الكتابة الرقميّة في الأدب العربي -رواية ظلال العاشق لمحمد سناجلة أنموذجا-

د. كريمة بلخامسة

جامعة عبد الرحمان ميرة بجاية، الجزائر

الملخص

لقد عرف النص الأدبي في العصر الراهن حركة انتقالية نوعية غيّرت المألوف وصنعت الجديد، وذلك عندما استفاد الأدب من التطور التكنولوجي  ومن الثورة التقنية الكبيرة التي شهدها هذا العالم، مع ظهور شبكة الإنترنيت وما أحدثته في عالم الاتصال. وكلما تطوّر الفكر البشري وتطورت آليات تفكيره، تغيّرت أشكال تعبيره، ومن ثَمّ تغيرت إدراكاته للأشياء والحياة والعالم، ويعتبر كل انتقال حضاري بمثابة انتقال في أسئلة الواقع. من هذا المنطلق جاءت فكرة البحث في علاقة النص الرقمي وفعل القراءة وأهميتها في قيام عملية التواصل وإظهار كيفية تجاوب جمهور القراء وهذا النوع الجديد من الأدب، وهل يتفاعل القارئ وميكانيزمات الكتابة الرقمية التي يقدم فيها المؤلف نصا مفتوحا بلا حدود في أحد المواقع على الشبكة ويفسح فيها المجال للمتلقي لمشاركته في بناء العملية الابداعية، وكيف ساهم هذا النص في  إثارة ردود فعل القارئ و بعث الجدال والاختلاف في فهم عمق  النص، وهل يمكن لهذه الكتابة الرقمية أن تصبح بديلا للكتابة الورقية، وهل نعتبر الرقمنة هي المفتاح لضمان الفعل التواصلي في الواقع المعاصر ..أسئلة وأخرى سنحاول الاجابة عنها من خلال اختيار عيّنة من النماذج التطبيقية كرواية” شروق شمس” للأمريكي روبرت أرلانو،ورواية محمد سناجلة “ظلال العاشق” التي نستثمر فيها كيفية تجاوب وتفاعل القراء والنص الرقمي، وبالتالي قيام الفعل التواصلي.

الكلمات المفتاحية: الأدب ، الرقمنة ، الحاسوب ، التواصل ، التلقي.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

مقدمة:

     لقد عرف النص الأدبي في العصر الراهن حركة انتقالية نوعية غيّرت المألوف وصنعت الجديد، وذلك عندما استفاد الأدب من التطور التكنولوجي  ومن الثورة التقنية الكبيرة التي شهدها هذا العالم ، مع ظهور شبكة الإنترنيت وما أحدثته في عالم الاتصال. وكلما تطوّر الفكر البشري وتطورت آليات تفكيره، تغيّرت أشكال تعبيره ، ومن ثَمّ تغيرت إدراكاته للأشياء والحياة والعالم ، ويعتبر كل انتقال حضاري بمثابة انتقال في أسئلة الواقع.

وبهذا انتقل النص الأدبي من مرحلة الورقية والكتابة إلى المرحلة الرقمية ، وأصبح الحاسوب وسيطاً جديداً للإبداع بين المبدع والمتلقي، و احتل موقعاً جوهرياً في العملية الإبداعية ، فهو أداة الإنتاج والتلقي في الوقت نفسه ، وخلق مفاهيم جديدة للتواصل وشروط أخرى للإبداع.

         من هذا المنطلق جاءت فكرة البحث في علاقة النص الرقمي و فعل القراءة و أهميتها في قيام عملية التواصل وإظهار كيفية تجاوب جمهور القراء وهذا النوع الجديد من الأدب ، و هل يتفاعل القارئ و ميكانيزمات الكتابة الرقمية التي يقدم فيها المؤلف نصا مفتوحا بلا حدود في أحد المواقع على الشبكة و يفسح فيها المجال للمتلقي لمشاركته في بناء العملية الابداعية ، وكيف ساهم هذا النص في  إثارة ردود فعل القارئ و بعث الجدال و الاختلاف في فهم عمق  النص، وهل يمكن لهذه الكتابة الرقمية أن تصبح بديلا للكتابة الورقية ، وهل نعتبر الرقمنة هي المفتاح لضمان الفعل التواصلي في الواقع المعاصر ..أسئلة و أخرى سنحاول الاجابة عنها من خلال اختيار عيّنة من النماذج التطبيقية التي نستثمر فيها شبكة التواصل الاجتماعي وكيفية تجاوب وتفاعل القراء والنص الرقمي،وبالتالي قيام الفعل التواصلي.من هنا سنركز في هذا البحث على النقاط التالية:

– التعريف بالأدب الرقمي وإشكالية المصطلح

– أنواع الأدب الرقمي

-التلقي والأدب الرقمي

         لقد أشار “مارك جيمنيز” في هذا الصدد إلى موضوع الفن بأنواعه ، وعلاقته بالتكنولوجيا الحديثة ، وكيفية استفادته من هذه الابتكارات العلمية ، حيث يرى أنّ « تقنيات الاستنساخ الحديثة قد سمحت… بجعل الأعمال الفنية في متناول جميع الناس، ويعتبر ذلك – حسب بنيامين – ظاهرة جديدة سمحت بتحقيق رغبة الجماهير في تملك الشيء في الصورة والنسخة.. وقد سمح لأكبر عدد ممكن من الناس بلوغ فن متحرر من وظيفته الثقافية، ففي الماضي كان الفن خاصاً بالطبقة التي كانت تتمتع بالامتيازات وبالنخبة البورجوازية …» (جمينيز، 2012، صفحة 92).

         هكذا احتل الحاسوب موقعاً جوهرياً في العملية الإبداعية فهو أداة الإنتاج والتلقي في الوقت نفسه، وخلق مفاهيم جديدة للتواصل وشروط أخرى للإبداع. وبالتالي حدث الانتقال في الآداب الإنسانية « من حضارة الورق إلى حضارة التكنولوجيا والإلكترونيات التي أخذت تتغلغل في مختلف جوانب الحياة دون حدّ أو قيد »( (البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، 2006، صفحة 19). وبهذا أفرز عصر العولمة والتكنولوجيا أنواعاً جديدة من النصوص، تختلف في طبيعتها عن النص التقليدي المألوف، ويفرض هذا « الخطاب الرقمي منطقة وأشكال تجليه بعيداً عن الاستبداد الفكري، وغطرسة الورق، إن الأسئلة التي فجرها هذا الخطاب الأنترنيتي، مقلقة ومشاكسة لنمط التفكير السابق نظراً لاكتساح هذا النسيج العنكبوتي  كل المجالات التي يستطيع داخلها ابتلاع كل الأطراف والهوامش، ويتمركز في خطاب دوائر لا يحترم إلا دائرة التلقي » (إدريس، 2011، صفحة 3). وكلما تطور الفكر البشري، وتطورت آليات تفكيره ، تغيّرت أشكال تعبيره، ومن ثَمّ تغيرت رؤيته للحياة والعالم.

الأدب الرقميّ: مفاهيم في طور التشكل

         ظهر النص الرقمي، وحمل معه منظومة اصطلاحية متشعبة ومتنوعة ، وهذا ما أنتج ترجمات متعددة، وتسميات مختلفة؛ كمصطلح النص المتفرع٭(hypertexte) (الخطيب، الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرع، 1996). ويرى المنظرون أنه يتكون من نسقين: النسق السلبي، وهو النص المغلق الذي لا يستطيع القارئ التعديل فيه، حيث يضعه الخبراء لتقديم مادة مضمونية محددة، مثل الموسوعات، وتاريخ الفن. وتتاح للمتلقي حرية التنقل بين شبكة النصوص والوصلات الرابطة بينها، لكن لا يمكنه إحداث التغيير في الجسم الأصلي للنصوص، أو في طريقة تشكيلها، أو الإضافة إليها أو الحذف منها (الخطيب، الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرع، 1996)، وهو بهذا يعتبر نسخة إلكترونية لأخرى ورقية كتابية.

