جَامِعَةٌ عَبَّاس لغرور، خَنْشلَة، الجَزَائِر
الْمُلَخَّص
الحِوَار مَنْهَج حَيَاة رَبَّانِيّ سنَّه اللَّه لِلْبَشَر، مِنْ أَجْلِ الْإِصْلَاحِ فِي الْأَرْضِ، واجتناب الْفَسَادِ النَّاشِئِ عَنْ الِاخْتِلَافِ، حَيْث اشْتَمَلَ عَلَى حَيَاة الْإِنْسَان بِمُخْتَلِف درجاتها ومراحلها بِدَايَة مَنْ عَلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ وعلاقته بِرَبِّه، انْتِهَاء إلَى عَلَاقَته بِأُمَّتِه ثُمّ بِالبَشريَّة جَمِيعًا عَلَى اخْتِلَافِ مَشَارِبِهَا وعقائدها، مُرْتَكِزًا عَلَى منطلقات وَقَوَاعِد رَبَّانِيَّةٌ تَهْدَأ لَهَا النَّفْس ويركن لَهَا العقل(ألا يعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير) مُنْطَلِقًا مِنْ الْعَدْلِ الرَّبَّانِيّ فِي تَوَخِّي الصَّوَاب، وَجَعل الْحَقِيقَة هَدَفًا، لَا الْآخَرُ عَدُوًّا؛ ومحددا الْقَضَايَا الَّتِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا أَخْذًا وَرَدًّا مَعَ غَيْرِهِ دونما مِسَاس بثوابت الشَّرِيعَة وَأَسُسِ الدِّين.
الْكَلِمَات الْمِفْتَاحِيَّة : حِوار الثَّقَافَات ، الْقُرْآنُ الْكَرِيم ، الِاخْتِلَاف ، التَّعَايُش.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
مُقَدَّمَة:
يَتَّسِع الْقُرْآن الْكَرِيم لمتطلَّبات كُلّ جِيل وَهُمُومِه، إذ يَسْتَنْبِطُ مِنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالنَّظَر مَا يُصْلِحُ الْحَال، ويُسَايِر الْعَصْرَ مَعَ التَّمَسُّك بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتي لَا تَنْفَصِم . وَفِي هَذَا الْعَصْرِ أَضْحَت الْأَرْض قَرْيَة كونية صَغِيرَة بِفِعْل الثَّوْرَة الِاتِّصَالِيَّة الَّتِي سَهَّلَت الْتِقَاء الْبَشَر ؛ مِمَّا بَيَّنَ لَهُمْ الِاخْتِلَاف جَلِيًّا ، وَالتَّبَاعُد الفِكْرِيّ والعقائدي وَاضِحًا، الْأَمْرُ الَّذِي أَوْقَدَ الضَّغِينَة بَيْن الْأُمَم وَزَادَ مِنْ تَعَصَّبَ كُلِّ وَاحِدَةٍ لثقافتها و تَمَركُزِهَا حَوْل ذَاتِهَا، فاحتَقَنَتْ النُّفُوس، وترقبت كُلُّ أُمَّةٍ شَبَح الْحَرْب و يَدُهَا عَلَى الزِّنَاد ، ضَارِبَةٌ عَن التَّعَقُّل والتَّسَامُح صَفْحًا . مَا جَعَلَ أَصْحَابُ الْعُقُولِ يُنَادُون لِلْحِوَار بَيْن الثَّقَافَات .
فِي ظِلِّ هَذَا كَانَ حَرِيًّا بِنَا كمسلمين أَن نَعْرِض هَذِهِ الدَّعْوَةِ عَلَى مزاجنا الثَّقَافِيّ، ومناقشة هَذَا الطَّرْحِ فِي ظِلِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيم بِاعْتِبَارِه دُسْتُورًا رَبَّانِيًّا، وجوهرا أَصِيلًا تَدُور في فَلَكِه ثقافتنا، فَمَا هُوَ حِوار الثَّقَافَات مِنْ خِلَالِ الْقُرْآنِ الْكَرِيم ؟ وَمَا هِيَ الْمُسَلَّمَات الَّتِي يَنْطَلِق مِنْهَا ؟ وَعلَى أَيِّ قَوَاعِد يَرْتَكِز ؟
تَتَطَلَّب الضَّرُورَة المنهجيَّة الضَّبْط المصطلحي لِمَشْرُوع حِوار الثَّقَافَات، ثُمَّ الْحَدِيث عَنْ منطلقات الحِوَار فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيم، ومدى شموليته لمختلف شُؤُون الْحَيَاة ، لِدَرَجَة احْتِوَائِه لِمَشْرُوعٍ أَصْبَح حَدِيث السَّاعَة وَهُو حِوار الثَّقَافَات، وَمِنْ ثَمَّةَ الْوُلُوج إلَى اسْتِنْبَاطِ قَوَاعِدِ هَذَا الْمَشْرُوع مِنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيم.
أَوَّلًا مُصْطَلَح حِوار الثَّقافات :
1 ظُرُوف النَّشْأَة :
يَسْعَى الْغَرْب إلَى تَكْريس الهيمنة الثَّقَافِيَّة بَعْد تَحْقِيقِهَا عَسْكَرِيّا وسياسيا ثُمّ اقْتِصَادِيّا، وَذَاك نَتِيجَة عَوَامِل عَدِيدَة كانتهاء الصِّرَاع الأيديولوجي ، وَتَصَاعُد دَور الْأَدْيَان ، عَلَاوَةً عَلَى تَهَاوِي الْحُدُود والحواجز جَرَّاء الثَّوْرَة الِاتِّصَالِيَّة ، وَبُرُوز العولمة كَظَاهِرِه أَحْدَثَت تَغْيِيرًا جِذْرِيّاً فِي الْمُجْتَمَعَاتِ لَا سِيَّمَا مُجْتَمَعَات الْجَنُوب، أَدَّى كُلُّ ذَلِكَ إلَى فَتْحِ الطَّرِيق إمَام حِوار الثَّقَافَات ليحتلَّ الصَّدَارَة فِي اهتمامات الْبَاحِثِين فِي مُخْتَلَفٍ التَّخصُّصات كَرَدّ فِعْلٍ عَلَى مَقُولَة هتنغتون “صدام الحضارات” (القماطي) الَّتِي فَكَّرَ فِيهَا أَنَّ العَلاَقَات بَيْن الدُّوَل فِي الْعَالَمِ بَعْدَ نِهَايَةِ الحَرْبِ البَارِدَة سَتَكُون عدائية ، إلَّا أَنْ بَعْضَهَا سَيَكُون أَكْثَر مَيلًا لِلنِّزَاع مِنْ غَيْرِهِ، فَعَلَى الْمُسْتَوَى الْأَصْغَر سَتَكُون عَلاقَة العَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ بِجِيرَانِه مِن الأرثوذكس والهندوس والأفارقة وَالْمَسِيح الْغَرْبِيّ، أَمَّا عَلَى الْمُسْتَوَى الْأَكْبَر سَيَكُون الْعِدَاء بَيْن الْغَرْبِ مِنْ جِهَة ، والْمُجْتَمَعات الْمُسْلِمَة والآسيوية مِنْ جِهَةِ أُخْرَى، حَيْثُ رَجَّحَ أَنَّ تَقَعَ الصدامات الخطيرة فِي الْمُسْتَقْبَلِ نَتِيجَة التَفَاعُل الغطرسة الْغَرْبِيَّة وَالتَّعَصُّب الْإِسْلَامِيّ وَالْإِصْرَار الصِّينِيّ ، فَكُلَّمَا زَادَت الْقُوَّة النِّسْبِيَّة لِلْأَخِيرَيْن – مِمَّا يُؤَدِّي إلَى تمسُّكها بثقافتها أَكْثَر فَأَكْثَر – كُلَّمَا تَضَارَبَ ذَلِكَ مَعَ مَصَالِح الْغَرْب الهادفة إلَى نَشْر ثَقَافَة غَرْبِيَّة عالَمِيَّة (السنيدي، 1430ه)
وَقَد أَثَارَت هَذِه الْمَقُولَة عَاصِفَة مِن الانتقادات وَالْجَدَل حَوْل الْمَفَاهِيمَ الَّتِي تتضمَّنُها، إلَّا أَنْ هتنغتون وَإِنْ اعْتَرَفَ بِوُجُود ثغرات فِي مَقُولَتِهِ فَقَد طَالَب بِطَرْح بَدِيْل يُوَازِي مَقَالَتَهُ فِي الواقعية ، وَهَذَا مَا كَانَ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، فَقَدْ قَدِّمَ مفكرون وساسة معارضون “حوار الثَّقَافَات “كوسيلة لِتَجَنُّب وَيْلاَت الْحُرُوب (خليل)
2 تَعْرِيف حِوار الثَّقَافَات :
يُقْصَد بحوار الثَّقَافَات ” أَنْ يَكُونَ بَيْنَ ممثِّلي الثَّقَافَات والحوارات الْمُخْتَلِفَة لقاءات وتعاون وَتَفَاعُل، ليستفيد بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ فِي شُؤُونِ الْحَيَاة الْمُخْتَلِفَة وَلْيُبَلِّغ كُلّ طَرَف رِسَالَتَه الثَّقَافِيَّة لِلْآخَر؛ فَهُوَ بِهَذَا يُعَدّ عَمَلًا فِكْرِيا” (خليل) ذَلِكَ أَنَّ خُضُوعٌ هَذِه الثَّقَافَات لِقَانُون التَّأْثِير الْمُتبَادَل، يَجْعَل بَيْنَهَا مَشَاكِل مُشْتَرَكَة؛ أَي مَشَاكِل عالَمِيَّة لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهَا وَحَلُّهَا إلَّا فِي نِطَاقِ الْوَاقِع الْعَالَمِيّ كَكُلّ، وَهُنَا يَكُون حِوار الثَّقَافَات آلية لِتَبَادُل الْعِلْمَ بِهَذِهِ الْمَشَاكِل، وتَبَادُل الْمَعْرِفَة بِحُلُولِهَا الْمُحْتَمَلَة، وَتَعْيِين الْقَرَار الَّذِي تَرَى أَغْلَب الْمُجْتَمَعات أَنَّه الْحَلّ الصَّحِيح (خليل)
