المصطلح النقدي(الاحتذاء) والسرقات الشعريّة في كتاب(الوساطة) للقاضي الجرجانيّ وبعض كتب النقد الأدبي الحديث

د. فرات صبار منذور

قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة طهران، إيران

الملخص 

تعد السرقات الشعرية موضوعًا مهمًا تناوله النقاد، قديمًا وحديثًا، باهتمامٍ كبيرٍ وعناية فائقة، إذ كان المائز النقديّ الأهم للوقوف على مدى صحة نسبة الأعمال الأدبية إلى أصحابها من جهة، والنظر فيما احتوته من إبداع أو تكرار من جهة أخرى. والناقد متتبع مثابرٌ، ومطلعٌ نهمٌ لتلك النصوص التي يريد دراستها؛ ليسهل عليه ربط المتقدم بالمتأخر، ومعرفة المجيد من الشعراء لفظًا ومعنى، وتقديمه على غيره وفق ذلك. ورغم معرفة الجرجاني الواسعة بالتفسير والفقه وعلوم الشريعة، وتوليه دفة القضاء لفترة طويلة إلاّ أنّه عُرِف ناقدًا بارزًا من خلال الآراء النقدية والبلاغيّة التي ضمّنها كتابه (الوساطة بين المتنبي وخصومه)؛ لذا وجدت أن الرحلة نافعة ومفيدة من خلال كشفت النقاب عن هذا المصطلح- الاحتذاء- وملاحظة استعماله، أو قريب منه، في بعض كتب نقادنا المعاصرين في ضوء المعنى العام (السرقات الشعريّة) وعلاقتها بالنصوص الادبية قديما وحديثًا.

الكلمات المفتاحية: المصطلح النقدي، السرقات الشعرية، الاحتذاء, كتاب الوساطة، الجرجاني.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

المقدمة :      

انطلاقًا من إيماننا بأنّ النقد الأدبي يهدف إلى الارتقاء بالإنسان والسمو بمشاعره وأحاسيسه إلى دائرة الكمال، فهو يؤثر بالمجتمع الإنساني بكلّ أبعاده السياسية والاجتماعيّة والأخلاقيّة والتعليميّة… فضلاً عن المتعة الفنيّة، واللذة النفسيّة التي تصاحب ذلك الارتقاء. وطريق النقد في تحقيق هذا الهدف هو الأدب: ذلك النص الإبداعي الذي ينتجه مؤلفه، ويلعب فيه الخيال دورًا بارزًا، حيث تتظافر علوم اللغة المختلفة من بلاغة ونحو وصرفٍ.. في إنتاج ذلك النص الجميل المؤثر.

وإن كانت البيئة العربيّة تأخرت في استخدام الألفاظ اللغويّة بمعناها الاصلاحي النقدي الدقيق، فإنّها مارست النقد الأدبي عمليّا، واستعملت خلال عمليّة النقد تلك دلالات الألفاظ بمفهومها العام، أو المشكك في بعضٍ من تلك الاحكام النقديّة، معتمدة على الذوق الرفيع الذي زان كثيراً من تلك الإضاءات النقديّة لنقادنا القدامى، ولا مشاحة في الاصطلاحات كما يقولون.

تناولت الدراسات السابقة جهود القاضي الجرجاني النقديّة والأدبيّة، اذكر منها: (القاضي الجرجاني الأديب الناقد) للدكتور محمود السمرة. و(القاضي الجرجاني والنقد الأدبي) للدكتور عبدة قليقلة. ورسالة ماجستير تناولت (أثر الجرجاني في الدراسات البلاغيّة الحديثة) للباحث غدير أحمد. وربما فاتني ذكر كتب أخرى لم يسعفني البحث في العثور عليها خلال تفقدي مواقع الكتب الرقميّة والورقيّة. وعليه هناك مساحة وافيّة للقراءة النقدية الفاحصة في آراء هذا العالم الكبير بتسليط الضوء على بعض جوانبها، ومقارنتها بالقراءة النقدية الحديثة، وبيان أثر الجرجاني فيها. فضلاً عن أن بحثنا يتناول مصطلح خاص استعمل كأحد مصاديق السرقات الشعرية في النقد العربي القديم. من خلال الوصف حينًا، والتحليل حينًا آخر.

للمصطلح أثرٌ أساسيٌّ وفعالٌ في تكوين المعرفة، وأنّ أي ثقافة كانت لن تنهض ويستقيم صرحها ما لم تفلح في إنتاج معرفة خصبة وجديدة توجهها اصطلاحات واضحة الدلالة دقيقة المعنى؛ لأنّ ثقافة أيّ أمةٍ تقوّض باضطراب دلالة المصطلحات وتعددها واختلافها، أو تعارض مفاهيمها وعدم استقرارها. فوضع العلماء المصطلحات البلاغية والنقدية وتنبهوا إلى اختلاف هذه المصطلحات بين عالم وآخر. ومعرفة مصطلحات علم النقد في كتب النقد أو البلاغة لا يكون إلّا عن طريق تتبع ظهور هذا المصطلح أو ذاك في كتب هذين العلمين وغيرهما من العلوم الساندة في عمليّة قراءة النص والحكم عليه.

وتكمن أهميّة البحث في الكشف عن تقنيّة القاضي الجرجاني في معالجة موضوع السرقات الشعرية في صورها المختلفة، في جوٍّ نقديٍّ حافلٍ يعدّ فيه كتاب (الوساطة بين المتنبي وخصومه) من أهم الكتب النقديّة في تراثنا آنذاك، وسبب تشابك تلك المصطلحات النقدية بعلم البلاغة، ومدى موائمتها لتراثنا النقدي الحديث.

ويهدف البحث إلى وضع أجوبة مناسبة للأسئلة التي ترد في ذهن الناقد العربي، وكذلك القارئ المثقف للنصوص الأدبية، حول دقّة هذه المصطلحات المستعملة في معالجة ظاهرة السرقات، وهل استمر نقادنا بعده بالاعتماد على تلك المصطلحات عموماً ومصطلح الاحتذاء على وجه الخصوص؟ وهل طوروا فيها؟ لتشمل ما قاله الجرجاني وزيادة فرضها تطور العمليّة النقدية في العصر الحديث.