         نشير إلى جانب هذا إلى “النسق الايجابي الذي يمكن  أن تنقل فيه عملية تأليف النصوص نقلة نوعية من التأليف الفردي مع المؤلف، إلى التأليف الجماعي، حيث يمكن للمتلقي التعديل في النص، وإضافة زمر نصية أخرى« وتخرج جماعية النص من نطاق مجموعة المؤلفين إلى نطاق مجموعات المؤلفين ومجموعة القراء المهتمين » (الخطيب، الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرع، 1996، صفحة 90)، إذ يستعان في هذا النوع من النصوص بأشكال خارجية كالصور والخرائط والصوت، كأن يتابع المتلقي نصاً من النصوص وفق قرص (cd rom) ويستطيع سماع النص أثناء متابعته له ، مرفقاً بصور ورسومات توضيحية ، وهذا الجمع بين النصوص المكتوبة والأشكال الأخرى تبقى مرتبطة برغبة المؤلف ، فهو يمتلك السلطة الكاملة على النص ، وتعد الروايات التفاعلية كأحسن مثال لذلك « وهذا النوع من النصوص يسمح للمتلقي/ المستخدم بالتدخل في النص ، بالإضافة أو التعديل ، أو الحذف ، أو غير ذلك ، وغالباً ما يكون التدخل بدعوة من المبدع الذي يظل محايدا ً، ويقدم فصول روايته دورياً ، مستفيداً في كتابتها من تفاعل المتلقين ، ومن تدخلهم في بناء النص » (البريكي، مدخل الى الأدب التفاعلي، 2006، صفحة 25).

         ويتأكد من هنا مبدأ التفاعل الاستراتيجي بين المتلقي والنص ، والمتلقي والكاتب ، ويبين أن دور المتلقي لا يقل أهمية عن دور الكاتب ، وقد اصبح ممكناً أمر « تحيين عناصر الماضي واستحضارها بفضل الإلكترونيك والبرمجة الإعلامية ، ويمكننا القول باختصار شديد إن ذاكرات العقل الإلكتروني قد حلت محل ذاكرتنا…» (جمينيز، 2012، صفحة 97)، حيث اتسع مفهوم النص ليشمل الكلمة والصورة (الثابتة والمتحركة) سواء اتصلت هذه العلامات أو انفصل بعضها عن بعض.

         وهكذا يتشكل غير الخطي الذي لا يجب الالتزام بترتيب ثابت ومحدد أثناء قراءته ، حيث يستطيع قارئه التنقل من فكرة إلى أخرى ، ويتحرك بدون توقف ودون الالتزام بترتيب محدد مسبقاً سطره المؤلف، ودون الاضطرار إلى قراءة أفكار لا يحتاجها دون أن تفرض عليه طريقة محددة في القراءة.

         ويتطور مفهوم “النص المتفرع ” ويظهر مصطلح “النص الشبكي”(cybertexte)، وهو النص المتاهة ، وأول من طرح المصطلح هو “إبسن آريست”(Epsen Aarseth)، وهو نوع من النصوص الصعبة التي تتطلب من القارئ استحضار كل قدراته لقراءة النص بفعالية و« إن مفهوم النص الشبكي يركز على النظام الآلي للنص ، ويحتاج النص إلى مجهود غير بسيط من القارئ المستخدم ليسمح له بالنفاذ إليه ودخول فضاءاته ، وإن الفرق بين النصوص الخطية وغير الخطية مهم جداً في تعريف النص الشبكي بوصفه نصاً مختلفاً ومميزاً عن النصوص المألوفة » (البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، 2006، صفحة 30).

         ينبغي أن نشير هنا إلى أنه لا يمكن تحديد الفروق الدقيقة بين هذا النوع من النصوص الشبكية والنصوص المتفرعة ، واعتبار ميزة الصعوبة كمقياس يميّز النص الشبكي أمراً غير منطقي، بحيث ما يصعب على القارئ قد يسهل على قارئ آخر، وبالتالي يمكن القول إن النص الشبكي لا يختلف عن النص المتفرع.

 الأدب التفاعلي*:

         وهو ذلك النص الذي ينتج عن تقاطع الأدب مع التكنولوجيا الحديثة، ولا يمكن أن يتأتى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني؛ أي من خلال جهاز الحاسوب. ولا يكون هذا الأدب تفاعلياً إلا إذا أُعطي المتلقي مساحة المبدع الأصلي للنص. وقد عرّفه (سعيد يقطين) بأنه مجموع الإبداعات (الأدب من أبرزها) التي تولدت مع توظيف الحاسوب، ولم تكن موجودة قبل ذلك، أو تطورت من أشكال قديمة، ولكنها اتخذت مع الحاسوب صوراً جديدة في الإنتاج والتلقي » (يقطين، 2005، الصفحات 9-10).

