الاعتراف في الشعر العباسي من البوح الذاتي الى الوعي الثقافي

د. زينب حمزة جبر كاظم،

قسم اللغة العربية، كلية الاداب، جامعة بابل، العراق

الملخص                                                      

تعد قضية الاعتراف من القضايا النقدية النادرة والمهمة في الادب العربي, فالذات الشاعرة ما تزال محور الفكرة الرئيسية التي تنطلق منها الموضوعات النقدية ومن هنا يأتي تعريف الاعتراف على انه ممارسة ثقافية تتجلى في النصوص الشعرية إذ لا يقتصر الاعتراف على بعده النفسي فقط بل يتعدى ذلك الى البعد الاجتماعي والفلسفي والثقافي، بل هو انعكاس لجدلية القوة والهوية في المجتمع باعتباره أداة لإعادة انتاج الذات او السلطة من خلال اشكال الصراع واليات العناية بها في ظل الفضاء الثقافي، وقد اتخذ الاعتراف من الشعر العباسي ميدانا للتطبيق له؛ وذلك لما يملكه الادب ولا سيما الشعر من حساسية عالية للتفاعلات والتغييرات الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية ومنها ما يدخل ضمن المحور الديني أيضا ، وهنا تأتي اشكال الاعتراف في الشعر العباسي  لتبيّن مدى قدرة النص الادبي على التفاعل والاستجابة مع مختلف التغييرات التي تجد في الادب المصدر والمنبع الثري الذي تؤسس عليه بناءها ورؤيتها ثم ترجع اليه لتختبر فيه صلاحية هذا البناء، وقد انطلق البحث من فرضية ان الاعتراف ليس عملية حيادية وانما مشحون بقوى الصراع والمقاومة إذ يسعى الفرد الى اثبات وجوده أمام الاخر عبر استراتيجيات تبدأ من الغريزة والانانية الى القيم والأخلاق التي يتمسك بها الفرد وهنا تكمن أهمية الاعتراف في البحث اذ نحاول الربط بين الاعتراف كفعل ثقافي وبين النصوص التي تجسده فالشعر في كثير من الأحيان لا يعبر عن الاعتراف الفردي فقط وانما يعبر عن اعتراف جماعي وهو ما يسمح لنا باكتشاف البعد الخفي وراء العلاقات الإنسانية.

الكلمات المفتاحيّة: الاعتراف، اللاهوت والفلسفة، الشعر العباسي، الاعتراف الثقافي.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

التمهيد: الاعتراف بين الدين والفلسفة

     تقتضي تمثيل معاني الاعتراف وتجسيد مدلولاتها من خلال الرجوع إلى بعض التفاسير والمعاجم وتلمس معانيها واصطلاحاتها، فقد جاء الاعتراف في القرآن الكريم بمعنى الإقرار كما في قوله تعالى ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أمتّنَا اثْنَتَيْنِ وأحْييتنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَل إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾(1)، أي الإقرار بما عملوا من الذنوب في الدنيا(2)، في حين نجد أن الاعتراف عند الخليل بن أحمد الفراهيدي هو الإقرار بالذنب والذل والمهانة والرضى به(3).

     أما أبو هلال العسكري فقد فرق بين الإقرار والاعتراف، فالإقرار هو “التكلم بالحق، اللازم على النفس، مع توطين النفس على الانقياد والاذعان”(4) أما الاعتراف هو” التكلم بذلك وإن لم يكن معه توطين، أو أن الاعتراف هو ما كان باللسان والاقرار قد يكون به، وبغيره؛ بل بالقرائن، كما في حق الاخرس”(5).