وقد ارتأيت تقسيم البحث على مقدمة، ثمّ تمهيد: أقف فيه على بعض النقاط المفيدة في تحديد الاطار النظري للموضوع من قبيل التعريف بالقاضي  الجرجاني ومكانته العلميّة والأدبيّة، والتعريف بكتابه (الوساطة) وعلاقة مصطلح الاحتذاء بظاهرة السرقات الشعريّة. ثمّ مبحث أول: بينت فيه رأي الجرجاني بظاهرة السرقة الشعريّة، وتتبعت مصطلح (الاحتذاء) في كتب النقد مقارنة بكتاب الوساطة، ومعالجة الجرجاني للمصطلح نفسه. ثمّ مبحث ثاني: وقفت فيه على استعمال هذا المصطلح، أو قريب منه في كتب النقد الحديثة. ثمّ خاتمة واستنتاجات.

 

التمهيد:

القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني، ولد ونشأ بجرجان وإليها نُسِب قبل أن يتركها مع أخيه إلى نيسابور طلبًا للعلم ولمّا يبلغ الحلم، وكان أخوه فقيهًا مناظرًا. اختلفوا في تحديد سنة وفاته بين روايتين: الأولى (366هـ)، والثانية ( 392هـ) والصحيح ما ذهب إليه الحموي(626هـ) والسبكي(771هـ) حيث رجحا الرواية الثانية، وعليه استقر مؤرخوا عصرنا اليوم. وكان لولادته في مدينة عُرف أهلها بالوقار والمرؤة وحسن الاخلاق، ويسر الحال.. (الحموي: 1995م، ج2/ 119) أثرًا بالغًا في تعلّقه بالعلم والعلماء، وعبر عن ذلك بقوله:

ما تطعمت لذة العيش حتى …. صرت للبيت والكتاب جليسا

ليس شيء أعز عندي من العلم …. فلم أبتغي سواه أنيسا .

كلّ ذلك الحب للعلم جعله يطوف البلدان الاسلامية بحثًا عن العلماء الكبار والتتلمذ على أيديهم، حتى وصل إلى مصاف العلماء الكبار الذين يشار لهم بالبنان، وبعد رحلة طويلةٍ التقى خلالها بالأديب البارع وزير آل بويه الصاحب بن عباد، الذي أُعجِب به كثيرًا وولاّه القضاء على مدينه جرجان، ثمّ قاضي قضاة الريّ كلّها. ” وَلم يزل على قَضَاء الْقُضَاة بالرى إِلَى أَن توفى بهَا فى ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة وَحمل تابوته إِلَى جرجان فَدفن بهَا” (السبكي: 1413هـ، 3/ 462).

 

مكانة الجرجانيّ العلميّة   

بلغ الجرجاني مكانة علميّة كبيرة بين علماء عصره، وذاع صيته في الامصار الاسلامية كلّها، وصار التتلمذ على يديه مدعاة للفخر عند كبار العلماء؛ فلا غرابة إذا سمعت عالمًا كبيرًا كعبد القاهر الجرجاني يفتخر بالانتساب للقاضي الجرجاني وكان قد اغترف من بحره  ” أبو الحسن قاضي الري في أيام الصاحب بن عباد وكان أديبا أريبا كاملا، وكان الشيخ عبد القاهر الجرجاني إذا ذكره في كتبه تبخبخ به وشمخ بأنفه بالانتماء إليه” (الحموي: 1991، ج4/ 158). روى الحموي أيضًا عن الثعالبي ما يشهد بمكانة هذا العالم الكبير، حين قال: ” أبو الحسن علي بن عبد العزيز حسنة جرجان وفرد الزمان ونادرة الفلك وإنسان حدقة العلم ودرة تاج الأدب وفارس عسكر الشعر ويجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري” (الحموي: 1991م، ج4/ 169). وذكره ابن خلكان في وفياته فقال عنه: “كان فقيهاً شافعيّاً وأديباً شاعراً…” ( ابن خلكان: 3/ 278). فكان بحق من أبرز علماء عصره، ولو ناسب هذا البحث تتبع ما قيل في علمه وفضله لطال بنا المقام، ولكن نختم بما قاله السبكي وهو من أفرد مصنفه على علماء الشافعيّة، فقال: “قاضى جرجان ثمَّ قاضى الرى وَالْجَامِع بَين الْفِقْه وَالشعر لَهُ ديوَان مَشْهُور وَكَانَ حسن الْخط فصيح الْعبارَة وَهُوَ مُصَنف كتاب الوساطة بَين المتنبى وخصومه…” ( السبكي، 1413هـ، 3/ 459).

 

 الجرجانيّ قاضيًا بين المتنبي وخصومه:

 ما أن تطلب معرفة هذا العالم الكبير على مواقع البحث الإلكتروني حتى تصادفك صفة علمه الموسوعية، وتعدد مشاربه الفكرية، فكأنه استشرف المستقبل وعرف مسؤولية الناقد وشروط نجاحه، وأهم تلك الشروط ان تكون ثقافة الناقد أوسع بكثير من ثقافة الشاعر نفسه، فمهمته تفوق مهمة الشاعر؛ فهو يقوم عمل الأديب، ويؤسس لمنهج حياة متكامل ومؤثر. وإذا أضفت إلى ذلك خبرة الجرجاني الطويلة في القضاء ومناقشة الأدلة والحكم بموجبها؛ أدركت أن القاضي الجرجاني كان مؤهلاً تماماً ليقود تلك الوساطة بين شاعر ملأ الدنيا وشغل الناس(المتنبي) وبين خصومه؛ فكان بحق قاضياً نزيهًا محايدًا في هذه الوساطة. وما يزيدك إعجابًا بموضوعيته  ونزاهته في كتاب الوساطة أن تعرف أنّه ألّف هذا الكتاب ردّاً على ما ألّفه مجموعة من العلماء المتحاملين على المتنبي، ومنهم رفيق عمره، وصاحب الفضل عليه الصاحب بن عباد الذي كتب رسالته المعروفة في إظهار مساوىء المتنبي. “عمل القاضي أبو الحسن كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه في شعره فأحسن وأبدع وأطال وأطاب وأصاب شاكلة الصواب واستولى على الأمد في فصل الخطاب وأعرب عن تبحره في الأدب وعلم العرب وتمكنه من جودة الحفظ وقوة النقد فسار الكتاب مسير الرياح وطار في البلاد بغير جناح” (الحموي، 1991م، ج4/ 163).