         وقد تحددت خصوصيات الأدب التفاعلي مع الباحثة فاطمة البريكي فيما يلي:

– يقدّم (الأدب التفاعلي) نصاً مفتوحاً، نصاً بلا حدود، لكن لا يعني هذا أن العملية عشوائية، حيث يُلقي المبدع بعمله في أحد المواقع على الشبكة.

– إحساس المتلقي بأهميته مع الأدب التفاعلي على الشبكة، ودوره في بناء العملية الإبداعية.

– حرية المتلقي في دخوله عالم النص، إذ يمكن له أن يختار نقطة البدء التي يرغب، حيث إن المبدع يبني نصه على أساس ألا تكون له بداية واحدة ولا نهاية موحدة ، فتعدد المسارات يعني تعدد الخيارات المتاحة أمام المتلقي (البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، 2006، صفحة 53).

         تتعدد، هكذا، صور التفاعل في الأدب التفاعلي، سواء في الرواية أو المسرح أو الشعر في مقابل محدوديتها في الأدب الورقي التقليدي، فالورق لا يسمح بدرجة التفاعلية ٭[1] ذاتها التي يسمح بها الوسيط الإلكتروني.

المتلقي المبدع في الأدب الرقمي:

         لقد أولت نظرية القراءة مع “فولفغانغ أيزر” و”روبرت ياوس” مفهوم القارئ في العملية الإبداعية عناية كبيرة ، واهتم “أيزر” اهتماماً كبيراً بقضية بناء المعنى وطرائق تفسير النص، من خلال اعتقاده أن النص ينطوي على عدد من الفجوات والدلالات، تتفتح على إمكانيات لا نهائية من التأويل. ويعتبر القارئ مشاركاً إستراتيجياً في بناء معنى النص، و أن« عملية الكتابة تشمل عملية القراءة كلازمة جدلية، وهاتان العمليتان المتلازمتان تتطلبان شخصين مختلفين في نشاطهما. فمن جهود الكاتب والقارئ ينتج الشيء الخيالي المجرد المتعلق بالذهن، فالفن لا وجود له إلا من أجل الآخرين ومن خلالهم » (إيسر، 2000، صفحة 116).

         وقد عمل “أيزر” في بحثه “فعل القراءة ” على وضع رسم دقيق لفعل القراءة ، ونشاط القارئ في تجسيد العملية التواصلية، وبيّن دور القارئ الضمني ٭ في قيام النص واكتمال بنائه. لكنه ينبغي أن نشير إلى الخلل الذي سجلناه في النتائج التي حققها هذا الباحث، حيث بقي عمله عبارة عن تجريد لهذه العلاقة التفاعلية التي تجمع الكاتب بالقارئ ، ولم يستطع “أيزر” تجسيد هذه النتائج المتوصل إليها على مستوى النصوص الأدبية ، وغيِّبت النماذج التطبيقية التي تحقق هذه الأفكار التجريدية ، وتظهر فعالية القارئ وحيويته في العملية الإبداعية.

         وقد رأينا من خلال هذا البحث ، ومن الاطلاع على نماذج من الأدب الرقمي أن أحسن مثال لتجسيد مفاهيم نظرية القراءة عند “أيزر” وإظهار إنتاجية القارئ في العمل الإبداعي تظهر في هذا النوع الأدبي الجديد ، وهو ما اتفق على تسميته بالأدب التفاعلي ٭٭ الذي ولد في كنف التكنولوجيا ويصلنا عبر شاشة الحاسوب.

         ولأجل إظهار كيفية احتواء هذا النص الأدبي الإلكتروني وترجمته لآليات نظرية القراءة وإستراتيجيات حضور المتلقي في بناء الفعل التواصلي ، سنعود إلى بعض النماذج التي وظفتها الباحث” فاطمة البريكي” في دراستها للأدب التفاعلي ، حيث ترجمتها من اللغة الإنجليزية ، وسنبيّن كيفية انبناء هذه ألنصوص وكيفية مساهمة المتلقي على شاشة الحاسوب في إتمام كتابتها مع غيره من ألقراء والبحث في الآليات التي يوظفها المبدع من أجل فسح المجال لمختلف المتلقين لتلقي عمله ، والمساهمة في إكمال كتابته ؟

