المتاهة فضاء روائيا في الرواية الجزائرية -رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي نموذجاً-

د. منى بشلم

المدرسة العليا للأساتذة آسيا جبار، قسنطينة، الجزائر

الملخص

تنطبع التغيرات الطارءة على المجتمعات على آدابها، و لعل من أهم العناصر الروائية التي تأثر بالتغيرات الاجتماعية هو الفضاء الروائي الذي انتقل من كونه مجرد مكان يؤطر الأحداث في الروايات الكلاسيكية إلى بطل روائي غالب، أو إلى فضاء محمل بجملة من القيم و الدلالات، و تتجلى المدينة كفضاء روائي أدى وظائف درامية عدةمنها اللقاء و الخطر ..و غيرها، و أعادت تشغيل تصورات قديمة، كالسرداب و المتاهة، و السلطة الخفية لمجتمعات سرية تعيش بكوابيس المدينة المتروبوليتانية. و المتاهة واحدة من هذه التصورات القديمة التي عادت بكثافة لترمز لوعي الإنسان المعاصر بفضائه فنجدها عند عدد من الكتاب العالميين منهم كافكا، بورخيس، روب غارييه..و غيرهم، وقد شغل الطاهر وطار هذا التصور لكن بإعطائه شكلا جديدا، ينم عن أصالة الكاتب في استثمار ما هو مطروح من أفكار واستيعابها وتمثلها وإعادة انتاجها بما يوافق خصوصيته التاريخية والاجتماعية، والجغرافية أيضا في هذه الحالة.

الكلمات المفتاحية : المتاهة ، الفضاء الروائي، الأسطورة ، طاهر وطار ، التيه، الصحراء.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

المقدمة:

إن التغيرات التي تطرأ على المجتمع في تكوينه الاقتصادي، الديموغرافي، الاجتماعي والتقني، لا يمكن أن لا تكون لها انعكاساتها على الكتابة؛ يمكن أن نضرب مثالا على ذلك بالتوسع الحضري l’urbanisation للقرن التاسع عشر والعشرين الذي فرض ثيمة المدينة، لعبت هذه الأخيرة أدوارا مختلفة في الرواية معوضة الأماكن التي كانت متداولة قبلها مثل القلاع، القصور، الغابة، الساحة..وغيرها، وقامت بشكل رمزي مقام مسارات مكانية واجتماعية من خلال قيميّة أحيائها (أحياء راقية وجميلة، أحياء وضيعة).

حققت المدينة من هذه الناحية الدرامية وظائف المكانية آخرى هي اللقاء، الخطر..وغيرها، فيما وصفته جوليا كريستيفا بغياب التعارض العمودي ما بين الأماكن، واستبداله بالبعد الأفقي الواحد حيث يشتمل المكان الواحد على الفضيلة والرذيلة معا (Kristeva , pp181,182). كما منح هذا النوع الجديد – في تلك الفترة- امكانية الوصف للأوساط ومن يرتادها من فئات اجتماعية. وأخفت بين طياتها استعارات جديدة: المدينة الحيوان، المدينة كأدغال…وغيرها. كما أعادت تشغيل التصورات القديمة: السراديب، المتاهات، السلطة الخفية، السحرية pouvoir occulte لمجتمعات سرية تعيش بكواليس المدينة (Reuter, 2005, p16)

  هذه التصورات القديمة عادت بشكل قوي مع الرواية الجديدة التي أعطت أهمية كبرى للمكان، عكس الاهتمام السائد قبلها الذي يرى بأولية الزمان، ومن ثم عادت إلى الأسطوري، وهي تشييد المدينة المعاصرة، لتبدو نسخة مستحدثة عن فكرة قديمة تبدو الأكثر ملاءمة للتعبير عن وعي الذات المبدعة بفضائها، الذي يبدو متاهة مع عدد كبير من الكتاب نذكر على سبيل المثال لا الحصر كافكا، بورخيس، روب غارييه..و غيرهم، وقد شغل الطاهر وطار هذا التصور لكن بإعطائه شكلا جديدا، ينم عن أصالة الكاتب في استثمار ما هو مطروح من أفكار واستيعابها وتمثلها وإعادة انتاجها بما يوافق خصوصيته التاريخية والاجتماعية، والجغرافية أيضا في هذه الحالة.

أسطورة المتاهة:

تنسب ثيمة المتاهة إلى المهندس الأول ديدال Dédale والذي شيدها لتكون مسكنا وسجنا لمخلوق هجين هو المينوتور، الكائن المكون من نصف إنسان ونصف ثور، والذي كان لعنة سلطتها الآلهة على العائلة المالكة في جزيرة كريت، تمثلت في حب جنوني من الملكة لثور أبيض أخرجه إله البحر. كان ديدال هو من شيد تمثالا خشبيا في شكل بقرة مجوفة تيسر التزواج بين الملكة والثور، ليولد لهما المينوتور، الوحش الذي يقتات على اللحم البشري، ولستر هذه الفضيحة في حق الملكة شيد ديدال قصر التيه labyrinthe، يلخص بورخيس أسطورة هذا المخلوق بقوله:

»المينوتورle minotaur نصف آدمي نصف ثور، ولد من قصة الحب التي جمعت باسيفائي Pasiphaé ملكة كريت بالثور الذي اخرجه بوسيدون Poséidon من البحر، ديدال مُشكِّل الحيلة ]بقرة مجوفة[ التي يسرت تجسيد حب كهذا، بنى المتاهة المعدة لاحتجاز وإخفاء الابن الوحشي. هذا الأخير يأكل اللحم البشري ليتغذى، ملك كريت طالب أثينا بضريبة سنوية تمثلت في سبعة شبان وسبع شابات. قرر ثيسيوس Thésée المعفى من هذه الضريبة التطوع لتحصيل نصيبه منها. أريان Ariane ابنة الملك تعطيه خيطا حتى لا يضيع في الأروقة ؛ يقتل البطل المينوتور ويتمكن من مغادرة المتاهة(Forest, 1995, p9) «

