود هذا العمل تلك النقوش المكتشفة على جدار مبنى جنائزي في منطقة تعرف باسم “قبة الهوى” بأسوان المعروفة في الكتابات القديمة لتلك الفترة باسم “الباب الضيق” يعود للأسرة السادسة في سنة 2250 قبل الميلاد. تروي تلك النقوش سيرة شخصية تدعى “حارخوف” Harkhuf و كان هذا الاسم أحد الألقاب التي يحملها “منسق التراجمة”
“Uno de los “títulos” que ostenta Harkhuf es el de “Supervisor de los intérpretes” “(Galán, 2011:296-297)
و هو على ما يبدو يطلق على من يعمل بالترجمة أو من يتقن أكثر من لغة واحدة و هذا دليل واضح على وجود هذه المهنة منذ القدم.
عرف اليهود أيضا شخصية الترجمان الذي لعب دورا أساسيا في تبليغ الكتب اليهودية القديمة ككتابي التلمود و المدراش كما تشير إلى ذلك تلك الكتب نفسها (Kaufmann, 2005 : 973). وكان يطلق عليه اسم le métourguemane بمعنى ترجمان الكاهن أو الحاخام. و قبل أن تتبين ملامح هذه الوظيفة بهذا الشكل الواضح، ثمة من كان يقوم بعمل مشابه و قد جاء ذكره بتسمية le méliste (celui qui parle bien et en bien) أي من يتكلم جيّدًا و بالخير، و أيضا باسم lebbalchane (maître du langage ou polyglotte) بمعنى سيّد الكلام و متعدد اللغات و كان عمل كل هؤلاء ينحصر في ترجمة التلمود شفهيا بعد قراءته باللغة الأصلية أمام من لا يفهم أو لا يتقن اللغة العبرية، فكان يُتلى التلمود و كان الترجمان بصوت مواز يتلوه في لغة الوصول أي إلى اللغة الآرامية كما يشرح كاوفمان:
«En tout cas, si la littérature rabbinique dit vrai (même si la tradition orale a pu « embellir» les détails), on pourrait supposer que parmi les « fonctionnaires » du Temple se trouvaient des interprètes. Le polyglotte Peta’hia est appelé balchane (contraction le métourguemane dans les synagogues de l’antiquité de « ba’al lachone », littéralement «maître du langage », « linguiste » en hébreu contemporain). Mais pour que tous comprennent le sens des versets lus, même les ignorants, les femmes et les enfants4, il fit accompagner la lecture du texte hébreu de sa traduction orale en araméen. » )Kaufmann, 2005: 975-976 (»
أما اليونانيون و الرومان فلم يحظ الترجمان على ما يبدو لديهم بنفس التقدير الذي ناله نظراؤه في الثقافتين سابقتي الذكر و لم يهتموا بالترجمة عمومًا و قد يعود ذلك لشعورهم بتفوقهم الحضاري و نبل لغتهم “لغة المتعلمين و المهذبين” (جويل، ترجمة يحياتن 8:2010) على غيرهم من الشعوب و أن تعلم لغة شعب آخر يَحُطُّ من قيمتهم، و لم يروا بدًّا من الاشتغال بالترجمة، اللهم النزر القليل، نظرا لانتشار لغتهم في البحر الأبيض المتوسط انتشارا واسعًا (نفس المصدر).
أما العصور الوسطى الأولى و المتأخرة فقد أنصفت الترجمان عمومًا سواءً شرقا أم غربا و استطاع استعادة مكانته المرموقة فقد كان يتقلد خلال العصور الإسلامية خاصة العصر العباسي مناصب عليا و كان معظمهم من أبناء النبلاء الذين نالوا قسطا من التهذيب داخل و خارج بلادهم، كما كان له أيضا بالأندلس دور في ترجمة الموروث الإسلامي إلى اللغات اللاتينية ثم الإسبانية، حيث كانت بعض الكتابات تترجم أولا شفهيا إلى اللغة الرومنطيقية من قبل تراجمة وُسطاء و منه تترجم كتابيا إلى اللاتينية (موفق، 2016: 106). يمكن الجزم إذن أن هذا التخصص موغل في القدم و إن اختلفت أشكاله مذ أن شتّت الله الألسن.