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

القصيدة التفاعلية

         لقد خرج النص الشعري من دائرته التقليدية المعروفة على مستوى الكتابة الورقية ، إلى شكل جديد يظهر على مستوى شبكة الإنترنيت عبر الوسيط الإلكتروني ، وأصبح المبدع يستخدم عدداً من التقنيات التي لا يوفرها النص الورقي ؛ كالاستعانة بالصوت والصورة والأشكال وغير ذلك ، والتي من خلالها يترك المبدع حيّزاً للقارئ للتحرك في فضاء هذا النص بكل حرية ودون قيود ، ويكون ذلك عنصراً مشاركاً فيها ، ومتفاعلاً معها.

         ومن القصائد التفاعلية نذكر قصيدة (in the Garden of recounting) للشاعر كاندل« يمكن تقديم وصف سريع للشاشة الأولى التي سيواجهها المتلقي بمجرد دخوله عالم هذا النص.. من خلال موقع (Drunken Boat) سيجد المتلقي اسم قصيدة (كاندل) موجوداً في أول الشاشة ، وبمجرد النقر عليه تظهر نافذة جديدة ذات مساحة ثانية ، لا يمكن تكبيرها أو تصغيرها ، في الجهة البسرى منها أربع دوائر خضراء مصفوفة بشكل عمودي مكتوب على كل منها كلمة واحدة من الكلمات الأربع التالية وبالترتيب ذاته بخط أسود ثخين. وفي الوقت ذاته يتراءى عنوان القصيدة بشكل ضبابي في ما بين ثنايا سحاب كثيف ، تتساقط منه بشكل عشوائي مجموعة من الحروف ، وتتبعثر في فضاء نافذة النص ، وفي أسفل النافذة وتحت الدائرة الخضراء الأخيرة ، توجد جملة مكتوبة بخط صغير، وبلون رمادي باهت ، تًوَجِّه المتلقي إلى تحريك الفأرة على الدوائر الخضراء ، وبمجرد تنفيذ ألأمر تبدأ بعض الجمل في ألظهور وفي حال تأخر المتلقي في تحريك فأرته على الدوائر الخضر تأخذ هذه الموجهة بالظهور والاختفاء في مكانها لمرات متتابعة في إلحاح عليه بأن يُحرّك الفأرة حتى يدخل عالم النص. وبتحريك الفأرة على الدوائر الخضراء الأولى التي كتبت عليها كلمة (الذكريات) تظهر جملة باللون الأحمر هي: (grow where words) لتشكل مع الكلمة الرئيسية الذكريات (memories)، وبالنزول إلى الدائرة الخضراء التالية والتي كتبت عليها كلمة (تتساقط) تظهر باللون الأحمر (in with story, that swindler who soaks you)…» (البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، 2006، الصفحات 81-83).

         ونلاحظ أن تتابع ظهور هذه الكلمات والجمل لا يمكن قصها أو لصقها ، إذ تظهر بحركة الفأرة وتختفي بحركة أخرى، ولا يمكن الإمساك بها. ويظهر البعد التفاعلي مع القارئ عندما يحرك المتلقي فأرته على النباتات التي لا يظهر دورها إلا بعد الكشف عما تحويه خلفها عندما تبدأ القصيدة في الظهور والانكشاف بحسب المكان الذي يبدأ فيه تحريك الفأرة ، والمكان الذي يتجه إليه. وتتغير نقطة البداية للقصيدة بحسب النقطة التي ينطلق منها المتلقي ، وتختلف من قارئ لآخر.

         ونستنتج من خلال هذه الطريقة التقنية البحتة ، أن المبدع قد أسس بشكل واضح خطوات المتلقي ، وضرورة حضوره على مستوى النص ، فطبيعة انبناء النص بتزاوج الكلمة والصورة ، والخروج عن النموذج المألوف ، وإحداث الغموض في ثنايا الكلمات ، كل هذا يمثل دعوة لإشراك المتلقين في إحداث النص ، ومن هنا « فشعرية الأثر المتحول (وجزئياً شعرية الأثر المفتوح) تؤسس نوعاً من العلاقات بين الفنان وجمهوره واشتغالاً جديداً للإدراك الحسي الجمالي ، وتؤمّن للمنتج الفني مكانة جديدة في المجتمع ، وتقيم في الأخير علاقة غير مسبوقة بين تأمل واستعمال الأثر الفني »( (إيكو، 2001، صفحة 42).