لكن اختصار المتاهة في أسطورة واحدة هو امساك لخيط دلالي ضئيل جدا، لأن المتاهة جاءت نتيجة تقاطع مصائر شخصيات كثيرة، مما يمنحها دلالات متعددة، حيث لا تقتصر على دلالة الضلال الذي حكم بها ديدال على الوحش ليستمر بالركض عبر أروقة المتاهة دون أن يصل أبدا إلى مخرجها.

إن الضلال الأبدي وإن كان بؤرة هذه الأسطورة ليس دلالتها الوحيدة، لأن ثمة العقاب بالقتل على كل من يدخلها أيضا، سواء الأضحيات البشرية الأثينية، أو حتى الوحش ذاته الذي سينتهي قتلا على يد البطل الإغريقي ثيسيوس.

ثم إن الخطيئة دلالة أولى سابقة على التيه والقتل، لأنها سبب المتاهة أسطوريا، وهي الأخرى ينطبق عليها قانون المتاهة فلا أحد نجا منها: الملك مينوس أخلف وعده للألهة، بعد أن مكنت له كما طلب منها، الخطيئة الجنسية التي ارتكبتها الملكة باسيفائي بأن تجاوزت حدود الطبيعة، ديدال الذي كان عونا للملكة في تجسيد رغباتها، تيتيوس قدم إلى كريت لاجتثاث خطيئة والده الذي تسبب في قتل أندوغيوس وجلب غضب مينوس لأثينا، آريان الذي تخون والدها وتعين شقيق قاتل شقيقها…

ليلازم الشعور بالذنب كل أبطال هذه الأسطورة: مينوس بعد عقوقه للآلهة يتقبل عقابها ويتحمل علاقة زوجته غير السوية بالثور، ديدال الذي يسر هذه العلاقة وكان سببا مباشرا في ولادة الوحش، والملكة التي تتحمل تبعات انجرافها العاطفي نحو حيوان لتجني ثمرة ذلك ابنا متوحشا يقتات على البشر. وتيتيوس الذي يحمل ذنب والده.

غير أن المتاهة وإن كانت بكل هذه المأساوية، فإن لها وجها آخر هي منصة للإقلاع نحو مصير أفضل لمن يتقن قانونها ويفلت منها: تيسيوس الذي خطى بانتصاره على الوحش خطوته الأولى نحو العرش، وديدال الذي يتعلم داخلها الطيران وينطلق نحو حرية مستحقة ومصير جديد ملؤه التقدير مع ملك آخر.

و المتاهة قبل كل هذا وبعده هي الغرور المهلك: مع مينوس الذي اغتر بملكه وأخلف وعد الآلهة، وإيكار الذي غره التحليق، فأهمل تعليمات والده وانتهى غارقا في البحر.

هذه بشكل موجز أهم ما تحيل عليه المتاهة من دلالات، فهي ليست بالأسطورة وحسب كما أنها ليس مجرد ثيمة، إنها شبكة من الدلالات، كثافتها وعمقها الإنساني أهلاها لتصبح خير تعبير عن الإنسان المعاصر بعد قرون طويلة من حصولها إن كانت حصلت فعلا* أو سردها إن كانت مجرد تخييل، ما يهمنا منها أنها عادت للظهور والرواية الجديدة مع  ألان روب غارييه وروايته “في المتاهة”Dans le labyrinth، وميشال بوتور في جدول الأوقات L’emploi du temps، وقبلها مع  جيمس جويس في بورتريه الفنان في شبابه Portrait de l’artiste en jeune homme، وكافكا في القصر Le Château وغيرها، لترتبط بشكل كبير بالمدينة المعاصرة، خاصة مع كافكا الذي يضيع بطله وسط بيروقراطية محيطه.

المتاهة في رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي :

يبتعد الطاهر وطار عن المدينة ويتجه إلى الفيف، والفيف كما ورد في المعجم الوسيط هو الصحراء الواسعة المستوية، والطريق بين جبلين، والمكان تضرب فيه الريح، والمعنى الأول هو الذي ينطبق على روايتنا “الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي”، فـيف الطاهر وطار هو صحراء واسعة مستوية، تكثف دلالات التيه بكونها صحراء أولا ثم بدلالتي الاتساع والاستواء. غير أن الاختيار لم يقع عليها لأجل هذه الدلالات فحسب بل يمكن أن نعلل اختيار الروائي للصحراء كونها مكانا له دلالاته الضاربة في عمق التراثي، كردة فعل مزدوجة، تشتغل في مستوى أول على الكتابة عند وطار، حيث يمكن قراءة اختياره للصحراء على أنه ردة فعل على الروايات الكبرى للقرن العشرين التي اختارت المدينة فضاء لها، من ذلك مثلا باريس في بحثا عن الزمن الضائع A la recherche du temps perdu، شنغهاي في La condition humaine، مانشستر Manchester في جدول الأوقات L’Emploi du temps، نيويورك عند كل من روب غارييه Robbe-Grillet ودوس باسوس Dos Passos، بارلين عند دوبلان Doblin، فيينا عند موسيلMusil  (Tadié, p125) وغيرها كثير، وهو ردة فعل على فكرة المدينة في حد ذاتها، التي يفر منها الولي الطاهر وقد أصيبت بوباء غريب ينسي الإنسان دينه «فيضحي، ودونما إعلان عن ذلك، أو احساس به، لا هو بالمسلم ولا هو بالكافر» ) الرواية ، 2004، ص 21 (. ليمثل الخروج من المدينة انسحابا من مواجهة الحضارة ووأدا لها، لأجل الحفاظ على الدين، دون أن يوفق الولي في ذلك لأنه سيدخل فضاء متاهيا، يهيمن عليه الضلال لا الهداية كما تصور.