 

علاقة الاحتذاء بظاهرة السرقات الشعريّة

 رغم عناية نقادنا الأوائل بقضية السرقات الشعريّة إلاّ أن هذه العناية لم تكن موضوعيّة في تعاطيها مع النموذج الأدبي، مما جعلها تنحرف عن المسار العلمي والطرح الموضوعي عند تناولها لتك النصوص؛ حيث تحكمت الأهواء والعواطف في معالجة النص الأدبي، وحطّت في كثير من الموارد من قيمته . ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا إنّ بعض هؤلاء غالى في تتبع الشبه بين معنيين متشابهين أو لفظين متطابقين، أو اسلوبين متقاربين؛ ليتهم أحدهما بسرقة من سبقه. وإذا فعل ذلك فقد أبرء ذمته وأوفى النقد حقه. فهل يخطر ببال أحد إنّ “تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة ” (الاصمعي: 1980، 19 ). فمصطلح السرقة هنا سوط يشهره الناقد في وجه الشاعر متى أراد أن ينال منه ويحطّ من قدره. وما ذاك إلاّ لارتباط هذا المصطلح بمعنى تزدريه النفوس؛ فهو قائم على معنيين أحلاهما مر: فهو مبغوض وتشمئز النفوس منه وتزدري موصوفه لموقع كلمة(سرقة) من جهة، ولأنّهم بالغوا فيه كثيرًا وألحقوا به ما ليس منه. ولك أن تسمع طرفة بن العبد وهو يتعفف من وصف السرقة:

 ولا أغير على الأشعار أسرقها…. عنها غنيت، وشرّ الناس من سرقا.

ومع ازدهار الشعر السياسي وتبلور فكرة المذاهب الفكريّة والسياسيّة والدينيّة، وكثرة الخصومات القائمة على هذا الأساس، فضلاً عن الخلاف في المذهب الأدبي الجديد المتمثل بظهور شعر الصنعة وتبني شعراء كبار هذا اللون من الشعر، كأبي تمام والمتنبي… والذي لم تعهده البيئة الأدبية آنذاك، واحتدام الجدل حول قبوله، كلّ ذلك ساعد على المغالاة في طرح مصطلح السرقات والتوسع في حدوده.

للقارئ أن يتصور العلاقة بين مصطلح (الاحتذاء) كأحد المصاديق التي عدّها بغض النقاد مثالاً على السرقة الشعريّة، والشُبهَةُ والسوءُ في مجرد ذكر هذا المصطلح في باب السرقات، وليس بالضرورة أن يرتبط هذا المصطلح بالسرقة ارتباطًا مطابقيًّا ليكون مدعاة للنفور والاشمئزاز؛ بل يكفي أن تكون ثمّتَ مشابهة ما بين اللاحق والسابق للحكم على اللاحق بالسرقة. فهذا ابن سلام(232هـ) وهو من أوائل من تكلموا عن السرقات حين أخبر بمعيّة ابن نوح العطّاري، عن ابن داود بن متمم بن نويرة وقد سألاه عن شعر أبيه متمم ” فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله” (ابن سلام: 2019، ج1/ 48). وفي المحصلة فإنّ الاحتذاء وإن كان فيه أخذ أو تقليد لمن سبق إلاّ أنّ فيه قدرة على الخلق والابداع. أمّأ السرقة فأخذ من غير قدرة على الخلق والإبداع(هدارة: 1958، 240).

 

السرقة عند القاضي الجرجاني

 السرقة تهمة خطيرة إذا ثبتت بحق إنسان، ولا يختلف في ذلك العرب عن غيرهم. ولكن مدلول هذه اللفظة إذا وقع في غير الأعيان الماديّة مدلولاً مجازيًا، وإذا كان وقوعه في الحقيقة يحتاج إلى إثبات وقوع الجرم لإثبات التهمة على السارق، فهو في المجاز أعقد؛ لأننا نتكلّم عن أفكار ادّعُيَ سرقتها، وهل الأفكار والمعاني حكرٌ على أحد ؟ حتى يتم الحديث عن السرقة !. أليست “المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية” (الجاحظ..ج1/82). ولو جاوزنا المعاني إلى الألفاظ التي تعدّ قوالب لتلك المعاني، فهل انفرد بها متكلم دون آخر من أبناء اللغة الواحدة؟ أليس هذا شبيه بقول المعري:

ربّ لحدٍ قد صار لحدًا مرارًا … ضاحكًا من تزاحم الأضداد.

ثم أنظر إلى قول الشاعر طرفة: وقوفًا بها صحبي عليّ مطيهم… يقولون لا تهلك أسىً وتجلّدِ.  ولم يغير في بيت امرؤ القيس غير قافيته فقط ( وتجمّل) ولم يرَ في ذلك ضيرًا ولا سرقة؛ وهو من يقول:

ولا أغير على الأشعار أسرقها …. عنها غنيت، وشرّ الناس من سرقا

وإنّ احسنَ بيتٍ أنتَ قائله … بيتٌ يقالُ إذا أنشدتَهُ صَدَقا

 وما جرأه على ذلك إلاّ لأنّ الجميع يتكلون اللغة ذاتها، والتشابه في استعمال الألفاظ إنما هو من باب وقوع الحافر على الحافر.

 كلّ ذلك يشير إلى صعوبة هذا المطلب، فليس كل من تكلّم في باب السرقات الشعريّة من النقاد وغيرهم قد وفى هذا الباب حقّه. وعلى ذلك بنى الجرجانيّ حديثه في هذا الباب، حيث قال: “هذا باب لا ينهض به إلا الناقد البصير، والعالم المبرِّز. وليس كل من تعرّض له أدركه استوفاه واستكمله. ولستَ تعدّ من جهابذة الكلام، ونُقّاد الشعر، حتى تميّز بين أصنافه وأقسامِه…” الجرجاني: 1951، 183)

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

 المبحث الأول: الاحتذاء في كتاب الوساطة والكتب النقديّة المعاصرة للجرجاني.

الاحتذاء في اصطلاح النقاد  قبل القاضي الجرجاني:

الاحتذاء في (لغةً): حَذَا الفعلَ حَذوَاً وحِذواً وحذاءاً قدَّرها وقطعها، ويقال :حَذَا النعلَ بالنعلِ والقُذةَ بالقذةِ إذا قدَّرهما عليهما، وحَذَا حذوَ زيدٍ فَعَل فعلَهُ، فالاحتذاءُ مأخوذٌ من حذا يحذو حذواً، ويقال: احتذى يحتذي إذا انتعل. (لسان العرب: 1414هـ، مادة حذا. الفيروز آبادي: 2005م، مادة حذا).

