كلية الآداب والفنون والإنسانيّات منوبة، تونس
الملخص
لا تعدّ الثورة الرقميّة ثورة علميّة فحسب بل ثورة فنيّة كذلك، إذ أدّى التقاطع بين التقني والفنّي إلى توليد أشكال فنيّة، ركّزت أنماطا تعبيرية جديدة، فشكلت بذلك، تجاوزا للفنون التقليدية واستفزازا للذائقة الفنيّة واختراقا للمعايير التي دأبنا على اعتمادها لضبط هويّة الأعمال الإبداعيّة. وتبدو هذه المسألة شديدة التعقيد في اتّصالها بالأدب الذي تعدّ اللّغة قوامه، حيث يجاور النصّ المكتوب الصّوت واللّون والحركة، فإذا النصّ صورة بصريّة متحرّكة، وإذا المتقبّل يتردّد بين القارئ والمتفرّج والمتصفح. فكيف يمكن أن نحاور أدبا يوظّف وسائط متعدّدة من قبيل الصوت والصورة والحركة إلى جانب اللغة ويقترح علينا شعرا رقميا أو قصّة رقمية أو رواية رقمية؟ إنّ الأمر متعلق بجماليّات جديدة تستفز الباحث وتطرح إشكالات لا يحصى لها عدّ. لهذا تروم هذه المقاربة تبيان أسس هذه الجماليّات الجديدة وتفكيكها من جهة وإثارة الإشكالات الناشئة عنها من جهة أخرى من خلال تدبّر عدد من المفاهيم كمفهوم الأدبية ومفهوم النصّ الأدبي وتتبّع علاقة هذه الأشكال الأدبيّة الرّقمية بالأجناس الأدبيّة التقليديّة، ناهيك عن النظر في صورتي الباثّ والمتقبل اللّتين تقترحهما، عسى أن يمكّننا تدبٍّر الجوانب المذكورة من إنعام النظر في هذا الأدب الذي غزا الساحة الإبداعية في العقود الأخيرة ولم يحظ بدراسات نقديّة معتبرة تتطرّق إلى جماليّاته وتفضّ إشكالاته.
الكلمات المفاتيح: الأدب الرّقمي، جماليّات، إشكاليّات، الباثّ، المتقبّل.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
المقدّمة:
غزت الرّقميّة حياتنا المعاصرة وداخلت مختلف المجالات. ولم تعد معطى تقنيا قدر ما باتت معطى حيويّا يوجّه اهتماماتنا، ويقطع مع الثقافة التقليدية بنظمها ونواميسها، مقترحا ثقافة بديلة، لغتها قائمة على التشفير والترميز والتشعيب، عمادها تقنيات متعدّدة تتنافذ فيها الأشكال وتتداخل.
ولم تكن الفنون شاذّة عن المنوال الرقميّ، بل كانت مدعوّة للإفادة منه ومراجعة مفاهيمها وأدواتها حتى تستوعب أفق إنسان القرن الحادي والعشرين، وتكون وثيقة الصلّة بواقعه. ولم يتوقّف الأمر على الفنون البصريّة التي تبدو أوثق صلّة بالرّقميّ، بل طالت الرّقميّة الفنون القوليّة كذلك، وباتت ميسما لافتا في ما يتداول اليوم في الأدب، فنشأت أجناس مستحدثة تتداخل فيها العلامات وتتنازع، ولا تعدّ اللّغة سوى أساس أوّل تسنده وسائط أخرى كالصورة والحركة وتتدخّل في تشكيله برمجيات الحاسوب وتقنياته المختلفة من قبيل التّصميم والتوليد كالرواية الرّقميّة والقصّة الرّقميّة والشّعر الرّقميّ.
ولئن عرف الغرب الأدب الرّقميّ منذ سبعينات القرن المنصرم وأخذوا في تداول قضاياه في بحوثهم، فإنّ أدبنا العربي ظلّ أسير الأجناس والأنواع الأدبيّة التقليديّة، غير منفتح على ما استجدّ في الحقول الإبداعية، منشدا إلى تصوّرات الماضي، منغلقا على مفاهيمه، الأمر الذي جعل كل رغبة في المجاوزة والتجريب موسومة بالاستنقاص والاستهجان.
إنّ ما ذكرنا حفزّنا للنظر في هذه المسألة وتفصيل القول فيها، لاسيما أنّنا عثرنا على عدة أعمال أدبيّة أفادت من الرّقميّة، إلا أنّها لم تحظ بالدّرس العميق. إذ لبث النقد ملتفتا عن مثل هذه القضايا الأدبيّة الرّاهنة. ولعلّ الأمر مرتبط بموقف رافض لهذا الأدب. ويستوي ما بيّنا حافزا ثانيا لإنعام النظر في هذه المسألة، لاسيما أنّ الأسئلة التي تثيرها متعدّدة، ممّا يجيز لنا أن نذهب إلى اعتبار الأدب الرّقميّ أدبا إشكاليّا لأنّه يطرح أسئلة أكثر ممّا يقدّم أجوبة.
ونظرا إلى تشعب الأسئلة التي يثيرها، رأينا أنّ من الضروريّ أن نحدّد زاوية مقاربتنا حتى لا نقع في فخّ التعميم. واستقرّ الرأي على تناوله من جهة جماليّته المغايرة التي تستفز الجماليّة الكلاسيكية وتخترقها، وتقوّض عدة مفاهيم. فلمّا كانت صورة النصّ الرّقميّ مغايرة يتدخّل في تشكيلها ماهو لغوي وماهو غير لغوي من قبيل الوسائط والبرمجيات المتعدّدة، فإنّ معايير الأدبيّة الذي تتأسّس عليها جماليّة النصّ قد خضعت للتحوير والتحريف.
فكيف يمكن أن نفهم هذه الأشكال المتداخلة التي يتألّف منها النصّ الرّقميّ؟ إلى أيّ مدى يمكن أن نصطلح على هذا الأدب بالأدب، والحال أنّه يحرّف أسس النصّ الأدبيّ كلّها؟ ألسنا إزاء تحوّل جذري في مفهوم الأدب وأسسه؟ إلى أيّ مدى يمكن لنا أن نراهن على أدب من هذا القبيل؟ وهل يمكن للإبداعات الرّقميّة أن تضارع الإبداعات الورقيّة التي رسخت في الذاكرة الإبداعيّة؟ هل يمكن أن نصطلح فعلا على هذه الإبداعات بالإبداعات الأدبيّة، والحال أنّ اللّغة ليست سوى مستوى من مستويات العمل؟ وهل يمكن أن نصطلح على مبدع هذا الأدب بالأديب، والحال أنّه مصمّم ومبرمج في الآن ذاته؟ أيّ قارئ تتّجه إليه مثل هذه الأعمال الرّقميّة؟ وأيّ آليات ومناهج تسعفه في قراءتها؟ هل نعتبر هذا الأدب أدبا بالمعنى الدقيق للكلمة أم نصنّفه نوعا أدبيا ثانويا؟ وهل يمكن لهذا الأدب أن يخلق جمهورا معتبرا أم أنّ الأمر نزوة عابرة فرضتها معطيات ما بعد الحداثة؟
أ: مفهوم الأدب الرّقمي وتاريخ نشأته.