3 حِوار الثَّقَافَات فِي مَجَالِ العَلاَقَات الدَّوْلِيَّة:
يَبْدُو الْمَعْنَى الْعَام لحوار الثَّقَافَات مُخْتَلِفًا كُلِّيًّا عَن تَعْرِيفِهِ فِي مَجَالِ العَلاَقَات االدَّوْلِيَّ؛ حَيْث يُعَرَّف بِكَوْنِه “تِلْك الْإَبْعَاد الْمُتَّصِلَة بِآثَار اخْتِلَاف الثَّقَافَة والحَضارَة، عَلَى اخْتِلَافِ الرُّوَى وَالْقِيَم وَقَوَاعِد السُّلُوك وَالْأَخْلَاق، وَعَلَى اخْتِلَاف الرُّؤْيَة لِلْعَالِم وَدَوَافِع السُّلُوك وَأَسُس الْهُوِيَّة، وَهِيَ ذَاتُ تَأْثِيرٌ عَلَى المستويات الآتية: أُسُس جَدِيدَة لتقسم الْعَالِم، مُحَرَّكًا للتَّفاعلات، ومحدِّدا لنمطها وَلِحَالِه النِّظَام الدُّؤَلِيّ، أَدَاةً مِنْ أَدَوَاتِ السِّيَاسَة وموضوعاتها، محدِّدا لِخِطَاب النُّخب وَالْقَاعِدَة، عنصرا تفسيريا أَو تبريريا للتَّحالفات، وَأَخِيرًا مُكَوَّنا لِلْقُوَّة (مصطفى)
بِالتَّالِي فَإِن حِوار الثَّقَافَات كطرح غَرْبِيّ هُو تَبْريرٌ سِيَاسِيّ لترسيخ العولمة، وَمُكَوِّنٌ مِن مُكَوَّنَات الْقُوَّة عَنْ طَرِيقِ التَّحالفات المتمايزة ثَقافِيّا وحضاريا. حَيْث تَجْعَل الثَّقَافَة الْغَرْبِيَّة مِن الحِوَار جِسْرًا لِفَرْض نَمَطِهَا عَلَى الْعَالِمِ، مِمَّا يُحَوِّلُهُ إلَى صِدَام مَعَ الْوَقْتِ نَتِيجَة الْمَرْكَزِيَّة الْغَرْبِيَّة وَرَدِّ الْفِعْل الشَّرْقِيّ .
تَرَى الثَّقَافَة الْغَرْبِيَّة ضَرُورَة هَدْم البنى الثَّقَافِيَّة التَّحْتِيَّة، وَضَرْب الْقَيَم الرَّاسِخَة ، وَإِفْرَاغ الْعَقْل الْجَمَعِيّ لِلشُّعُوب مِن ثقافاتها، لتملأها بِمَا يتماشی وَفَرْض سيطرتها مِنْ ثَقافَةٍ. إلَّا أَنَّنَا لاَ نَعْدِم وُجُود مفکرین عُقَلَاء وساسة جَادَّيْن يَنْظُرُونَ إلَى حِوار الثَّقَافَات كوسيلة لِتَقَارُب الشُّعُوب وَتَفَاعُلِهَا، إلَّا أَن هَؤُلَاءِ لَا يَكَادُ يُسْمَعُ لَهُمْ صَوْتٌ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ أمَام هَذِه الطَّاقَات الإعلاميَّة الْكَبِيرَة، الَّتِي تَكَرِّس لِلْعُنْف وَالصِّدَام، وَتَدْعُو أَنْ تَسِيرَ إلَيْهِ مَسِيرَةُ الشَّاة إلَى المذبحة (مصطفى)
4 تلقي العرب والمسلمين لحوار الثقافات:
تَلَقَّفَت الثَّقَافَة الْإِسْلَامِيَّة هَذِه الْمَقُولَة ( مِثْلُ جَمِيعِ دُوَلْ الْجَنُوب ) وَجعلت مَفَاهِيمِهَا مَادَّةٌ دَسِمَه تتناقش حَوْلَهَا االْعُقُو، وَتَخْتَلِف حَوْلَهَا الْآرَاء والتحديدات، حَالُهَا حَال الْمَفَاهِيم الاسْترَاتِيجيَّة والعَسْكرِيَّة والسِيَاسِيَّة، حَيْثُ اخْتَلَفَتْ الْآرَاءُ حَوْلَ الْمَقُولَة إلَى:
أ – الرفض المطلق: حَيْثُ يَرَى أَصْحَابُ هَذَا الرّأْي أَنَّ تَحْقِيق التَّقَدُّم الحَضَارِي لأمة الْإِسْلَام، لَا يَكُونُ إلَّا بعودتها لِلْمَاضِي، وانعزالها عَن الْمُجْتَمَعات المعاصرة ” وَهَذَا الرَّأْي مَبْنِيٌّ عَلَى أَخْذِ مَذَاهِبَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ بَنُوا اجْتِهَادَهُم عَلَى وَاقِعِهِم وهُوَ وَاقِعٌ الدَّوْلَة غَيْر الثَّابِتَة الْحُدُود، ومُتَعَدِّدة الشُّعُوب وَالْقَبَائِل دُون مُرَاعَاة وَاقِعَنَا وَاقِعٌ اكْتِمَال تَكْوِين الْأُمَم، وَانْتِهَاء مُطَوِّر الْقَبِيلَة، وَمَا أَفْرَزَه مِنْ الدّوْلَةِ الثَّابِتَة الْحُدُود وللشَّعب الْوَاحِد (خليل)، وأورد محمد صبري خليل مقولة لمُحَمَّدٌ الغزالي تقول:” أَنَّ مَبْدَأَ الْمُعَامَلَة بِالْمِثْل كَانَ وَرَاءَ أَحْكَام فِقْهِيَّةٌ وُضِعَت بِأَنَّهَا شَرْعِيَّة ، وَالْوَاقِع أَنَّهَا لَمْ تَقُمْ اعْتِمَادًا بِأَنَّهَا شَرْعِيَّة ، وَالْوَاقِع أَنَّهَا لَمْ تَقُمْ اعْتِمَادَ عَلَى نَصٍّ ، وَإِنَّمَا عَلَى الْقِصَاصِ بِمَا يَنْزِلُ بالمسلمين”
ب – القبول المطلق: يَزْعُم هَؤُلَاءِ أَنَّ التَّقَدُّمَ الحَضَارِي لَا يَتِمُّ إلَّا بانقطاعنا عَن جذورنا و تبنينا لِلْقِيَم الْغَرْبِيَّة، وَهَذِه دعوی فَاشِلَة لِأَنّ الحِوَار يَشْتَرِط التَّكَافُؤ بَيْن الْأَطْرَاف والالتِقَاء عَلَى مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ، دُون إلْغَاء خُصُوصِيَّة الْآخَر، هَذَا الْقَبُول الْمُطْلَقَ الَّذِي يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نتملص مِنْ ثَقافَةٍ عُمْرِهَا 14 قَرْنًا، مِنْ أَجْلِ ثَقَافَة لَا تَتَجَاوَزُ السَّبْعَة قرون” هُوَ الْقَاعِدَةُ النَّفْسِيَّة اللَّازِمَة لنمو الْوَلَاء لِلنِّظام اللَّيَالِي الْغَرْبِيّ الرَّأسِمَالِي العلماني أَيْ يَتَحَوَّلُ الحِوَار إلَى تغريب (خليل)
أما الموقف الثالث فَيَرَى بأننا فِي ظِلِّ تَوَازُن قُوَى لَا يَكُونُ الحِوَارُ مَعَهُ مُجْدِياً ، وَأَنَّ الْأَمْرَ يَتَطَلَّب مِنَّا عَمَلًا مَلْمُوسًا لِأِحْدَاث تَغَيُّرٌ فِي الْوَاقِعِ؛ ذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَ الحِوَار فِي الثَّقَافَةِ الْإِسْلَامِيَّة يَقُومُ عَلَى النِّدِيَّة بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَالْأَخْذ وَالْعَطَاء، (السنيدي، 1430ه، صفحة 30) وَالْحَقِيقَة إنَّنَا لاَ نَعْدَم هَذِه النِّدِيَّة؛ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنْطَلِق الْإِيمَانِيّ الأخْلاقِي للثقافة الْإِسْلَامِيَّة – وَهُو مقومها الْأَوَّل – قَد هَيْمَن عَلَى بَقِيَّةِ الْمُقَوِّمَات: الفَنِّيَّة، الْمَالِيَّة، التقنيَّة، الصِّنَاعِيَّة، الثَّقَافية والمعرفيَّة، وَهُوَ الَّذِي يجْعَلُ مِنْهَا شَجَرَةٌ رَبَّانِيَّةٌ أَصْلُهَا فِي الْأَرْضِ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، وَهَذِهِ الصِّفَةُ الرَّبَّانِيَّة هِيَ الَّتِي تمدنا بِقُوَّة الْبَقَاء، إمَّا صاعِدَة إن وَافَت ظُرُوف التألق الحَضَارِيّ، وإِمَّا صامدة إنْ هِيَ قهرت عَلَى الانكماش والتوقّف.