وليس ثمّتَ فرق كبير بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة(الاحتذاء) بالمعنى الأولي العام. فتطلق هذه الكلمة أو أحد تصاريفها في كتب النقد ويراد بها التقليد والمحاكاة لعمل الآخرين. ولو تتبعنا هذه اللفظة كما استعملها النقاد قبل الجرجاني؛ لوجدناها عند الجاحظ(255هـ) تعني التقليد والسير على نهج من تقدم بشكل عام، ففي حديثه عن العتابي(220هـ)، وهو خطيب وشاعر، وكان مفتونًا بطريقة بشار بن برد(186هـ) في البديع: “(الجاحظ: 1423هـ،ج1/42) وكان العتابيّ يحتذي حذو بشار في البديع”. فالاحتذاء هنا تقليد العتابيّ لبشار بن برد في تصيّد(البديع) ويراد بالبديع هنا المعاني والصور التي تضفي على الأبيات الشعريّة جمالاً لافتًا ومعنًى غريبًا من قبيل الاستعارة مثلاً.

وذكر ابن طباطبا العلوي(322هـ) الاحتذاء على معنى اقتفاء منهج المتقدِّم في وضع القافية في محلّها، فتقع الكلمة في موضعها المناسب، ولا يجزي عنها غيرها، ليس هذا وحسب؛ بل يكون لوقعها على الاسماع موقع عجيب يزيد من جمال الكلمة وحسن إيقاعها، مع صعوبة أن تأتي بهذه الكلمة في آخر البيت كقافية له، وهو ما لا يجيده كلّ واحد من الشعراء. فانضر إلى موقع لفظة(الكاسي) في قول الحطيئة:

دَعِ المكارِمَ، لَا تَرْحَلُ لُبُغْيَتِها          واقعُدْ، فإنَّك أَنْت الطّاعِمُ الكاسي

فقوله(الكاسي ) عجيبة الموقع من المتحدِّث. وكقوله:

هُمُ القَوْمُ الَّذين إذَا أَلمَّتْ      من الأيَّامِ مُظْلِمَةٌ أضَاؤوا

فقوله: ( أضاءوا) حسنت الموقع، فـ”هذه أمثلة قد احتذى عليها المحدثون من الشعراء وسلكوا منهاج من تقَّدمهم فيها، وأبْدَعُوا فِي أشْيَاءَ مِنْهَا سَتَعْثُر بهَا فِي أشْعَارِهِمْ كقَوْلِ أبي عُيَيْنَة المُهَلَّبي- شاعر عباسي- : دُومي أدُمْ لكِ بالوَفَاءِ على الصَّفَا … إِنِّي بِعَهْدِكِ واثقٌ فَثقِي بِي

فقولُهُ: “(فَثقِي بِي) لطيفَةٌ جِدّاً، فَيُسْتَدَلُّ بهَا على حِذْقِ قَائِلهَا بنَسْجِ الشِّعْر” (العلوي: 1985، ج1/ 183).

وذكر الآمديّ(370هـ) الفعل (احتذى) وأراد به تقليد اللاحق للسابق، والأخذ عنه، واستقاء معانيه منه. وبذلك قدّم أبا تمام على البحتري، على رأي اصحاب أبي تمام، حين قال: “كيف يجوز لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ، وعلى حذوه احتذى، ومن معانيه استقى؟ وباراه حتى قيل: الطائي الأكبر، والطائي الأصغر” (الآمديّ: 1994، ج1/ 6).  وكذلك فعل حين قايس أبا تمام بمسلم بن الوليد؛ لأنّهما استغرقا كثيرًا في تتبع الاستعارات البعيدة، والمعاني المولدة.. ولم يرتضِ مقايسته بأشجع السلمي وأبي يعقوب المكفوف. فعنى بـ(حذا- حذو) تتبع الطريقة أو الاسلوب، الذي يميز شعر هذا الشاعر أو ذاك على أساسٍ من الخصائص المحددة، كاستعمال ألفاظ بعينها، والإكثار منها في بداية أبياته، أو استغراق الصور الفنيّة الصعبة والمعقدة … وغير ذلك، مما يوحي إليك بأنّ شعرهما ليس على طريقة أشعار العرب القديمة. وكلّ ذلك لأنّ أبا تمام ” شديد التكلف، صاحب صنعةٍ، ومستكره الألفاظ وشعره لا يشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم؛ لما فيه من الاستعارات البعيدة، والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم بن الوليد ومن حذا حذوه أحق وأشبه” (الآمديّ: ج1/ 5).

وذكر الحاتميّ(388هـ) الاحتذاء والمحتذي وأراد بهما من تتبع معنى قاله متقدم، ثمّ زاد عليه بتحسين عبارة، أو اختيار وزن يليق به.. وغير ذلك، وربّما قصد بالاحتذاء مطلق التقليد والنظم على طريقة السابقين. وعدّ كلّ ذلك من السرقات الشعريّة. وعرّض بالمتنبي حين أنشد بين يدي ابن المهلب، قائلاً : وَالخيلُ والليلُ والبَيداء تعَرِفُني … والحربُ والضربُ والقِرطُاسُ وُالقلمُ

” من التباع والاحتذاء، وسلوك الطريق التي تقدم إليها غيره من الشعراء… ولا أن يكثر الاعتماد في شعره، ويتناصر السرق في كلامه. ومن السبيل المحتذي أن يأخذ المعنى دون اللفظ، ثم أن يطويه أن كان مكشوفاً، ويكشفه إن كان مستوراً، ويحسن العبارة عنه، ويختار الوزن العذب له، حتى يكون بالأسماع عبقاً وبالقلوب علقاً” (الحاتمي: 1965م، 152). ورأى في قول المتنبي السابق سرقةٌ، حيث سبقه إلى هذا المعنى والطريق أبو تمام في قوله:

العيِسُ والهَمُ والليلُ التُمامُ معَاً … ثَلاثَةُ أبَداً يُقُرن في قَرَنِ .

 وكذلك فعل عبد القاهر الجرجاني حين عدّ الاحتذاء من السرقة؛ لأنّ الشاعر فيه يعمدُ إلى اسلوب شاعر آخر فيقلده كأنّه ” يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها، فيقال: قد احتذى على مثاله”( الجرجاني: 2001م، 296). وضرب مثالاً لذلك مثل قول الفرزدق:

أترجو ربيع أن تجيء صغارها … بخير، وقد أعيا ربيعا كبارها.

فاحتذاه الشاعرالبعيث، فقال: أترجو كليب أن يجيء حديثها … بخير، وقد أعيا كليبا قديمها.  فلما سمع الفرزدق بذلك هجاه قائلاً: إذا ما قلتُ قافيةً شرودا … تنحّلها ابن حمراء العجان. وتنحلها هنا بمعنى سرقها.