1-مفهوم الأدب الرّقمي:
إنّ ضبط المفاهيم والمصطلحات أمر لا مندوحة عنه، فهو القاعدة النظرية التي يجب أن تُبنى بناء جيدا حتى تتيسّر مقاربة المسألة وتُضبط حدودها. ولئن كان تحديد المصطلحات سائدا في البحوث النقدية، فإنّه يكتسي أهمية خاصة حين يتعلّق بموضوع شائك مثل الموضوع الذي نقاربه. فالأمر لا يتعلّق بمصطلح مستهلك، بل بمصطلح جديد قليل التداول، يتطلّب البحث العميق الدقيق، ناهيك عن تعدّد المصطلحات المعتمدة. فإلى جانب الأدب الرّقمي La littérature numérique يعتمد مصطلح الأدب
. وقد تواتر اعتماد المصطلح الأوّل في الساحة الثقافية الفرنكوفونية،Hypertexte أو النصّ المترابط
فيما يُتداول الثاني في الساحة الثقافية الانغلوسكسونية، دون أن نغفل مصطلحات أخرى من قبيل الأدب الديجتالي littérature digitale وأدب الواب Littérature de web والأدب الآلي
( الحمداوي،2016، ص 9، 10)littérature technologique
لكنّ مصطلح الأدب الرّقمي أكثر تعبيرا في تقديرنا عن خصوصيّات هذا الأدب وأدقّ تمثيلا لعوالمه باعتبار الرّقميّة تختزل الجانب المنطقي الرياضي من جهة وتوحي بتعدّد الوسائط المكونّة للعمل من جهة أخرى.
ورأينا أنّ النظر في الأدب الرّقمي يفترض تفكيك المفردتين اللّتين يتألّف منهما. أمّا الأولى، الأدب، فتحيلنا على فنّ تعبيري عريق، راسخ أثره في الثقافات قديمها وحديثها، متعدّد الأنماط والأشكال والأجناس، أمّا الرّقمي، فيحيلنا آليّا على الترقيم، وقد ذكر”سعيد يقطين” (2005) أنّه”عمليّة نقل أيّ صنف من الوثائق من النمط التناظري أي الورقي إلى النمط الرقمي“.( ص 259). فالمسألة قائمة على تشفير المادّة اللّغويّة أو الصورة الثابتة (أي تحويلها إلى أرقام) على النحو الذي يجعلنا قادرين على استقبال النصّ عبر شاشة الحاسوب. فالنصّ الرّقميّ هو “كلّ شكل سردي أو شعري يعتمد جهازا معلوماتيا وسيطا، ويوظّف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط” (بوتز، 2016، ص 29). ونقصد بالوسيط أداة التواصل المعتمدة التي تتيح تكوين المعلومة أو تحويلها أو نقلها أو جعلها مرئية (بوتز،2016 ص29).
أمّا الوسائط المتعدّدة، فتمثّل النتيجة التي يراها القارئ على الشاشة، وتتضمّن ميديات متعدّدة من قبيل الصوت والصورة والنصّ (بوتز، 2016، ص 29)، ممّا يعني أنّ الحاسوب ليس مجرد “أداة بل شكل ولغة وفضاء وعالم، فهو بمعنى أشمل منتوج وأداة إنتاج وفضاء للإنتاج وعلاقات إنتاجية. (يقطين،2005، ص10)
ما النصّ الرقميّ إذن إلا تداخل بين وسائط مختلفة. ولعلّ ما ذكرنا يدلّ على أنّ أهمّ ما يسم النصّ الرّقمي هو تعدّد الوسائط والتفاعل بينها. وتبعا لذلك، ليس كلّ ما يُعرض على الحاسوب أدب رقمي، بل صفة الرّقميّة تُلحق بذاك الذي يستند إلى وسائط متعدّدة في إنشائه، فتكون مقوّما أساسيا في تكوينه. إنّه نصّ متعدّد العلامات (لغوية وبصرية)، يقوم على توظيف كلّ ما يوفّره الحاسوب من إمكانات، ولا يمكن معاينته إلا من خلاله. أمّا ما نجده منشورا على الحاسوب في صيغة تماثل الصيغة الورقية، فليس سوى أدب الكتروني أو مرقّم أو مرقمن، لأنّ الحاسوب لا يتدخّل في تكوين العمل، إنما هو وسيط للعرض فقط. فالتفاعليّة إذن أبرز خصائص الأدب الرقميّ. ولها ثلاثة مستويات: مستوى أوّل متعلّق بالتناغم والاتّساق بين الوسائط المؤلفة للعمل، ومستوى ثان متصّل بالمتلقي الذي يدعى إلى التفاعل مع هذه الوسائط ومستوى ثالث يرتبط بالتفاعل الحاصل بين المرسل والمتلقي. ( يقطين، 2005، ص 10)
وليس النصّ الرّقميّ واحدا، بل هو متعدّد. وينشأ تعدّد أشكاله من اختلاف طرائق التفاعل التي يقترحها.إذ ثمة نصوص رقميّة بسيطة شبيهة بالكتاب الورقي، أحادية العلامة، بنيتها واضحة بسيطة، وأخرى مركّبة، لأنّ روابطها تتكاثر وتتداخل، فيستوي النصّ شبكة غير محدودة من الروابط.(يقطين،2005، ص 138،139)[1]
2-نشأة الأدب الرقمي وتطوّره.