ثانيا منطلقات الحوار في القرآن الكريم:
إن الْقَاعِدَةَ الْمَتِينَة والعُرْوَة الْوُثْقَى للثَّقافة الْإِسْلَامِيَّة، لَا يَنْقُصُهَا حَتَّى تُحْرِز تَفَوُّقا عَلَى الْآخَرِ فِي صُورَةِ حوارية دُون صِدّام إلَّا عُلَمَاءُ يَسْتَطِيعُون تَقْدِيمَه بِصُورَة عَصْرِيَّة وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهَا إلَّا بِفَتْحِ بَابِ الحِوَار، وَلَا نَسْتَطِيع إتْقَان تَقْدِيمَهَا لِتَجِد قَبُولًا مِنْ الْآخَرِ مَا لَمْ نَتَعَرّف عَلَى الحِوَار الرَّاسِخَةَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَزَاهَة مُنطَلقَاته فنجلس عَلَى طَاوَلَه الحِوَار عَلَى بَيِّنَةِ، ونتفاعل مَع المحاورين مُرَاعِين مستويات تفكيرهم واهتماماتهم لِنَجَاح وُصُول الرِّسالة .
1 الحوار تكريم إلهي:
لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْإِنْسَان وَجَعَلَه خَلِيفَةً عَلَى هَذِهِ الْأَرْض، وَسَيِّدًا فِيهَا نِيَابَةً عَنْهُ ، جَعَلَ لَهُ الحِوَار وسيلة مِنْ وَسَائِلِ حِفْظِهَا، وَالْعَيْش الرَّغِيد فِيهَا، تَوْجِيهًا لَهُ وَتَكْرِيمًا، وَمِنْه فالحوار مُرْتَبِطٌ بِوُجُود الْإِنْسَان، وبالتالي بِوُجُود الِاخْتِلَاف، إذ خلق اللَّه خَلْقًا جَدِيدًا، فَظنت الْمَلَائِكة أَنَّهُ سيفسد فِي الْأَرْضِ كَمَا فَعَلَت الْجِنّ قَبْلَه، فِي حِينِ كَانَ إِبْلِيسُ يُرَاقِب بِحَسَد هَذَا الْمَخْلُوق الَّذِي سيزاحمه، بَعْدَ أَنْ كَانَ الْوَحِيد الْمَزْهُوّ بِطَاعَتِه لِلَّه اخْتِيَارًا – حَيْثُ كَانَ يُسَمَّى طَاوُوس الْمَلَائِكَة لغروره بِذَلِك – وَالْحَقّ سُبْحَانَهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، إلَّا أَنَّهُ حَاوَر مَلَائِكَتَه “ليدلهم إلَى مَعْرِفَةِ فَضْلِ الْجِنْسِ الْإِنْسَانِيّ، عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ مَا عَلِمَ اللَّه أَنَّهُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهَذَا الْجِنْس، وَلِيَكُون كالاستشارة لَهُم تَكْرِيمًا لَهُمْ، فَيَكُون تَعْلِيمًا فِي قَالِبٍ تَكْرِيمٌ . . . لَا اِسْتَشَارَه لِلْمَلَائِكَة، وَإِنَّمَا لتنبيهها عَلَى مَا دَقَّ وَخَفِي مِنْ حكمة خلق آدم” (عاشور، 1984)
فَلَمَّا سَجَدَت الْمَلَائِكَة وَرَفَض إبْلِيس السُّجُود، حاوَرَه الْعَدْل سُبْحَانَه لِإِثْبَات الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وليُعرِب بِهَذَا الحِوَار عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ مِنْ عَدَاوَةٍ، وَمَا بِقَلْبِهِ مِنْ حِقْد. ليذكرنا عَدَاوَةَ الشَّيْطَانِ لِأَصْل نَوْع الْبَشَر، فَنَعْلَم أَنَّهَا عَدَاوَةٌ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فِي حِوارِه مَع أَبِينَا آدَمَ، وليقضي الْحَكِيم بَعْدَهَا الْأَرْض مَوْطِنًا لِلْإِنْسَان، فيُبَاشِر أُمُور الْخِلَافَة فِيهَا بِمَا لَهُ مِنْ مَوَاهِب فَائِقَة لِأَدَاءِ هَذِهِ االْمُهِمَّ، يَقُولُ تَعَالَى: (واللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ والأفئدة لَعَلَّكُم تشكرون) (النحل:64) “فالسمع وَالْبَصَر وَالْفُؤَاد مِنْ أَدَوَاتِ الحِوَار ووسائله” (الشدّي)، ثُمَّ إنَّ فِي مُحَاوَرَاتٌ الرُّسُل لأقوامهم وَدَعْوَتهُم إيَّاهُمْ إلَى اللَّهِ مَا فِيهَا مِنْ التَّكْرِيمِ لِبَنِي آآدَم، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْس لِعِبَادَتِه وَجَعَلَهُم مُسْلِمَيْن بِالْفِطْرَة، حَتَّى إذَا اِبْتَعَدُوا عَنْهَا بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلًا تَهْدِيهِم سُبُل الرَّشَاد، بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ لَا بِالْأَمْرِ وَالْعُدْوَان، مَعَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَزْوِيد رُسُلِه بمعجزات تجبرهم عَلَى الرُّجُوعِ غَصْبًا، أَوْ أَنَّ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْحَقِّ دونما دَلِيلٌ يُذْكَر، وَلَا مُعْجِزَةٌ تُرَى، إلَّا أَنْ مَبْدَأَ كَرَامَة الْإِنْسَان وَمَكَانَتِه عِنْدَ اللَّه، جَعَلَتْ مِنْ الحِوَار وَسِيلَة لِهِدَايَة الْعَقْل، وَتَوْضِيح الْمَوْقِف، والتدرج بالحجَّة والبرهان.