 

الاحتذاء عند القاضي الجرجاني :

ورد لفظ (الاحتذاء) عند الجرجاني بهيئات مختلفة. حيث استدعى اللفظ عنده معاني مختلفة؛ فجاء به بهيئة المصدر(الاحتذاء) حين تكلم عن إعجاب المحدثين بنماذج من أبيات العرب وقع فيها التجنيس أو المطابقة، أو غيرها من فنون البلاغة كالاستعارة مثلاً، فقال: “فلما أفْضى الشعر الى المحْدَثين، ورأوْا مواقعَ تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميّزَها عن أخواتها في الرشاقة واللطف، تكلّفوا الاحتذاء عليها فسمّوْه البَديع..” (الجرجانيّ: 1951، 34). وأراد به تقليد اسلوب خاص من كلام العرب يعتمد على المحسنات اللفظيّة والمعنويّة والاستعارات.. وكذلك استعمل اللفظ بهيأة المصدر؛ ليدلّ على التقليد لا على مثالٍ محددٍ، أي: التقليد مطلقًا، وقد عبّرَ عن هذا المعنى بطريقة لافتةٍ ذكيّة تجاوزت عصره بكثير، وهو من جميل ما توصل إليه الجرجاني؛ لأنّ هذا المعنى يدلّ بمفهومه العام على ما اصطُلِحَ عليه حديثًا بالمثاقفة، أو تداخل النصوص، أو التناص في كتب النقد الحديثة. حيث يقول: ” لم أدّع الإحاطة بشعر الأوائل والأواخر… ولعل المعنى الذي أسمُه بهذه السّمة، والبيت الذي أضيفه الى هذه الجملة في صدر ديوان لم أتصفّحه؛ أو تصفّحتُه ولم أعثر بذلك السطر منه، أو عساني أن أكون رويتُه ثم نسيتُه، أو حفظته لكني أغفلتُ وجهَ الأخذِ منه، وطريقة الاحتذاء به”. (الجرجاني: 1951، 160) ولو ذكر الجرجاني هذا المعنى على لسان المتنبي، ولو كان ذكره في باب السرقات؛ لدلّ على ما تقدّم بالمطابقة، ولكن هذا لا يمنع أن يكون هذا المعنى حاضرًا عنده وهو يلتمس العذر في كثير من الموارد التي دافع بها عن الشاعر حين اتهمه البعض بالسرقة. واستعمل المصدر(احتذاء) مضافًا إلى كلمة (مثال) في باب ادعاء السرقة في شعر البحتري؛ ليدلّ على الاتباع والتقليد بمعناه العام. وأرى أنّ الجرجاني قاصد في كلّ ذلك؛ لما في دلالة المصدر على المعنى المجرد من الزمن وغيره، وليكون أليق بالدلالة على المعنى العام للتقليد. فقال مدافعًا عن البحتري نافيًا عنه السرقة في وصفه للخمر:أتت دونها الأيامُ حتى كأنها … تساقُط نور من فُتوق سماء.                       سرقه من قول جرير: يجري السِّواك على أغرَّ كأنه … برَدٌ تحدّر من مُتونِ غَمامِ.

“ولست أرى شبهاً يشتركان فيه إلا إن ادُّعي احتذاء المثال فلعلّه” ( الجرجاني: 1951م، 211). ولم يعدّ كلّ ذلك من السرقة.

وحين تكلم الجرجاني في باب السرقات الشعريّة استعمل لفظ( محتذي) وهو: اسم فاعل، يدلّ على القصد في الاحتذاء(التقليد)، ولم يعدّه من السرقة أيضًا؛ فأوجب على الناقد أن يفرق ” بين المشترك الذي لا يجوز ادّعاء السّرَق فيه، والمبتذل الذي ليس أحدٌ أولى به، وبين المختصّ الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه، فصار المعتدي مُختلساً سارقاً، والمشارِك له محتذياً تابعاً”. (الجرجاني: 1951م، 183). وربّما فُهِم من المحتذي ما يُعَابُ على الشاعر من سرقة معاني غيره من الشعراء؛ لوجود واو العطف بين المعتدي والمشارك في النص المتقدم. وهو غير صحيح لأنّه استعمل لفظ الاحتذاء بجميع تصاريفه، كما تقدم وكما سيأتي لاحقًا، من دون أن يقصد معنى السرقة، بل على العكس نفى صراحةً في جميع تلك الموارد أن يكون الاحتذاء بمعنى السرقة. وإن أفاد ذلك فلأنّ (المحتذي) هنا بمعنى المختلس وليس المقلّد.

واستعمل القاضي الجرجاني لفظ (احتذى) وهو: فعل خماسي مزيد لازم متعدٍ بحرف، يفيد المطاوعة. والمطاوعة: أن يريد الفاعل شيئاً فيستطيع بلوغه. وقد استعمله الجرجاني أكثر من مرّة. فقصد في الأولى قدرة الشاعر على متابعة اسلوب الشعراء القدامى في حسن الاستهلال في قصائدهم، ويُقصَد به مطلع القصيدة ووجهها الذي يشدّك للقصيدة إذا كان جميلاً، وينفّرك منها إذا كان قبيحًا، فهو بحق أصعب أجزاء القصيدة وأهمها. والاستهلال عند الجرجاني مهمة ليست باليسيرة، ولا يستطيع الإجادة فيها إلاّ الشاعر الحاذق كما يقول: ” والشاعر الحاذق يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدهما الخاتمة؛ فإنها المواقف التي تستعْطِف أسماعَ الحضور، وتستميلهم الى الأصغاء… واتفق للمتنبي فيه خاصة ما بلغ المراد، وأحسن وزاد” (الجرجاني: 1951م، 48). واستعمل الجرجاني احتذى مرّة أخرى وأراد به أن يطلب الشاعر المعنى عند شاعر آخر، وربما أخذ مع المعنى كلمة بعينها كان قد استعملها ذلك الشاعر، من قبيل ما اخذهه المتنبي من رؤبة في قوله:

إني إذا ما القوم كانوا أنجيه … واضطرب القوم اضطراب الأرشِيهْ.

 فالقوم من شدّة ما أتعبهم السير والسهر لحدوث أمر ما، صاروا مضطربين كاضطراب حبال الدلاء. وهو ما عبّر عنه المتنبي في قوله:

وهزٌ أطار النومَ حتى كأنني … من السُكْرِ في الغرَزَين ثوبٌ شُبارِقُ.