      أما اصطلاحا فنجد مفهوم الاعتراف يحظى باهتمام بعض الفلاسفة والأدباء من مختلف الطوائف سواء أكانت دينية المتمثلة في مرجعية القران الكريم أم  فلسفية المتمثلة في تعريفات بعض الفلاسفة الذين تناولوه من عدة أوجه مختلفة والذين عمدوا إلى شرحه وتفصيله ووضعوا له قوانين يسيرون عليها؛ وذلك انطلاقا من نظرة كل واحد منهم وهذا ما يجعلنا نقف عند عدد منهم لكي نلتمس الفرق فيما بينهم وفي هذا الصدد نلحظ اهتمام العلماء في هذا المصطلح وتوضيحه من وجهة نظر القديس اوغسطين الذي خلط بين مفهوم الإقرار في القران الكريم وهو الاعتراف بالخطأ والذنب  وما بين الافضاء والتعبير ما في مكنونات القلب وهو ما عبّر عنه بقوله بأنه ” البحث معا، بقلب واحد، لكي نعرف أنفسنا ونعرف الله وعلى هذا النحو فأول من يسعد بوجود الحقيقة يقود اليها الاخرين دون عناء”(6)، ومن هنا نلحظ أن الاعتراف هو منبع ذاتي من ذات الانسان.

وقد وصف بعض الفلاسفة الاعتراف بعجلة الحظ وذلك بقولهم:” أتريد حقا أن توقف دولاب الحظ عن الدوران؟ ألا تعلم يا أشد الفانين حمقا إن الحظ إذا بدأ في التوقف لا يعود حظا؟! بيد مسيطرة يدير الحظ دولاب التقلبات”(7).

      كما نجد هذا المفهوم متجسدا عند أحد الفلاسفة المشهورين وهو روسو فقد جاءت اعترافاته متجسدة في صورة إنسانية وهي تمثل الوجهة الحديثة للاعتراف وأهم ما يميز هذه الاعترافات أنها جعلت من التاريخ مفسرا للفرد ولا سيما العودة إلى مرحلة طفولته كما أظهرت الجانب الاستبطاني المعرفي من الإنسان المعترف(8) به واضافة إلى روسو نجد أصحاب الفلسفة الوجودية يستعملون مصطلح الاعتراف كغيرهم محاولين بذلك تبين معناه وهذا ما نجده في كتاب الحلم والواقع بأنَّ الاعتراف ليس تسجيلا لأمور قد ارتكبت أم لم ترتكب “بل باعتبارها قصة رحلة روحية للبحث عن الحقيقة “(9)، فهي تمثل بداية جديدة في حياة الإنسان وليس العودة إلى الماضي السحيق الذي أشار اليه روسو سابقا.

     فكل شخص يريد من المقابل أن يقدر قيمته وأن يقدره بالطريقة نفسها التي يضعها لنفسه وعند كل علامة ازدراء أو تقليل من قيمته يجتهد بطبيعته ويحاول أن يستحوذ على أكبر تقدير ممكن وهكذا فإننا نجد في طبيعة الإنسان ثلاثة أسباب رئيسية للصراع هي المنافسة، عدم الثقة، المجد(10) الذي يسعى كل إنسان بطريقته في الحصول عليه، ويصل اكتمال المفهوم الكامل للاعترف عند العالم الاجتماعي (أكسل هونيث) إذ يرى إن عملية تكوين الذات تخضع للتفاعل الاجتماعي إذ لا يتم تحقيق الاعتراف إلا بوجود ذاتين متبادلتين التي تتم بين الفرد والمجتمع وهو ما يكسب الفرد وعيه بذاته وكيفية تحقيقها(11)، فيخلص هونيث إلى فكرة مفادها أن الاعتراف يقوم على ثلاثة مفاهيم رئيسية وهي:

أولا: الحب: إذ يأتي في مقدمة أشكال الاعتراف التي نادى بها والتي تتمثل في جملة من العلاقات الاجتماعية التفاعلية بين الذات والأخر أو علاقة تبادلية بين ذاتين متقابلتين متعادلتين على وفق مبدأ الاعتراف وهذا ما أكده أكسل هونيث بقوله إن  الحب لا يشتمل على جل العلاقات الأولية على مستوى العلاقات المثيرة وعلاقات الصداقة أو العائلة التي تتضمن أواصر قوية بين عدد محدود من الأشخاص(12).