         يتبيّن لنا من خلال هذا النموذج أن هناك تحطيماً كلياً للقواعد الشعرية المعروفة ، للثقافة الأدبية ، وأنّ تقنيات الكتابة الإلكترونية قد فرضت نفسها على المبدع ، وجّهته وجهة أخرى يستثمر فيها كل الإمكانات المتاحة على الشاشة من أجل وضع نصه ، وفي الوقت نفسه فتحت المجال أمام المتلقي للإبداع ، وقراءة النص مثلما يريد عكس المؤلف في الأدب المألوف الذي كان « يحفر اسمه أو ينقشه في واجهة النص… ليس أسهل هنا من ادعاء ملكية النص المكتوب » (محمود، 2000، صفحة 55)، بينما يرسم المبدع على الشبكة الطريق أمام المتلقين لتفعيلهم وتنشيط قدراتهم وتعديل وإضافة ما يمكن ذلك.

ب – الرواية التفاعلية:

         ينكسر النمط الخطي الذي كان سائداً مع الرواية التقليدية الورقية ، وتظهر رواية جديدة يستثمر فيها الروائي على الشبكة الإلكترونية كل الخصائص التقنية التي تربط بين النص والصورة الثابتة والمتحركة ، والأصوات الحية والأشكال الجرافية المتحركة ، والرسومات التوضيحية ، والتوصيل بين القصة ، وكل هذه العناصر ليتشكل ما نسميه بالرواية التفاعلية. ومن الأمثلة على ذلك نذكر رواية “شروق شمس” (Sunshine 69) للروائي الأمريكي “روبرت أرلانو”.

         تحكي هذه الرواية قصة واقعية ، وقعت أحداثها في 6/12/  1969، مات فيها أربعة أشخاص في حفلة موسيقية. وبعد أكثر من ثلاثين سنة ، لا تزال جريمة القتل ترنّ كنهاية رمزية للستينات ، وهذا العمل بمثابة آلة زمن تصل الحاضر بالماضي. ويدعو المبدع ، من خلال هذا العمل الإلكتروني ، القراء لإضافة مغامراتهم الافتراضية إلى بنية النص الروائي ، وذلك بقوله :« لا تنس لإضافة مغامراتك إلى سجل ضيوف رواية 69 ، هذه فرصتك لتغيير الماضي ».

         ويعمد الكاتب ، من خلال ما يصله من المتلقين من مساهمات ، إلى نشر في كل شهر فصول جديدة تضم مساهمات المتلقين من متن الرواية ، ودون أن يفصل بين ما يكتبه هو وما كتبه المتلقون. وبذلك تمتد عملية الخلق النصي ، وتنفتح الرواية للتوسع. يقول (روبرت أرلانو):« عندما بدأت بكتابة الرواية كان يوجد القليل من المتلقين المتفاعلين الذين يستعملون الوصلات ويذيلون الرواية باقتراحاتهم ، وبعد مضي خمس سنوات من تاريخ نشرها اصبحت أستقبل آلاف المساهمات في الأسبوع » (سناجلة، 2016).

 قراءة في رواية ظلال العاشق:

    يمكن أن نشير الى آخر انتاجات محمد سناجلة في آخر رواياته في عام 2016 و الموسومة ب “ظلال ألعاشق و تشتغل على برنامج فلاش ماكروميديا(Macro média Flash)، وهو من البرامج المتميّزة جدا في مجلات التصميم الحركي والتصميم ألإعلاني فهو يعمل على أساس الرّسوم المتجهة أو المنحنيات، بحيث يستطيع إنشاء الرسوم المتحركة المتميّزة المتخصصة،لقد أصبح هذا البرنامج قادرا على إنشاء مواقع أنترنيت كاملة تتضمّن الصّور والرّسوم المتحركة والتأثيرات الصّوتية المختلفة .

 كما تعتمد الرواية على فنون الرسم والموسيقى والصور ، واستخدام تقنية النص المترابط ( الهايبرتيكست) في بنيتها، وتعمد إلى الروابط المتشعبة  بالإضافة إلى مؤثرات الملتيميديا (السمّعية،البصرية ،الحركية) فهي أحادية المؤلف وهو الوحيد الذي له القدرة على تحديد مسارات روايته،وهي تحتوي على أكثر من رابط، فقد ربط بين التقنيات التكنولوجية الحديثة بما فيها الحاسوب و الفضاء الشبكي و الأدب.