لا يمنحنا الحفر في المصطلح على أهميته سوى مدخل لمحاورة الأدب الرّقميّ، ففهمه الدقيق يحتاج إلى تصفّح تاريخه وتبيّن كيفية تطوّر تجاربه، وذلك بالعودة إلى بدايات الاهتمام بهذا الأدب. وتُعزى إلى بداية استعمال الحاسوب، وقد اتفق النقاد على اعتبار سنة 1959 التاريخ الفعلي لظهوره، فخلال هذه السنة ظهرت النصوص الرّقميّة الأولى المصطلح عليها Stochastiche، وقد أنشاها “تيو ليتز”
( Saemmer, 2011, p201) Theo Lutz
المرحلة الأولى اختباريّة، حيث نشأت الأشكال الإبداعية الأولى Funkhouser وقد عدّ فونكهاوزر
التي تستثمر الحامل الرّقمي. لكنّ ظهور الويب سنة 1990، عمّق هذه التجارب، فظهرت أشكال أكثر تعقيدا وتطوّرا. (Saemmer,2011, p 201)
فقد كانت البداية نظرية، تمثلت في إنشاء “ريمون كينو” وفرانسوا لوليونيه” حلقة دراسية حول الأدب التجريبي، سرعان ما تحوّلت إلى ورشة للأدب الاحتمالي، وكانت تبحث في الموارد التي يمكن أن توفرها آلات معالجة المعلومات. ثمّ تطوّر الأمر بإنتاج برامج معلوماتية مصمّمة لإنتاج أعمال أدبية، وقد صمّمت في فرنسا سنة 1975.
ثمّ تمّ لاحقا إنشاء مجلّتين إلكترونيتين سنة 1989 هما كاوس kaos
. أعقبها صدور بعض الأعمال في أقراص مدمجة مثل حدود متقيّأة لجان ماريAlireوألير
بيلوكان (1995) و20/ حبّ زائدة لفرانسوا كولون (1996) وغيرهما. (فويلمان، 2016، ص 60، 61)
شيئا فشيئا تعمّقت التجارب الإبداعية الرّقميّة فظهرت أنماط أكثر تطوّرا مثال ذلك، أنّ الكاتب “روني كامو” قد وضع إضافة إلى نسخة رقمية من نصّه مقالات أثارت جدلا حول كتابه. أمّا الكاتب “جان بيير بالب” فقد جمع بين الكتابة المسلسلة والتفاعل مع القرّاء. في حين دعا “يان كوفيليك” و”إيرين فرانس” القرّاء إلى إتمام فصل مكتوب على الانترنيت. ( كليمان، 2016، ص 108، 109) وهو ما يعكس تنوّع الطرائق التي لجأ إليها الكتّاب لتطوير التجربة الإبداعية الرّقميّة وتعميق التفاعل مع القرّاء. في المقابل، كانت التجارب الرّقمية العربية محدودة كمّا ونوعا. ويعدّ الكاتب الأردني “محمّد سناجلة” أوّل كاتب عربي يبدع رواية رقمية، وقد وسمها بظلال الواحد. وكان ذلك سنة 2001، وقد نشرها فيما بعد ورقيا، ثم أردف إليها رواية رقمية ثانية عنوانها شات سنة 2005، وأيّد أعماله الرّقميّة بكتاب نقدي وسمه بالرواية الواقعيّة الرّقميّة تنظير نقدي.
ولم يكن “سناجلة” الوحيد الذي اجترأ على هذا النوع الجديد، بل نجد كذلك “إدريس بلمليح” في رواية مجنون الماء (2004) ومحمّد اشويكة في رواية احتمالات (2005) ومشتاق عباس تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق (2007) (بلمودو، ص 137)
وممّا سبق تتّضح جدّة هذه النصوص وإيحاؤها بالطابع الرّقمي من خلال عناوينها. على ذلك لا يفوتنا أنّ عددها محدود مقارنة بما يكتب وينشر في السنوات الأخيرة، وهو ما يؤكد الإشكال الجماليّ الذي تطرحه مثل هذه الأعمال.
إنّ تعريف الأدب الرّقمي الذي ذكرنا والإشارة إلى تاريخ نشأته، على أهميتّهما، يظلاّن منقوصين ما لم نتبعهما بتتبّع خصوصيّاته الجماليّة، فتبيانها من شأنه أن يعمّق فهمنا ويوسّعه. لهذا نفرد العنصر الموالي من بحثنا للنظر في أهمّ خصوصيّاته الجماليّة.
ب: جماليّات الأدب الرّقمي.
1-التفاعليّة الداخليّة:
لاريب في أنّ صفة الرّقمية إذ تلحق بالأدب تدخل عليه جماليّات جديدة، تداخل جماليّاته القديمة، فتحوّرها أو تغنيها. ولمّا كان هذا الأدب قائما على توظيف برمجيات الحاسوب المختلفة، فهو يفيد من وسائطه المتعدّدة كالصوت والصورة مثلما يفيد من التقنيات المختلفة التي تزخر بها هذه البرمجيات، كطرق التوليف بين الصوت والصورة والتأثيرات البصرية والحركة الخ. ومن ثمّ، لا يعدّ المكوّن اللّغوي سوى عنصر من مجموعة من العناصر التي تؤلف النصّ. ذلك أنّ هوية النصّ تتحقّق من خلال تداخل عناصر مختلفة، تجمع اللّغوي بغير اللّغوي، وتؤلف بين المكتوب والمسموع والمشاهد. والأمر كلّه قائم على التصميم والتوليد والتشفير، وهي عمليات تختزل العمل الذي يقوم به المبدع /المصمّم الذي تجتمع فيه صفات متعدّدة. فهو ليس مبدعا عاديا لأنّه لا يوظّف اللّغة فقط، بل يستثمر فنونا وتقنيات مختلفة. إذ ينبغي أن تكون له دراية بآليّات التعامل مع الحاسوب وتقنياته المتطوّرة. وهي خاصية ثانية تلحق بالنصّ الرّقمي، إذ أنّه لا يعدّ نصّا متعدّد العلامات، متداخل الخطابات فحسب، بل نصّا يبدعه نموذج جديد من المبدعين، يغاير ما استقرّ في أذهاننا.
إنّ قوّة النصّ الذي يقترحه المبدع من قوّة العلامات التي يوظّفها ومن قدرته على التوليف بينها وشحنها بدلالات مختلفة. فالصورة البصرية التي يقترحها النصّ الرقمي تتألّف من مجموعة من الأشكال والألوان والأصوات والكلمات المتتابعة المتموجّه. ويشكّل هذا المجموع صورا متحرّكة أقرب إلى الّلقطات السينمائية.