ثانيا: القانون: وهو الذي يضمن حقوق الأفراد واستقلالهم الذاتي؛ لأن الفرد يتقاسم مع الاخرين مميزات التفاعل الأخلاقي ولذا فإن هذا النمط من الاعتراف يحيلنا الربط المجتمع بالسلطة عن طريق القانون الذي يضمن حقوق الأفراد قاطبة(13).

 ثالثا: التضامن: يسمح مبدأ التضامن الاجتماعي للأفراد بتحقيق ذواتهم من خلال علاقات الاعتراف المتبادل بين الأفراد (14)، إذ أن الأفراد يحصلون على الاعتراف الاجتماعي عن طريق ما يقدمونه للمجتمع وما يحصلون عليه منه .

     فكلما نال الفرد اعترافاً في هذه المستويات الثلاثة التي طرحها هونيث تشكلت لديه هوية إيجابية متوازنة قائمة على الثقة واحترام الذات في حين إذا حرم منها تظهر ازمة الهوية كفقدان الثقة والاهانة والتهميش والانكار، أي أن الاعتراف ليس مجرد مهمة مادية بل هو شرط أساسي لتشكيل الهوية الفردية، فهونيث هنا انطلق في خلفيته الفلسفية على طروحات هيغل(15)، لكنه طوّر الفكرة ووضعها في قالب اجتماعي أخلاقي فالإنسان عنده لا يكوّن هويته في عزلة عن المجتمع وانما يكوّنها عبر علاقات متبادلة من الاعتراف داخل المجتمع.

       ومن هنا قام هونيث ببناء هذه النظرية والتي هي في غاية الأهمية بما أنها مطلب أخلاقي على ما يحدث في العالم لكنه تجاوز كل الفلسفات التي وضعت قبلها والتي قامت على صراعات فردية أو اجتماعية لأجل تحقيق مصالح ومنافع اقتصادية وبالرغم من أن هونيث قد ناقش مفهوم الاعتراف في العديد من الدراسات إلا أنَّه يعود لمناقشته كلما ربطه بمسألة من المسائل الراهنة(16) وخصوصا مفهوم الوعي بالذات والأخر تقع ضمن إشكالية مهمة تطرح عبر مفهوم الاستذكار الزمني الذي يطرح حدود العلاقة بين الذات والأخر والتي بدورها تقوم بتغذية الاختلافات من حيث هي رغبة في تثبيت هذه الاختلافات عبر اثبات الذات وإعلان حقها في نيل الاعتراف، فالوعي هنا هو وعي متبادل بوجود وعي اخر يعترف بوجوده أو يلغيه ومن هنا نلاحظ إن مفهوم الاعتراف عند هونيث قد ارتبط بمفهوم الهوية وبالتالي فهي ليست مشروعا جوهريا ثابتا وإنما تشكلت عبر صراع مستمر من اجل الاعتراف.

     وإذا أردنا أن نحقق الاعتراف الذاتي للفرد لا بدّ لنا من الانطلاق من ثلاث مسلمات رئيسية والتي تعتبر جزءا من مضادات الاعتراف التي تقوم على مظاهر الاحتقار الاجتماعي للذات وتهميشها وهي:

1-العنف الجسدي: يمثل شكلاً من أشكال سوء المعاملة التي تحرم الفرد في التصرف الحر بجسده، إذ أن السيطرة على جسد ما بقصد الاستهزاء والتهميش تمثل جانبا من المساس بكرامة الانسان وفقدان الثقة مما تتسبب في انهيار ذاتي مأساوي يسببه الشعور بالنقص(17).