- بدايات الترجمة الفورية:
عند الحديث عن الترجمة الفورية تتبادر للأذهان مباشرة تلك الصورة النمطية الحديثة للمترجم الفوري بسماعاته قبالة الميكروفون داخل قُمرته الزجاجية و هو يخاطب الحاضرين معيدا صياغة الخطاب إلى لغة أخرى غير لغة المتكلم و كل ذلك في عملية ذهنية سريعة و معقدة و تحت ضغط نفسي كبير، لكن قبل أن تتخذ هذه المهنة هذا الشكل، مرت الترجمة الفورية بمراحل شتى و تطورت على صعيدي الممارسة و التدريس الأكاديمي و كان كلاهما يؤثران في بعضهما بشكل دينامي و فعال.
تعود البدايات الفعلية للترجمة الفورية كمهنة مستقلة و قائمة بذاتها إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، أي في مؤتمر السلام الذي انعقد بباريس سنة 1919 و جمع بين الحلفاء أي الدول المنتصرة و بين المنهزمين في الحرب أي المملكة المجرية النمساوية و ألمانيا و الإمبراطورية العثمانية و من خلاله أُعيدَ تشكيل خارطة المنطقة. حينها كانت الحاجة ملحّة لوجود تراجمة يقومون بدور الوسيط اللغوي، فجاءت الترجمة تتابعيةً أوّلا، خاصة بعد أن أصبحت اللغة الإنجليزية لغة الدبلوماسية إلى جانب اللغة الفرنسية نظرا لتنامي دور إنجلترا و الولايات الأمريكية سياسيا في العالم (Baigorri, 2000: 325).
و باتساع نطاق المبادلات الاقتصادية و تشعّب العلاقات الدولية أخذت تدرس في جامعة مانهايم الألمانية سنة 1930 ثم نقل مقرّها إلى جامعة هايدلبرغ لتليها فيما بعد جامعات جنيف و ميونيخ سنة 1941 و جامعة غانت ببلجيكا في نفس السنة ثم جامعة جنيف في سنة 1943 (Snell-Hornby, 1998 :31).
ذاع صيت الترجمة الفورية في المؤسسات الدولية على غرار عصبة الأمم و منظمة العمل الدولية حيث ظهرت الترجمة أوّل ما ظهرت على شكل الترجمة التتابعية و كانت تتمّ عادة من اللغة “ب” إلى اللغة “أ” أي من اللغة الأجنبية إلى لغة الأم كما جاء في شهادة بول أوتو شميت أحد مترجمي هتلر و آرثر هيربرت بريس (Baigorri 2000 :248-249 )، و بعدها بفترة وجيزة أدخلتها الأمم المتحدة في كل مؤسساتها أوّلا بشكل تجريبي سنة 1946 ثم بصفة ثابتة و نهائية سنة 1947 (Baigorri, 2003: 239). كان اختيار التراجمة في البداية يقع على عصاميين متقنين للغتين أو أكثر، ثم لاحقًا أخذت هذه المؤسسات على عاتقها تدريب هؤلاء التراجمة حسب الضرورة. و بالإضافة إلى هؤلاء الموظفين شرع التراجمة الأحرار في اكتساح هذا المجال و تمكنوا من تبوّئ مكانة مهمة، إلى أن تمّ إنشاء الجمعية الدولية لتراجمة لمؤتمرات AIIC سنة 1953 التي طالبت باستقلالية هذه المهنة و ضرورة تطويرها و تدريسها عن طريق تنظيم مراكز تكوين ذات توجه مهني يكون القائمون عليها تراجمة مهنيون (Seleskovich, 1999:58).
2-1 الدراسات الأولى:
ساهم هؤلاء التراجمة المهنيون و المتمرّسون على مستويات عليا في تقديم أولى الدراسات و المؤلفات حول الترجمة الفورية، جمعوا فيها خلاصة تجربتهم في محاولة منهم لتقديم مادة تفيد في تعليم الترجمة الفورية كتخصص جديد، فجاءت بواكير مؤلفاتهم على النحو التالي:
- Jean Herbert: The interpreter’s handbook: how to become a conference interpreter, 1952.