لكن وقبل التطرق للمتاهة لابد من الوقوف عند تركيب الفضاء في هذه الرواية، إننا لسنا أمام فضاء واقعي، تنقله لنا حواس الروائي كما يوهم بذلك اشتغال يبدو للوهلة الأولى أنه ثقافة العين التي تشكل مشاهد بصرية، بل إن المشاهد هي تركيب على طريقة الرسم التجريدي الذي يتخذ من أشكال مختلفة مادة أولية لتركيب شكل جديد هكذا يشيّد وطار فضاء روايته، بانتقاء معالمه من التراث، وهي التلة الرملية والفيف، الزيتونة، المقام الزكي ليشكل منها «مكان تجريدي» )بن ستيتي، 2006، ص300( كل مكون من مكوناته مكثف الدلالة، كونه منتقى من التراث في رواية تعود إلى التراث عودة نقدية واعية، تجرده من هالة القداسة التي يحيطه بها بعض المتعصبين له، لتنتقي منه مقاطع تناسب رؤياها والتوجه الفكري (أيديولوجية) لكاتبها.

 تحمل الصحراء نفس سمات المتاهة، فهي تهديد دائم بالموت عطشا أو جوعا أو بلدغة حيوان من حيواناتها الصغيرة الوحشية، مملكة الموت كما في مصر القديمة وحضارة ما بين النهرين حيث يدفن الموتى وينفى المحكوم عليهم والمنبوذون اجتماعيا(Montigny, 2005, P6)  نحو فضائها القاسي والعنيف، أما في المسيحية القديمة فقد كان الخروج للصحراء بمثابة مغادرة للحياة الاجتماعية، وهو ما حصل مع بطل الرواية الولي الطاهر الذي غادر المدينة المعاصرة وخرج إلى الصحراء فارا بدينه مبتعدا عن مجتمعه. والصحراء هي في فترة أقرب موطن الشاعر العربي وقبيلته، حيث الفاقة وشظف العيش، والظعن بحثا عن إمكانات تتيح الحياة، وهي سؤال الموت الذي يطرح على الشاعر الجاهلي بإلحاح. ثم هي بعد ذلك منزل الوحي على الرسول محمد –صلى الله عليه و سلم – وهي الفضاء الأول للفتوحات وحروب الردة، وما تلاها على امتداد التاريخ الإسلامي.

تحمل الصحراء في النص الثقافي نفس دلالات المتاهة، كونهما فضاء للضلال، لكنهما أيضا فضاء يحتم التعامل معه لا كمكان فقط وإنما كـ ز-مكان، إنها تمثل بامتياز «صورة الفضاء الخاضع للزمن» (Ropars-Wuilleumie, 2002, p119) بعبارة أوضح الخاضع لثقل الزمن، الذي يبدو معلقا كأنه غير محسوس مطلقا، لكنه مع ذلك يستمر في المضي دون وجود قرائن تدل عليه، غير تعاقب الليل والنهار، حتى الفصول تفقد تمايزها في هذين الفضائين.

-المتاهة الزمكانية

مع ذلك لم يكتف وطار بهذه الدلالات الثقافية المعروفة عن الصحراء وراح يشيد متاهته مكانيا وزمانيا معا، والتي تتضح معالمها في هذه الرواية حين يرغب الولي الطاهر بأداء ركعتين تحية للأرض التي حل بها، ويشرع بالبحث عن القبلة، التي تحدِّد الاتجاهات الجغرافية ليكتشف ضياع الاتجاهات، فقد «كانت القبلة عادة عندما يكون في هذا الموقع وقبالة المقام الزكي على يمينه باستدارة ربع دائرة. استدار لكن المقام ظل يقابله.» (الرواية، 2004، ص13) مغيرا موقعه. المعلم الوحيد الذي يمكن أن يمثل مرجعا يهتدي من خلاله الولي إلى قبلته، يفقد هذه الميزة ويتحول إلى حجر أساس في تشكيل المتاهة، حيث «اتجاهات الأربعة فقدت قيمتها الجغرافية كما فقدت مدلولاتها» (الرواية، 2004، ص19) وتساوت في انعدام فائدتها في تحديد المواقع، حتى الفيف الذي يتواجد به الولي الطاهر لا يمكن تحديد موقعه الجغرافي «لكن هذا الفيف أين يقع» (الرواية، 2004، ص19) وإذ يرد السؤال حول موضعته من طرف السارد الذي يفترض أن يكون العارف بذلك، فإن هذا يضاعف عامل الحيرة، والتيه اللذين يضع النص القارئ في مواجهتهما منذ الفاتحة الروائية ويعمل على امتداد الصفحات الأولى على تعميق هذا الإحساس ليس فقط بضياع موضعة فضاء المحكي، وضياع الإتجاهات داخله، بل وأكثر من ذلك تحرك المكان الذي يفترض فيه السكون والثبات؛ يتحرك المكان إذن لتشرع المتاهة بالإنبناء مباشرة بعد أن لاحظ الولي ضياع الاتجاهات، وتوجه للاستظلال بالزيتونة، بأن يتعدد المقام مع كل التفاتة، وبدل أسوار وأروقة المتاهة ستتشكل الدائرة ذات الدلالة الصوفية، ركن آخر من أركان المتاهة في هذه الرواية بعد الصحراء، فابن عربي في فصوص الحكم، وفي شرح سورة نوح تحديدا(الفص النوحي) يمجد الحيرة والبلبلة، ويرى فيها طريق المعرفة.(ألموند،2011 ،ص 114) .   لكن السارد لن يوظف التصوف على مستوى المكان إلا في ثيمة الحيرة ليعتمده مع الزمن بشكل أوسع. أما في المكان سيعمد إلى المعالم التي أثث بها مستوي الصحراء وأولها المقام ليجعله يتعدد مشكلا دائرة من قصور هي نسخ طبق الأصل عن المقام الأصلي ومع ذلك يرفض الولي إطلاق اسم المقام عليها:

 « تضاعفت على مد بصره، تتصاقب في دائرة متساوية الأبعاد(…) بدت الدائرة في الأول بقطر مساحته نصف ميل، ثم أخذت تضيق كلما تأملها. دائرة رهيبة تتشكل من قصور شامخة في فيف سحيق، لها لون واحد هو اللون الرمادي الباهت، تتضايق زاحفة نحوه ونحو العضباء.

إنها تضيق دون أن تفقد قصورها حجمها أو المسافات التي تفصل بينها، ودون أن يختفي أي واحد منها.» (الرواية، ص 17، 16)

تتشكل المتاهة في هذا الفيف من خلال البرج الوحيد المشيد فيه وهو المقام الزكي الذي يتعدد مشكلا دائرة تقترب من الولي دون أن تتقلص المسافات بينها، ولا حتى أن ينقص عددها «كأنها صورة، الأبعاد فيها متوقفة بعد أن حددتها الرؤية الأولى»( الرواية،2004،ص17) في وصف سريالي، يبتعد عن كل واقعية، قد يجد تبريره الطبيعي الوحيد في أنها «السراب الذي يحسبه الضمآن ماء» (الرواية،2004،ص 15) ، هذه الظاهرة الصحراوية وأحدى مكونات صورة الصحراء في المخيال الثقافي بشكل عام، والتي لم يستثمرها النص، لأن الطاهر وطار فضل تشكيل متاهة جديدة لكل عنصر فيها دلالته دون اعتماد على الكلشيهات السابقة.

ينطبق ذلك على الزمن أيضا حيث لم يكتف يما توحي به الصحراء من زمن «متوقف، ملغى، مقصى، أبدي، آخر، لا إنساني ببساطة» (Montigny, 2005,p 441 de) ، زمن معلق كأنه لا يمر ولا يتغير، مرد ذلك إلى حالة السكون والثبات الظاهري على امتداد سطح الصحراء، والذي لا يكتفي به أيضا وطار بل وينقل الثبات إلى الشمس أيضا، ملغيا بذلك الحركة الوحيدة للزمن في الصحراء وهي حركة قرص الشمس، لتتلبسها هي أيضا حالة الذهول، فتبدو ثابتة في « منتصف السماء لا تنم عن أي توجه لها»(الرواية،2004، ص14). الظل هو مكون آخر لمتاهة الطاهر وطار، وهو مرتبط بالشمس طالما أنها ثبتت في مكانها، فإنه سيثبت أيضا على صورة واحدة، ولن يضطلع بمهمته في التأشير للزمن:« ظل الولي الطاهر يرفع كفيه (…) ساعات طويلة لا يتوقف إلا ليلقي نظرة جانبية، لعل الشمس تحركت فمد الله الظل. لكن شيئا من ذلك لم يحدث (…) الظل ينزل مباشرة تحت العضباء غير ميال لا لهذه الجهة ولا لتلك»(الرواية،،2004 ص14) بهذه الصورة البصرية، المعاكسة لقوانين الطبيعة، يشكل وطار الضَلال في الزمكان حيث سكون الظل لا يعني فقط تعليق الوقت، بل وضياع الاتجاهات الجغرافية أيضا، التي تعتمد أيضا على الشمس والظل. لتتشكل متاهة عمادها الصور البصرية والسمعية أيضا حين يسمع الولي أصوات لا يستطيع تحديد مصدرها ولا جنس صاحبها، مدخلا قارئه في حالة من التردد والحيرة لابد أنه قابل بها الظهور المفاجئ لأحد معالم الفضاء وهو الزيتونة، في العبارة الأولى من الرواية، تتموضع الزيتونة فوق التلة الرملية « فوق التلة الرملية، عند الزيتونة الفريدة »( الرواية،2004، ص 13) الزيتون طبعا ليس من عناصر البيئة الصحراوية، بل إن ورودها خاضع لما ذكرناه سابقا من أن وطار اختار أن يؤثث فضاء القصة بديكور رمزي، له امتداداته الدلالية في التراث، والزيتونة هي الشجرة المباركة في النص القرائني ﴿… مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ..﴾( سورة النور، الآية 35) وهي الشجرة التي أقسم بها تعالى في سورة التين، والتي تكرر ذكرها في القرآن مرات عديدة، ما جعلها شجرة مرتبطة بالمقدس، وبالأولياء الصالحين في المعتقد الشعبي بشكل عام، ووطار ليس الوحيد الذي ربطها بالأولياء في الرواية فحتى سرادق الحلم والفجيعة لعز الدين جلاوجي تأتي على ذكرها، وتجعلها مسكن الولي الصالح أيضا، غير أن وطار نقلها لبيئة غير بيئتها، ليشغلها دلاليا غير عابء بقوانين الطبيعة التي ما فتئ يكسر سرده.