2-فقدان الحقوق التي تتمثل بأبسط الاحتياجات الشخصية التي بتوقع المرء الحصول عليها ويتوقع تحقيقها عن طريق الحقوق المشروعة(18).

3-الاحتقار الاجتماعي الذي يتمثل بعدم الاحترام وهو نوع أخر من الإهانة التي يتعرض لها المرء وهي ما تسمى بالحكم السلبي عليه من قبل المجتمع أو بعض الأفراد(19).

المبحث الأول: الاعتراف بوصفه بوحا ذاتيا

     إنّ نظرية الاعتراف تقوم على فكرة مركزية هي الاعتراف المتبادل بين الأفراد، ولهذا ميز هونيث بين ثلاثة أشكال منه لتكون متناسبة مع الذات الإنسانية من أجل تحقيق المنفعة المتبادلة بين الأفراد(20)؛ لأنَّ الذات تولد من خلال علاقاتها المتعددة بوجوه مختلفة ومتغيرة ثم تولد الذات بالانطواء والانثناء(21) و يتمثل الحب أحد أشكال الاعتراف فلم يقتصر الحب على الذات فقط، وإنّما امتزج مع ذوات أخرى كونه ينشأ في بيئة اجتماعية مختلفة تربط ما بين الذوات على أساس المنافع الاجتماعية وفي الشعر العباسي تتصدر علاقات الحب في الاشعار الغزلية المرتبة الأولى لتأخذ عدة منحنيات منها قول أبو فراس الحمداني وهو يقاسي مرارة السجن، يقول(22):

أراكَ عصيّ الدمع شيمتك الصبر          أما للهوى نهي عليكَ ولا أمرُ

بلــــــــى، أنا مشتاق وعندي لـــــوعة        ولـــــــكن مثلــــــي لا يذاع له سرُّ

     تنطلق الابيات الشعرية من اعتراف نفسي غير مباشر وهو إقرار الشاعر بالحب واللوعة، ولكن هذا الإقرار لا يبلغ حد البوح بل يتوقف عند نقطة معينة تغلب على سلطة القلب وهي سلطة العقل والمكانة الاجتماعية، فالاعتراف هنا موجه نحو المخاطب وهو ابن عمه اكثر مما هو موجه نحو المرأة التي يشتاق اليها فالشاعر هنا يشتاق إلى مجلس الخلافة ومكانه الذي اعتاد الجلوس عليه مما يخلق توترا بين الرغبة والكتمان وذلك عبر اختياره لمفردة (عصي الدمع) إذ أن العصيان هو قمة النهي؛ لذلك لا بدَّ من اعتراف غير مباشر دون السماح له بكشف ضعفه وهذا الاعتراف ليس سمة شعورية فقط وانما هي سمة الحاكم الذي لا تحكمه العواطف بل هو من يتحكم بها وهذا يدل على موقفه الأخلاقي والاجتماعي الذي يأبى البكاء ويعصي حتى الدموع من النزول واظهار الانكسار مما يرسم اسمى الصور وأقواها.

فالشاعر هنا يحمل صراعا نفسيا كبيرا ما بين ذاته المشتاقة وما بين ذكرياته التي يحاول كبتها عن طريق الذاكرة والتي تحيله إلى ” الذاكرة المعطوبة وإلى اليات الكبت التي تحجب ما أصابها من الالام وصدمات”(23)، في الوقت نفسه فجاء بلفظ الهوى والاشتياق واللوعة التي تحمل دلالة الألم التي يحاول كتمانها في نفسه عن طريق الاعتراف لأن الحل لمشكلة النسيان يكمن في التعبير(24)، عن مشاعره وأحاسيسه ليطفئ الشوق الحارق فيتحول الحزن هنا إلى شكل من اشكال الاعتراف.

