جامعة ذي قار، العراق
الملخص
إن كل بنية سردية تعتمد الحوار في تشكيلها إلاّ أن ثمة سردا لا يعتمد الاتصال اللفظي عبر الحوار فقط ، وإنما يعتمد بعضه على الوصف الحركي الذي يتنامى السرد معه ، وبعض المسرودات تعتمد على حركة الجسد ، ومن هنا شكل الجسد في رواية (أدركها النسيان) للروائية سناء الشعلان ثيمة بارزة في بناء النص ، حاولت فيه الروائية أنْ تقدم الحلول للمعضلات التي ترافق مجتمعنا .
الكلمات المفتاحية : التابو، الدين، السياسة، الجسد.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
المقدمة:
الجسد في الثقافة العربية و الاسلامية على الرغم من حيويته كموضوعة الا ان الحديث عنه تشوبه المخاطرة والمحاذير في ضوء مجتمع ينظر اليه على انه مكمن الشهوة ، وان كان الجسد هو سر استمرار الحياة ، فقد جعل الله في تركيب العباد الميل الى الجنس الآخر ، الا ان الفنان استطاع بما يمتلك من خيال جامح ان يخترق الحجب ويجتاز المحظورات ليعبر عما يؤمن به من فكار ، واستخدم الجسد فيها كوسيلة للتعبير عن رؤية كانت وما زالت موضع جدال ،ان الجسد وما يؤديه من وظيفة تتعلق بالجنس استخدمها الفنان ـ الروائي ـ وسيلة تعري الواقع المأساوي الذي تمر به الشعوب العربية من خداع وتسلط وصعود الى درجات عليا من دون جهد يبذل ، فكانت المرأة وما تمتلك من سحر وانوثة تفرض نفسها على الرجل، لذا استخدمت كوسيلة للعبور الى الجانب الآخر جانب لسلطة والثروة والتسلط على رقاب لآخرين ، واذا كان الجنس هو وظيفة بايلوجية في الظاهر ، فانها في النص تحمل ابعادا ذات دلالات سياسية واجتماعية واقتصادية . فعمد الاديب الى اللجوء لهذه الثيمة لفضح مايمكن فضحه وتعريته امام القارئ ليكون على بصيرة بواقعه المؤلم ومن ثمَّ تغيره . فكشفت الشخصيات التي ظهرت بلباس المنقذ والواعظ ولكنها في حقيقتها ضعيفة وهشة تعاني الضياع والتشتت تحركها مجموعة من العقد لنفسية والجسدية تحاول تعويضها من خلال السلطة والمال ، لذا جاء البحث ليدرس الجسد في رواية ادركها النسيان للروائية سناء شعلان مجيبا عن التساؤل الآتي : ما قدرة الجسد على التعبير الرمزي ؟ وما قدرة النص السردي على توظيف الجسد ؟ هل تمكنت الروائية من كشف المستور ؟
فحين نتصفح رواية أدركها النسيان نلحظ الحضور الواضح للجسد الانثوي والذكوري بشكل ملفت للانتباه لاسيما ما يتعلق باللذة الجسدية . وهو في تمثلاته يعكس الفكر والرؤية العمية لما يجري في مجتمعاتنا العربية ، فهو يعكس زيف الواقع فضلا عن الهوية والانتماء ، فتراوحت استخدامات الجسد بين السياسة والدين والحب وكان الجنس هو الرابط لكل هذه الثيمات ، لان الجسد يخضع بشكل أو ما الى سلطة المجتمع والدين . ولقد كانت بهاء البطلة هي الوسيلة لكشف الفلسفة التي تؤمن بها الروائية لتتحرك بين مفهومي الطهارة والرذيلة . فالكاتبة تلجأ الى تصوير الحالة النفسية لشخصياتها والتي تتعارض في كثير من الاحيان مع الابعاد الدينية والحياتية ، كما سنلحظ ذلك في المثلية الجنسية التي تعد محرمة في مفهومنا الديني وان كان تراثنا لا يخلو من هذه الاشارات . فقد مارست بهاء بطلة الرواية التمرد بكل اشكاله على السلطة لتخترق المسكوت عنه في مجتمع قمعي عمد الى ارتداء الاقنعة المزيفة ليخدع الاخر .
تبدأ الرواية بنسيانها الاول((سبعة وستون عاماً لم تسرق من شبابه ونشاطه وابتسامته إلاّ القليل غير المأسوف عليه من ذلك كلّه، في حين أعطته هناء وخبرة وتجربة وألمعيّة تفوق هذه السّنين الطّويلة المزحومة بالعمل والإنجاز والتّطواف في دنيا الله وأزمان الانتظار وسهوب الكتابة)) (1) لتحدد السنوات التي مرت بها احداث الرواية وعاشتها شخوصها سنوات واحداث تشير من طرف خفي إلى رموز تحتاج دقة نظر ليكشف القارئ كنهها لتستمر الى ثلاثين فصلا. اعتمدت الرواية على مايعرف بالميتاسرد من دون أن يكون هناك ترتيبا لأحداث الرواية بل هي مجموعة من الروايات المتدخلة مع بعضها وهذا التداخل يحتاج الى منتج آخر للنص ليجمع خيوطه ويعيد تشكيله بصورة أخرى كعادة الروائية سناء شعلان حين تزج قارئها في انتاج النص من جديد وتجعله يلج عالمها من غير ان يشعر بذلك بعده قارئا ضمنيا .
السياسة :
ما يزال المجتمع العربي لم يتخلص من القهر والعنف الذي تمارسه السلطات الحاكمة فيه ، ولا بد من مواجهة لهذا العنف بطرائق مختلفة ، ويعد النص الادبي / الروائي واحدة من هذه الطرائق مستخدما الرموز المختلفة ويعد الجسد واحدا من تلك الرموز للهروب من مقص الرقيب والسلطة ، لذا كانت الروائية سناء شعلان متصلة بشكل دقيق بالأدوار التي تؤديها الشخصيات والأفكار التي يحملونها فكانت اقرب الى ما يجري خلف الكواليس من ممارسات قمعية تقف خلفها شخصيات سلطوية تعاني الانشطار النفسي العميق فتعكس امراضها الاجتماعية على من تحكمهم ، وكما هو معلوم ان الجانب السياسي لا يكاد ينفصل عن الجانب الاجتماعي والاقتصادي ايضا ، لان السياسة تهيمن على الحياة ، ولما كانت الرواية نقدا للواقع وكشفا للمستور فانها تقف الى صف المعارضة تفضح الصراع الخفي حول السلطة واستخدام شتى الاساليب للوصول اليها والاثراء على حساب طبقات المجتمع المسحوقة ليعكس الصراع الايديولوجي بين الشخصيات سواء في المعتقلات او التعسف الجسدي وسرقة ثروات الشعوب والاستبداد وانعدام الديمقراطية وتغيب الذات في غياهب السجون ، فتخترق الروائية هذه التابوهات السائدة في مجتمعنا وتفضح السلطة وسياستها في الوصول الى اهدافها على حساب القيم لتعكس (( عذاب الانسان المستلب والمقموع في أي بقعة من بقاع العالم الثالث ـ عبر صراعه في المجتمع ـ ضد احباطاته الذاتية وضد قمع السلطة وعدوانية الآخرين ))(2) .
تبدأ الروية بإهداء يعبر عن ضياع الشخصية ليتحول المتجمع كله إلى ميتم ليرمز إلى مجتمع قبيح يجد الانسان فيه غريبا بلا مأوى يفتقد فيه الحب والدفء والأمان “عندما تحترق الأوطان يصبح العشق محرّماً””إنّه الميتم في كلّ مكان” (3) الاهداء ومع انه وجد ضالته في الغرب من العيش الرغيد الا ان الذكريات ظلت محفورة في ذاكرته التي لا تحمل لوطنه سوى الضياع (4).