- Jean François Rozan: La prise de note en interprétation consécutive, 1956.
- Eva Paneth: An investigation into reference interpreting, 1957. (Iglesias: 2007: 6)
أسهمت هذه المؤلفات على قلتها و اعتمادها على الملاحظات الشخصية و التجربة الذاتية و المنهجية الاستبطانية في فتح الباب لاحقا أمام بحوث علمية بحتة حاولت تجاوز الطرح الذاتي و إخضاع البحث في الترجمة الفورية لمعايير علمية دقيقة بعيدا عن الحدس و الاستبطان. كان أول من حاول سبر أغوار هذا التخصص هم خبراء علم النفس و علم النفس اللساني الذين أسقطوا مناهجهم النفسية على آليات التعلم في الترجمة الفورية، فاهتموا مثلا بـ: تغيير الطور déphasage كما فعل ذلك أوليرون نابون 1965، أو فترات التوقف التي درسها غولدمان أيزلر 1972، أو اهتمام بينتر كورتز 1962 باكتساب مهارة السمع و الكلام في نفس الوقت، أو جيرفر 1976 الذي اهتم بالفصل بين عملية الانتباه و سرعة الكلام، ما سمح بإثراء البحوث الأكاديمية بشكل معتبر.
2-2 الدراسات الأكاديمية:
نظرا للطلب المتزايد على هذا التخصص، شرعت بعض الجامعات في تدريسه منذ خمسينيات القرن الماضي كما هو الحال بالنسبة لجامعة جنيف، ثم ESIT ثم الجمعية الدولية لتراجمة المؤتمرات سنة 1955، إلى أن تعددت و تشعبت المراكز فيما بعد في كل أنحاء العالم ابتداءً من السيتينسات و الستعينيات، التي عرفت خلالها البحوث الأكاديمية انطلاقة نوعية شكلت بدايات الدراسات الممنهجة بغرض ضبط أسس و آليات تعليم الترجمة الفورية كتخصص أكاديمي واضح. لم يختلف التوجه كثيرا عن المحاولات الأولى إذ اعتمدت هذه الدراسات على تجربة التراجمة الذاتية و باعتماد الاستبطان introspección و آرائهم الخاصة مثل دانيكا سيليسكوفيتش، وقد كان لها الفضل في تقديم نظرية المعنى كإحدى أهم ممثلي “المدرسة العليا للترجمة الفورية و الترجمة” ESIT في فرنسا، و قد ارتكزت نظريتها على أحداث قطيعة مع البنيوية التقليدية، واكبتها بالموازاة في الاتحاد السوفيتي سابقا دراسات اهتمت بالمسار الإدراكي، تحت إشراف شيرنوف المترجم الفوري بالأمم المتحدة في معهد اللغات الأجنبية موريس توريز في موسكو، أولى من خلالها الباحثون اهتمامهم لظاهرة تزامن السمع و الكلام خاصة و أنها مهارة غير طبيعية عند الإنسان الذي لا يقوم بالعملتين في نفس الوقت إذ يفترض فيه إما الاستماع أو الكلام، و قد اهتموا بهذه المسألة في الترجمة بالتتابع. أما شرنوف مثلا فقد عني بظاهرة الاستباق أو La anticipación. ألمانيا بدورها اهتمت بدراسة الترجمة الفورية فكانت جامعة لايبتسيغ السباقة لذلك و قد قادت هذه المهمة أسماء مثل أوتو كاد، هايدماري سالفسكي، هيلا كرشهوف…إلخ، و يعود الفضل لهذه الجامعة في إطلاق تسمية “دراسات الترجمة الفورية” للمرة الأولى على هذا التخصص الذي أصبح تخصصا مستقلا سنة 1993 على لسان سالفسكي في مؤتمر براغا (Iglesias:2007:8).