عند الزيتونة تتوقف العضباء معلنة الوصول إلى “أرضنا” كما يصف الولي الطاهر هذا الفضاء، وإليها يلجأ ليستظل بعد أن حيره ضلاله عن القبلة، قبل أن يشرع الزمان والمكان بالتعدد من حوله، وتحتها يلاحظ الظل الذي « يمثل شبه خارطة لمناطق ليست غريبة عن مخيلته» (الرواية،2004،ص14) ، لكن أي خريطة من أي ذاكرة؟ إن كان ما تدركه الحواس خارجا عن الطبيعة فكيف الحال بما تدركه الذاكرة.

كل ما مضى من موضعة سريالية حددتها الفاتحة الروائية ما هو إلا مقدمة حسية لمتاهة أكبر هي متاهة الكتاب ككل، حيث يتعدد المكان والزمان، بتعدد الحالات التي تأخذ الولي، ويتحول السرد ككل إلى متاهة يدخلها ليس الولي فقط وإنما قارئ الرواية أيضا.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

-متاهة الكتاب / الكتاب المتاهة:

كل كاتب هو حتما متورط في ثلاث متاهات متراكبة، الأولى تيه القراءة حيث عليه ايجاد طريقه في متاهة الإبداع -أدواته ومصادره الخاصة- وذلك قبل الشروع بالكتابة. الثانية تيه الصنعة، حيث يتخذ الكاتب دور مهندس يطمح لوضع تصميم ديدالي (نسبة إلى ديدال)، إنها متاهة تنظيم المتخيل. ثالثا، الكتاب بحد ذاته هو متاهة حيث يهيم القارئ باحثا عن المقصدية، ليفهم كل شيء أو لا شيء، وهذا متوقف على الخط الفكري الرابط بين الكتاب والقارئ، إنها متاهة الكلمات وتلقي الكتاب.( Reed Doob,1990,p xii) التي تبدأ في روايتنا هذه من سؤال البداية تحديدا، من أين تبدأ هذه الرواية ؟ هل تؤشر الفاتحة الروائية دائما على بداية الرواية، في حالة “الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي” يتخذ السرد شكلا دائريا، أو كما وصفه الطاهر وطار “لولبيا” ليس من السهل العثور على بداية أو نهاية القصة، لأنها كلما انتهت تعود للابتداء مجددا.

مع ذلك سنفترض أن القصة تبدأ كما بدأت الأسطورة بالخطيئة، وإذا كانت الخطيئة في الأولى خطيئة جنسية تم فيها الاعتداء على حدود الطبيعة، فإن الخطيئة في روايتنا اعتداء على الحياة ذاتها، بسفك الدماء، القتل الذي سيتسبب في ضلال الولي عن مقامه هو قتله لبلارة، التي ؛ وحين أدركت قرب نهايتها طلبت أن تموت خنقا وأن لا يسفك دمها: « اقتلني خنقا يا مولاي وإياك وسفك دمي»( الرواية، 2004 ، ص80) لتجنب الولي لعنتها، التي تنتهي إلى الضلال، ضلال تجسد على مستوى القصة في صورة متعددة، أولى هذه الصور « ستلحقك بلوى البحث عني فلا تعتر علي، حتى وإن كنت تحت قدميك»( الرواية، 2004 ، ص79) وهو ما تناولناه أعلاه، من تيه الولي في الزمان والمكان، وسعيه الحثيث لبلوغ مقامه «الذي تحول إلى ذات أخرى، فكل اقتراب منه، هو في حقيقة الأمر ابتعاد آخر»  ( بن دحمان،2013، ص172) ما يجعل المقام ينزاح عن دلالته المكانية ليتخذ دور مركز المتاهة التي تنطلق منه كل خطوطها، وأول هذه الخطوط هو هذا البحث عنه، فيما يتعدد وينغلق دون الولي، غير أن هذا البحث عن المكان كان مرفقا ببحث ثان عن هدف ثان لا يعرفه الولي، مع أنه يعرف أنه:

– شعر برغبة عارمة، في أن يعثر على شيء آخر يهمه كثيرا. ما هو؟ إنه لا يدريه، ولكن يحس بأنه متشوق، وأنه في حاجة ماسة إليه، ليتمم شيئا ما فيه ينقصه. (الرواية،2004،ص82، 81)

– بلارة بنت تميم بن المعز تعاوده (…) ليس كمجرد رغبة ظلت تدفعه في الفيف سعيا وراء لا شيء ( الرواية، 2004،ص 20)

 ما كان يبحث عنه المولي ما هو إلا بلارة التي سفك دمها فلحقته لعنة البحث عنها، دون أن يعثر عليها وهي تحت قدميه، تسير به حيث يشاء، وقد حملت آثار جرمه على أذنيها المشقوقتين..إنها دابته العضباء.