فقد وظّف الكاتب في روايته المشاهد الواقعية ، حيث صوّر الحرب السورية و مشاهد مقتبسة من أفلام سنيمائية ، كما عمد الى توظيف الرسوم المتجهة (الأشكال و الخطوط و المضلعات)و الحركة في الأحداث و التغير في الشكل ، و اللون و كذا استخدام تعليمات برمجية ووظّف تقنية التناص و استثمر الكتب السماوية الدينية كالقرآن الكريم  في قوله:”قلت:أسمع ماذا؟قال فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب عظيم”( محمد سناجلة رواية ظلال العاشق)وهي آية من سورة الدخان 10،11، وربط الرواية بالشبكة العنكبوتية التي تعتبر الوسيط الذي يتم به تشغيل النص الروائي ، و الذي يحوّله الى ملف حاسوبي محمّل و لا ينتهي دور الفضاء الشبكي عند هذا الحدّ بل هو ضروري لإحداث التفاعل بين القارئ الافتراضي و الرواية الرقمية.

   استعمل الكاتب سناجلة تقنية النص الفيلمي في ضوء النص التفاعلي في رواية “ظلال العاشق”، حيث يظهر العنوان في صورة من خلال عبارة كتبت باللون الأحمر و تقطر منها قطرات من الدماء ، وهي تحيل الى التاريخ الدموي ، بالإضافة الى ظهور عبارة ” رواية واقعية رقمية” التي تهدف الى تحرر القارئ من الأشكال التقليدية التي ألفها في الرواية العادية،و يصاحب العنوان موسيقى حزينة ونسيج من الصور المتحرّكة أدخلته في نظام الفيديو .

و قد جاءت الرواية على شكل روابط يتناقل القارئ الافتراضي فيما بينها  هي كالآتي:

-نص “عتيق الرب”ينتقل إلى نص كموش في زمن الشجر من خلال رب الأرباب كموش المتعالي و هو يصارع التنين لوتان ذا الرؤوس السبعة.

-نص “كموش في زمن الشجر” يعود على النص الرئيسي بالنقر على الرابط” شعرت بأني إله ذاتي

-نص كموش في زمن الشجر” ينتقل على نص كموش في زمن العماء” من خلال الرابط عالم من عماء.

-نص كموش من زمن العماء ينتقل إلى نص كموش في حزنه ووحدته من خلال الرابط نسيت دهرا تلاه دهر و دهر في وحدة شاملة.

نص كموش في زمن العماء يعود على النص الرئيسي ” عتيق الرب” من خلال النقر على الرابط التالي: أتجعل فيها من يفسد و يسفك الدّماء”.

   بالاضافة الى توظيف روابط متفرعة تشعبية داخلية ساهمت في اعطاء لمسة تقنية حديثة من شأنها أن تضع القارئ في الطريق الصحيح من خلال عبارات ينقر عليها لتظهر على شكل صور وفيديوهات.كما لخص الكاتب مسار الأحداث الروائية لظلال العاشق في شكل خريطة تسهل على فعل التواصل مع القارئ الافتراضي وتفتح قنوات التفاعل، ووظف اللغة الاستعارية الترميزية (الاستعارات، المجاز، الكنايات..) وهذا ما يفتح المجال لإشراك القارئ في النص والعمل على تفكيك شفراته والدخول الى عالم الخيال من أجل الوصول الى الحقيقة وهذا ما يعطي الحيوية و التفعيل لفعل التواصل.

  وقد تميّزت اللغة التي استعملها المبدع محمد سناجلة في روايته الواقعية الرقمية بالاستعارية والمجازية  والرمزية في السرد التي تحتاج من المتلقي التفكير والبحث من أجل فك هذه الشفرات والرموز.