- مناهج البحث في الترجمة الفورية:
انقسمت مناهج البحث عموما و النماذج المبنية عليها إلى تصورين اثنين Liberal Arts و Science Natural و كان أول من وضع هذين التعريفين موسر و ميرسر (Lambert, Moser-Mercer:1994: 17)، و هما منهجان متوازيان يسيران في طريقين متقابلين، فالأول هو أقرب ما يكون من التحليل و التنظير و النقد أما الثاني فتوجهه علمي و تقني دقيق، و لكل واحد منهما أدواته و إجراءاته.
3-1 الفنون الليبيرالية: ينضوي المنهج الأول تحت ما سمي بالفنون اللبيرالية و يستند إلى التنظير العام المبني على التجربة الشخصية و حدس المترجمين الفوريين المتمرسين ذوي الباع الطويل في الترجمة الفورية و قد كان يعمل معظمهم في منظمات دولية مرموقة على غرار الأمم المتحدة و منظمة العمل الدولية و غيرها، و لعل خير مَن مثّل هذا التوجه “نظرية المعنى” التي جاءت بها دانيكا سيليسكوفيتش ، و قد سار في ركبها باحثون آخرون أمثال ليدرير و غارثيا لاندا و تييري ديجان… إلخ
- نظرية المعنى أو النظرية التأويلية: ترى كل من سيليسكوفيتش و ليدرير أن الترجمة الفورية تعتمد أساسا على الفهم ثم إعادة الصياغة، و فهم اللغة لا يكون بإعادة صياغتها نحويا و أسلوبيا وبنيويا وفقا للغة الأصل و إنما بالتحرر من المقابلات الجاهزة و البحث عن طريق التحليل و التأويل عن مكافئ يتجاوب و الفهم العميق للمعنى، و عليه أُطلِق على نظريتهما اسم نظرية المعنى أو التأويلية أو نظرية مدرسة باريس كما يحلو للبعض تسميتها. تعتمد هذه النظرية على إحداث القطيعة مع البنيوية اللغوية اللسانية التي تقتضي التكافؤ اللغوي في العملية الترجمية، بل تذهب إلى أبعد من ذلك فتبحث في تفسير المسار الترجمي الفوري بإيلاء أهمية قصوى للقصدية و هم ما تسميه سيليسكوفش “Le vouloir dire”، و تحدثت عن مرحلة انتقالية بين الاستماع و إعادة الصياغة أطلقت عليه اسم “الانسلاخ اللغوي” Déverbalisation “” (Seleskovich-Lederer, 1989 : 37-41) كما أولت اهتماما بالغا لنوعية الترجمة الفورية التي عادة ما تتبع نفس آليات الترجمة التتابعية، إذ ترى أن الترجمة الفورية ما هي إلا ترجمة تتابعية “سريعة” لكنها تتمّ تحت ضغط أكبر. و لتحسين الترجمة الفورية وضعت لها تمارين إدراكية منفصلة كأن يقوم الطالب بالعد التصاعدي من 321- 320 … إلخ مثلاً، بينما يستمع في نفس الوقت إلى قصة ما ثمّ يُطلب منه إعادة سردها في نفس اللغة، أو يقوم بنفس التمرين و يعيد صياغته في لغة الوصول، أو يقوم بما تسميه بتمرين “القصة الخيالية” و هي أن يستمع إلى قصة ما مثل قصة الأطفال ثمّ يعيدها بلغته الأصلية حتى يستخرج مكنوناته اللغوية و ينتبه إلى أن اللغات ليست متماثلة، ما يجعله يلتمس من خلال هذا التمرين أهمية الانسلاخ اللغوي(Seleskovich-Lederer, 1989 : 168-170). نالت نظرية المعنى قبولا كبيرا و انتشارا واسعا في الجامعات لما لها من فوائد تعليمية، غير أن أتباع مدرسة العلوم الطبيعية يرون بأنها نظرية اعتباطية يشوبها الكثير من التبسيط من الناحية المنهجية و لا تستند إلى معايير علمية و مطالبها تنسفها التجربة العلمية كما يشير إلى ذلك جيل:
»Les travaux des praticiens sont très simples sur le plan méthodologique, notamment dans leur traitement statistique, plus souvent descriptif qu’inférentiel (à l’exception toutefois des travaux
de L. Anderson et de J. Mackintosh, réalisés dans des universités sous la direction de chercheurs apparemment habitués à des exigences inférentielles en la matière). Ainsi, la thèse de D. Seleskovitch (1975) repose sur une seule expérience dans laquelle elle a demandé à 12 interprètes d’interpréter deux discours en consécutive, sans aucun montage expérimental». (Gile, 1995: 207)
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
3-2 منهج العلوم الطبيعية Natural Science :
يعود نشوء هذا المنهج إلى تعدد الاختصاصات العلمية المهتمة بالترجمة الفورية مثل علم النفس الإدراكي و علم الأعصاب اللغوي و علم الأعصاب، و الرياضيات… إلخ.