هذا الميتم الذي لا يمكن استقباله على انه ميتم بشكله الفيزيائي وانما هو يحمل في طياته ابعاداً أكثر عمقا فهو عبارة عن وطن كامل يحتضن ابنائه ولكنه لم يكن رؤوفا بهم كبقية الاوطان، فقد اتهم بالسرقة من قبل مديرة الميتم العاقر ومساعدتها العانس ليكون مصيره قارعة الطريق ، ويكون طريدا للشرطة (5) ، لم يكن وصف العاقر والعانس لإدارة الميتم الا اشارة واضحة على عقم الوطن الذي لم يقدم شيئا سوى الخيبات لقاطنيه ، ويضعهم امام خيارات صعبة في مواجهة الحياة لاسيما في مراحل الطفولة الاولى التي تشكل شخصية الانسان فتكون ذكريات يصعب نسيانها ، فيكون امام مجموعة خيارات العودة الى الميتم العفن ، البقاء في قارعة الطريق ، والمطاردة من السلطة الاخرى سلطة الميتم / الوطن حيث يغيب في سجونها التي تشبه المقبرة لان من يدخلها لا يخرج منها الا وهو ميت . في دلالة على القسوة والتسلط . هذه القسوة جعلته يترك كل شيء في وطن تخلى عنه كما تخلى عنه الميتم . (6)
الا ان مثل هذه الشخصيات تحمل في داخلها الحب لوطنها وكأنها تؤمن بقول الشاعر بلادي وان جارت علي عزيزة .. فهو يحب وطنه ويظهر ذلك من خلال عنايته بالمقتنيات الشرقية فهو يقابل وطنه الذي لفظه عاريا وحيدا باهتمام وان بدا غير مباشر الا انه يعكس الانتماء الروحي (7) لذ تخذ من الغربة وطنا حقيقاً كسكن يجد فيه السعادة (8) ، ولعل البطلة (بهاء) ايضا مختلفة عن وطنها لاسيما في شكلها وبشرتها ليعكس الصراع بين الشرق والغرب ((فقد كانت لقيطة مجهولة النّسب والتّاريخ والأهل، وحمرتها اللّذيذة الحارّة، وعيناها الخضراوان الحشائشيتان تزيدانها غربة ويتماً ووحدة؛ فهي تبدو هجيناً آسراً بين أخلاط عرقيّة متعدّدة الجمال والجاذبيّة والأصول)) (9)
فالشخصيات كانت تعيش حالة من الصراع الداخلي غير المتكافئ بين اشخاص عرف عنهم الحب والسلام ، الحب لوطنهم والسلام الذي يرغبون به للعيش في وطن يحترم حرية الآخر وميوله ورغباته ،وبين حياة قاسية في واقعها، فكان صراعا خاسرا ((رحلتي المضنية في حلبة الصّراع الشّرس غير المتكافئ بين امرأة وحيدة معدمة وبين حياة متوحّشة متنمّرة.))(10) لتصرح بهاء بشكل مباشر عن حالة الصراع وبالأدوات التي تتوافر لديها الكلمة لتقول لنا ان الفعل يبدأ بالكلمة لتغير ما يمكن تغيره ((كما يسمون الكتابة موهبة وترفاً وأدوات للمبدعين والمتطهّرين، وأنا اسميها طريقة اعتراف واحتجاج على الحياة وظلمها وتضييعها لنا نحن معشر الضّعفاء والمنكوبين والمنكودين.)) (11)
لعل هذا الخراب والدمار الذي عاشته جعلها تسعد لنسيانها لتلك الاحداث لقسوة المجتمع في حاضره وخيباته التي تستشرفها للمستقبل .(12)
إن الوطن للضحاك وبهاء هو ذلك الدفء حتى وان كان في الغربة بعيدا عن الشرق الملتهب الذي لا يختلف عن فوضى العصور القديمة حيث الفتاك وقطاع الطرق الذين لا يخضعون لقانون سوى قانون القوة والنهب والاغارة كذلك الوطن تحول الى غابة للصراع حول المغانم ، فالوطن هو الحب والاكتفاء (13) فالصراع يقوم هنا بين قوى قاهرة تسيطر على المال والسلطة ، وبمبررات شتى تارة بستار الدين وتارة اخرى الوطنية والاخلاق على حساب المسحوقين والمستلبة حقوقهم مما جعل الوطن غير قابل للعيش فيه . فالضحاك يكره وطنه لانه تركه في مواجهة حية قاسية لا تختلف عن حياة بهاء (14) التي لم تفهم معنى الوطن الذي درست عنه في كتب التاريخ والتربية الوطنية ، ((أحاول أن أركّب صورة ما مفهومة لطفولتي حول ما يجري في عوالمي وعوالم من حولي من بشر تسميهم معلّمة التّاريخ والتّربية الوطنيّة “مواطنين في دولتنا العظيمة”، ولكنّني منذ أصبحتُ لقمة سائغة مشتهاة في فم أفراح الرّمليّ لم يعد يعنيني أيّ شيء حول الأوطان أو المواطنين أو الأحداث والمصائر، بل حتى لم يعد يؤرّقني من أكون، أو إلى من أنتمي؛ فقد خذلني الجميع، وغدوت وحدي )) (15) فكان بعد ذلك انتقالها بجسدها بين الرجال ومنهم كريم لوهداني الرجل الكبير لذي فقد رجولته في معتقل فكان يعوض ذلك بشيء من الزهد.(16) لتستمر في هذه الرحلة في الحياة لتتعرف على مجموعة من الاشخاص وكان الجسد هو الوسيلة لهذا التعارف فقد تعرفت في المستشفى على سليم المناضل (17) وفي المكان نفسه تعرفت ايضا على ثابت الذي تعرض لحادث سير بسبب العدو (18)وهو يهتم بالسرد فاطلقت عليه ثابت السرد ((إنّه باختصار رجل يحبّ النّاس، والنّاس لا تملك إلاّ أنّ تحبّه؛ فهو حاوٍ مدهش، ومن جرابه يُخرج سرداً شيقاً لا ينضب)) (19) اقتربت منه اما لجماله او فكرة الوطن التي يؤمن بها (20)ثم استدعته المقاومة لواجبه فالتحق به واستشهد على ارض الوطن كما كان يشتهي . (21) اذ لم يكن هدفه سوى التحرير ((هذه هي حكاية ثابت السّرديّ، وحكاية شعبه التي تتلخّص في أن لا تكون لهم حكاية سوى حكاية كابوسيّة واحدة، اسمها العذاب والرّحيل والانتظار. ولكنّه دفع عمره ثمناً ليغيّر نهاية هذه القصّة، لتصبح النّهاية هي التّحرير، ولا شيء غير التّحرير. )) (22) ان النسغ السياسي بدا واضحا في الرواية وان كان مختفيا في ما وراء النصوص فالروائية تختار النهايات التي تليق بأبطالها وسيرهم بين الناس ، فمن كانت سيرته قبيحة كانت نهايته بهذا المستوى من القبح ، ومن يكن ذات سيرة انسانية تكن نهايته مشرفة له . لذا كان لثابت السردي النهاية التي تفضلها فهو رمز المقاومة ورمز الثبات فكان جسدها له عرفانا لهذا الثبات ، وقطعا الجسد الذي تريده لا الجسد المادي المعروف بل هو جسد معنوي يمنح الآخر الديمومة والحياة .
ولعلها لم تنس الشكل الآخر من المقاومة ، الشكل القبيح الذي يستغل المقاومة والسياسة لأغراضه الشخصية حتى انها لم تجعله معرفة بل لم تصرح باسمه تنكيرا وامعانا في فضح هذه الاشكال الوصولية ، ((جاء لاجئاً سياسياً إلى مدينتي بعد أن استقوى عليه رفاقه في الثّورة، وطردوه من بلده، وجرّدوه من منصبه السّياسيّ، فتحوّل من أحد رجالات وطنه إلى قطب من أقطاب المعارضة في الخارج. لقد جاء إلى المدينة برفقة شاحنتين من المال المسروق من بلده، ثم بعد ذلك أصبح عنقاء السّياسة في المكان، وسيطر على البلد ومن فيها بحزبه السّياسيّ العابر للدّول والقارات الذي شكّله بماله المسروق حتى لُقّب بالامبراطور.)) (23) وكانت بهاء وسيلته للوصول الى اهدافه وهذا ديدن في توظيف شتى الوسائل للوصول الى اهدافهم ليكون نقيضا لثابت السردي (24) فكانت المرأة هي المحرك الرئيس للإحداث في المجتمع التحتاني . وهي من تتحكم في مصير الشعوب بواسطة جسدها .