فهو من شدّة التعب والسهر مضطرب كاضطراب الثوب الخلق الممزق بين غُرزَي الناقة، أي: ركابها. ومن ذلك أيضًا ما قاله المتنبي محتذيًا قول دِعبِل:

هي النفسُ ما حسنْتَه فمحسَّن … لديها وما قبّحْتَه فمقبَّحُ .

فقال أبو الطيب: فما الخوف إلا ما تخوّفَه الفتى … وما الأمنُ إلا ما رآه الفتى أمْنا. (الجرجاني: 1951م، 396).

وليس ثمّتَ عيب إذا احتذى شاعر بمن سبقه، بأن يقصد معنى شاعرٍ آخر فيطوره ويجوّده، مع بقاء فضل السبق للأول. مثال ذلك حين عمد أبو الطيب المتنبي إلى قول البحتري:

وإذا ما تنكّرَتْ لـــــــــي بلادٌ        أو صديقٌ فإنني بالخِيار

وهو من المعاني المبتذلة قديمًا وحديثًا كما يقول الجرجاني مع ما فيه من طرافة، فأخذه ابن المعذّل فأحسن فيه وأوجز؛ لولا اقتصاره على البلد الواحد:  إذا وطنٌ رابني … فكلّ بلادٍ وطنْ .

وحين قصد المتنبي هذا المعنى أجاد فيه غاية الاجادة، حتى لم يبقَ لسواه سوى السبق في ذكر هذا المعنى. “فقال أبو الطيب واحتذى مثال البحتري وأجاد، وللبحتري الفضل” (الجرجاني: 1951م، 301)     إذا صديقٌ نكِرْتُ جانبَه … لم تُعيني في فراقِه الحيَلُ

في سَعة الخافِقَينِ مضطرَبٌ … وفي بلادٍ من أختِها بدَلُ.

وأجاد أبو الطيب حين فصّل، فهو واسع الحيلة، وحرّ غير ملزمٍ في الاقامة في البلد الذي يتعرض فيه للأذى، ففي التفصيل وتطوير الفكرة إجادةٌ وحسن تصرف لا يخفى على القارئ.

وأخر ما نذكره في هذا المبحث استعمال الجرجاني للفظ (احتذى) مع قلب المعنى، أي: إنّ الشاعر يعمد إلى معنى اعجبه في بيت شاعر آخر وبدلاً من تقليد ذلك المعنى يعمد إلى قلبه، فكأنّه يعمد إلى معنى ما بدلالة ضدّه. كما فعل المتنبي في بيت ابن الرومي:

هي الأعيُن النُجلُ التي كنت تشتكي … مواقعَها في القلب والرأسُ أسوَدُ

فما لك تأسى الآن لما رأيتَها … وقد جعلَتْ ترمي سواك وتعمِدُ

“فاحتذى عليه أبو الطيب وقلب معناه” ( الجرجاني: 1951م، 409) حين فقال:

منًى كنّ لي أنّ البياض خِضابٌ … فيَخفى بتبييض القُرون شبابُ

فكيف أذمّ اليوم ما كنت أشتهي … وأدعو بما أشكوه حين أُجابُ

 

المبحث الثاني: مصطلح الاحتذاء في الدراسات النقدية الحديثة

تعدّ الدراسات النقدية اليوم نموذجًا جديدًا في تراثنا النقدي الحديث. فهي تنجذب نحو القديم وتتأثر به عند بعضهم، وتتجه نحو الحداثة والمعاصرة عند بعضهم الآخر. وهي في المجموعة الأولى تنكفأ على نفسها، ولا تلبي حاجة الفن، بل وترى في الأدب ” وعظاً تقريرياً مباشراً أو يضخّم وظيفته في خدمة المجتمع وحلّ قضاياه على حساب أُسسه الفنيّة والإبداعيّة.(هنداوي: 1971م، 14) وفي الثانية تضيّعُ الهوية وتتماهى مع تزاحم المصطلحات النقدية الوافدة وكثرتها واختلافها؛ فتسير على غير هدىً تتجاذبها كثرة تلك الاتجاهات ونعدد مشاربها الفكريّة، وأدواتها التعبيريّة، تبعاً لبيئاتها المتعددة والمختلفة. فهما بين إفراط التمسك بالتراث والتفريط في نبذه وتحين الفرصة للثورة عليه، أو النيل منه. وقلّما تجد طرفًا ثالثًا يعتزّ بهويته النقدية؛ فهي ما تزال تخدم رسالة النقد الاصلاحيّة للوصول بذوق المتلقي إلى مرتبة الكمال. ولا ترتضى أن تسوّقَ بعض صور الأدب المبتذل الرخيص من قبيل” أدب الفراش” بحجة الفن للفن. لكنّها تستند في الوقت ذاته إلى أدوات المناهج النقديّة الحديثة، وطرق معالجتها للنصوص الأدبية.

 

الفرق الوظيفي بين النقد وعلم البلاغة:

أهم العلوم وأكثرها ارتباطاً بالنقد هو علم البلاغة، فها يتشاركان الكثير من المصطلحات التي تجدها في كتب البلاغة والنقد على السواء. وإذا كانت البلاغة مرتبطة بالنص الإبداعي؛ لأنها تكون مع الأديب إثناء كتابة النص، وكذلك الحال مع كثيرٍ من عناصر اللغة الأخرى. فإنّ المبدع أسيرُ تلك القواعد الثابتة لتلك العناصر، التي تحولت في بعض وجوهها إلى قوالب جافة جامدة غير قابلة للتغيير، أو التجديد رغم مرور أكثر من ألف عام على تأسيسها. أمّا النقد فأكثر حيوية ومرونة من كلّ تلك العناصر، وأكثر قدرة على التجديد؛ ليلبي كلّ تلك الحاجات الملحّة التي تنتج هذا النص الإبداعي أو ذاك، لذا فاقت قدرة الناقد قدرة النحوي والبلاغي وغيرهما على استيعاب التقدم الثقافي والحضاري للبيئة والمجتمع الذين ينتجان هذا النص الإبداعي.