 وإن كان لا يستطيع حتى تذكر ذلك، لأن لعنة ثانية لحقته، هي فقدان الذاكرة التي توعدته بها بلارة:«ينمحي مخزون رأسك ولا تستعيده إلا بعد قرون فيعود إليك قطرة فقطرة ونقطة فنقطة»(الرواية،2004، ص79). لتكون هذه الاستعادة / الاسترجاع بمثابة وسيلة فنية يخلق وطار باعتمادها متاهة الكتاب بحيث تعود هذه الذاكرة قطرة قطرة، وتحضر في شكل مشاهد تاريخية يطرح من خلالها بداية القتل في مرحلة الخلافة، من خلال حروب الردة، وتحديدا من خلال حادثة قتل خالد بن الوليد لمالك بن النويرة، التي تحولت «في المشهد الإسلامي إلى ما يشبه الفتنة، أو بداية الحس التراجيدي في الثقافة الإسلامية، والتبشير ببداية تحجر الفكر الديني»( بن دحمان،2013 ،ص 170) ، لا يحضر الخطاب التاريخي المرتبط بالذاكرة إلا من خلال الشخصيات الروائية، حيث كانت العودة إلى هذه القضية من خلال الطلبة والطالبات الذين تدارسوها وخلصوا إلى تزكية رأي عمر بن الخطاب، والالتزام به، دون استفادة من شكوك الخطاب التاريخي كما هو حال النص ما بعد الحداثي عادة (Mclntosh-Varjabédian, 2010, p9) بل اكتفت بالإشارة إلى اختلاف الآراء حول القضية، لتسهب في تفصيلها. بالطريقة نفسها ستحضر قصة بلارة الأميرة الزيرية التي تزوجت من الناصر بن علناس بعد توقيع الصلح بين الأميرين الحمادي والزيري، ليشيد لها الناصر قصورا شامخة بقلعة بني حماد(بورويبة،1977 ،ص 70)، في حين ترد في النص وقد تسمت باسمها إحدى شخصيات القصة، ويأتي السرد التاريخي على لسانها، وبضمير المتكلم، لتشبه نفسها بابنة مجاعة ملمحة إلى فكرة “الخطيئة المتوارثة” التي بني عليها النص، وهي الخيط الرابط بين الشذرات التي يقتبسها من التاريخ، فـ «المادة السردية التراثية لا تشكل بقعا منفصلة في النص» (فخري، 2009،ص 181) لأن الرؤيا تربط بينها، الكتابة تعود للتاريخ ليس لإصدار أحكامها عن الحوادث التي انقضى زمنها ولم تعد أكثر من شهادات يخامرها الشك( Mclntosh-Varjabédian, 2010, p7) بل تعود إليها فاتحة إياها في دعوة لإعادة قراءتها، ونقض سلطوية التاريخ، و من جهة ثانية لكونه «يحتوي واقعا معقدا متشابكا من خلال موروث الجماعة»( محمود ابراهيم،2003، ص 258) فيكون التاريخي الأداة التي يلجأ إليها النص الروائي للتعبير عن الواقع المأزوم، بكل تناقضاته وعناصر الصراع فيه.

لم يكتف وطار بهذا التاريخ القديم بل اتجه إلى التاريخ المعاصر، الذي يشهد تكرار الخطيئة ذاتها، وهي الإقتتال بين المسلمين، من خلال اللعنة الثالثة التي حلت بالولي الطاهر:

 «ستلحق بك بلوى خوض غمار الحروب، فتشارك في حروب جرت، وحروب تجري، وفي حروب ستجري، إلى جانب قوم تعرفهم، وقوم لا تعرفهم ولا تفقه لسانهم، ولا تدري لماذا يحاربون.

أحذرك با مولاي من سفك دمي. ستلحقك بلوى حز الرؤوس وخنق الأطفال والعجائز والعجزة، وحرق الأحياء.

تموت ألف ميتة وميتة، ويسقي دمك كل صقع رفع فيه الآذان..»(الرواية،2004،ص79)

و بالفعل يشارك الولي الطاهر في عدة حروب جرت وتجري في التاريخ المعاصر في مناطق مختلفة من الدول المسلمة، وهو في الغالب اقتتال “الإخوة الأعداء”. وليتمكن الطاهر وطار من دمج هذه الشذرات التاريخية، اعتمد على الحالة الصوفية التي يعيشها الولي، وتحقق له الإنتقال الزمكاني بشكل يسير، خالقا متاهة الكتاب المبني أولا على التشظي، حيث يقف السرد عند حاضر الولي التائه في الصحراء، ليعيش حالة – داخل الحالة لأن التيه ذاته حالة – تنقله إلى زمان ومكان مختلفين ليشارك في حروب عديدة، نكتفي بذكر أهمها وهي مجزرة الرايس التي تعود إلى صيف 1997، والتي يشارك الولي فيها مُصدرا للأوامر على مستوى القص أما على مستوى الخطاب فإن الرواية أخذت الوقائع من التاريخ مثل توقيت الحدث، ونوع الأسلحة، ثم سبي الفتيات، وبقاء الجيش على أطراف القرية وعدم تدخله إلا بعد خروج القتلة منها، وغيرها من التفاصيل التي أخذت من الخطاب التاريخي، كما فعل مع التاريخ القديم، مستعيدا مشاهد القتل عبر حقب زمنية مختلفة ترتبط كلها بالتاريخ الاسلامي ، قديمه و حديثه و الولي في كل تلك المشاهد هو الذات الفاعلة التي تمارس القتل أو على الأقل تأمر به، فالقتل هو المشروع السردي للولي الطاهر لكن موضوع القيمة التي يرغب بالارتباط به غائب، ليبقى القتل القيمة المهيمنة على هذا الفضاء السردي:

بينما هناك، جنب أولاد علال، في الرايس خارج النفق ولكن في ظلمة لا تشقها سوى، رصاصات محمرة، تخيط الفضاء أو لهيب منبعث في منزل من المنازل، أو نار عقبت انفجار قارورة ملآى بالبنزين والمسامير والحصى.

وجدت نفسي، مضطرا لإصدار الأوامر، فرحت أفعل دونما تردد.

لم أكن أعرف القوم، لكن يكفي أنهم كانوا يشنون حربا.

ضعوا حول كل شجرة برتقال عدة ألغام.