و من أعلامه: جيرفير (1969)، باريك (1972)، غولدمان ايزلر(1972)، موسر ميرسير (1978)، جيل (1985)، ستانزل (1989)، غران إي فابرو (1988)، كورتز (1993)، لامبير (1989)….إلخ
و ترتكز مناهجه على الآليات العلمية الدقيقة التي تعتمدها نظريات علوم الطبيعة و نقصد بذلك طبعًا المشاهدة والتجربة.
- أما المشاهدة فهي على نوعين نستشفها أولا من أعمال جيل المعتمدة على محاولة إنتاج مرحلة انتقالية لإعادة الإنتاج التي تعتمد على المقارنة بين الخطاب الأصلي و الترجمة، و وثانيا على اعتماد بروتوكولات ”الصوت المرتفع“ في الترجمة كتلك التي يعتمدها علماء النفس لسبر أغوار مرضاهم النفسيين. يتعين على الترجمان من خلالها الإجابة على أسئلة حول عملية الترجمة و باستعمال المنهج الاسترجاعي el método retrospectivo و هو ما نهجت على العمل به كل من كون Kohn و كالينا Kalina (1996) عبر البرولتوكولات الاسرتجاعية، غير أن المشكلة التي يطرحها هذا المنهج يتمثل في صعوبة تواصل البحث بشكل دائم لعدم استطاعة المترجم في المشاركة بصفة مستمرة حتى يتسنى للباحثين متابعة إنتاجه.
- أما البحث التجريبي فظهر على أيدي باحثين في علم الأعصاب الفيزيولوجي بالتعاون مع أساتذة في الترجمة الفورية مثل غران و فابرو، دارو ، لامبير و فابرو، تومولا و هيونا ، كورتز … إلخ (Iglesia, 2007: 15-16). حاول كلا التوجهين دراسة الترجمة الفورية عبر المشاهدة أو التجربة من منظور نماذج معالجة المعلومات التي تعتمد على العلوم الإدراكية و بالخصوص على نماذج معالجة المعلومات المعمول بها في علم النفس الإدراكي، بحيث تُجزّأ عملية الترجمة الفورية إلى مراحل عدة و تدرس كل مرحلة على حدة:
1- استقبال المعلومة الصوتية و التعرف عليها، 2- آليات التخزين، 3- النقل، 4- الإنتاج، 5- مراقبة الإنتاج.
و لعل أول دراسة في هذا التوجه كانت ل أوليرون و نابون (Gile, 1995: 203-204)، و قد سار في ركبه باحثون آخرون نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
- نموذج دافيد جيرفر (Gerver, 1975): و يعتمد على مستويين: مستوى نفسي لغوي و مستوى المراقبة، فعلى المستوى النفسي اللغوي يدرس أنواع الذاكرة و نظمها أما على مستوى المراقبة فيدرس كيفية توزيع المترجم لانتباهه على مراحل الترجمة المتنوعة.
- نموذج باربارا موسير (Moser, 1978): يعتمد على علم النفس و علم الدلالة التوليدي و الذاكرة التوليدية المجردة GAM و تدرس بنية الذاكرة في مجملها مسارات الترجمة و تحاول شرح كيفية تخزين المعلومة، و هي تعتمد أكثر على مسارات الفهم منه على مسارات الإنتاج.