وهنا تجدر الاشارة إلى وجه آخر من أوجه النزاع بين القديم والحديث، فالاسلوبيّة وهي الوجه الحديث للبلاغة العربية حيث اعتمد عليه بعض النقاد في كلّ شيء تماهياً مع بعض آراء القدماء كالجاحظ الذي أسقط المعاني، ولم يجعل لها فضلًا، معولاً على الألفاظ فقط، في قوله: ” إن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي؛ وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وصحة الطبع وجودة السبك” ( الحيوان :ط الحلبي، 3/ 130) وانشرت هذه الدعوى انتشار النار في الهشيم؛ فكانت سبباً في عدم اهتمام الشعراء بالمعاني وتوليدها؛ لذا انصب عملهم على البحث في المعاني القديمة فنشأت ظاهرة السرقات في الشعر. حتى قصر بعضهم التفاضل في المعنى فقط، قائلاً: ” إنما يتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها”. (الصناعتين: ط عيسى الحلبي، 130)، وزاد ابن خلدون الامر ليشمل النثر أيضًا، فقال: “إن صناعة الكلام نظمًا ونثرًا؛ إنما هي في الألفاظ لا في المعاني”. (المقدمة: 2004، ج1/ 425) .

وزاد هؤلاء تعصبًا تطور المناهج النقدية الغربية ومنها البنيويّة التي راحت تبحث عن العلاقات التي تربط عناصر النص داخل النص فقط، معتمدة على تحليل ألفاظه وجمله وتراكيبه، أي دراسة النص فقط. فالنص بنظرها مجموعة من العلاقات اللغوية.

مفهوم السرقات في ضوء الدراسات النقدية الحديثة:

إذا كانت مشكلة السرقات في كتب الاقدمين مستعصية على الحل من جهة تحديد موضوعها وبالتالي وضع المصطلحات الخاصة بها، وإزالة الغموض الي اكتنف هذه العمليّة خلال مسيرتها، فهذا لا يسوغ لنا البقاء في الدوامة نفسها، بل لا بدّ من البحث عن آليات جديدة تخرجنا من هذا المأزق، وتحل مشكلة النص الأدبي من غير أن تفرط في أصالته. فليس من المعقول أن يبقى أدبنا ضمن دائرة الشك دائمًا، حتى بدا الأمر أننا جزمنا بعدم قدرة أدباءنا على الخلق والتجديد في المعاني والمضامين والاساليب .. بل يجب أن نخرج هذا الأدب من الدوران في هذه الحلقة المفرغة من معاني الأقدمين واساليبهم في التعبير؛ لأن الاصرار على ذلك يُفقِد الأدب العربي القديم قيمته مقارنة بالآداب العالمية الأخرى، فهو بعبارة أشد إيلاماً  إلى اليوم غير قادر على الحياة لأنه لا يلبي حاجاتها. فليست غاية النقد تحصيل سرقة الشاعر. وإذا كان القدماء قد بالغوا في باب السرقات الذي فتحوه ولم يحسنوا إقفاله ولا تغيير المناظر ورائه(ضيف: ط دار المعارف، 295). على الناقد اليوم أن يقوم بهذا الدور على أكمل وجه. فحتى أكثر النقاد الأقدمين ملاحقة للشعراء ورميهم بالسرقة، ممن شككوا في المعاني التي جاء بها شعراء عصرهم بحجة أنّها مطروقة ومستنفدة، وجدوا من يقف بوجههم ويردّ حجتهم ممن دافع عن النص الأدبي لفظاً ومعنى؛ لأنّ السرقة عنده: ” داء قديم وعيب عتيق، وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ويستمد من قريحته، ويعتمد على معناه ولفظه… ومتى أنصفت علمت أن أهل عصرنا ثم العصر الذي بعدنا أقرب فيه إلى المعذرة وأبعد من المذمة.(الجرجاني: 1991، 214).

ونجد أن الجرجاني فتح الباب أمام النقاد للخروج من تبعة الالتزام بالفظ فقط أو المعنى فقط. وحرر النقاد من تتبع تلك الجزئيات التي أضعفت من كان قبلهم، وشغلتهم عن ملاحظة الاسس الفنيّة المهمة في عملية التشخيص الفني، وذلك حين عالج مصطلح (الاحتذاء) بذكاء كبير أبعده عن دائرة السرقات. وهو ما دعت إليه الحركة النقدية الغربية، فما كان عندنا سرقة ممدوحة فهو احتذاء عندهم بمعناه الفني.

الاحتذاء تناص توارد محاكاة:

التناص من المفاهيم النقديّة الحديثة في نقدنا الأدبي، ظهر متأثرًا بالدراسات النقديّة الغربيّة قبل نصف قرن من الآن. ويقصد به وجود تشابهٍ بين نصٍ وآخر.. وقد أرجعه بعضهم إلى مفهوم السرقات الشعريّة في النقد العربي القديم، على الرغم من اختلافهما في طرقة معالجة النصوص، فلكلٍ منهما آليات خاصة اقتضتها ضرورة العصر الذي نشأ فيه. وربّما كان هذا التشابه بين النصين مباشرًا أو غير مباشر، فكلاهما يستبعدان وجود نص نقي. رغم ذلك اجتهد نقادنا المحدثون للبحث في ظاهرة التناص فأطلقوا عليها تسميات عدّة تشير في معظمها إلى (التداخل النصي) في عمليّة لاستحضار النصوص السابقة؛ لأنّهم شعروا بمدى التشابه الكبير بين هذه النظريّة الغربيّة وبين ما تحدث فيه بعض نقادنا الأوائل كالجرجاني في كتابه الوساطة..

تبنى بعض النقاد هذه الفكرة ودافع عنها؛ لأنّ كل تداخل للنصوص الأدبية من قبيل التناص أو التضمين أو (السرق) حتى، مشروعة ما لم تكن نسخاً أو انتحالاً. بل النسخ والانتحال ليسا من السرقة المذمومة إذا قالها غير واحدٍ، وما لم يثبت أن السارق كان على علمٍ بأنّه قد سُبِق إلى قول ما يقول، وإلاّ عدّ ذلك نوعاً من المواردة. (العاني: 1999م، 65). وهذا المعنى أشار إليه الجرجاني حين قدّم لنا منهجه في تناول كلام العرب، وما يجوز تليده وما لا يجوز… ” ولستَ تعدّ من جهابذة الكلام، ونُقّاد الشعر… وتفرِق بين المشترك الذي لا يجوز ادّعاء السّرَق فيه، والمبتذل الذي ليس أحدٌ أولى به، وبين المختصّ الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه، فصار المعتدي مُختلساً سارقاً، والمشارِك له محتذياً تابعاً” (الجرجاني: 1991، 183). ويبدو الناقد الكبير محمد مندور قد نظر إلى قول الجرجاني وأُعجِب به فراح يفصل المعاني إلى عام يشترك فيه الجمع فلا سرقة فيه، ومعنى خاص ولكنّه صار كالعام فلا سرقة فيه أيضاً، وكذلك المعنى المشترك لكثرة شيوعه، ولا سرقة في المعاني المباحة المتداولة… (مندور: …). ويرى الدكتور احسان عباس أنّ المحاكاة قوام الشعر، ليس ذلك وحسب بل يمكن تقسيم الشعراء على وفق قدرتهم على المحاكاة: فطبقة تسعفهم حيلتهم وطبيعتهم المهيأة للمحاكاة والتمثيل، وطبقة يعرفون الصناعة حق المعرفة  فجودوا المحاكاة، وطبقة ثالثة تقلد هاتين الطبقتين المتقدمتبن، وتحتذي حذوهما في المحاكاة. (عباس: 1983م، 222) . ثمّ إنّه يشيد بالجرجاني الذي آمن بالتوارد؛ ولم يُجِز الحكم على شاعر بالسرقة إذا كان هذا الشاعر ممن لم يطلع على شعر ذلك المسروق..(عباس : 1983م، 325). وفي الختام فإن التناص: قراءة للنصوص السابقة، وإعادة كتابتها بنحو ما بحيث يتضمن النص الجديد زيادة في المعنى على النص الذي تداخل معه أو أخذ منه.