ثم تنتقل لعالم المخدرات مع شخصية تسمى محب وهبات ((فقد كان يفتخر بأنّه تاجر سلاح ومخدرات ونساء، ويقدّم نفسه لمن يتعرّف عليه بقوله: أنا القوّاد الأكبر محبّ وهبات)) (25)
لتنتقل الى شخصية جديدة مخنثة اسمه هملان أبو الهبات ((فهو مخنّث الأعضاء والسّلوك، وعلى الرّغم ذلك يعيش في جلباب الرّجولة الذي فرضه والده عليه منذ كان صغيراً، فظلّ يعلن أنّه رجل، ويتكتّم على تكوينه الخنثى وميله نحو عالم الأنوثة، …، ويخرج في جولات سريّة في شوارع المدينة في ساعات متأخّرة في اللّيل ليحظى بتحرّشات جنسيّة تلهب فيه جذوة الأنوثة التي يصمّم والده على دفنها في أعماقه لصالح حياة رجل هو لم يستطع أن يكونه في يوم من الأيام.)) (26)
وكان يستعرض دور الرجولة ليمثل حزبه العشائري ليكي لا يجلب العار لعشيرته (27) وكانت تعامله في شقتها كانثى مخنوقة في جسد رجل ، ليكون صديقتها ، وتلجأ الى السخرية من تصريحاته للعيش بسلام مع العدو (28) في اشارة الى هؤلاء الذين يدعون الى التطبيع والعيش بسلام مع العدو وهم يعيشون حالة الاستلاب الذاتي وابعد عن الرجولة في موافقهم ، لتعمل على تعرية هؤلاء بطريقة فاضحة تعكس موقفها الصلب اتجاه من يخون قضيته ويترك النضال وسيلة للتحرير.
ويكشف استشرافها مصير هذه الشخصية التي تنتقل الى أوربا كرجل دبلوماسي ويتزوج زواجا مثليا (29)لتصل الى نتيجة ان العائلة بل ربما السياسيين جميعهم لا يختلفون عن الخنثي هملان ((وترك حزب أبيه الذي سرعان ما نقل أمر تمثيله إلى ابن آخر من أبناء العائلة، اسمه هملان أيضاً، وله غرام جامح بمضاجعة المومسات وإطلاق التّصريحات التي تحضّ على السّلام مع العدوّ. في حين ظللتُ أطلق اسم هملان على أيّ شيء خنثى أو جبان )) (30)ولا تختلف وجهة بطل الرواية الضحاك عن وجهة نظر بهاء في الشرق العربي حيث الخطب الجوفاء من دون نتيجة في حين ان العدو يقضم الارض باسم الحرية وهو في حقيقته يحمل الموت الى كل مكان (31) ليكون مصير الشعوب الهجرة المستمرة(( اللاجئون والمهاجرون يتدفّقون على المدينة أكثر فأكثر، هم من الجنسيّات والسّحن جميعها، يجمعهم الخوف والتّهجير والرّهبة والضّياع والوجع، وتفرّقهم المآلات والمصائر والأقدار. )) (32)فالوطن بالنسبة اليه رعاية وخلاافه لا يمكن العيش فيه لانه يصبح خائنا لا يختلف عن اللصوص.(33)
واذ كانت بهاء تبيع جسدها وتمارس غواية الجسد فانها تمارس دعارة القلم ايضا التي لا تقل تأثيرا عن الجسد فقد باعت روايتها مقابل وظيفة لشخص في دولة (34)فهؤلاء يعدون الوطن ملكا لهم يتصرفون ويهبون ما يشاؤون لمن يريدون فالوطن لهم، والوطنيّة للفقراء والمنكودين والمستضعفين والشّرفاء وأصحاب الضّمائر الحيّة والذمّم النّظيفة التي لا تُباع ولا تشترى. (35).
ولعل هذا الكرم بأموال الوطن كان ديدن هؤلاء المزيفين والمنافقين ، فقد كتبت مقالة نفاق لمرأة تعمل في الدولة ، امرأة حصلت على شهادات عديدة تلك الشهادات التي ما عاد الحصول عليها صعبا في ضوء الأموال التي يحصلون عليها من غير جهد ، لتعمد الى مفارقة طابعها السخرية حيث يكون بيع الوطن من أجل ابنته الخاملة (36)
إن مجتمع الرواية مسحوق سياسيا واجتماعيا من قبل قوة خفية تتحكم بالأحداث ، وهذه القوة في حقيقتها منهزمة داخليا يقف خلفها قوة أخرى متحكمة فيها غالبا ما تكون المرأة وجسدها هو الاداة لهذا التحكم .وبهذا يكون المجتمع تحت سلطة صغيرة فاسدة متحكمة في المجتمع .وهذ المجتمع الذي يقاسي القسوة والتسلط الخارجي يقاسي التسلط الداخلي (37). فيستذكر الميتم الذي تحول الى رمز الى وطن مستلب لا يختلف في صوره وما يجري فيه عن الوطن حيث استلاب الحريات والخراب والتحكم بمصائر قاطنيه ((حتى أنّه ذهب إلى الشّارع البائس حيث يقبع الميتم، فوجده قد تهدّم كما تهدّم الوطن كلّه، ولم يسأل أحداً عن سبب ما آل إليه هذا البناء من تحطّم)) (38) وهو ذاته رأي بهاء في النظر الى الوطن على انه ميتم كبير. (39)
فهذا الاستلاب طال العلماء الذين وقفوا ضد المجتمع فكانت تصفية الجسد باعتبار ان الجسد هو ذات علاقات متعددة تدخل في التوافق والتضاد ((واكتفى بأن يسمع قصتّها في ذلك المساء عن عالم الذّرّة العربيّ الشّهير الهارب من بلده الذي تمّ اغتياله في شقّته دون أن يُعرف الفاعل كما ذكرت محاضر تحقيق الشّرطة، في حين يعلم الجميع مَنْ قتله ولماذا؛ وهو من جاهر بمعارضته لنظام شرقيّ فاسد.))(40) ليعقد مقارنة بين الوطن والعاهرات وتكون نتيجة صادمة ((في طريق عودته راودته الكثير من بنات اللّيل عن نفسه، فأغدق عليهنّ بما يحمل من مال في جيبه، دون أن يحصل منهنّ على شيء سوى استغرابهنّ من منحته المجانيّة لهنّ، وجهلهنّ لمعنى قوله لهنّ: أنتنّ الأطهر في هذه المدينة العاهرة.)) (41)فالمدينة لم تحمل في ذاكرته الا الالم والحزن (42) فالجسد هو المنظومة الرمزية العامة . (43) لقد حاولت الرواية ان تربط بين الجنس والظروف المحيطة بين ماهو اجتماعي واقتصادي ، وبين قلة متسلطة على رقاب المجتمع واكثرية مسحوقة ، فكان الجنس نتيجة لكل هذا التدهور والانحطاط .