- نموذج شيرنوف (Chernov, 2004):
يدرس الذاكرة بعيدة المدى و الاستباقية، منطلقا من أن النظام العصبي المركزي يسمح باستباق الظواهر المجتزأة و المتكررة للعالم الخارجي بأسرع وقت ممكن. تعتبر الترجمة الفورية عملية ثنائية اللغة غاية في التعقيد و تتمّ في وقت زمني وجيز و تحت ضغط كبير، و عليه لا تتمّ هذه العملية إلا في وجود رسائل تحمل جزءًا كبيرا من التكرار عن طريق مجموعة من التفاعلات و التنبؤات و الاستباقية، و هذا التكرار لا يكون فقط على مستوى السمع أو الجملة، و إنما أيضا على مستوى المترجم الإدراكي و البراغماتي نظرا لكونه هو موضوع الاستنباط، و هذا ما يفسّر أنّه رغم فقدان المترجم لعناصر الخطاب غير أنّه عادة ما يستطيع إعادة الصياغة دونما عناء. ونموذجه يعتمد على مبدأ أن “النظام العصبي المركزي يسمح باستباق الظواهر المترابطة للعالم الخارجي بأسرع وقت ممكن.”
- نموذج سيتون (Setton, 1999): الترجمة الفورية بالنسبة له تجمع بين أغراض اللغة و المحتوى و عليه لا بد من دراستها دراسة سيميائية إدراكية و نظرية النماذج العقلية و البراغماتية أو التداولية. و يعرف بأربع استراتيجيات في الترجمة الفورية:
- الانتظار Waiting: انتظار وصول الكلمة المفتاحية ليدرس المعلومة و يواصل الترجمة
- التوقف Stalling: الوقوف أمام جملة معقدة حتى يتمكن من فهم العدد من الوحدات التي يستطيع بفضلها إتمام ترجمته.
- التجميع Chunking: يقسم إلى وحدات ذات معنى ويعيد تجميعها لتفادي فترات الصمت الطويلة
- الاستباق Anticipation: و هي وحدات مفتاحية يقوم المترجم بترجمتها قبل حتى انتهائه من سماع الخطاب، ولهذه الأسباب كلّها لا يمكن دراسة الترجمة الفورية من وجهة نظر لغوية لسانية بل يجب أن تدرس من ناحية إدراكية.
و من الانتقادات الموجهة إلى هذه الدراسات التجريبية هو ضعف الملاحظة على مستوى المنهجية بحيث اعتمدت تجاربهم على طلبة في الترجمة الفورية و أحيانا على أشخاص ثنائيي اللغة، لكنهم ليسوا بأي حال من الأحوال تراجمة، كما أنّهم اعتمدوا في دراساتهم على ترجمة جمل معزولة و تقييم المنتج على أسس المعايير الكتابية و ليست الشفهية (Gile, 1995: 205).
- نموذج دانيال جيل: نظرية الجهد
يرى جيل أن الأخطاء الصادرة من طلبة الترجمة الفورية لا تنتج حتما من جهلهم باللغة أو عجزهم عن الترجمة بقدر ما هي نتيجة تشتّت انتباههم و عدم قدرتم أو فشلهم في توزيع إمكاناتهم الفكرية والذاتية المتداخلة أثناء الترجمة بالشكل الصحيح على مراحل الترجمة الفورية المختلفة، و كل هذه العملية الذهنية يسميها بالجهد. فهو يرى أن الترجمة الفورية تستدعي عمليتين اثنتين: عملية غير آلية و عملية آلية، و هذا ما يسميه بذل الجهد لأن العقل يعتمد على عمليات تستوجب المرور بأنظمة محدودة القدرة و هو ما يستدعي بذل الجهد لفهمها و ترجمتها. تتمثل العملية الآلية في استقبال فكرة غير مفهومة أو مفهومة لكنها قدمت في ظروف سيئة أو تخزين فكرة لاستعمالها في وقت لاحق، أما العملية غير الآلية فهي التي يقوم بها المترجم دون المرور بالأنظمة محدودة القدرة، منه الحاجة إلى بذل الجهد على مراحل الترجمة الفورية و هي:
– جهد الاستماع و التحليل
– جهد إنتاج الخطاب
– جهد التخزين في الذاكرة قصيرة المدى
– جهد التنسيق
و تسيير هذه الجهود يقتضي تعلّم الطالب كيفية تفادى حدوث التراكم على أحد المستويات بحيث يكون على حساب المستوى الآخر، فيستنزف الطالب طاقته و تركيزه و ثقته في نفسه. ووضع لذلك معادلة رياضية:
E+M+P+C=T
جهد السمع و التحليل+ الذاكرة+ الإنتاج+ التنسيق= مجموع المجهود
E+M+P+C=T≤T
فبإيجاد التوازن المطلوب بين هذه المستويات، يستطيع الطالب أن يتحرر من عقبات الإفراط إما في السمع أو الترجمة دون تركيز و الخلل في تخزين المعلومات و استرجاعها بالطريقة السليمة و مراقبة الترجمة على مستوى الإنتاج.