ولئن كان للخطاب اللّغوي معانيه الظاهرة ودلالاته البعيدة، فإنّ للشكل واللّون والصوت كذلك أنساقا دلالية ظاهرة ومضمرة. فلا يخفى عنا طرائق توظيف اللّون والتدرّج بين الألوان، ناهيك عن الاختلافات الكائنة بين الصوت المنخفض والصوت المرتفع والحركة التي تؤيد مجموع هذه العناصر وتتحكّم فيها وتوجّهها.
ولمّا كانت العناصر المؤلفة للنصّ الرّقمي مستمدة من فنون مختلفة، فإنّ الأمر يؤول إلى حوار بين حيث يتداخلhypertextualité الفنون فتنسف الحدود بينها، فإذا نحن أمام ضرب من التعلّق النصّي
النظام اللّغوي بمختلف الأنظمة التي تحيل عليها الفنون الأخرى.
ولا يخفى عنّا أنّ لكلّ فنّ خصوصيّات تعبيرية وآليات اشتغال وبنى متداخلة قائمة على امتصاص نصوص مجاورة. ومن ثمّ، فإنّ النصّ الرّقميّ يزخر بعلاقات معقدة، إذ تمتزج فيه كلّ النصوص التي تحيل عليها هذه الخطابات وكلّ خصوصيّاتها التعبيرية وآليات اشتغالها، ممّا يجعله متنا مكتنزا عميقا.
بهذا المعنى، تستوي الكتابة الرّقميّة كتابة تناصّية تمتصّ الفنون والتقنيات وتعيد صياغتها في قوالب جديدة. وهو ما يعمّق سمة التفاعلية الكائنة بين العناصر، إذ تتجاوز تفاعل العلامات وتداخلها لتمسي تفاعلا بين فنون مختلفة وخطابات مضمرة. على أنّه، لا يفوتنا أنّ النصّ كلّما اكتنز غدا أكثر إثارة لسؤال التفكيك والتأويل، وبذلك، تستدعي التفاعلية الداخلية تفاعلية خارجية ترسي علاقة خاصة مع المتقبل. ففيم تتمثل هذه التفاعلية الخارجية؟ وكيف تدعم التفاعلية الداخلية للنصّ الرّقمي؟
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
2-التفاعلية الخارجية:
إنّ تشكيل النصّ الرّقميّ التفاعلي القائم على مجموعة من العلامات المتجاورة المتداخلة يجعل المتقبّل مدعوّا إلى محاورة النصّ والتفاعل معه. ذلك أنّ لكلّ علامة لغوية أو بصرية دلالات تتكثّف حين تندغم بتلك التي تثيرها العلامة المجاورة. فنحن أمام فسيفساء من العلامات المتقاربة المتباعدة المتنافذة، والنصّ مسرح لتفاعل الأشكال والألوان والكلمات. إنّ الأمر شبيه باللّعب بالعلامات، سرعان ما يؤول إلى لعب بالدلالات، يقترب من ضرب من ضروب التنشيط الاستعاري. وكلّما امتدت هذه العملية الاستعارية الرّمزيّة تكثفت دلالات النصّ وتعمّقت آفاق القراءة.( Saemmer,2011, 201)
ويمكن أن نتّخذ الشعر البصري أو المتحرّك مثالا، حيث تلعب التأثيرات البصريّة دورا هاما في صناعة الدلالة فتبدو لا نهائية. إذ كلّما انفتح أفق انغلق آخر وهكذا دواليك. ممّا يؤكد أنّ سمة هذه النصوص الأساسية هي اللّعب الحرّ بالدلالات والتأويلات وحفز القارئ على التفكيك والتفكير والتوليد، فكأنّه صنو الكاتب/المصمّم. الأوّل يشفّر النصّ، والثاني يتولّى مهمّة فكّ الشفرات. لكنّ عمله لا يقلّ أهمية عنه، لأنّه يحتاج إلى انفتاح وسعة اطلاع، وهو مجهود يماثل مجهود المبدع أو يتجاوزه.
ولعلّ طرافة هذه العملية كامنة في أنّ النصوص الرّقميّة تحاور حواسّ الإنسان المختلفة. فتفاعله متعدّد الأبعاد والمستويات، يتجاوز المستوى الوجداني إلى المستويين الحسّي والذهني.( (Diouf et al..2013 فالمتقبّل لا يتفاعل مع الصورة اللّفظيّة فقط بل يتفاعل كذلك مع الصورة البصرية أو الموسيقى المسموعة. إنّ الأدب الرّقميّ إذن هو ذاك الذي يغمر كلّ أحاسيس الإنسان ويخاطب كلّ ملكاته.
ولا يكتسب النصّ الرّقمي جماليّته من مجموع الخطابات المتداخلة التي تشكّل نسيجه فحسب، بل يمكن أن يغتني بتوظيف نظام hypertexte الذي يتألّف من مجموعة من الروابط Liens التي يُدعى المتقبّل
إلى استثمارها. فمن خلال النقر على رابط، ينتقل المستخدم إلى مجموعة من الملفات. فالنصّ الأكبر ينطوي على مجموعة من النصوص الصغرى التي تسهم في تعميق قراءة مبدؤها الانفتاح، والقارئ يتنقّل بينها بحرية، فيثري قراءته الأولى أو يعدّلها. ونصطلح على هذا النموذج بالقراءة التّشعبيّة(كليمون،2016 84).
من أمثلة ذلك أنّ قارئ “بروست” قد يجد في زاوية على اليمين رابطا يشير إلى مفهوم مركزي في كتاباته، فيعود إليه للتدقيق أو قد يجد رابطا يحيله على لقاء تلفزي مع الكاتب، فيستعين به لتعميق معارفه. الأمر الذي يجعل عملية القراءة متشابكة الأبعاد بعيدة الدلالات، تتجاوز ما يُعرض على الشاشة إلى ما يمكن أن يعرض. إنّها متاهة ينفتح عبرها المتقبّل على عوالم متعدّدة.
ليس المتقبّل إذن قارئا منتجا فحسب بل هو كذلك قارئ جوّال مستكشف، لا يتوقّف عند حدود النصّ الذي يُعرض أمامه بل يوسّع دائرة النصوص التي يحاورها. إنّه يتعامل مع شبكة من النصوص المتداخلة. ولا ريب في أنّ عملية القراءة مشروطة بالإلمام ببرمجيات الحاسوب وتقنياته.
إنّ للتفاعل إذن ثلاثة مستويات: تفاعل أوّل يحقّقه المبدع مع نصّه وهو يحاور مجموع علاماته، وتفاعل ثان بين العلامات ذاتها كما بينّا، وتفاعل ثالث بين العلامات ومتقبّلها. الأمر الذي يكثّف عملية القراءة، لأنّ المتقبّل يحاور المستويين السابقين ولا يتعامل مع العلامات مجرّدة من مولّدها.