ولعل هذا الانحطاط في المجتمع جعل بطلة الرواية تدخل هذا العالم بشكل مباشر وتمارس السرقة والوصول للأهداف بكل الوسائل وهي لا تقصد من ذلك الا كشف حقائق غابت عن المجتمع لكنها تحصل في كل مرة ، كما في حصولها على رحلة علاجية كانت مخصصة لامراة فقيرة ليس لشيء الا انها مارست دعارة القلم وكتبت نصوصا لأدبية مزورة (44) في وطن فيه كل شيء ينهار (45) لمن يكن المحيط الكبير بكل خيباته المتنوعة ، وبكل انكساراته المختلفة ، وكذلك المحيط الصغير العائلة والاصدقاء والعادات والتقاليد ، الا بيئة اوجدت اسبابها لتصرفات الابطال . (46) في وطن (( تستعر بالنّار والفتن والابتلاءات والمصائب، ويجوبها اللّصوص والقتلة آمنين فرحين، ويموت فيها الأبرياء والأبطال … )) (47) في هذه الاجواء المعقدة نشأ كل من بهاء والضحاك شخصيات تعرضت لانتكاسات متعددة ، وفيها نقلات عنيفة ادت الى انكسار النفس ، وحدوث شرخ كبير لا يمكن رأبه ، في هذه الظروف جاءت بهاء وجاء الضحاك يرافقهما هزائم متعددة على جوانب كافة فلم يكن امامهم الا الصمود بواسطة الحب (( لقد بات العالم كلّه يعرف قصّة العاشقين: الضّحاك وبهاء اللّذين انتصرا على الموت والنّسيان والفراق بقوّة حبّهما الخالد. )) .(48)
الجنس :
كان الجسد وسيلة للتعبير عن حالة الضياع والانكسار السياسي والاجتماعي والديني ، فكلما مرت بهاء او مرّ الضحاك بأزمة معينة كان الجسد وسيلة للهروب من التوتر النفسي ، ولكن هيهات ان يكون ذلك ، فمن غير الحب البعد الخامس الذي حددته الروائية في روايتها الأولى ( اعشقني ) لن تحقق هذه المحاولات المطلوب منها فتكون الانتكاسة اكثر عمقا ووجعا . وكما لاحظا في الجانب السياسي ان المجتمع يساهم في دفع الشخصية على الانحدار فكان الجسد وسيلة للعيش ، فالجسد في رواية ادركها النسيان يطرح ابعادا أيدولوجية . ((إنّها باختصار عاشت انكساراتها الطّويلة واحباطاتها المستمرّة في بحثها عن تأمين لقمة عيش شريفة تقتنصها بصعوبة في عالم لا يرضى بأن تعطيه عملها الدّؤوب مقابل أجوره الزّهيدة، ما لم تهبه جسدها اللّذيذ الشّهيّ الأحمر.))(49) في هذه الاجواء المعقدة والمتشابكة نمت بهاء ،وحيدة لا تجد من يقف الى جوارها ، وبما تمتلك من مقومات الجمال المغاير للجمال العربي ذات السحنة السمراء ، فهي حمراء فاتنة ، كل هذا جعلها محط انظار الكل ، وكان جسدها مطمعهم ، وقد استغلت هذا الامر لتحقيق مآربها المختلفة . ومن ثم تعرية الواقع الاجتماعي والسياسي والديني (( حاولتْ بإخلاص أن تحظى بأيّ فرصة للقمة الحلال، ولكنّ الرّجال الطّامعين بها سدّوا الدّروب عليها مرّة تلو أخرى حتى ساقوها إلى الرّذيلة بأشكالها جميعها.)) (50) فالرواية تعمد إلى وصف جسد المرأة الداخلي والخارجي لتعطيه إبعادا أخرى وتجعله محط انظار الآخر المختلف فاللون الحمر واللقب الذي لقبت به الحميراء جعل منها مطمعا للآخر المغاير له في بشرته .
لهذا كانت بهاء تؤكد دائما ان الخيانة لا تكون في الجسد فقط كم يظن بعضهم ، بل ان الكلمة لا تقل خطرا في الخيانة عن الجسد وهي تحمل الشرف كما ان الجسد يحمل الشرف معه، لذا هي تعرف تماما انها تمارس دعارة القلم وهذا ما اشرنا اليه في الجانب السياسي ((فأخذتْ تتاجر بكلماتها، وتمارس دعارة القلم بدل دعارة الجسد، إلى أن حظيتْ بوظيفة حكوميّة درّت عليها راتباً تقاعديّاً ضئيلاً جعلها تهجر زنا القلم والجسد،)) (51) لتعري أولئك الادباء الذين يعمدون الى تسلق الشهرة من غير حق ومن ثم يكون القلم مزيفا لا يدافع عن قضايا الأمة وينشغل بما هو دون ذلك ، لتبرر ذلك بحاجتها للمال (52). لتقارن بين بيع الجسد والقلم فتكون الخسارة واحدة متشابهة((وما استطعتُ أن أقضي على هذا الهاجس المتنامي في أعماقي بأنّ كلماتي جزء من عرضي وشرفي، وأنّ من يشترونها منّي هم عابرون جدد في جسدي، وأنّني لا أزال أتاجر بي مع اختلاف شكل الاتجار)) (53)
ولعل هذا العوز هو الذي دفع بربارا سكرتيرة الضحاك بان يكون حسدها هو الوسيلة الوحيدة لسد عوزها المادي فاصبح الارتباط الجسدي عبارة عن عقد عمل بينه وبين سكرتيرته (54) فالفقر دفع بربارا للعمل مع الضحاك وادارة شؤونه في المنزل ولكنه كان يستغلها جسديا لإشباع رغباته الجنسية من دون ادنى شعور بالحب ، وكأنه يستغل حاجتها إلى الإيواء والعمل ، فالعمل ظاهر الموضوع ولكن يقف خلفه الاستغلال الجسدي .فكان لجنس منفذا للتعبير عن ضغوط الحياة وهمومها .
ولعل الانتكاسة الاكثر مرارة حين يتحول المعلم أفراح الرملي بما ارتبط من قدسية الرسالة التي يحملها الى زير نساء ، وهي التي كانت تطمح ان يساعدها في دروب الادب والمعلم ((كما لم تكن تعلم هي أنّ هذا الاجتهاد سوف يقودها إلى درب المعلم أفراح الرّمليّ الذي كان يجيد اصطياد كلّ ما يشتهي أن يصطاده، ولو كان يتيمة حمراء تجيد صنع الكلمات. )) (55)
لتقدم وصفا تفضيلا لشخصية الرملي وتشبهه بالصياد لتبين عمق الافتراس ولعل الرمز الذي تحمله شخصية المعلم هي رمز لهؤلاء المتحكمين بالشعب /إناث الميتم وما سكوت المشرفات على ذلك الا سكوت السلطة عن تصرفات هؤلاء ((كان عندها في نهاية العقد الخامس من عمره، ولكنّه كان يملك شهوة صيّاد في عنفوان قوته، شهوته هذه كانت تدفعه إلى اصطياد إناث الميتم واحدة تلو الأخرى، لم يخرج من الميتم عندما تقاعد عن العمل في سنّ السّتين إلاّ وقد اصطاد نساء الميتم جميعهنّ)) (56)ليحول الميتم الى مبغى يشبه المجتمع الى حد كبير في اشارة إلى الفساد الذي يحتاج إلى سلطة قوية لتواجه هذا الوحش ((أفراح الرّمليّ حوّل الميتم إلى مبغى خاصّ به، وفرض شهرياريته عليه، وما كان من السّهل عليّ أن أقول له لا؛ فماذا تستطيع طفلة يتيمة وحيدة أن تقول لوحش يلتهم الجميع؟)) (57)