وَلَمَّا كَانَ الحِوَار بِهَذِه الْقِيمَة التكريميَّة، لِمَا يَحْتَوِيهِ مِنْ رَكَائِز وَحُجَجٌ وَآدَاب ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الرُّسُلِ مَعَ أقوامهم؛ بَلْ كَانَ مَعَ اللَّهِ وَبعْض أَصْفِيَائِه، حِوَارًا يَطْمَئِنّ بِه قَلْبًا – كَمَا فِي حِوارِه مَعَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السلام- وَيَشُدّ بِه أزرا، وَيُثَبِت بِهِ فُؤَادًا – كَمَا فِي حِوَارِه مَع الْحَبِيب الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْ يَرْفَع بِهِ قَدْرًا، أَوْ يُبَرِّئَ بِهِ رَسُولًا وَيَدْفَع عَنْهُ تُهْمَة – كَمَا فِي حِوَارِه مَع سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَكُلٌّ لَا يَخْلُو مِنْ تکریم وَرَفَع شَأْن. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ فِي ذِكْرِهِ لِهَذِه الْقصَص يضعنا فِي الصُّورَةِ مُبَاشَرَة عَنْ طَرِيقِ الحِوَار، لَا مِنْ أَجْلِ الْعِظَة فَحَسْب، وَإِنَّمَا مِنْ أَجْلِ اسْتِنَان الحِوَار وَالْأَخْذ بمنهجه الأمثل.
2 تجذر الحوار في شؤون الأمة الإسلامية:
لَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ دِين الْإِنْسَانِيَّة جَمْعَاء، وَالْقُرْآن خَاتَم الرسالات؛ وصَالِحًا لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَقَدْ جعَلَ من الحِوَار دِعَامَةٌ مِنْ دَعَائِمَه ، وركيزة أساسيَّة يَبْنِي عَلَيْهَا الْفَرْد الْمُسْلِم حَيَاته؛ ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ، ذَلِكَ أَنَّ (اللَّه لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بأنفسهم) ( الرعد: 11)، فَمَا التَّدَبُّر وَالتَّفَكُّر إلَّا حِوار دَاخِلِيّ يَتَبَيَّنُ فِيهِ الإِنْسانُ عَظمة رَبِّه، فتعلو دَرَجَته وَيَزِيد يَقِينه. حَتَّى إذَا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَمْرًا، قَامَت نَوَازِع الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ تنهاه، ومحكمة الضَّمِير تَزْجُرُه، مُذَكَّرَةٌ بِنَعِيم سيفوت جَرَّاء لَذَّة تَنْقَضِي وَحَسْرَة باقية. وَهَذَا يَدْخُلُ فِي إِطَارِ التَّزْكِيَة (قَد أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاها) (الشّمس:9 و10) مِنْ بَابِ اِرْتِقَاء الْمُسْلِم بِنَفْسِه، ليرفعه اللَّهُ مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا وأوتوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ، فَإِذَا تصارعت فِي الْمُسْلِمِ نَوَازِع الْخَيْرِ وَالشَّرّ، وَأَبَى عُنْصُرٌ الطِّين فِيهِ إلَّا أَنْ يَضِيقَ أفقَه ويُرِيه حَدّ أَنْفِه فَقَط، مُقَابِل سَعْيٌ نَفْخِة الرُّوح الْعَلِيَّة أَنْ ترْفَعَ دَرَجَاتِهِ فِي الْإِيمَانِ، وَأن تَعُود بِهِ إلَى خَالِقِهِ رَاضِيًا مَرْضِيًّا؛ كَان الحِوَار مَعَ اللَّهِ وَمُنَاجَاته بِالدُّعَاء سَنَدًا لِتَغْلِيب النَّفْسِ عَلَى الْهَوَى، فَالدُّعَاء حِوار مُتَكامِل ذَلِكَ أَنَّ إجَابَةَ اللَّهِ ثَابِتَةٌ مَشْهُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وهي(وإذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يرشدون) (البقرة:186)
إذَا أَصْلَحَ الحِوَار مَا بَيْنَ الْإِنْسَانِ ونَفْسِه، وَمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، فَإِنَّه يَتَطَلَّعُ إِلَى الأسرة فَيَحْفَظ الْمَوَدَّة بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، إذْ ذَكَرَ الْقُرْآنِ تشاورهما عَنْ طَرِيقِ الحِوَارِ، بِهَدَف الرِّضَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّضَاعِ، وَوُجُود الحِوَار مِنْ أَجْلِ غِذَاء الرَّضِيع سيستدعي بِالضَّرُورَة وُجُودُهُ فِي الْمَسَائِلِ الْأُخْرَى، بِاعْتِبَارِهِمَا شَرِيكَيْنِ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ الأسري، حَتَّى إذَا تَصَدَّع الْبَيْت أَمَرَ اللَّهُ الرَّجُلُ بالحوار(فَعِظُوهُنّ) (النساء: 34)، وَسَمِع الْمَرْأَة وَهِيَ تُجَادِل النَّبِيّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وتحاوره، وَتَشْكُو إلَى اللَّهِ “بأنها لَمْ تُقَصِرْ بِطَلَب الْعَدْلِ فِي حَقِّهَا وَحَقِّ بَيْتِهَا، غَيْر رَاضِيَة بعنجهية زَوْجِهَا وِظُلْمِه، بِإِقْدَامِه علی مَا يُنَفِّرُ عَقْد العَائِلَة، وَذَكَرَها الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ تَعْلِيمًا لنسَاء الْأُمَّة وَرِجَالهَا بِوُجُوب الذَّوْد عن مصالحها” (عاشور، 1984، صفحة 7) فَإِنْ لَمْ يجد الحِوَار بَيْنَ الزَّوْجَيْن؛ أَمَرَ اللَّهُ بحوار أَعْلَى مُسْتَوَى، تَتَدَخَّل فِيه أُسْرَتِي الزَّوْجَيْن (وإن خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا أَنْ يُرِيدَا إصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا أَنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خبيرا) (النساء: 35) حَيْثُ اشْتَرَطَ الْحَقّ سُبْحَانَهُ سَلَامَة النِّيَّةِ فِي الْإِصْلَاحِ كوسيلة لِتَحَقُّقِه؛ وَهَذَا الشَّرْطُ مُتَأصِّل فِي الحِوَارِ كَكُلّ، والَّذِي يَمْتَدّ لِيَشْمَل المجتمع الإسلامي، كمجتمع يفعل دور الفرد في الوقوف على أمر الجماعة بالحوار والتشاور(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بینهم) (الشورى: 38) من أجل مصلحة الجميع.
وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ الفِطري بَيْنَ النَّاسِ فِي عُقُولِهِمْ وشخصياتهم وأنماط تفكيرهم؛ يُؤَدِّي إلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْقُلُوبِ وَحُدُوث الشِّقَاق، فَإِن الْخَبِير جَلَّ وَعَلَا يَأْمُرُنَا أَوَّلَ شَيْءٍ بتوخي الْقَوْل الْحَسَن، وَالْكَلِم الطَّيِّب فِي حواراتنا عَامَّة (وقل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إن الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مبينا) (الإسراء: 53) فَيَكُون حِوَارًا لِجَمْع الشَّمْل وَوِحْدَة الْكَلِمَة، عَلَى مَائِدَة الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةُ الْمُطَّهَرَة (فإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأويلا) (النساء: 59) فَإِذَا صَدَقت النِّيَّة، وَخَلص الهَدَف مِنْ دَنَسِ النُّفُوس، وَكَان الْوُصُولِ إلَى الْحَقِيقَةِ غَايَة كُلّ مُحَاوِر، جَاء هدى اللَّه (فَهُدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاَللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مستقيم) (البقرة: 213)
وَلِأَنّ سُنَّةٌ الِاخْتِلَاف قَضَت بِاخْتِلَاف الْمَذَاهِب وَالْفِرَق الْإِسْلَامِيَّة، جَاءَ قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دَعْوَة صَرِيحَةٌ إلَى الحِوَار مِنْ أَجْلِ الْوِحْدَة، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ بَيَّنَ لِلنَّاسِ بِخِطَابِه هَذَا أن الْأَنْبِيَاء عَلَى اخْتِلَافِ رِسَالَاتِهِم إلَّا أَنَّ الدِّين وَاحِدٌ مِنْ رَبِّ وَاحِدٍ، وبالتالي فَهُمْ أُمَّةُ وَاحِدَةً إِذْ يَقُولُ : ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتِكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةً وَأَنَا رَبّكُم فاعبدون) (الأنبياء: 92) فكيف بِأُمّة الرَّسُول الواحد؟ إنَه حِوار يَفْتَح الْأَبْوَاب المؤصدة، وَيَقْرُب وِجْهَاتِ النَّظَرِ بالتركيز عَلَى نِقاطٌ الْتِقَاء الْأُمَّة وَالرَّبّ الْوَاحِد، بَعِيدًا عَنْ النَّقْدِ الْجَارِح، وَمصَادِره الْأَفْكَار، وتهميش كُلّ طَرَف لِلْآخَر. وَأَمَرَنَا بِمَا يَضْمَنُ لِلْحِوَار بالا وَلِلِاخْتِلَاف مَكَانًا، دُونَ أَنْ يُفْسِدَ لِلْوُدّ قَضِيَّة (وَلِتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمْ المفلحون) (آل عمران: 104) فَلَا اتِّخَاذ الْمَوَاقِف إلَّا عَنْ قَنَاعَةِ وَدَلِيل، مَع تَتَبُّع الْقَاعِدَةِ الَّتِي تَقُول: ” اسْتَدل ثُمّ اعْتَقد، لَا أنْ تَعْتَقِدَ ثُمّ تَلوي أَعْنَاق النُّصُوص لِتُوَافِق اعتقادك” لِأَنّ الهَدَف وَاحِد ألا وَهُوَ تَحْقِيقٌ الْأَمْرِ الرَّبَّانِيّ فِي وِحْدَة الْأُمَّة.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
3– انفتاح الأمة المسلمة على الأمم الأخرى:
انْطِلَاقًا مِن تَكْرِيمٌ اللَّه للإنسانيَّة جَمْعَاء، عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَأَلْوَانهَا ودياناتها، نَجْزِم أَن الحِوَار لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى حِفْظِ مَصَالِح الْأُمَّةِ الإسْلاَمِيَّة فَحَسْب، وَإِنَّمَا حفِظَ بِهِ مَصَالِح النَّاسِ جَمِيعًا، وَهَذَا مَا نَجِدُهُ جَلِيًّا بَيِّنَّا فِي الْخِطَابِ الْقُرْآنِيّ، الَّذِي يُقِرُّ بِسُنَّة الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الأفْرَادِ وَالجَمَاعَاتِ وَالْأُمَم، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَضَعَ الْقَوَاعِد لِرَأْب الصَّدْع، وَتَطْيِيبٌ النُّفُوس لِتَقْرِيب الْمَوَاقِف وَتَحْسِين العَلاَقَات، كَي يَعِيش النَّاس جَمِيعًا فِي سِلْمٍ وَسَلَام وتعايش وَأَمَانْ، فَالْإِسْلَام دِينٌ يقْبَل الْآخَرِينِ فِي مُجْتَمِعَه، وَلَا يَرْفُض الْآخَر بَلْ وَيَحْتَرَم رَأْيِه وَعَقِيدَته، إذْ جَعَلَ مِنْ جُمْلَةِ تكاليفه وتشريعاته أسسا ثَابِتَةٌ، وَقَوَاعِد مُحَدَّدَة الْمُنْطَلِق وَالْغَايَة، مِنْ أَجْلِ تَحْقِيق التَّفَاعُل الرَّاقِي وَالسُّلُوك الْإِنْسَانِيّ الرَّاقي، فِي التَّعَامُلِ مع الآخرين.
قَبْلَ أَنْ تَتَحَاوَر الأُمَّةُ الإسْلاَمِيَّةُ مَع الْأُمَم الْأُخْرَى، كَان حِوار اللَّه وَمُخَاطَبَتُه لِلنَّاسِ كَافَّةً (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَبِّكُمْ وأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مبینا يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مِنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُل السلام) (النساء: 174) و لَمَّا كَانَتْ الْأَمَةُ الإسْلاَمِيَّةُ هِيَ الْأَمَةُ المهداة بِفَضْلِه سُبْحَانَه ، فَقَدْ أَدْرَكَتْ أَوَاصِر الأخوَة الْإِنْسَانِيَّة وَوِحْدَة أَصْلِه، فَقَام حوارها مَعَ الآخَرِينَ دَعْوَة إلَى اللَّهِ أَوَّلًا علَّهم يَهْتَدُون، فَيَكُونُ لَهُمْ مِنْ هَذَا الْخَيْر الْعَمِيم نَصِيب، وَتَبْلِيغا للرِّسَالَة الْحَقِّ الَّتِي أَمَرَ نَبِيَّهُ بإبلاغها قَائِلًا جَلَّ وَعَلَا : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُرْسِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رسالته) (المائدة: 67) وَاَلَّتِي أَمَرَنَا الْحَبِيبِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإكمالها لِقَوْلِه: “بلغوا عَنِّي وَلَوْ آية”
وَمِنْ أَجْلِ التَّعَايُش بَعِيدًا عَنْ الْحُرُوب، وترسيخا لِمَبْدَأ الحِوَار مَعَ أَصْحَابِ الْعَقَائِد الْأُخْرَى، طَرَحَ الْقُرْآن مَفْهُوم االْجِدَا، وَشَرَطُه بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَلَا جِدَال مِنْ أَجْلِ الْجِدَال، وَإِنَّمَا لِلْوُصُولِ إلَى هَدَفٍ وَغَايَة، وَهُوَ الْحَقِيقَة (ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاَلَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمْ وإِلَهُنَا وَإِلَهُكُم وَاحِد وَنَحْنُ لَهُ مسلمون) (العنكبوت: 46) هَذَا الْجِدَال بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَدَّدَه اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي التَّحَاوُر مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِاسْتِثْنَاء الظَّالِمِين ممِنْهُ، مَع تذكيرهم بأننا نعبد إلها واحدا.
وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ الإسْلاَمِيَّة تُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ علی موسی وعیسی علیهما السَّلَام ، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ يَكْمُن سِرّ التَّعَارُف الْإِنْسَانِيّ والتعايش ؛ إذْ بَيّنَتْ لِلْمُسْلِم كَيْفِيَّة الحِوَار وَهَدَفه (اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنْ رَبَّك هُوَ أَعْلَم ُبالمهتدين) (النحل: 125) ” حيث يَطْلُبُ اللَّهُ مِنْ نَبِيِّهٍ وَمِنَّا لِينَ الْجَانِبِ وَحُسْن االسُّلُو، وَالِاحْتِجَاج بِالْأَدِلَّة وَالْبَرَاهِين فِي الحِوَارِ لِفَتْح بَاب الْهِدَايَة دونما ضَغْط أَوْ إكْرَاهٍ، وَفَتْح الطَّرِيق إمَام عُقُول كُلَّ البَشَرِ للتفكير و الْمُوَازَنَة ومن ثم الإيمان” (كفتارو)، فَإِن أَعْرَضُوا عَنْ هَذَا (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: 25)، ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُعْطِي الْحُرِّيَّة الْكَامِلَةِ فِي الِاعْتِقَاد، ويمنح حَقّ الحِوَار لِلْوُصُولِ إلَى القناعات فِي القبول أَوْ عَدَمِهِ ،عَدَمِه، حَيْث أعْقَبَت آيَة (لا إكْرَاهَ فِي الدين) (البقرة: 256) أَعْظَم آي الْقُرْآنِ – آيَةٌ االْكُرْسِيِّ- “لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ دَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّة، وَعَظمة الْخَالِق وتَنْزِيهِه عَنْ شَوَائِبِ مَا كَفَرْت بِهِ الأُمَم، فَيَسُوق ذَوِي الْعُقُولِ إلَى قَبُولِ هَذَا الدِّين الْوَاضِح، دُون جَبْر أَوْ إكْرَاهٍ، فَلَا إكْرَاه لِأَحَدٍ عَلَى اتِّبَاعِ الْإِسْلَام، وَجِيء بِنَفْيِ الْجِنْس لِقَصْدِ الْعُمُومِ نَصًّا، وَهِيَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ علی بُطْلَان الْإِكْرَاه عَلَى الدِّينِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، لِأَنَّ أَمْرَ الْإِيمَان يَجْرِي بِالِاسْتِدْلَال وَالتَّمْكِين مِنْ النَّظَرِ والاختيار” (عاشور، 1984، صفحة 26)