3-3: العلوم العصبية:
تناول علماء علم الأعصاب الفيزيولوجي ظاهرة الترجمة من منظورهم، فكما تناولها علماء اللغة من خلال قواعدها و مفرداتها و سياقاتها و ما إلى ذلك، كانت دراسة هؤلاء لها من خلال ترابط الخلايا العصبية فيما بينها و تفاعلاتها الكيميائية على مستوى الدماغ. و قد ساعدت الأعمال التي قام بها علماء الأعصاب المتعلقة بالكشف عن المناطق المسؤولة عن الكلام و اللغة في فتح المجال أمام بعض المتخصصين في علم الأعصاب و أساتذة في دراسات الترجمة الفورية بتطبيقها على مناهج بحثهم، فعلى سبيل المثال استعمل كورتز Kurz مخطط كهربية الدماغ (EEG) لمراقبة الاختلافات الموجودة بين نشاط دماغ التلاميذ و المهنيين في مرحلة ما، كما لجأ للتصوير المقطعي المحوري المُحَوْسب Tamografía Axial Computarizada (TAC) و هي أدق من المسح الضوئي، غير أن هاتين الطريقتين لا تسمحان بتوليد خطاب مسموع (Kurz, 1996). أما غران و فابرو، (Gran y Fabbro, 1988) و(Lambert, 1991) لامبير و آخرون فقد قاموا بتخصيص جانبي الدماغ Latérisation cérébrale، و الغرض منه مقارنة الناتج من الترجمة حين تلقّي المعلومات من الأذن اليسرى أو اليمنى في تمرين الشادويينغ shadowing أي تتبع المتحدث كظله، بأن يكرر في نفس الوقت كلّ ما يقوله المتحدث. أما تومولا و هيونا (Tommola – Hyona, 1990) فدرسا التغيرات الفزويوجية الطارئة على الطالب كتمدد حدقة العين أثناء القيام بتمرين الشادويينغ. غير أنّ هذه التجارب لم تعد بعدُ بنتيجة مباشرة على تعليمية الترجمة الفورية، وهذا هو الانتقاد التي يوجهه منهج الفنون الليبيرالية لهذا المنهج العلمي. فسيليسكوفيتش ترى أن تمرين الإتباع كالظل “shadowing” لا ينمي لدى الطالب مداركه الفكرية، فهو يجعله يتعرف على الكلمات و ليس على المعاني، و تعتبره مضرًا و لا طائل من استعماله (Seleskovich-Lederer, 1989 : 168).
خــاتمة:
سعت الدراسات المختلفة، كما استعرضنا باقتضاب، لشرح عملية الترجمة الفورية و التنظير لها بغرض تعليمها على أسس علمية و دقيقة إلى تفكيك هذه الكفاءة و المهارة البشرية في محاولةٍ لفهم سيرورتها على مستويات شتى، فحتى و إن تعارضت أحيانا التصورات و تعددت الرؤى حول كيفية دراستها و تدريسها مثلما حدث بين رواد نظرية المعنى الذين انتقدوا أعمال العلماء بأنها لم تُفِد بشكل مباشر في تعليم الترجمة الفورية، و رأى العلماء من جهتهم أن نظرية المعنى لا تستند إلى معايير علمية و مطالبها تنسفها التجربة العلمية، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال نكران الفائدة العظيمة لكل تلك الأعمال و المقاربات التي فتحت المجال واسعًا في مجال البحث العلمي الخاص بهذا التخصص الذي يَعِدُ بالكثير.