ونلحظ ان كل الشخصيات التي تعرفها كانت تقدم لها ما يبرر افعالها ، لكنها في حقيقتها تكون بالضد من ذلك ، فالمعلم الرملي كان في نظرها ((أفراح الرّمليّ هو إنسان رائع وطيّب وملهم، مهما حيكتْ حوله من قصص الفسق والفجور والإجرام؛ فهو يشجّعني على الإبداع والكتابة، ويملك قلماً بديعاً ينقط كلمات سحريّة، ولا يمكن لمن يملك قلماً كقلمه أن يكون مغتصباً مجرماً.)) (58) على الرغم من انه يمارس الجنس حتى مع مديرة الميتم النحيلة (59)فهو لا يهتم للشكل الذي يستبيحه ((لا يتوّقّف كثيراً عند إشكاليّات الجمال وتفاصيل الأنوثة والسّن وأدبيات العمل وأخلاقيّات المعلّم وضمير المهنة، بل يفكّر في شيء واحد، وهو رحلة ذكره في أرحام الإناث أيّاً كنّ.)) (60)لقد عاشت بهاء حالة من الضياع والتردد والحيرة بين ما تريد وتطمح وما هي عليه هذه اللحظة .((لم أعد أفرق كثيراً بين سخرية أفراح الرّمليّ منّي وبين مديحه لي، ولكنّني أدركتُ تماماً أنّني أتقدّم كثيراً في الكتابة بفضل توجيهاته ورعايته لي …، حتى ولو كان أسفل سافلين في مدارج الأخلاق، وخائناً رعديداً لأخلاقيّات التّعليم والعلم والإنسانيّة؛ فهو ليس أكثر من ثعلب خائن يسطو مرّة تلو الأخرى على أجساد فتيات يتيمات ضعيفات، فيأكل لحومهنّ، ويشلع عظامهنّ في البعيد. )) (61)فتتعاون الشخصيات في هذه الممارسة ويكون الاذعان من قبل الاطراف لممارسة الفحش من خلال فلسفة يصدقانها معا ، فتكون الممارسة برضى الطرفين .وان كان الضعف باديا في الطرف الضعيف المسحوق بهاء / الشعب في صورة تشبيهيه تعكس الانسحاق والضعف ((ما استطعتُ أن أقاومه، أو أرفضه، أو أصرخ في وجهه، وهو يجرّني كعنزة صغيرة إلى غرفته المجاورة لغرفة مديرة الميتم، ويشرع يعرّيني، ويتعرّى في آن، ويفتضّ عذريتي وطفولتي وأحلامي الصّغيرة)) (62)
لتنتقل الى شخصيات اخرى وهي الشخصيات الادبية التي تجعلها في مواجهة النقد ، ومنها شخصية وفاء ذيب كاتب وناشر عن علم فلسفة الجمال وجدت فيه الانسان الحق ((ورأيتُ نفسي لأوّل مرّة في حياتي أمام كائن شبه منقرض اسمه إنسان بحقّ. )) (63) لكنه مات بالذبحة القلبية بعد ان منحته جسدها لانها احبته (( فانسحق جسده الرّائق الحنون تحت وطأة جسدي الشّبق المتنمّر عليه. )) (64)ثم تعرفت على فنان اسمه يراع طرب احببته لأغانيه واعتقدت انها تشدها الى عالم الدهشة من جديد ، ولكنه كان يعشق النساء وهو ينتقل من واحدة لأخرى كعشقه لأغانيه ((اكتشفتُ أنّه يعشق النّساء بطريقة عشقه للموسيقى والألحان والكلمات؛ أيّ يعشق أن يجرّب الواحدة منها تلو الأخرى، وأن يجد نفسه في متناقضات النّساء، ولذلك عندما عزف نغمي، ابتعد عني، وذبل حبّه لي.)) (65)الا انه تحول الى الشذوذ الجنسي وترك اغانيه الوطنية ((هجر الأغاني الوطنيّة والدّينيّة والإنسانيّة التي كان يتكسّب منها، ويزعم أنّه سفيرها لما تحمله له من شهرة وجماهيريّة ودخل عريض، وتخلّى عنها جميعاً لصالح شذوذه الذي فتح له كنز علي بابا والألف شاذّ)) (66) فلم يكن ملتزما بالدفاع عن ما يؤمن به من قضية دينية ووطنية .
ثم اسست دارا للبغاء لا تختلف عن الميتم بل هي افضل من الميتم في احيان اخرى وهذه اشارة إلى المجتمع وقسوته والفوضى التي تعمه ليكون بعد ذلك المبغى بكل ما يحمل من خرق للمألوف الاجتماعي والديني افضل منه ، فقررت بهاء ان تلغي الحب من حياتها ليكون الجنس بديله وما يدر عليها من اموال ، فتكون العلاقة اشبه بعلاقة تجارية توفرها الظروف ، ومثل هذا المنطق المخاتل ، ولي عنق الحقيقة ، التي لم تكن تؤمن به ، جعلها تجري خلف السلطة والمال ، مما اتعبها اكثر ، لانها مدركة بصورة جيدة ان الحب الحقيقي هو الذي يعطيها الامان والمتمثل بالضحاك . (67)((لطالما شعرتُ أنّ هذه الدّار صورة طبق الأصل عن الميتم الذي فقدت إنسانيتي وبراءتي فيه؛ فكلا المكانين يبيعان أعراض الفتيات العاجزات عن الدّفاع عن أنفسهنّ، إلاّ أنّ للميتم أثم السّبق في تلويث الفتيات، وسبّة تعهيرهنّ وهنّ من وُلدنَ نقيّات طاهرات مثل حبّات مطر السّماء، في حين هي أفخر أنّ داري لم تجرّ أيّ منكوبة إلى هذا الدّرب الجهنّميّ، وأنّها لم تأكل في يوم عرق عاملة فيها، ولم تعبّد أيّ واحدة بالسّخرة، فكلّ واحدة منهنّ تأخذ أجرها موفوراً كما تطلب دون نقصان أو غبن، وتعمل وفق قدرتها وطاقتها ورغبتها.)) (68)ان الدار لتي اسستها بهاء لم تكن الا ردا قاسيا على مجتمع تخلى عن مهامه في توفير حياة كريمة لمواطنيه ، بل ن العهر الذي يمارسه المبغى اشرف من العهر المقنع الذي يمارسه المجتمع لكثير من الشخصيات التي تدعي الوطنية والدين وهم ابعد ما يكونون عنها بل ان المبغى كان يعطي مريديه جوراً مقابل اعمالهم ، فكان جسد المرأة هو الشاهد الأكبر على زيف وظلم البشرية التي لم ترق إلى مستوى انسانيتها حتى الآن ، فمتى ما انعتق جسد المرأة من الدنس نقول ان الانسانية والحرية والعدالة قد تحققت. (69) (( قرّرتُ أن آخذ قراراً جريئاً، وأن أهجر دار البغاء التي أسّستها على أرقى طراز لأجل الطّبقة المخمليّة في المجتمع)) (70)
إنَّ تجربة الجسد ألتي جاءت بها المبدعة سناء شعلان لم تكن ولن تكون مجانية زخرفية ،وإنما حاولت من خلالها الروائية أن تخترق المألوف بجرأة شفافة ، موجهة أصابع الاتهام إلى قسوة المجتمع وتحجره . فكانت سناء المبدعة تقف على مسافات مختلفة ، تارة تبتعد لتترك الفضاء لشخصياتها ، وتارة تتخذ من بهاء قناعا لها ، لتعبر بشيء من الجرأة عن موضوعات تدخل في المحرم في المجتمع العربي ، ولا سيما الحديث عن الجنس ووصف الممارسة بلغة شفافة لا تخدش الحياء ،إنَّ هذا العري يهدف إلى التدمير تمهيدا إلى التكوين ، عن طريق (( تجاوز الطبقات الرسوبية الزائفة وبلوغ الجوهر العميق وتسكينه في الوعي تمهيدا لتفجيره والخلاص منه )).(71)
ليصل هذا الجنس في العالم الافتراضي((سرعان ما صدفتُ حالم الورديّ وجنان الطّويل في العوالم الافتراضيّة عبر المراسلات الإلكترونيّة في الشّبكة العنكبوتيّة، لا أعرف من منهما صدفته أوّلاً، ولكن كليهما عاش معي التّجربة ذاتها في الوقت نفسه)) (72) فحالم الوردي على درجة من الفكر والثقافة ويكتب الشعر والمقالات الفلسفية ولكنه بذيء الكلام ويرسم لوحاته الجنسية. وكان يرسل الكتب الجنسية التي يزخر فيها التراث العربي(73) وقد اطلق عليها لقب البغي المقدس تكريما لدورها في الحياة .ختفى بشكل مفاجيء. ثم تعرفت على جنان لطويل وتركته ايضا(74) لتعلل ذلك الانحراف بسبب لون بشرتها المغاير ووحدتها في مجتمع قاس ((لأنّها امرأة حمراء مثيرة يتيمة لا معين لها، أو نصير في مجتمع داعر لا يعرف من الفضيلة إلاّ التّشدّق بها. )) (75)((لقد حاولتْ مرّة تلو الأخرى أن تنزع إلى درب الفضيلة، ولكن المجتمع المتوّحش كان يجذبها بقوة إلى الرّذيلة والضّياع)) (76)
لتحدد اسباب ممارستها الجنس وكأنها تشخص مايمر به المجتمع من مبررات تدفع الى الانحراف (( لسنين طويلة دفعتُ جسدي مقابل كلّ شيء أكان طعاماً أم مالاً أم شهرة أم امتيازات أم مصالح أم متعة عابرة أم تفريغ غضب أم حزن أم انتقام من الوحدة أم نظير حماية أم تحقيق مصلحة أم نكاية بالسّماء والأرض وما بينهما لقاء وحدتي وحرماني المهلك من راحة بالي وضميري. )) (77)
ولعل السرطان الذي ضرب مكامن الانوثة يشعر بوصولها الى العدم (78) لان ازالة الرحم والثدي للبطلة بهاء هو ازالة الحاجة الى الاخر ، (( بل يكون هناك سعي صوب الأصل العميق داخل الأنا ذاته ، ويكون ثم انقطاع عن العالم ، لتقفل الدائرة )) (79).