موهوا، فقد يسلكون سبيلا غير متوقع دعوا جزءا هاما من الطريق غير ملغم، ثم ازرعوها، خاصة على الأطراف، حيث سيتوزعون مفرنقعين حين يصيبهم غضب الله.

المدخل الرئيسي لغّموه، واكمنوا حوله. كل من يقدم، اصلوه نارا. المنافذ الأخرى للحي، سدوها بكل الوسائل، لا داخل ولا خارج.

لا حي في الحي.( الرواية،2004، ص85 )

  إن هذا المقبوس الطويل الذي يحتوي الكثير من أفعال القتل، لا يوضح في حق من سترتكب ولا ما سبب إيقاعه بهم، بل إن الولي الطاهر الذي تولى إصدار الأوامر لا يعرف مع من يقاتل ولا ضد من، كأنه يرسم صورة “عنف لا عقلاني” «مع أن المسوّغات العقلية لا تعوزه هو الذي يعرف كيف يجد أفضلها حين ينزع إلى التفجر»( جيرار،2009، ص 19) والعنف في هذه الرواية مرتبط بالجماعات الإسلامية التي تتخذ من الجهاد ذريعة للعنف، وتمنحه بذلك لبوس المقدس الذي يبعد به عن حقيقته المدنسة، غير أن المسوغات المذكورة، مهما تكن وجيهة، لا تستأهل أبدا أن تؤخذ على محمل الجد، لأن العنف نفسه يُلحِفها النسيان، لذا لم يبق في النص غير صور عنف مباح، بلبوس القدسية الذي يرتديه، موجها إلى عزل لا يمثلون أي تهديد للقتلة، كما أنهم لا يمكن أن يمثلوا موضوعا للجهاد، بل إنهم ضحية بديلة عن الموضوع الأصلي للعنف وهو الفئة الحاكمة، ولأنها بعيدة المنال، فقد استبدل العنف بالمخلوق الذي يثير غضبه مخلوقا آخر لا صفة له -أو علة توجب حلول صواعق العنف به   ( جيرار،2009، ص 19) ما يجعل من الفئة الثانية تتجه للعنف هي الأخرى، يسود العنف الطرفين، خالقا لاتمايزا عنفيا بين الإخوة الأعداء، صورته الرواية من خلال التشابه في الصورة البصرية: «قوم على رؤوسهم قَلنسوات من صوف مزركش بعضه أبيض وأسود، بعضه تتخلَّله ألوان تختلف بين الأزرق والأخضر، لهم لحى مخضبة بالحنَّاء، تبلغ لدى بعضهم الرُّكب، يرتدون جلابيب رمادية تعلوها طبقة خفيفة من تراب، عليها معاطف إفرنجية مشدودة بأحزمة. في عيونهم الكحل، وفي شفاههم السواك» والسمعية: «لم يفهم من لغتهم ومما هم يفعلون سوى إطلاق الرصاص » والشمية: «رائحة المسك بالغ الحدة »( الرواية، ص29) ، يسود تشابه تام بين الأخوة الأعداء، لا يمنعهم من الإقتتال، فيتساوون في تدمير النظام الثقافي، ذلك أن الضربات التي يكيلها الإخوة الأعداء بعضهم لبعض لا تصيب الأشخاص فقط، بل تزعزع الملكية والديانة، ويتحول تاريخ الدين إلى تاريخ للجماعات التي تتخذ العنف تعبيرا عن التدين، مجافية مبادئ الرحمة والتسامح، حتى إن المريدين المتمدرسين في مقام الولي وجدوا في أنفسهم الحجة في العودة إلى حادثة قتل خالد بن الوليد لمالك بن النويرة، لتصحيح التاريخ والمسار العنيف الذي اتخذه خالد، والذي سيتوالد على امتداد تاريخ انتشار هذا الدين (الإسلام) مزعزعا أهم أركانه، وهي حرمة دم المسلم على المسلم ، فيتكرر العنف عبر التاريخ الإسلامي، كما تذكر هذه الرواية.

  في كل مرة يتزعم الولي الطاهر المعارك ويكون آلة للقتل،يعود بنا إلى فكرة المينوتور، الذي «يمكن أن يكون أيّا كان، لأنه يقدم مسلمة أن المتاهة ممتدة لتشمل كل العالم»(Sigano, 1993, p106s) سواء خصصنا العالم الروائي أو العالم الواقعي، يظهر الولي الذي يفترض فيه التسامح والورع، وهو يأتي عكس ذلك؛ وهو يقتل دون سبب واضح، هذا التناقض في شخصية الولي هو التناقض الذي رافق الخطاب الديني منذ عهد الخلافة، ذلك أن حسن اسلام الصحابة لم يمنع خطيئة القتل في زمانهم، لتتناسل الخطيئة وتستمر لصيقة بالديني حتى العشرية السوداء – في الرواية- لأن الاقتتال كما يفترض كان من طرف الجماعات الاسلامية. ومجزرة الرايس التي وصفت في المقبوس الطويل أعلاه تبنتها الجماعة الإسلامية المسلحة GIA، وإن كنا نقر بأن هذا الخطاب التاريخي لايقيني حتى الساعة، فإن ما يهمنا هو رؤيا النص، والمتاهة السردية التي شيد وطار وجعل مينوتورها الشخصية الدينية التي التصقت بالقتل، ومارسته على امتداد التاريخ، من خلال الحالات الصوفية التي تعتريها.