المراجع:
– رضوان، جويل: موسوعة الترجمة ، ترجمة محمد يحياتن، مخبر الممارسات اللغوية ، تيزي وزو، 2010.
– موفق، نفيسة: إسبانيا راعية الترجمة القروسطية، الترجمان الجزائري، جامعة الجزائر2، معهد الترجمة، 2016، 102- 115.
- BAIGORRI, J. J.: La interpretación de conferencias : el nacimiento de una profesión. De París a Nuremberg, Granada, 2000, Editorial Comares.
- BAIGORRI, J: La calidad de la interpretación simultánea en las naciones unidas en el cambio del milenio. Reflexiones desde la cabina. en Collados Aís et al. (eds.) (2003), pp. 239-248.
- BAIGORRI, J.: A propósito de las memorias de Schmidt, intérprete de Hitler. Universidad de Salamanca. 14-25. file:///C:/Users/PC/Desktop/INTERPRETATION/BaigorrimemoriasSchmidt%20(1).pdf
- CHERNOV, G.: Inference and anticipation in simultaneous interpreting”. Amesterdam/Filadelfia: John Benjamins, 2004.
- GALÁN, J. M.: Intérpretes y traducciones en el Egipto imperial CSIC SEMATA, Ciencias Sociais e Humanidades, ISSN 1137-9669, 2011, vol. 23: 295-313.
- GERVER, D. :A Psychological Approach to Simultaneous Interpretation. Meta, 1975. 20(2), 119–128. https://doi.org/10.7202/002885ar
- GILE, D. : Regards sur la recherche en interprétation de conférence. Presse universitaire de Lille. 1995.
- GILE, D. : Évolution de la recherche empirique sur l’interprétation de conférence. TTR, 8 (1), 1995. 201–228. https://doi.org/10.7202/037202ar
- GILE, D. : La recherche sur les processus traductionnels et la formation en interprétation de conférence, en Meta Processus et cheminements en traduction et interprétation. Volume 50, numéro 2, avril 2005. https://doi.org/10.7202/011013ar
- IGLESIAS, FERNÁNDEZ, E. : La didáctica e la interpretación de conferencias. Teoría y práctica. Editorial Comares, Granada 2007.
- KAUFMANN, F. : Contribution à l’histoire de l’interprétation consécutive : le métourguemane dans les synagogues de l’Antiquité. Meta, 50(3), 2005, 972–986. https://doi.org/10.7202/011608ar
- KEISER, W. : L’interprétation de conférence en tant que profession et les précurseurs de l’Association Internationale des Interprètes de Conférence (AIIC) 1918-1953 https://www.erudit.org/fr/revues/meta/2004-v49-n3-meta816/009380ar.pdf
- LAMBER, S., Moser-Mercer B. : Paradigms gained or the art of productive disagreement”, 1994 en: Lamber, s y Moser-Mercer B. (eds.) 17-23.
- Moser, B.: Simultaneous Interpretation: A Hypothetical Model and its Practical Application, en Language Interpretation and Communication, 1978, Volume 6, pp. 353-368.
- MOSER-MERCER, B.: Screening Potential Interpreters. Meta, 1985, 30 (1), 97–100. https://doi.org/10.7202/003631ar
- SELESKOVICHE, D. : Teaching conference interpreting in the cours of the last 50 years” Interpreting 4 (1) 55-68
- SELESKOVICHE, D., LEDERER, M: Pédagogie raisonnée de l´interprétation simultanée, Collection « Traductologie » nº 4. 1989, ed. Didier érudition.
- SETTON, R, 1999: Simultaneous interpretation: A cognitive-pragmatic Analisis. 1999, Amesterdam/Filadelfia: John Benjamins.
- SNELL-HORNBY, M. : “Ausbildungssituation in Europa”, en M, Snell-Hornby, H.G Honig, H. Kussmaul, 1998 P.A Schmidt (eds) 31-33 .
[1] اعتمدنا أساسا في هذا الجزء من التأريخ للترجمة الفورية قديما على مقالات كل من غالان و كوفمان و رضوان.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)