لقد تحولت بهاء الى جسد الاشتهاء تتنقل بين الرجال من دون حدود اجتماعية ودينية ، فتكون مهووسة في الجنس الى درجة اطلقت على بعض هؤلاء لفظ العابرين في اشارة الى ممارسة اللذة في لحظة ما ولهدف ما يبدو غريبا وغير مقنع للقارئ . وكأنها تعيش حالة الاكتشاف أو مدى قدرتها التي تمتلكها للتحكم بالآخر ، منهم البسيط المسخ ، وشاعر اقدم على الانتحار بعد ذلك ،ومناضل عوضته عن فقدانه لساقيه كجزء من العمل الوطني السري ، وذلك الوسيم صاحب السحنة السمراء الذي يمارس الشعر بطريقة ممجوجة ،وشاب بعمر ابنها تصدقت عليه بجسدها لانها عاش اليتم ، وسائق يعمل لرجل كانت تمارس الجنس مع سيده ،وشخص يخدع البشر ، وشاعر صعلوك ، وشخص مبتذل من قبل الشعب ، وشخص امه تمارس سحاق بعد ان هجره والده . (80) ليتحول العالم الى ميتم كبير ((كنتُ أظنّ أنّ الميتم ينحصر داخل أسواره الخانقة فقط، …، ولكنّني اكتشفتُ سريعاً أنّ العالم كلّه ميتم كبير، وأنّ نسخ أفراح الرّمليّ من البشر لا حدود لها.)) (81)
ولعل هذا الدمار الذي اصاب المجتمع وصل الى ادق المهن الانسانية وتمثل ذلك في الطبيب تيم الله الذي اجرى لها عملية قلع الرحم ((تَيْم الله الجزيريّ لم يكن مجرّد طبيب حاذق ومشهور في علاج سرطان الثّدي والرّحم حسب، بل كان دائرة معارف إنسانيّة متنقّلة، ومجرّة شعوريّة مذهلة.)) (82)
كان يمارس الجنس مع كل الاعراق ويحترم العاهرات بشكل يخلق التناقض في الافعال ((كان يزعم تواضعاً أنّه ضحل في كلّ شيء، إلاّ في الجنس والعشق، …، فما ترك أنثى من أيّ عرق إلاّ وضاجعها، حتى أنّه كان يجمع في سريره الاثنتين والثّلاثة من النّساء في اللّيلة؛ كي لا يدركه أزوف سفر أو عمل، فيمنعه من تجاربه الجنسيّة العابرة للقارّات والأزمان والأعراق، لكنّه كان يأبى أن يشتري أجساد المومسات لأنّه يراهنّ طاهرات مظلومات قد دنسهنّ البشر، فينحني لهنّ في مروره بهنّ، وكأنّهنّ آلهات مقدّسات تعالتْ على كلّ دنس أو رجس.)) (83)ولكن في حقيقة تيم الله انه تعرض لانتكاسات سرقة ورث اهله وزواجه من طالبه سطت على امواله وجردته من كل شيء (84) وهو قد مارس الاغتصاب منذ طفولته لطفلة مع ابناء القرية ثم تركوها للموت ، من دون خوف من العقاب لانهم ابناء الاثرياء وهي ابنة الفقراء .(85) في اشارة الى طبقية المجتمع وضياع الفقراء تحت سطوة الاغنياء والسلطة . واختلال توازن العدالة في المجتمع(( وتزايد الألم في ثديي عندما قفزتْ إلى ذهني قصّة روتها لي شقيقة تَيْم الله الجزيريّ عن فتاة فقيرة قطع الأغنياء أصابع يديها بالسّاطور؛ لأنّها تجرّأتْ، ولمست ببراءة يد طفلة من أبنائهم.)) (86) إن الجسد غالبا ما يرتبط بعالم اللذة ، وهذه اللذة مرتبطة بقدرة الجسد على العطاء ، واي تغيرات فيه تنعكس سلبا على تلك اللذة ، فجسد بطلة الرواية بهاء تعرض لتغيرات بسبب اصابتها بمرض السرطان لذي ضرب مكامن الخصب والنماء والانوثة ، الرحم والسرطان ، وبمجرد استئصال اعضاء من جسدها تغيرت علاقته مع ذاته ، ولكن هذا التغيير لم يستمر طويلا ، فقد عادت الى ممارسة للذة مع تيم الله الطبيب لتشعر بانوثتها مرة أخرى .
فمع ما يتصف به تيم الله الجزري من ثقافة وعفوية وطيبة الا ان جذورها كانت مغايرة ، فهو من عائلة مارست سلطتها على الغير ، وهو في طفولته لم يكن سويا ، فقد اغتصب فتاة صغيرة مع رفاقه ، كان نتيجتها الموت لها ، ولكن من دون رقيب وسلطة للمحاسبة لانها من عائلة فقيرة ، ليس هناك من يطالب بحقها ، هذه الحادثة فضلا عن اغتصاب اعمامه لثروته التي ورثها عن والده ، جعل الاغتصاب يظهر بشكل غير مباشر في تصرفاته وان كان يمتلك كل مقومات التقدير من الآخر ، الا انه نظر الى المرأة تجربة يخوضها ، ويحاول ان يتكشف ذلك كلما سنحت له فرصة التجريب ، وكأنه في سياحة جنسية لدول العالم . لتعكس مفارقة هذه الشخصية وتنقل لنا صورة(( تَيْم الله الجزيريّ، وهو يعتلي كرسي عربة يجرّها إنسان حافٍ شبه عار في دروب مدينة قديمة، وهو يتقافز من تحرّق قدميه اللّتين تلحسهما الأرض بحرارتها الكاوية، في حين يتبرّد تَيْم الله بهوّاية قشّيّة يدويّة يحملها في يمناه، ويهشّ بها على وجهه المتعرّق عرقاً مطيراً، ويستحثّ الرّجل التّعس الذي يجرّ العربّة التي تحمله كي يسرع أكثر ليصل إلى محاضرته حول حقوق الإنسان في أسرع وقت ممكن)) (87)
إن انكسارات الجسد ظهرت منذ الطفولة فقد تعرضت شخصيات الرواية الى الانتهاك الجسدي كبهاء وصديقتها هدى وحبيبها الضحاك وهي انكسارات اخذت معها ليس الجسد فقط بل الروح ، مما يجعلها تعيش الارباك ، لانها جاءت من اشخاص اصحاب سلطة ـ المعلم ورجال الامن والعم ـ فهي سلطة تفرض وجودها على الشخصيات فتجعلها تعيش حالة الغربة النفسية والضياع . ((لكنّه اللّيلة يتذكّر تماماً وجع الاغتصاب وذلّه وحرقته وذلك العسكريّ الوغد يملص بنطاله وملابسه الدّاخليّة، ويغتصبه مقنّعاً على مرأى من المعتقلين المعذّبين والجنود وقائدهم الضّابط؛ كانوا يريدون أن ينتزعوا منه أسماء لا يعرفها، وتفاصيل أحداث لم يشارك بها، وأفكاراً لم يزرعها ثائر أو مصلح في رأسه؛ لم يكن أكثر من صبيّ بريء اتهّمته مديرة الميتم العانس بسرقة أموال من الخزنة كي تتخلّص منه، وسرعان ما وجد نفسه في السّجن مع زمرة من المعتقلين السّياسيين الذين لم يفهم من كلامهم يومها سوى أنّ الحريّة أغلى من الحياة. )) (88)لان والده كان فدائيا ولزم الصمت في التعذيب كما لزمه في الماتم وكان الصمت هو ديدن تلك الشعوب ولا سبيل للحديث عن أي شي ومن ثم ضياع الحقوق (89). بل نجد صور زنا المحارم فصديقتها هدى القريبة منها قد تعرضت للاغتصاب من قبل عمها .(90)
لقد تعرض ابطال الرواية بهاء والضحاك الى انتكاسات سياسية مستمرة ، وخيبة امل في وطن فقد الانسانية بكل معانيها ، فما كن منهما الا تعويض ذلك ، تعويض غير مجد ، عن طريق الجسد ولكن من دون جدوى . على الرغم من ان هذه الشخصيات لا ذنب لها سواء انهم وجدوا في عوائل مفككة ، وفي مجتمع يعاني الانهيار في منظومته بشكل كامل .