فَلَا عُنْف وَلَا إكْرَاه وَلَا ضُغُوط، إنَّمَا الْكَلِم الطَّيِّب والسُّلوكُ الحَسَنُ وطِيب الْمَعْشَر، فَإِن دَخَلْنَا فِي مُنَاظَرَةِ أَو حِوار كَان موضوعيًا عقلانيا بِالحُجَّةِ وَالدَّلِيلِ، نَكْشِف فِيهِ عَنْ النَّبْع الْوَاحِد لمعتقداتنا، وقبولنا لِلِاخْتِلَاف وَاحْتِرَام الْآخَر (قُل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بیننا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّه وَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذُ بَعْضُنَا بَعْضا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مسلمون) (آل عمران: 64) فَلَمْ يَقُلْ إنْ تُوَلُّوا اقتلوهم وحاصروهم؛ وَإِنَّمَا رَدّ بِعِزّ وَثَبَات عَلَى الدِّينِ (فلا تَذْهَب نَفْسك عَلَيْهِم حسرات) (فاطر: 8)
إن َّهَذَا الحِوَار الهادف إلَى الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ، المرتكز عَلَى أَوَامِرِه المدعمة بتوجيهاته، مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخْلُقَ تعایشا مِثَالِيّا بَيْن الْأُمَم، فَقَدْ تَرَكَ اللَّهُ بَاب الحِوَار مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مَفْتُوحًا عَلَى كَافَّةِ الْقَضَايَا الدُّنْيَوِيَّة مَا لَمْ تُخَالِف مَقَاصِد الشَّرِيعَة وثَوَابِت الْإِسْلَام ، بِطِيب الْقَوْل فِي حواراتنا وتعاملاتنا؛ فَإن أَوْصَانَا اَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالكلم الطَّيِّبَ حَتَّى لَا يَنْزَغ الشَّيْطَان بَيْنَنَا كمسلمين، فَإِنَّه يوصينا بِهَا مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ (وقولوا لِلنَّاس حسنی) (البقرة: 83)
فَعَلَى الْمُسْلَمِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِأَخْلَاقِه الْإِسْلَامِيَّة المتعالية مَعَ الْجَمِيعِ دونما تصنیف، وَلَا تَفْرِقَة بَيْنَ مُسْلِمٍ وَيَهُودِيٌّ، ومشرك وَنَصْرَانِيّ. مَا دَامُوا متساوين فِي الْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّة؛ فَالْمُسْلِم مُلْزَمٌ بِذَلِك بِأَحْكَام ظَاهِرَه صَرِيحَةٌ، فَإِذَا جَمَعَتْه مَصَالِح الدُّنْيَا بَيْنَ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَعُقُود فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهَا (وَأُوفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مسؤولا) (الإسراء: 34) وَقَوْلُه (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بالعقود) (المائدة: 1) ذَكَر الْعُقُودِ عَلَى إطْلَاقِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ عُقُود الْمُسْلِمِين فَقَطْ بَلْ عُقُود النَّاسَ جَمِيعًا، فَالْحَقّ سُبْحَانَهُ لَمْ يُحَدِّد دِيَانَة صَاحِبِ الْأَمَانَةِ، وَلَا صَاحِب مُعْتَقد، وَلَا خَصّ بِالصَّدَقَة وَالْإِحْسَان صِنْفًا مِنْ أَصْنَافِ الْبَشَر محددي الْجِنْسِ أَوْ الْمُعْتَقد (وآتَى الْمَالِ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَبَن السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرقاب) (البقرة: 177) وَقَال : (بِالْوَالِدَيْن إحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَبَن السبيل) (النساء: 36) فَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَمْ يصنفوا، ويضرب لَنَا مَثَلًا لَنَسِير عَلَى هُدَاهُ (ولو یؤَاخِذ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) (فاطر: 45) وَالنَّاس مَعَ ذَلِكَ ضَالَّة مُنْحَرِفَةٌ مُنْحَرِفَة، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَاضٍ فِيَّ التَّقْوَى (وأن تَعْفُو أَقْرَب إلَى التقوى) (البقرة: 237) فَالْإِسْلَام لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ النَّاس، وَإِنَّمَا اِهْتَمّ كُلّ الِاهْتِمَام بِحِفْظ كَرَامَة الْإِنْسَان وَصَلَاح أمر دنياه.
ثالثا قواعد حوار الثقافات في القرآن الكريم:
بعد التَّعَرُّض لمنطلقات الحِوَار بِدَايَةَ مَنْ عَلَاقَةٍ الْإِنْسَان الْخَاصَّة بِنَفْسِه وَرَبّه، وُصُولًا إلَى حِوار الثَّقَافَات بِعُمُومِهَا، تَوَجَب عَلَيْنَا التَّعَرُّف عَلَى قَوَاعِدِ حِوار الثَّقَافَات وَضَبْطِهَا وِفْق الدُّسْتُور الرَّبَّانِيّ.
1 قبول الاختلاف:
نظر الْقُرْآن لِلِاخْتِلَاف عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةَ عَلَى بَدِيعِ خَلْقِه وعظیم صُنْعِه، يَتَفَكَّرُ فِيهَا أُولِي الْأَلْبَابِ وَذَوِي الْعُقُول، وَجَعَلَ هَذَا الِاخْتِلَافِ مُرْتَبِطًا بِالِابْتِلَاء والتكاليف الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا خِلَافُة الْإِنْسَان لِهَذِه الْأَرْض (وما كَانَ النَّاسُ إلَّا أَمَةً وَاحِدَةً فاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يختلفون) (البقرة: 213) حيث قضى الحق سبحانه أن تكون هذه الدنيا دار للامتحان، تاركا للإنسان حرية اختيار الطريق.
وَلَمْ يَكْتَفِ الْقُرْآن بِإِقْرَار هَذَا الِاخْتِلَافِ کسنة كونية وَقَضَاء رَبَّانِيّ، وَإِنَّمَا وَضَعَ أُسُسَ لِتَقْرِيب الْمُخْتَلِفَيْن، وَتَلْيِين قُلُوبِهِم بِهَدَف الْوُصُولِ إلَى التَّعَايُشُ السِّلْمِيّ بَيْنَ النَّاسِ كَافَّةً؛ فَلَمْ يَتْرُكْ مَحَلًّا وُجِدَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ، إلَّا وَجَاءَ لَهُ بِحِلّ عَادِل يَهْدِي النُّفُوس، وَيذهب الغَيْظ، لتعزيز السَّلَام ووَالطُّمَأْنِينَ، حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِنْسَان إلَى مُهِمَّتَه السامية – عِمَارَةِ الْأَرْضِ واستخلافها- فالسماوات وَالْأَرْض كَانَتْ شَيْئًا وَاحِدًا مُلْتَصِقَيْن فَفَصَل اللَّهُ بَيْنَهُمَا، قَالَ تَعَالَى (أو لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ السَّمَوَاتِ والْأَرْض كَانَتا رَتْقًا ففتقناهما) (الأنبياء: 30) “وجعلناهما مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْحَلْقَةِ وَالْوَظِيفَة لِيَقُوم كُلٍّ مِنْهُمَا بِدَوْرِه فِي الْكَوْنِ، وكَذَلِك النَّاسِ إذْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ اخْتِلَاف اللُّغَات . . . الْأَلْوَان . . . حَتَّى لَا يَشْتَبِهُ شَخْصٌ بِشَخْص، وَلَا إنْسَانٍ بِإِنْسَان مَعَ أَنَّهُمْ جَمِيعًا مِنْ ذرية آدم” (الصّابوني، 1981)
فَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَإِنْ وجد إلَّا أَنَّهُ لَا يُلْغِي التَّسَاوِي بَيْنَ النَّاسِ جَمِيعًا فِي الْخِلَافَةِ وَالْكَرَامَة “ذلك أَنَّ النَّاسَ تَنَكَرُوا لآدميتهم قَبْلَ أَنْ يتوزعوا أديانا وَمَذَاهِب وَمِلَلًا وَنِحَلا” (رفيع، 2011) لقوله تعالى (ولقد كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تفضيلا) (الإسراء: 70) فَلَا فَضْل لِإِنْسَانٍ عَلَى إنْسَانٍ، ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ خلق الْإِنْسَانَ عَلَى مُطلقه فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، سَوَاءٌ مِنْ النَّاحِيَةِ الْجَسَدِيَّة أَوْ مِنْ النَّاحِيَةِ الْعَقْلِيَّة ” (رفيع، 2011، صفحة 121) فَالْكُلّ مُتَسَاوُونَ فِي المؤهلات الأسَاسِيَّة لِإِدْرَاك الْمَعْرِفَةِ مِنْ لَحْظَة ميلادهم” قال تعالى (هوَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ والأفئدة لَعَلَّكُم تشكرون) (النحل: 78) وبالتالي لَا حَقَّ لِأَيّ أُمّة أَنَّ تَدَّعِي احْتِكَار الْعِلْمِ أَوْ التَّفَرُّد بِالْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِنْبَاطِ الْمَعْرِفَة، فَالْأَصْل التَّسَاوِي بَيْنَ الْجَمِيع، لَكِنْ الِاخْتِلَاف يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ بَعْدِ حَسَب الجهد والتّفكير.