إنّ ما نبّهنا إليه يدل ّعلى أنّ سمة التّفاعليّة هي أبرز ما يسم النصّ الرّقميّ، إنّها خاصية في العمل ذاته وفي مختلف العلاقات التي ينشئها مع متقبّله. وقد أفرزت تداخلا بين مفهومي القراءة والكتابة، فلم نعد نتحدّث عن جانبين معزولين بل باتا مندغمين متداخلين، يصعب فصل أحدهما عن الآخر. إذ ليست القراءة سوى إعادة كتابة للنصّ. ولعلّ ذلك ما دعا “بيدرو باربوسا” إلى استنباط مصطلح جديد للتعبير عن هذه العلاقة الجديدة، وهو مصطلح الكتاءة
(فويلمان،2016، 205) Ecrilecture/ecrileitura
ولا ريب في أنّه مصطلح يثري الأدب الرّقميّ، ويستوي أبرز مكونّاته الجماليّة، إلا أنّه ينبّهنا كذلك إلى سمة أخرى لا مندوحة من الإشارة إليها. فالتّفاعليّة التي تسم العلاقات بين عناصر العمل وتذكي تفاعل القارئ مع النص، تسهم في إنشاء نصّ يتعالى على الثبات والنمطية. وبالتالي، فانفتاح النصّ ليس انفتاحا على القراءة المستمرّة فحسب، بل انفتاحا مستمرا على أساليب متجدّدة في التعبير وآليات متنوّعة في التّرميز. ففيم يتجلّى ذلك؟
3- الانفتاح على التجريب والتجاوز.
لقد بيّنا أنّ النصّ الرّقمي عماده جملة من البرمجيّات والوسائط التي تشتغل اشتغالا مخصوصا لتنشئ معمارا نصيّا متماسكا. لكنّنا لو أمعنا النظر في تجارب رقمية مختلفة، فلن نجد نموذجا واحدا بل مجموعة من النماذج، فكلّ نصّ رقميّ يشكّل عالمه الخاصّ وأنموذجه الخاصّ.
إنّ ما بيّنا يدلّ على أنّ النصّ الرّقميّ نصّ منفلت غير مستقرّ، يقاوم النمطيّة والثبات والنموذج الواحد الوحيد. إذ لا وجود لنموذج تتمّ محاكاته أو النسج على منواله، بل إنّ النموذج الوحيد هو اللانموذج. ممّا يعني قابليته المستمرّة للتطوّر والانفتاح. إنّه نصّ تجريبي مغامر مقامر بكلّ أسس النصّ الأدبي وثوابته لا يكفّ عن مساءلة أدواته وصيغه. والأمر موصول بتطوّر هذه التقنيات المستعملة والبرمجيات المعتمدة، ممّا يعني أنّ النصّ الرّقميّ يسعى دائما إلى مسايرة هذا التطوّر والأخذ بأسبابه.
إنّ التجارب الإبداعية الرّقميّة تجارب عميقة متنوّعة متجدّدة حيوية لا يمكن استنساخها أو تنميطها أو حتى تصنيفها. فلا ثباتها وميلها المستمر إلى التجريب والتجاوز يجعلها تتعالى على التصنيف التقليدي للأدب، فكل ّنص رقمي يشكّل في حد ذاته جنسا أدبيا أو نوعا أدبيا.
ولا ريب في أنّ مقولة التجريب والتجاوز التي تميّز الإبداع الرّقمي تقرّبه من النماذج الإبداعية ما بعد الحداثية، تلك التي ترفض مفهوم الثبات والمركزية وتميل إلى التقويض المستمر وهدم المسلمات. فكأنّ الكتابة الرّقمية فعل تقويض الأشكال وإعادة بنائها، وفعل تشكيك في مفهوم الأدب المتعارف عليه وإعادة نظر في فنيّات العمل الأدبي وإعادة صياغة لها. بهذا المعنى يحقّ لنا أن نذهب إلى أنّ الإبداع الرّقمي هو الأدقّ تمثيلا لفلسفة ما بعد الحداثة.
هكذا ألمعنا إلى أبرز خصائص النصّ الرّقمي الجماليّة التي تستفاد من سمته التفاعلية، تلك التي تتجاوز مجموع العلامات المؤلفة للخطاب لتنسحب على منتجه ومتقبّله. وهو ما يؤكد أنّه ينشئ جمالية مغايرة لا تمتح من جماليات النصّ الأدبي التقليدي بقدر ما تتجاوزها وتزعزعها. وتبعا لذلك، ترسي تجارب منفتحة على التجريب والمغامرة. وعلى قيمة ما ذكرنا إلا أنّ الأمر ليس يخلو من لبس. فرغم ما يلقاه المتقبّل من متعة في التعامل مع هذه النصوص إلا أنّه يتساءل عن شرعيتها وعن قيمة ما تطرح وعن علاقتها بالأنماط المتداولة، لهذا كثيرا ما اقترن تناول الأدب الرّقمي بإثارة الإشكالات الناشئة عنه، وهو موضوع القسم الثالث من هذا البحث.
ج: إشكالات الأدب الرقمي.
1-تقويض مفهوم الأدب والأدبية.
لعلّ أولى الإشكالات التي تثار عادة عند الحديث عن الأدب الرّقمي تتعلّق أساسا بمفهومي الأدب والأدبية. فقد دأبنا على اعتبار الأدب خطابا قوامه اللّغة، والأدبية مجموع العناصر التي نحكم من خلالها على انتماء النصّ إلى الأدب. وتبعا لذلك، دأبنا على الإذعان إلى جملة من المعايير لتقويم النصوص، وعلى انتهاج جملة من المناهج لمعالجتها، وحرصنا على تصنيف المتون الأدبية إلى أنواع وأجناس حتى تتيسّر عملية مباشرتها.