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
الدين :
لقد شكل الجسد سلطة استثنائية في تحريك الاحداث والوصول الى الذروة لبيان مايقبع تحتها من شذوذ مجتمعي اصبح مخيفا في مجتمعنا العربي بشكل عام .كانت الشخصيات تختفي خلف الدين لتمارس عهرها ، فشخصية كريم وهداني الذي تلقف بهاء عندما غادرت الميتم لانها بلغت سن الثامنة عشرة (( ذلك العجوز كان قد رآها في إحدى زياراته إلى الميتم ، عندما كان يتردّد عليه وعلى غيره من دور الأيتام والمستشفيات ودور رعاية المسنّين متبرّعاً لهم ببعض ماله الذي كان ينفقه بسخاء كي يداري خلفه مصادره المحرّمة في جني المال وكنزه )) (91) وكان له ابن وحيد يحاول ان يصدره للمجتمع مع عوقه بسبب المال الحرام(92) باعت جسدها له على الرغم من شيخوخته مقابل ان يوفر لها حياة كريمة ((باعتْ جسدها له؛ لعلّه تحصّل بثمنه بعضاً من الأمن والرّاحة والرّعاية والأمل في المستقبل)) (93) وامعانا في ذلال هذه الشخصيات وتعريتها فقد سلبت منه ذكوريته التي يتبجح بها ، فكان في حقيقته اشبه بالسيد الخصي لا يمكن له ان يمارس فحولته (94) . فالمرأة في موضوعة الجسد ترصد أدق الاحاسيس والمشاعر من دون خجل و مواربة ، معها يشتبك نبض النص في لغة مبدعة خلاقة نلمس فيها فعالية الجسد .(95)
وتعرفت على رجل دين آخر عن طريق امرأة طبيبة لينقذها من افلاسها ((تعرّفتُ عليه عن طريق امرأة خمسينيّة قابلتها في فضاء مؤسسّات العمل الخيريّ، هي امرأة تحبّ أن تساعد الآخرين في قضاء حوائجهم، وللأمانة والصّدق هي طيّبة القلب، وحنون، وكريمة الاستضافة، وجميلة المعشر على الرّغم من قبح سحنتها، إلاّ أنّها تعشق السّرقة من الفقراء والمعدمين والمساكين)) (96) لقد استخدمت الجسد بكل حيثياته لان العلاقة بين الجسد والعالم هي علاقة احتواء وامتلاك فضلا عن علاقة الحوار والتناغم والتوحد (97) وكانت هذه الشخصية تلقب بالحاج مع ابنه البكر ، لبيان زيف هذه الالقاب التي اصبحت في كثير من الامكنة جواز سفر للممارسة السرقة من دون شبهات وكأن مثل هذه التسميات تضفي على صاحبها غطاء الشرعية ليمارس ما يحلو له ((عيسى الإقباليّ قبل بتوظيفي بمجرّد أن وقعت عيناه على حمرتي التي تشبه حمرته المشبعة بصّحة واضحة والمهندمة بملابس دينيّة حريريّة مقصّبة، بعد أن كرّر أكثر من مرّة قول “ما شاء الله، تبارك الله فيما خلق”؛ فهو كان يجيد ذكر الله، إلاّ أنّه لا يخشى غضبه عليه، ولا يستحضره في أيّ عمل يقوم به. البقعة السّوداء في جبينه إمارته على كثرة السّجود والصّلاة هي أوّل ما لفتت نظري وأنا أطالع وجهه الذي يتدارى جزء منه خلف صورّة كبيرة في إطار ذهبيّ مزخرف يضعه على مكتبه بشكل استعراضيّ فجّ في مواجهة الرّائي، كانت الصّورة لأسرته حيث زوجته المحجّبة المتلفّحة بالسّواد تقف إلى جانبه، وتحمل أصغر أطفالها، وهو يحمل طفلاً آخر يبدو في الرّابعة من عمره، ويقف أمامهما طفل سمين مثل عجل، وطفلة أقل سمنة منه، وفتاة نحيفة سمراء مثل أمّها، وعلى رأسها حجاب أبيض مائل إلى الصّفرة. )) (98) فأبناء عيسى الإقبالي لا يختلفون عن أبيهم يحملون طابعا اسلاميا (99) والمفارقة ان كل هذه الصفات التي يحملها فهو لص سارق ، فقد سرق نسبه الشريف وهو هجين مشكوك في نسبه ،وثروته كانت عبارة عن سرقات ، وشهادته سرقات متكررة ، وامواله كانت قائمة على شركات لآخرين بعد ان افلسهم جميعا ، بل انه تحول على مال ((الأيتام والأرامل والأوقاف والمساجد والمبرّات والجمعيّات الخيريّة يسرق منها بشتى الطّرق والحيل تحت ستار التّدين والصّلاح والخير)) (100) هذه الحياة انسحبت على بهاء في زواج سري بعد ان اطلق عليها لقب الحاجة وطلب منها ان ترتدي الحجاب شكليا (101) لذا تنتقد هذه الثوابت الدينية وانحطاط المجتمع الذي يقدس التقاليد والشرف ، ومن ناحية أخرى يسحق الافراد بكل قوة من غير رحمة وشفقة ليلقي بهم في غياهب الظلام لمواجهة مصيرهم المجهول ، ومن ثمَّ الوصول الى المرأة هو وصول بكل احواله وان اختلفت الطريقة ، الا انه يحقق ممارسة الجنس ، وبعدها تنكشف الحقيقة المختبئة وراء ذلك فقد تاجر بجسدها مع صدقائه .(( الذين يملكون جميعاً علامات سجود سوداء في جباههم العريضة،كما يملك هو علامة مثلها.)) (102)
وما يؤكد صحة وجهة نظرها انه اخذ يعمل في كل اتجاه بعيدا عن فعل الخير((فتوسّعت تجارته، وزادت ثروته، ودخل شريكاً في مشاريع مريبة فيها قتل ودعارة وسلاح ومخدرات وأنواع الشّطارة جميعها، وليس فيها سهم واحد من سهام الخير والنّماء والصّلاح. )) (103) وقد سايرت هذه الاوضاع لتكون ((المرأة المتنفّذة في حياة شبكات المتاجرة بالدّين والمساكين والأبرياء واليتامى والأرامل والمستضعفين.)) (104) وكانت المرأة هي المحرك الرئيس لهذه الاحداث ((بعد أن اكتشفتُ أنّ تلكم المومسات الشّرعيّات هنّ الأرقام الصّعبة في المعادلات جميعها، كما أنّهنّ الآمرات الحقيقيّات)). (105)