     وذهبت الناقدة المغربية زهور كرام عن رأيها حول نص هذه الرواية “يمنح محمد سناجلة للمشهد العربي مع “ظلال العاشق” تجربة ابداعية جديدة ، ستعمل على تعميق النقاش حول مفهوم الأدب الرقمي، كما ستطور القراءة الرقمية، و تدعّم فكرة التأليف الجماعي ، و تشجع الكاتب على المغامرة في هذا الشكل التعبيري الرقمي و الإبداع من أجل خلق تراكم نصي رقمي يسمح بإنتاج وعي بطبيعة خطاب الابداع الرقمي العربي”

        يتبيّن لنا من هذه الرواية ، وغيرها كيف يشدّ المبدع الربط مع قارئه ، وفي الوقت نفسه يفتح آفاق نصه. ومثلما رأينا « فالآثار المفتوحة والمتحولة تتميز بالدعوة إلى إنتاج الأثر مع المؤلف… وتبقى مفتوحة على توليد دائم لعلاقات داخلية يجب منا اكتشافها » (إيكو، 2001، صفحة 40). وبهذا فالأدب االرقمي هو النموذج الأمثل لتفعيل علاقة المتلقي بالنص والمبدع ، وقد تبيّن لنا كيف يتحرك النص وينتج على شاشة الحاسوب مع تحرك المتلقين وتنقلاتهم في كل الاتجاهات وتعديلاتهم المتعددة ، و« نتيجة لطبيعة تشكل النص الرقمي ، فإن قراءته تستلزم امتلاك نفس آليات الثقافة الرقمية ، وهذا يفترض على القارئ أن يمتلك هو الآخر – شأنه شأن المؤلف الرقمي – نفس إمكانات الثقافة الرقمية ، مما يعني أن منتج النص الرقمي ومتلقيه يستعملان نفس التقنيات الرقمية..». وكل هذا يفتح المجال أمام أسس وآليات نظرية القراءة تتحقق على الواقع ، وتتحقق أفكار “أيزر” على مستوى النص الرقمي.

المصادر والمراجع:

إبراهيم محمود. (2000). صدع النص وارتحالات المعنى . حلب سوريا: مركز الإنماء الحضاري.

أمبرطو إيكو. (2001). الأثر المفتوح. (عبد الرحمان بوعلي، المترجمون) سوريا: دار الحوار.

حسام الخطيب. (1996). الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرع. دمشق: المكتب العربي لتنسيق الترجمة.

سعيد يقطين. (2005). من النص الى النص المترابط، مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي. المغرب: المركز الثقافي العربي.

عبد النور إدريس. (2011). الثقافة الرقمية من تجليات الفجوة الرقمية إلى الأدبية الإليكترونية. المغرب: دفاتر الاختلاف.

فاطمة البريكي. (2006). مدخل الى الأدب التفاعلي. المغرب: المركز الثقافي العربي.

فاطمة البريكي. (2006). مدخل إلى الأدب التفاعلي. المغرب: المركز الثقافي العربي.

فولفجانج إيسر. (2000). فعل القراءة. (عبد الوهاب علوب، المترجمون) القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.

مارك جمينيز. (2012). الجمالية العاصرة، الاتجاهات و الرهانات. (كمال بومنير، المترجمون) المغرب: دار الأمان.

محمد سناجلة. (2016). ظلال العاشق(التاريخ السري لكموش). الأردن: مؤسسة محمد سناجلة للتصميم الاليكترونيwww.Nisaba.net/3y studies3/heper.htm.

[1] ٭- تحتل لفظة التفاعلية (Interactivity) موقعاً مهماً في الثقافة الغربية الورقية والإلكترونية، وترى الباحثة فاطمة البريكي أنها لفظة ومصطلح مغيّب في مصادر الثقافة العربية. وما يرد في استخدامها يرتبط بالدراسات النقدية المعاصرة، خصوصاً في أوساط المهتمين بجماليات التلقي. وترجع أسباب غيابها في الاستعمال العربي إلى انعدام الحضور العربي على الشبكة، ولا يزال المبدع مرتبطاً بالصورة الورقية التقليدية، بينما أصبحت “التفاعالية” عند الغرب مصطلحاً دارجاً يستخدم بكثرة ودون اضطراب. وقد ذهب عدد من العلماء إلى أن هذه اللفظة لا تعني القدرة على التجوال في العالم الافتراضي وحسب، بل تعني قوة المتلقي وقدرته في إحداث التغيير وتشكيل النص من جديد، وبالتالي مشاركة المبدع في الكتابة.

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)