كذلك دأبنا على وصل النص بالخطاب اللّغوي، فتعريف النصّ الذي تقترحه لسانيات النصّ يحدّده بثلاثة مقوّمات، تتعلّق ببنيته الداخلية وبنيته التواصلية والمقام. أمّا بنيته الداخلية، فتضبطها مجموعة من الشروط كالاتّساق والانسجام والتناص، أمّا بنيته التواصلية، فتتحدّد بالقصد والقبول اللّذين يختزلان عمليّتي الإبداع والتلقي. في حين يحيل المقام على السّياق المرجعي( الحمداوي، 2016، 20، 21)
اتكاء على ما بينّا، ننتبه إلى النصّ الرّقمي منفلت من تعريف الأدب التقليدي لأنّه يوظّف إلى جانب الخطاب اللّغوي خطابا بصريا. وتبعا لذلك، لاينسحب عليه مفهوم النصّ بالمعنى التقليدي، ولا يخضع إلى مفهوم الأدبية المتعارف عليه لأنّ جماليته مشتقّة من عناصر مختلفة. ولمّا كان الأمر على هذا النحو، فإنّه لا يمكن لنا أن نحتكم في تقويمه إلى المعايير التي دأبنا على اعتمادها ولا يمكن أن ندرجه في الأجناس الأدبية السائدة.
إنّ الأدب الرّقمي يمسّ هوية النصّ الأدبي الأصلية ويجازف بالمفاهيم والثوابت التي تمثّل كينونته. لاسيما أنّ تحرير النص الرّقمي من حامله الأصلي (أي الكتاب) ومكانه الأصلي (أي المكتبة) والزجّ به داخل الآلة والقرص المضغوط والشبكة يضعنا أمام إشكال حقيقي. فكيف نتقبّل هذا الشكل الجديد الذي يعارض ما اعتدنا عليه؟ إنّ الأمر متعلّق بحامل هذا النصّ من جهة وبجوهره من جهة أخرى، وهو ما يزيد المسألة تعقيدا واستعصاء.
وقد يذهب البعض إلى أنّ في هذا القول تعسّفا يحول دون تطوير الفنون والأشكال الإبداعية وأنّ عصرنا الراهن الذي تعدّ الآلة لغته، يفرض تطوير فنونه حتى لا تعتبر كلاسيكية جامدة وتكون أوثق صلّة بالمتقبّلين. وقد يذهب البعض إلى أنّ مفهوم النصّ الحديث الذي يعتبره حدثا تواصليا[2] أساسا(بوجراند، 1998) يستوعب الأدب الرّقمي، لاسيما أنّ مختلف الشروط التي تنسحب على النصّ تتوفّر فيه وأنّ الاتّساق والانسجام اللّذين يميزان الملفوظ اللّغوي يمكن أن ينسحبا على مختلف العلاقات التي تنشئها العلامات المتجاورة. وقد يرى البعض الآخر أنّ الارتياب في جمالية هذا الأدب ضرب من ضروب التّجني، لأنّ جماليّته كامنة كما بيّنا في سمته التّفاعلية، أي في تلك العلاقات التي ينشئها مع خارج النصّ لا من تلك التي تنشأ من داخله فقط. ثمّ إنّ الجمع بين الصورة والصوت والحركة يخلق جماليّة لايستهان بها. وتبعا لذلك، يمكن أن نتحدّث عن أدبية ناشئة من السيرورة التي تتبّعها الأشكال المختلفة في جوارها وتناسقها وتفاعلها. على ذلك، فإنّ جمالية الصورة والحركة تطغيان على جمالية اللّغة، فإذا النصّ يقول بجماع التأثيرات التي تحدثها هذه الوسائط المختلفة، وتتراخى في المقابل صورة النصّ اللّغويّة. فهل نتعامل مع نصّ أدبي أم مع حوار بين الفنون والتقنيات الحديثة؟
إنّ التنازع بين خطاب لغوي وآخر بصري لا يفضي إلا إلى خطاب هجين لا يمكن أن نلحقه بالأدب أو بغيره، بل يظلّ خطابا يتردّد بين الخطابات، يجاور الفنون ويفارقها، يتّحد بها ويناقضها. ولمّا كان الخطاب بهذه الصفة، فبم يتسّم مبدعه ومتلقيه؟
2– تقويض صورة المبدع والمتلقي.
لا يمكن أن نتناول النص الأدبي في معزل عن باثّه ومتقبّله. ولمّا كان النصّ الرّقمي يحرّف مفهوم الأدب ويجازف بمفهوم الأدبية المتعارف عليه، فإنّه يتجاوز صورة المبدع النمطية، ذاك الذي يوظّف ملكاته الذهنية وثقافته لإنتاج نصوص إبداعية. فمبدع النصّ الرّقمي لا يحتاج إلا قليلا إلى ذلك، في المقابل، تبدو حاجته إلى الاطلاع على البرمجيات الجديدة وطرق استثمار الوسائط أوكد. فدون هذه المعرفة يتعذر عليه بناء نصه.
تبعا لذلك، نرتد مرة أخرى إلى أنّ هوية النصّ الرّقمي الأساسية هوية بصرية، قاعدتها مجموعة من التقنيات والبرمجيات. ولا ينال الخطاب اللّغوي إلا حيزا ضئيلا. حينئذ، فإنّ صورة المبدع قد تمّ تجاوزها تماما، إذ لم يعد كاتبا بالمعنى الدقيق للكلمة بل أصبح مبرمجا ومولّدا Générateur( الحمداوي،2016، 30). وتزداد المسألة تعقيدا حين يستعين في إنجاز عمله بمجموعة من المبرمجين أو المهندسين، وهو ما يضعنا أمام عدد من المصمّمين، ممّا يمسّ هوية النص الإبداعي في عمقها. فالتجربة الرّقمية تشاركية لاترجع إلى ذات واحدة في إنشائها.
وتبعا إلى أنّ الآلة هي المهيمنة على العملية الإبداعية برمتها، يحقّ لنا أن نعتبرها المبدعة الحقيقية للعمل الفنّي. ومن ثمّ، يتراخى حضور الإنسان ويتعمّق حضور الآلة، وتتعزّز الوظيفة الرّقمية لتتراجع الوظيفة الأدبيّة. فكلّ شيء يرتد إلى الآلة في النهاية.