لتعرض لنا بعد ذلك شخصية أخرى تكون بالضد من الأولى في محاولة الابتعاد عن التعميم عن تلك الشخصيات الدينية وهي شخصية صلاح خير النوراني ((وخلتُ أنّه عضو جديد في عالم التّجارة بالدّين، ولكن عندما تحدّثتُ إليه، على الرّغم من حيائه الشّديد، اكتشفتُ أنّه رجل طاهر من حفظة القرآن الكريم، وإنّما أتى إلى هذا المكان متطوّعاً لأجل خدمة الأيتام والأرامل والمساكين؛ فهو يتحرّق شوقاً لعون النّاس، ونور وجهه يصدّق كلّ كلمة يقولها.)) (106) لتبين سبب رغبته بالارتباط بها ((عندما عرض عليّ أن أتزوّج به كان يبغي من ذلك أن يستر امرأة جميلة سيئة السّمعة والتّاريخ والحظّ، لكنّها تريد أن تصبح امرأة صالحة طاهرة، وتحظى ببنات وبنين)) (107)لتعود مرة أخرى فتنقل تجربة احد الذين يدعون الدين، والتناقض في حياتهم بين فعل وفعل آخر((أذكر تلك اللّيلة التي حدّثني فيه أحد زبائني الأفّاقين عن غضبه على ابنه، وطرده له من البيت؛ لأنّه يريد أن يحلق لحيته التي هي رمز جليل من رموز الدّين. كان الزّبون الغاضب عندها يتقطّع غضباً وهو يقصّ عليّ جناية ابنه ولحيته تقطر من شراب الويسكي الذي أسقطه عليها، وهو يعبّه عبّاً بانفعال…، وآثر أن يسلمه لنوم هانئ طويل قضاه على سجّادة غرفة نومي، وهو يشخر مثل خنزير بريّ مختنق بما أكل من الزّبالة.)) (108)وهو لا يختلف عن المعلم الرملي الذي كان يضرب الاولاد بعصا حديدية على اصابعهم لانهم لا يستفتحون صفحة التعبير بالبسملة في حين كان يمارس الرذيلة بأبشع صورها.(109) ـ فهي تعيش الماضي بكل احزانه في الميتم حين كانت تبحث عن ذاتها ولكنها انسحقت تحت جسد معلمها الاول الرملي . لقد كانت الذكورية واضحة في المجتمع العربي حيث تفرض حضورها عند بعض الشخصيات الروائية ، وهي ذكورية فارغة من محتواها يظهر زيفها بمجرد ان تكون خلف لكواليس بعيدا عن الرقابة ، وهو كشف للمستور السياسي او الديني ، اذ ان من يتحكم بأمور الدولة لا يختلف عن ذلك فهو يمارس الذكورية والسلطة القمعية على ابناء جلدته في العلن وفي السر يكون مخنثا مخصيا .
خاتمة
ان شخصيات الرواية المختلفة لا تكاد تفارق شخصيات المجتمعات العربية فهي تكاد تكون واحدة في جوهرها وان اختلفت في مظهرها الخارجي أو المكانة الوظيفية التي تحتلها ، فكلها جمعها خيط واحد وهو السقوط في الرذيلة وان اختلفت المبررات لذلك . ولقد كانت كل ممارسة جنسية في الرواية هي كشف لمستور سواء اكان ذلك المستور سياسيا ام اجتماعيا ام دينيا ، واحيانا تتداخل مع بعضها لان الرابط لها هو الجسد بما يحمل من طاقة مؤثرة في المجتمع اكثر من غيره على المتلقي .
الهوامش والمصادر :
1ـ ادركها النسيان ، سناء شعلان ،دار مواج للنشر والتوزيع ، لاردن 2018 :9.
2ـ الرواية السياسية والتخييل لسياسي ، جميل حمداوي ، 3007 موقع ديوان العرب www.diwanalariab.com
3ـ الرواية :5
4ـ ينظر الرواية :10
5ـ ينظر :الرواية :11
6ـ ينظر الرواية :13
7ـ بنظر:الرواية:14
8ـ الرواية :37
9ـ الرواية :15
10ـ الرواية :54
11ـ الرواية :54
12ـ ينظر : الرواية :59
13ـ ينظر:الرواية :86
14ـ ينظر :الرواية :89
15ـ الرواية :109
16ـ ينظر الرواية :117
17ـينظر الرواية :136
18ـ ينظرالرواية :138
19ـ الرواية :139
20ـ ينظر :الرواية :140
21ـ ينظرالرواية :144
22ـ الرواية :146
23ـ الرواية :160
24ـ ينظر الرواية :161
25ـ الرواية :161
26ـ الرواية :164
27ـ الرواية :165
28ـ ينظر الرواية :166
29ـ الرواية :167
30ـ الرواية :167
31ـ ينظر الرواية :194
32ـ الرواية :200
33ـ ينظر :الرواية :201
34ـ ينظرالرواية :212
35ـ ينظر الرواية :213
36ـ ينظر الرواية :214ـ215
37ـ ينظر الرواية :233
38ـ الرواية :243
39ـ الرواية :291
40ـ الرواية :236
41ـ الرواية :236
42ـ ينظر تقاطع وتعالق الرواية النسائية والتجربة الذاتية عن المرأة الكاتبة نوال السعداوي أنموذجا ،حنان بشارة ، 2013 ص4
43ـ ينظر الرواية :245
44ـ ينظر الرواية :296
45ـ ينظر :الرواية :291
46ـ ينظر الجنس في الرواية العراقية : :31
44ـ الرواية :300
48ـ الرواية :342
49ـ الرواية :70
50ـ الرواية :71
51ـ الرواية :72
52ـ ينظر :الرواية :211
53ـ الرواية :212
54ـ الرواية :77
55ـ الرواية :96
56ـ الرواية :98
57ـ الرواية :99
58ـ الرواية :101
59ـ الرواية :102ـ103
60ـ الرواية :104
61ـ الرواية :105
62ـ الرواية :108
63ـ الرواية :124
64ـ الرواية :127
65ـ الرواية :149
66ـ الرواية :150
67ـ ينظر : الجنس في الرواية العراقية، داود سلمان لشويلي ، دار المتن للطباعة والنشر ، 2018 :105
68ـ الرواية :160
69ـ يظر : كشف أسرار لخلق في رواية كش وطن ، حميد الحريزي ، صحية الوطن الالكترونية ،22/2/2015www.azzaman.com
70ـ الرواية :159
71ـ هكذا تكلم النص ، د. محمد عبد المطلب ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،1997 :19
72ـ الرواية :168
73ـ ينظر :الرواية :169
74ـ الرواية :173
75ـ الرواية :181
76ـ الرواية :182
77ـ الرواية :210
78ـ الرواية :219
79ـ الجسد في الرواية المعاصرة ، سعد الوكيل، الهيئة العامة لقصور الثقافة ،2004 :59
80ـ ينظر :الرواية :219ـ 228
81ـ الرواية :228
82ـ الرواية :280
83ـ الرواية :248
84ـ ينظر الرواية :295
85ـ ينظر: الرواية :296
86ـ الرواية :299
87ـ ينظر :الرواية :303
88ـ الرواية:329
89ـ الرواية :330ـ331
90ـ ينظر :الرواية :104
91ـ الرواية :114
92ـ ينظر :الرواية :114
93ـ الرواية :116
94ـ بنظر: الرواية :117
95ـ تيمة الجسد وانتاج المعنى ، الاخضر بن السائح ، http://lakhdarbensayah.blogspot.com/2015/03/blog-post_16.html
96ـ الرواية :105
97ـينظر : تيمة الجسد وانتاج المعنى ، الأخضر بن السائح، موقع الكتروني، سابق .
98ـ الرواية :151
99ـ بنظر : الرواية :151
100ـ الرواية :153
101ـ ينظر :الرواية :153
102ـ الرواية :154
103ـ الرواية :154
104ـ الرواية :155
105ـ الرواية :155
106ـ الرواية :156
107ـ الرواية :156
108ـالرواية :157
109ـ ينظر : الرواية : 157
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)