2 تكريس التعايش السلمي:
ترسيخا لِمَبْدَأ التَّعَايُش السِّلْمِيّ أَسّسَ الْخِطَاب الْقُرْآنِيّ مَبْدَأ الاندماج الاجْتِمَاعِيّ، بِمَا يُحَقِّقُ وِحْدَة اِجْتِمَاعِيَّة عَلَى أَسَاسِ التَّنَوُّع الدِّينِيّ، وذَلِكَ مِنْ خِلَالِ إبَاحَةَ مَا مِنْ شَأْنِهِ تحقیق التَّوَاصُل الاجْتِمَاعِيّ، والتلاحم بَيْنَ أَفْرَادِهِ، ابْتِدَاءً مِنْ تَبَادُل الزيارات والِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ، قَالَ تَعَالَى (وَطَعَام الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ و طَعَامِكُم حِلّ لهم) (المائدة: 5) وَلَئِنْ كَانَتْ زِيَارَة غَيْرَ الْمُسْلِمِ فِي دَارِهِ، وَأَكْلُ طَعَامِهِ، وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِ، يُزِيل الْكَثِيرِ مِن الحَواجِز النَّفْسِيَّة بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ الْمُخْتَلِفَيْن، فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ سَعَى إلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَدْخَل هَذَا التَّعَايُشُ السِّلْمِيّ إلَى أَصْغَر خَلِيَّةٌ فِي الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِم وَأَهَمُّهَا، ألا وَهِيَ الْأُسْرَة؛ حَيْث أَقَامَهَا عَلَى التَّنَوُّع الدِّينِيّ مِن منطلق قَوْله (والمُحْصَنَات مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلَهُمْ قبله) (المائدة: 5)، حيث أصبحت الزوجة الكتابية من باب قوله (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ هن) (البقرة: 187) سَكَنًا يَسْكُنُ إِلَيْهَا الْمُسْلِم، وَمَوْضِعُ مَحَبَّتِهِ وَمَوَدَّته تَمَامًا كَالزَّوجة المسلمة (رفيع، 2011، صفحة 132)
وَإِنْ كَانَ غَيْر الْمُسْلِمِ يَتَمَتَّع بِكُلِّ هَذِهِ االْحُقُو، وَيَعِيش بِكُلِّ هَذِهِ الْإِيجَابِيَّة دَاخِلَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِم، فَإِنْ غير الْمُسْلِمِينَ كَجَمَاعَة لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ نَصِيب، حَيْثُ يَقُولُ الْعَدْل عَزَّ وَجَلَّ (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ أَن تَبَرِوهُم وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ وَاَللَّه يُحِبّ ُالمقسطين) (الممتحنة:8) فَالْمُسْلِم مُطَالَبٌ بِالتَّعَاوُن وفق أَخْلَاق الْإِسْلَام السَّمْحَاء مَعَ الْآخَرِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْآخَرُ أَخًا فِي الدِّينِ، أَوْ أَخًا فِي الْإِنْسَانِيَّة، فَهُو يُعَامِلَه باحترام وَحُسْن عِشْرَة وَطِيب تَعَايُش وَسَلَام، تطبيقا لِهَذَا التَّكْرِيم الْإِلَهِيّ للإنسانية جَمْعَاء.
3 الثبات على المبدأ:
حِين نحاور فَإِنَّنَا نتحاور بِثَبَات عَلَى دِينِنَا، وباستماتة عَلَى تَطْبِيقِ مَبَادِئه وَأَوَامِرِه، آخِذِين الْعِبْرَة مِن حِوار سَيِّدُنَا إبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ ابْنِهِ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ بِالذَّبْح، فَمَا كَانَ مِنْ الِابْنِ إلَّا الرضوخ لِأَمْرِ اللَّهِ بِصَبْر وَاحْتِسَاب (فلما بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي قَالَ يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَر سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ مِن ْالصابرین) (الصافات: 102) ثَبَات لَمْ يَكُنْ بِقَوْل فَقَطْ، بَلْ وَعَضَّدَه ثَبَات الْفِعْل وَالتَّطْبِيق: (فلما أَسْلَمَا وتَلَّه لِلْجَبِين) (الصافات: 103)، كَان الِامْتِحَان الْحَقّ بِالْفِعْل (إن هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء المبين) (الصافات: 106) فالثبات الْحَقّ يَكُون قَوْلًا وَفِعْلًا وَإِلَّا (كبر مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَالًا تفعلون) (الصف: 3) وَذَلِك باحترام هَذَا الْآخَرُ كَافِرًا كَانَ أَمْ كِتَابِيًّا لِكَرَامَتِه االْإِنْسَانِيَّة، وَلَحِقَه فِي الاختلاف.
وَإِيمَانًا مِنَّا بِأَن الثَّبَات بِالْفِعْل هُو الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، لِذَلِك فَإِنَّنَا حِين نحاور لَا نحترم هَذَا الْآخَر فَقَطْ، وَإِنَّمَا نُحَاوِل تَطْبِيق ذَلِك عَمَلِيًّا، دُون الاحْتِكام إلَى صُورَةِ مسبقة، حَتَّى نَعْرِفَ مَعَ أَيْ طَرَفَ مِنْ أَطْرَافِهِ يَكُونَ هَذَا الحِوَار، لِيَكُونَ هَذَا الْآخَرُ مُتَحَيِّر الطَّرِيقَة الْمُنَاسَبَةِ فِي ظرفها الْمُنَاسِبُ عَلَى أَسَاسِ مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَالْجِدَال بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أحسن) (النحل: 125) فَالْقُرْآن ” اكْتَفَى بِالْمَوْعِظَةِ إنْ تَكُونَ حَسَنَةً ” وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ فِي الْجِدَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، لنصل بِذَلِكَ مَعَ الْآخَرِ الْمُخْتَلِفِ إلَى مُشْتَرَك إِنْسانِيّ، تَدْعُو إلَيْهِ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ، فَمَا مِنْ شَرِيعَةِ وَلَا مِلَّة، إلَّا وَدَعَت لِمَا يَصْلحُ حَال الْبَشَرِيَّة مِن فضيل خلق وصالح عمل.
4 تحديد القضايا موضوع الحوار:
يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قَضَايَا حِوار الثَّقَافَات فِي مَجَالِ مَا يَسْمَحُ بِهِ الدِّين الإِسْلامِيّ، دونما مُجَارَاة للأطراف الْأُخْرَى فِيمَا تطْرَح إذَا كَانَ فِيهِ مساس بثوابتنا، “فقد جَاءَت الْإِشَارَةُ إلَى مَنْعِ بعض الْحَالَاتِ فِي مَسْأَلَةِ الحوار” (السنيدي، 1430ه، صفحة 329) فَمِنْ أَسْبَابِ نُزُولِ سُورَةِ الْكَافِرُون، طَلَبَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ مِن الرَّسُولِ شَيْئًا مِنْ التَّنازُل “فقالوا يَا مُحَمَّدُ هَلُمّ نَعْبُد مَا تَعْبُّد سَنَة، وَتَعْبُّد مَا نعبد سَنَة، فنترك نَحْن وَأَنْتَ فِي الْأَمْرِ . .. فَقَالَ مَعَاذ اللَّهِ أَنْ أُشْرِكَ بِه غيره” (عاشور، 1984، صفحة 332) فَأُنْزِلَت السُّورَة تُبَيِّن مَعَالِم الِاخْتِلَافِ وَالتَّبَايُنِ الْكَامِلِ الَّذِي يَسْتَحِيل مَعَه الِالْتِقَاءَ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، أَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الْقَضَايَا مِمَّا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَك الْإِنْسَانِيّ، الَّذِي شَجع الْخِطَاب الْقُرْآنِيّ الْمُسْلِمِ عَلَى التَّفَاعُل فِيه مَعَ الآخَرِينَ لَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ وَلَا حَرَجَ ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ قَدْ رَفَضَ مَا يَمَسُّ بِالدَّيْن فَقَد حَث عَلَى غيرها من القضايا.