ولا يقلّ حضور القارئ ارتباكا عن حضور المبدع. فلئن كان الأوّل مولّدا ومصمّما أو ربما مجرد طرف في التّصميم، فإنّ الثاني متصفّح رقمي، مشاهد، سامع، قارئ. إنّ الذوات التي تقدّ القارئ متعدّدة، فمفهوم القارئ التقليدي لا ينسحب عليه، لأنّه يمارس عدة وظائف في الآن ذاته. وتعدّد طبقات النصّ يشتّت عملية التلقّي، إذ يكون مدعوّا إلى تلقّي خطاب مشهدي وآخر لغوي وآخر صوتي، وهو ما من شأنه أن يشتّت عملية القراءة وينتهي إلى تسطيحها وتمييعها. أمّا فهمه للعمل الأدبي وتأويله إيّاه، فلا يمكن أن نجزم بصرامته ودقته، إذ يمكن أن تكون قراءته استهلاكية بسيطة ساذجة. ولا يمكن لنا أن نجزم كذلك بأنّ انفتاح النصّ الرّقمي وسمته التّفاعلية يقترحان مشروع قراءة جادة. ومتى رام القارئ أن يقرأ النصّ الرّقمي قراءة عالمة[3]واجهته صعوبة أخرى متمثلّة في غياب المنهج. فهل سيحاوره بمناهج تطبّق على الخطابات اللّغويّة الصرفة؟
إنّ سؤال المنهج في غاية الأهمية في تقديرنا لأنّه يمكّن القارئ من وسائل دقيقة لاختبار جودة هذه النصوص، وهو ما يمنحها الشرعية. ولعلّ حوار الفنون والتقنيات وانفتاح هذه النصوص يسوّغ التفكير في استثمار السيميائية والتأويلية، لكنّهما لا تحدّان هذه النصوص ولا تستوعبان عوالمها المتداخلة. لهذا تمّ التفكير في مقاربة تراعي ماهو تقني آلي. فكان اقتراح المقاربة الوسائطية التفاعلية. وقد كان “رجيس دوبري” أوّل من اقترح ذلك سنة 1989 في كتابه السلطة الثقافية في فرنسا. وهي نظرية علمية تجمع الثقافة بالتقنية، فتدرس الوسائط المختلفة المتدخّلة في تشكيل العمل وتسعى إلى تفكيك علاماتها الرّمزيّة والسيميائية مفيدة من الفلسفة وعلم التواصل وعلوم الإعلام منفتحة على الثقافيّ بشكل عام. (الحمداوي،2016، 141) فمجالها غير محدود لأنّه يتجاوز أنظمة اشتغال العلامات إلى السياق الذي تنفتح عليه، ويعتمدها أساسا لفهم أنظمة التواصل التي تكرّسها الثقافة خلال فترة زمنية معينة.
يبدو هذا المنهج طريفا ومختلفا إلا أنّه يباين ما استقرّ في أذهاننا عن المناهج النقدية. أمّا أدواته وآلياته، فتبدو غائمة. ناهيك عن تطوّر الوسائط والبرمجيات وانفلات النصّ الرّقمي من التحديد والتنميط، الأمر الذي يجعل هذا المنهج في حاجة إلى تطوير آلياته باستمرار حتى يتسنى له تطويق مثل هذه النصوص. ولا تخلو المسألة في تقديرنا من ضبابية، فضبابية النصوص توازيها ضبابية المناهج المتوسلّة في مقاربتها. وتكون نتيجة ذلك انفلات النصوص من المنهج الصارم الدقيق، ذلك أنّ انفتاحها على قراءة منفتحة ينتهي إلى انفتاح على اللاقراءة بالمعنى العلمي الدقيق.
تأسيسا على ذلك، يتمّ انتهاك حضور القارئ الناقد توازيا مع انتهاك صورة المبدع بحمولتها الإبداعية العميقة، وهو ما يمسّ هوية النصّ الرّقمي الفنيّة. ولعلّ جلّ ما ألمعنا إليه سيظلّ محدودا إن لم نؤيده بالنظر في صورة المبدع والمتلقي من زاوية مغايرة في علاقتهما بهرمية المؤسسة الأدبية التقليدية، وهو مدار نظرنا فيما سيأتي.
3-فوضى النصوص وتفكك التسلسل الهرمي للمؤسسة الأدبية.
لقد بيّنا أن الفضاء الرّقمي منفتح وأنّ النصّ الرقمي منفتح، فالمجال مفتوح لاختبار وسائط متعدّدة وإنتاج نصوص متنوّعة لا تخضع إلى نموذج يشكّل معيارا وخلفية، ولا تحدّها أيّ سلطة، سواء كانت سلطة الفضاء (المكتبة مثلا) أو المؤسسة (الناشر مثلا). فأيّ مبدع قادر على ترويج نصوصه الرّقميّة بحرية. وهنا نرتد إلى صورة المبدع التي كنا أشرنا إليها في العنصر السابق ونتحرى العلاقة التي تنشأ بين الأطراف الثلاثة المشكلّة للعملية الإبداعية إنتاجا وتلقيّا، ونقصد هنا المبدع والمتقبل وبينهما الناشر، الذي يضطلع بوظيفة تقييم العمل وإعداده وترويجه. إذ لا وظيفة للناشر، والعلاقة ثنائية، طرفها الأوّل المبدع وطرفها الثاني المتقبل. أمّا المبدع، فيباشر عملية نشر كتابه بنفسه في ثوان أو دقائق، ويمكن له أن يتواصل مع قرّائه بشكل مباشر دون حاجة إلى أيّ وسيط خارجي(كليمون،2016 ،84). فالفضاء الرّقمي يشكّل أداة إبداع وحاملا وفضاء عرض.Fourmentaux ,2015) ) بذلك يمكن للمبدع أن يستقطب قرّاء من أماكن مختلفة.
أمّا المتلقي، فيحصل على النصّ بدوره بشكل مباشر مجانا دون أن يحتاج إلى أيّ وسيط أو فضاء تقليدي مثل المكتبة أو المعرض، إذ تمنحه الفضاءات الرّقمية ضالّته وتمكّنه من الاطلاع على تجارب مختلفة. إضافة إلى إمكانية التواصل مع المبدع. ومن ثمّ، تمحي كلّ الحدود القائمة بين المبدع والمتلقي(Fourmentaux, 2015)
تبدو العملية ظاهرا طريفة وإيجابية، إلا أنّها مقلقة. والسبب مردود إلى أنّ غياب النشر يعني غياب معايير النشر. فالمبدع يقترح نفسه مبدعا ولا وجود لمؤسسة أدبية تقيّمه أو تقيّم إنتاجه. وهو ما يفسح المجال للدخلاء والمتطفلين. إذ يمكن لأيّ كان أن يدعي أنّه مبدع ويفرض إبداعه على الآخرين، أمّا القرّاء، فرغم أنّنا وسمناهم بالقرّاء الفاعلين الجوّالين، إلا أنّ قراءتهم تقترب من القراءة الاستهلاكية إذا غابت المعايير الواضحة، بل إنّها تسهم في تمييع العملية الإبداعية وتجعل صورتها غائمة في أذهان المتقبّلين، فيذهب في ظنّهم أنّ ما يُعرض على الشاشة يمثّل الأدب الحقيقي وتغيب عنهم الأعمال الأدبيّة الحقيقيّة.