وهو قريب مما أراده الجرجاني بقوله: “ولا يغرّنّك قول الناس: قد أتى بالمعنى بعينه، وأخذ معنى كلامه فأدّاه على وجه. فإنه تسامح منهم، والمراد أنه أدّى الغرض” (الجرجاني: 2001م، 172).

 

الخاتمة:

طوّر الجرجاني مصطلح السرقات عمّا كان متداولاً قبله عند الجاحظ والآمدي على سبيل المثال.

أثر بمن خلفه من العلماء كعبد القاهر الجرجاني الذي كان يعتزّ كثيرًا بآراء القاضي الجرجاني، ويشيد بها.

وقف القاضي الجرجاني على انواع السرقات المحتملة، واعطى لكل نوع مصطلحه الخاص به، مفصلاً الفروق الدقيقة بين أنواع هذه المصطلحات.

أغلب الانواع التي ذكرها لم يرَ فيها حرج اذا استعملها الشاعر، فهي ليست من السرقة. فيكون بذلك قد مهد الطريق لإلغاء  مصطلح السرقات نفسه من كتب النقد الأدبي الحديث، أو على الأقل اغلق باباً مفتوحًا على احتمالات غير محددة ولا معروفة.

مهد الجرجاني الطريق لظهور مصطلحات جديدة، أو قبولها, بما أوده في كتابه من إشارات مضيئة نحو هذا التقدم تطور المصطلح النقدي.

 

قائمة المصادر:

– أسرار البلاغة: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد ، الجرجاني الدار (المتوفى: 471هـ)،تح: د- عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان،2001م، (د. ط).

 – أضواء على تراثنا النقدي: عبد الحميد هنداوي، دار الهاني للطباعة والنشر، ط1، القاهرة، 1971م.

 – البديع في البديع: أبو العباس، عبد الله بن محمد المعتز بالله ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي (المتوفى: 296هـ)دار الجيل،ط1،1410هـ – 1990م. دمشق ،ط1،

– البديع في نقد الشعر: أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ(المتوفى: 584هـ)،تح: عبد علي مهنا ،دار الكتب العلمية ، بيروت ،ط1، 1987م.

– تاريخ النقد الادبي عند العرب: احسان عباس، دار الثقافة، بيروت – لبنان، ط4، 1983م.

– التعريب والمصطلح :دراسة أعدت بمناسبة انعقاد (ندوة التعاون العربي في مجال المصطلحات علماً وتطبيقاً)في تونس ،1985م.

– الحيوان: عمرو بن بحر بالجاحظ (255هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، ط2، لبنان – بيروت،1424هـ.

– دلائل الاعجاز: عبد القاهر الجرجاني(471هـ)، تح: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب بيروت لبنان، ط 1 ، 2001م.

– ديوان أبي تمام، شرح الصولي: تح: خلف رشيد نعمان ،الكويت ،دار الرشيد للنشر.1982م، (د. ط).

– الرسالة الموضحة في سرقات أبي الطيب المتنبي وساقط شعره :للحاتمي ،تح: محمد يوسف النجم ، دار صادر بيروت، 1965م، (د. ط).

– طبقات فحول الشعراء: ابن سلام الجمحي(232هـ)، تح: محمود محمد شاكر، الناشر: دار المدني – جدة- المملكة العربية السعودية، (د.ت).

– العمدة في محاسن الشعر وآدابه: أبو على الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي (المتوفى: 463 هـ)شرح وضبط : عفيف نايف حاطوم، دار صادر، بيروت، ط2، 2006م.

– عيار الشعر: ابن طباطبا العلوي :دار الكتب العلمية ، بيروت ،ط 1، 1982م.

– فحولة الشعراء: عبد الملك بن قريب الاصمعي(216هـ)، تح: المستشرق ش. تورّي، الناشر: دار الكتاب الجديد، ط2، بيروت – لبنان، 1980م.

– القاموس المحيط: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (المتوفى: 817هـ)، تحقيق: محمد نعيم العرقسُوسي ، ، بيروت – لبنان،ط8، 1426 هـ – 2005 م.

– قراءات في الادب والنقد: شجاع مسلم العاني، اتحاد الكتاب العرب للنشر،بغداد، ط1، 1999م.

– كتاب الصناعتين : أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري تح: علي محمد البجاوي ،– بيروت.(د.ت) عام النشر: 1419 هـ.

– لسان العرب: جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: 711هـ)، دار صادر – بيروت،ط3، 1414 هـ.

– مشكلة السرقات في النقد العربي(دراسة تحليلية مقارنة) : محمد مصطفى هدارة، مطبعة لجنة البيان العربي، مكتبة الانجلو المصرية، ط1، مصر 1958م.

– المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر: نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، الجزري، تح: كامل محمد عويصة ، بيروت – لبنان،ط1 ، 1998م.

– المصطلح النقدي وتراث الأدب العربي: محمد عزام، دار الشرق العربي، بيروت – لبنان.(د.ت).

– معجم الأدباء أو إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب: أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي(626هـ)، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت، 1991م.

– معجم البلدان: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (626هـ)، الناشر: دار صادر، ط2، بيروت 1995 م.

– مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمان بن خلدون، تح: عبد الله الدرويش، دار يعرب، ط1، 2004م.

– الفن ومذاهبه في النثر العربي: شوقي ضيف، دار المعارف، ط13 (د.ت).

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)