5 عولمة القيم:
إنَّ قَبُولَ الِاخْتِلَاف وَمَا يَنْتُجُ عَنْهُ مِنْ تعایش سِلْمِي مَعَ الْآخَرِ، وَالنِّيَّة السَّلِيمَة فِي الحِوَارِ، دونما تَعَصُّب أَو تَكَبُّر، عَلَى قَاعِدَةِ متينة تَحْمِلُ مِنْ قَضَايَا الحِوَار قَضَايَا بَارِزَة الْمَعَالِم لا تَدْخُلُ فِي خُصُوصِيَّاتِ أَيْ طَرَف، مَعَ تَدْعِيم ذَلِك بالتعرف عَلَى الذَّاتِ مِنْ خِلَالِ نَقْدِهَا، وَفَهم الْآخَر بِالْبُعْدِ عَنِ الصُّورَةِ النمطية الْمُتَخَيِّلة، يُؤَدِّي حَتْماً إِلَى ظُهُورِ نِقاطٌ اشْتِرَاكٌ بَارِزَة الْمَعَالِم كقيم أَنْسَانِيه لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا اثْنَانِ، وَلَا يجحد بها صَاحب فطرة سليمة .
“لم تَكُن الْقِيَّم الْعُلْيَا الْمُشْتَرَكَة خَافِيَةٌ تَمَامًا عَلَى الْعَقْلِ الْبَشَرِيّ الْحَدِيث، ففِي إِطَارِ الْقَوَانِين الْوَضْعِيَّة هُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِـ القَانُون الطَّبِيعِيِّ الَّذِي يُعْرَفُ بِأَنَّهُ مَجْمُوعِة الْمَبَادِئ المثالية، الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِالثَّبَات وَعَدَمِ التَّغَيُّر فِي الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ…وتُعَدُّ مِنْ الْمَصَادِرِ الَّتِي يُسْتَمَدُّ مِنْها الْمُشَرِّع والْقَاضِي الْقَاعِدَة القانونية ” (القرشي، 2007) وَمَا وِحْدَة هَذِه الْقِيم إلَّا دَلِيلٌ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَة الَّتِي مازالَت بَعْض آثَارِهَا فِي قُلُوبِ الْإِنْسَانِيَّة جَمِيعًا، (فطرة اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْق الله) (الروم: 30)
يَذْكُر الْحَقِّ سُبْحَانَهُ نِعْمَتِي الْمَال وَالْأَمْن عَلَى رَأْسِ الْقِيَّم الْمُشْتَرَكَة حَيْثُ يَقُولُ : (زُینَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدنيا) (آل عمران: 14) “فعلى هَذَا يَجْتَمِعَ النَّاسُ جَمِيعًا ، أَمَّا الْأَمْن فَهَذَا تَعَالَى يُخَاطِبُ موسی: (خُذْهَا وَلَا تخف) (طه: 21) وَدُعَاءٌ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَبْل (رب اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدِ آمنا) (البقرة: 126) وَامْتِنان اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ بِالْأَمْن وَالطُّمَأْنِينَة (فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ و أَمْنِهِمْ مِنْ خوف) (قريش: 3، 4، 5) وَعَلَى الْأَقْوَام وَالْأُمَم الَّتِي مَضَتْ (فلما دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إلَيْهِ أَبَوَيْه وَقَال اُدْخُلُوا مِصْرَ إنْشَاءٌ اللَّه آمنين) كَمَا ذَكَرَهُ مِنْ بَابِ نِعْمَةٌ عَلَى أَصْحَابِ الْحَجر (وكانوا ينحتون مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتا آمنين) (الحجر: 82)، بَلْ إنْ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ (ادخلوها بِسَلَام آمنين) (الحجر: 46) فالأمن من الخوف ومن الجوع من القيم التي تشترك فيها الإنسانية جميعا.
“وحين تبرز مفردات من قبيل الفطرة، والإيمان، والعدل، والوسطية، والتوازن وغيرها، وهي تعكس في الوقت نفسه مضامين الإسلام ورؤيته العامة نحو الإنسان والوجود، فإن السعي لعودة تلك المفردات لا يعني إحلال خصوصية قيمية محل خصوصية أخرى، ما دامت تلك المفردات تترجم جوهر الإنسانية، وتعبر عن مدركاتها الواحدة” (القرشي، 2007، صفحة 106. 107) ذَلِكَ أَنَّ الرُّجُوعَ لِهَذِه الْقِيَّم والانضواء تَحْتَهَا إنَّمَا هُوَ دَعْوَة حَقِيقِيَّةٌ لِلْإِسْلَام، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (وإن جَنَحُوا لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العليم) (الأنفال: 61) كَمَا تُوجَد العَدِيدِ مِنَ الْقِيَّمِ الْأُخْرَى، كَالْعَدْل وَالْمُسَاوَاة، وَالْحُرِّيَّة، وَحِمَايَة البِيئَة، وَنَشْرٌ التَّعْلِيم وَالرِّعَايَة الصِّحِّيَّة وَغَيْرِهَا.
خاتمة:
ان كَان حِوار الثَّقَافَات فِي الثَّقَافَةِ الْإِسْلَامِيَّة يَقُومُ عَلَى الْأَخْذِ وَالرَّدِّ، مَع الِاحْتِرَام الْمُتبَادَل بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَإِنَّنَا نَجِد رُؤْيَة مُخَالِفَة لِهَذَا الحِوَار فِي الثَّقَافَةِ الْغَرْبِيَّة، الَّتِي تَجْعَلُ مِنْه وَسِيلَةٌ هَيْمَنَة مُتَجَدِّدَةٌ؛ فَمَا حِوار الثَّقَافَات فِي الثَّقَافَةِ الْغَرْبِيَّة سِوَى وسِيلَةٍ مِنَ وَسَائِلِ تَوْسِيع العولمة، وَلَكِن بِطُرُق مُلْتَوِيَة وضبابية . عَلَى عَكْسِ الدُّسْتُور الرَّبَّانِيّ الَّذِي يُكَرِّس قَبُول الاختلاف، والتعايش السِّلْمِيّ، وَيَصْنَع مِنْه وَاقِعًا حَقِيقِيًّا لَا شعارات جَوْفَاء، مِنْ خِلَالِ الثَّبَات عَلَى الْمَبَادِئ الْإِسْلَامِيَّة الْحَنِيفَة، دونما ذَوبَان فِي الْآخَرِ، مَع تَحْدِيد قَضَايَا الحِوَار، مِمَّا يُشَّكِلُ قَوَاعِد حقيقية للحوار بين الثقافات.
قائمة المصادر والمراجع:
الصّابوني, م. ع. (1981). صفوة التفاسير. بيروت, لبنان: دار القرآن الكريم.
رفيع, م. (2011). المنهج القرآني في بناء المشترك الإنساني. مجلّة إسلامية المعرفة , 123.
صبري محمَد خليل. (بلا تاريخ). حوار الحضارات من منظور إسلامي. تاريخ الاسترداد 22 نوفمبر، 2019، من drsabrikhalil.wordpress.com.
عادل بن علي الشدّي. (بلا تاريخ). دراسة قرآنيّة بين أتباع الأديان والثّقافات. تم الاسترداد من www.pdfactory.com.
علي القرشي. (2007). المسلمون والآخر حوار لا صدام. الرباط، المملكة المغربية: المنظّمة الإسلامية للتربية والعلوم.
فهد بن عبد العزيز بن عبد الله السنيدي. (1430ه). حوار الحضارات دراسة عقديةفي ضوء الكتاب والسنة. 42.
كفتارو, ص. ا. منهج الحوار في الرؤية الإسلامية. دمشق, سوريا: دار قتيبة.
محمد الطاهر بن عاشور. (1984). تفسير التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر.
نادية محمود مصطفى. (بلا تاريخ). جدالات حوار/ صراع الحضارات: إشكالية العلاقة بين السياسي- الثقافب في الخطابات العربية والإسلامية. تاريخ الاسترداد 22 نوفمبر، 2019، من icp.hadaracenter.com.
هنية مفتاح أحمد القماطي. (بلا تاريخ). أزمة الحوار الحضاري في عصر العولمة. تاريخ الاسترداد 10 نوفمبر، 2019، من www.uop.edu.jo.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)