  يرتبط الركن الثاني في متاهة الكتاب بعامل التكرار، أو البناء الحلزوني أو “اللولبي” كما وصفه وطار في تقديمه لنصه، ذلك أن الحدث السردي لا يتطور إلا بقدر ضئيل، في حين تكون الغلبة للتكرار في كل مرة ينتقل الولي إلى حالة جديدة يتكرر فعل القتل، ولا نجد أحداث جديدة غير تنويعات في مشاهد القتل، أما حين يعود إلى الفيف فإنه يعود للبحث عن مقامه والتنقل من إحدى صور المقام إلى التالية، في تيه ودون بلوغ الغاية، كأن السرد يتخذ من الخطيئة / القتل بؤرة نصية ينطلق منها خط السرد وهو الضلال دوما ليعود إليها ويعاود الإنطلاق مجددا بشكل متاهة لا متناهية، لا تنتهي حتى والقارئ يبلغ الصفحة الأخيرة “هبوط إضطراري”. يمكن أن يعود القارئ إلى الفصل الأول ” تحليق حر” أو إلى أي فصل يختاره ليبدأ من جديد، بالركض بين فصول الكتاب التي بنيت بلبنات التراث، لتشيد متاهة الكتاب، المرآة التي تنعكس عليها متاهة جزائر العشرية السوداء.

          هذه الرواية لكاتب تمرس بالكتابة الروائية تعكس أكثر من تقنية و يمكن تقديم أكثر من قراءة لها ، يتراكب فيها النص الصوفي و النص التاريخي، لقراءة واقع عشرية كانت عصية على الفهم و التفسير ، يقدمها الكاتب في صورة أسطورية عادت بقوة مع روايات القرن العشرين ، لتعبر عن واقع انسان هذا القرن ، إنها المتاهة ، متاهة في الزمان و المكان ، اختار لها الروائي الصحراء فضاء روائيا لما له من دلالات ترتبط بالتاريخ العربي و الاسلامي من جهة و بالتيه و الضلال و الصوفية من جهة ثانية ، و أثثها ليس بمكونات الصحراء بل بمقام و زيتونة و هما مأخوذان من العوالم الصوفية، و يحيلان مباشرة على التراث الاسلامية، ليشكل بثباتهما ثم حركتهما متاهة في الزمان و المكان على التوالي ، ثم يشكل متاهة أكبر هي متاهة الكتاب من خلال الحالة الصوفية التي تعتري البطل و التي سمحت للبطل بالتنقل بحرية عبر الزمان و المكان حيثما يكون القتل من المسلم للمسلم ، يحضر بطلنا ، و سمحت للروائي بشرح رؤياه عن ملازمة التيه للتاريخ الاسلامي بعد ارتكاب خطيئة القتل من مسلم لمسلم لا يختلف عنه في شيء.

قائمة المصادر و المراجع :

  1. القرآن الكريم
  2. وطار الطاهر، 2004 الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، موفم للنشر، الجزائر
  3. ألموند أيان، 2011 ، التصوف والتفكيك، درس مقارن بين ابن عربي ودريدا، درس مقارن بين ابن عربي ودريدا، تر:حسام نايل، المركز القومي للترجمة، مصر
  4. بن دحمان عبد الرزاق، 2013 ، الرؤية التاريخية في الرواية الجزائرية المعاصرة، روايات الطاهر وطار أنوذجا، دراسة تحليلية تفكيكية، رسالة دكتوراه، جامعة باتنة، الجزائر
  5. بن ستيتي سعدية ، 2006، الفضاء الحكائي في رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، قراءة سيميائية، تجريدية المكان، الملتقى الوطني الرابع للسيمياء والنص الأدبي، جامعة بسكرة، الجزائر
  6. بورويبة رشيد ،1977، الدولة الحمادية، تاريخها وحضارتها، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر
  7. جيرار رينيه، 2009 ، العنف والمقدّس، تر: سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، لبنان
  8. فخري صالح، 2009 ، في الرواية العربية الجديدة، ط1، منشورات الاختلاف ، بيروت-الجزائر
  9. محمود ابراهيم رزان، 2003  خطاب النهضة والتقدم في الرواية العربية المعاصرة، دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن
  10. De Montigny Charlotte Mery, 2005, L’image culturelle et littéraire du désert, thèse de doctorat , Université Paris Ⅲ, France
  11. Forest Philippe, 1995, texte & labyrinthes, Editions Inte -Universitaires, France
  12. Kristeva Julia, Le texte du roman, approche sémiologique d’une structure discursive transformationnelle, The Hague, France
  13. Mclntosh-Varjabédian Fiona, 2010,Écriture de l’histoire et regard rétrospectif, clio et Épiméthée, Honoré Champion Éditeur, France,
  14. Reed Doob Pemelope, 1990, The idea of the labyrinth, from classical antiquity through the middle ages, Cornell University Press , USA
  15. Reuter Yves, 2005,Introduction à l’analyse du roman, , Armand Colin, 3e édition, France
  16. Ropars-Wuilleumie Marie-Claire ,2002,Écrire l’espace , PUV ,France
  17. Siganos Avdré , 1993 ,Le minotaure et son mythe, PUF écriture, France,
  18. Tadié Jean Yves, 1990 ,Le roman au 20e siècle, Piere Belfond, France,

*:و هو المفترض لوجود عدد من المواقع التي يرجح علماء الآثار صلتها بالأسطورة كما تم اكتشاف موقع آخر سنة 2009 هو عبارة عن شبكة معقدة من الأنفاق يعتقد أنها المتاهة الأسطورية، غير أنها تبعد عن قصر مينوس بعشرين ميلا، وإن أحاط الشك بهذه المواقع الأثرية، فإن الأصل وهو الأسطورة تبقى الأكثر إثبات، وإليها يعود الباحثون.

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)