لقد تفكّك التسلسل الهرمي للمؤسسة الأدبيّة واهتزّت العلاقة القائمة بين المبدع والمتلقي، وآل الأمر في كثير من الأحيان إلى عبث من قبل المبدع يوازيه عبث من قبل المتقبّل، ممّا أسهم في تزييف الأدب وتمييع الفنّ وتقريبه من النماذج الاستهلاكية التي لا تطوّر الفن ولا ترتقي بالإنسان، بل تسهم في تكريس اغترابه وضياعه.
وقد يحاججنا البعض بالقول إنّ المؤسسة الأدبية، بمعاييرها الدقيقة المضبوطة، تثبّت الأدب في قوالب جاهزة وتحول أحيانا دون التجريب والتجاوز، ويحدث أن تقصي لاعتبارات إيديولوجية بعض الكتاب، ممّا يمنح النصّ الرّقمي ميزة اختراق الحدود والوصول إلى القارئ. وقد يذهب البعض إلى أنّ القارئ كان واحدا والقراءة كانت مشروعا خاصا بطبقة محدّدة من الناس، أمّا اليوم، فقد وسّع الأدب الرّقمي مجال القراءة ومجال القرّاء، فهو يتوجّه إلى الجميع دون استثناء ويستوعبهم بدرجاتهم المختلفة وينأى عن القراءة النخبوية ويقترح قارئا وسطا. إلا أنّ كلّ ما ذكرنا لا يكفي في تقديرنا لفضّ مختلف الإشكالات الناشئة عنه. إذ يظلّ تقييم مثل هذه النصوص والجزم بفنيّتها محلّ تساؤل ويظلّ القارئ الذي تتّجه إليه لغزا محيّرا.
الخاتمة
لقد حاولنا أن نتوسّع في تناول الأدب الرّقمي، فتبسطنا في تبيان خصوصيّاته الجماليّة وفي الإشارة إلى مختلف الإشكالات التي يثيرها، فوقفنا على سمات جماليّة لافتة تستحق مزيد إنعام نظر، إلا أنّها لا تخلو من لبس مردّه إلى انتهاكها أبرز معايير الأدب وتجاوزها صورة المبدع والمتلقي النمطيتين.
إنّ المسألة قائمة في تقديرنا على جدل عنيف بين نموذج جديد ونموذج قديم. فنحن لا ننفي قيمة ما أنتجته التكنولوجيا من أشكال فنية ووسائط تداولية ولا نغفل إسهامها في إثراء واقعنا، لاسيما أنّها ألغت الحدود بين الفنون مثلما ألغت الحدود بين الرّقمي والأدبي، فإذا بالفنّي والعلمي في جوار وتماه، الواحد منهما يغتني من الآخر ويندغم به ليولّد ما به يسمو الإنسان ويرقى. إلا أنّه من العبث عقد مقارنة بين الأدب بمفهومه العميق المتعارف عليه وبين هذه الإنتاجات الرّقميّة التي لا يمكن لها مهما بلغت أن تضارع ما ألفنا وما اعتدنا على تداوله. فالإبداع الرّقمي لا يمكن أن يكون إلا فرعا أدبيا له جمهوره الخاصّ، ولا يمكن أن نقاربه مقاربة الأدب التقليدي. وهو إلى ذلك، يحتاج إلى إلمام بتقنيات الحاسوب. وتبعا لذلك،، يجذب نوعية محدّدة من القرّاء من جهة وينفر البعض الآخر من جهة أخرى، لاسيما أنّه لم تتهيأ لنا في مجتمعانا المعرفة التامة الدقيقة بهذه البرمجيات. وتظلّ المسألة في تقديرنا جدلية بعسر الحسم فيها أو تقييمها. والأمر مرتهن بمدى عمق هذه التجارب وقدرتها على منافسة الأعمال الأدبية الجليلة.
قائمة المراجع:
المراجع العربية:
الكتب:
جماعي (2016)، الأدب الرقمي، ترجمة، محمّد أسليم، تقديم، زهور كرام، ط1، الرباط، الدار المغربية العربية للنشر والطباعة.
الحمداوي (جميل) (2016)، الأدب الرّقمي بين التنظير والتطبيق، نحو المقاربة الوسائطية، الجزء الأوّل، ط1.
يقطين ( سعيد) ( 2005) من النصّ إلى النصّ المترابط: مدخل إلى جماليّات الإبداع التّفاعلي، ط1، الدار البيضاء، بيروت، المركز الثقافي العربي.
المقالات:
بلمودمو خديجة، الأدب الرّقمي مفاهيم ونماذج أولية، مجلّة علوم الّلغة العربية وآدابها، المجلّد8، العدد 10
asjp.cerist.dz/article/45446تاريخ الزيارة 20/09/2019 الرابط
المراجع الأجنبية:
Saemmer )Alewandra (2011( La littérature numérique entre légitimation et canonisation, culture et musée . persée.fr/doc/pums1766-29232011-num18-1-1635الرابط: .تاريخ الزيارة 20/09/2019
Fourmentraux )Jean Paul) (2015) Quand l’art cultive le numérique, Interfaces numériques , vol4, n3.
Unilim.fr/interfaces-numériques/426. تاريخ الزيارة، 30/09/2019. الرابط
Laurent Diouf (Laurent), Vincent (Anne), Worms (Anne Cecille) (2013) Les arts numériques, cairn info, n 81تاريخ الزيارة 28/09/2019 الرابط
1فرّعها يقطين إلى النوع التوريقي الذي يماثل التوريق الورقي، والنوع الشجري، حيث يدعى المستخدم إلى النقر على الفصل أو العنصر الذي يحتاج إليه، وأخيرا النوع النجمي، حيث ينقر المستخدم على الصور أو الكلمات التي يريد للحصول على معلومات أخرى. أمّا المركّبة فبنيتها تتألّف من عدد من الروابط، وكلّما نقر المستخدم على رابط انفتحت له روابط جديدة.
2 اعتبر روبرت دي بوجراند النص حدثا تواصليا يجب أن تتوفر فيه سبعة معايير هي الاتساق والانسجام والقصد والقبول والإعلام والمقامية والتناص.
21نقصد بالقراءة العالمة القراءة العميقة التي تتجاوز الظاهر إلى الباطن وتفكّك آليات اشتغال النص وتحفر في معانيه وأبعاده وهي قراءة الناقد.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)