     وتتأسس العلاقة بين الذات والأخر من خلال فعل اعتراف الذات بوجود الأخر والتقرب منه وذلك من خلال بعض النماذج التي ابتكرها الشعراء في العصر العباسي وعدوها فعلا مهمّاً في حياتهم ولا يمكن أن يعيشوا من دونها، كما في حديث العباس بن الاحنف مع محبوبته التي أمامه، يقول(25):

أبكي إذا سَخطتْ حتى إذا رَضيتْ                بكيتُ عند الرضا من خشية الغضبِ

أتوبُ من سُخطها خوفاً إذا سخطتْ             فــــإنْ سخطتُ تمادتْ ثـــم لـــم تتــــبِ

فالحزنُ إن سخطت والخوفُ إن رضيتْ           أنْ لا يتمَّ الرِّضا فالقلب في تعبِ

     لقد ورد الاعتراف بالحب عند الشاعر في الأبيات الشعرية بصورة مباشرة؛ وذلك عن طريق استعمال الالفاظ الصريحة (أبكي، بكيت، أتوب، الخوف…) وبالرغم من الاعتراف بالحب إلا أن الشاعر يشعر بالقلق من الخوف مما يلي هذا الحب وذلك عن طريق المفارقة في الكلمات الشعرية مما يعمق الدلالة الفكرية والمعنوية من خلال مجاراة المحبوبة فيما تفعله.

    ولم يكتف الشعراء بشرح تجربة الحب للأعتراف فيما يعيشونه أو يقاسونه نتيجة البعد والقرب بل تحدثوا عن كتمان الاسرار فيما بينهم وحرص الشاعر على شرف محبوبته، من ذلك قول الحسين بن مطير الاسدي(26):

أحبكِ يا سلمى على غير ريبةٍ           ولا بأسَ في حبٍّ تعفُّ سرائره

وكنتُ إذا استودعتُ سراً طويته          بحفظ إذا ما ضيّع السِّرَّ ناشره

وأني لأرعى بالمغيبة صاحبي            حياءً كما أرعاهُ حين أُحاضره

ويا عاذلي لولا نفاسةُ حبَّها              عليكَ لمــا بــاليتَ أنّك خـــابره

     لقد بدأَ الاعتراف بالحب عند الشاعر واضحا، مما جعله يتسم بسمو المحبة الروحي الذي أراد ان يوصله إلى محبوبته وهو حب متعلق بالإخلاص ويتسم بالصدق، وإذا ما رجعنا إلى موضوعة الحب في المخيال البشري نجد أنَّ “المحبة تنتمي إلى نظام يسمو على نظام الأجساد والأرواح معا”(27) وهو اعتراف مكفول بتجربة الحب عند الشاعر التي حاول أن يصنعها من خلال لقائه مع محبوبته وصون هذا الحب من الذيوع أمام العامة.

     ونجد نسق الاعتراف بالألم والفقدان الذي يستدعيه الشاعر في رثاء أُمّه متخذا من ألمه مرآة عاكسة لما في قلبه، وقد تجلى ذلك في قول الشريف الرضي(28):

أبكيكِ لو نقعَ الغليلَ بكائي            وأقولُ لو ذهبَ المقالُ بدائي

وأعوذُ بالصبر الجميل تعزّياً           لو كان بالصبر الجميلِ عزائي

طورا تكاثرني الدموعُ، وتارةً            آوي إلى أُكرومتي وحيائــــي

      إن بنية الاعتراف تنبثق من حادثة مؤلمة ورؤية قلبية تفصح عما في داخل الشاعر وتوحي بصور شعرية مؤلمة ما بين الماضي والحاضر؛ وذلك عن طريق الربط بين الذاكرة والاعتراف لأننا ” لا نملك مورداً آخراً فيما يخص الإحالة إلى الماضي سوى الذاكرة عينها”(29) وذلك عن طريق بكاء الشاعر لفقدانه والدته ويجلد نفسه بالصبر داعيا إلى كبح حزنه، فالاعتراف لا ينفصل عن الذاكرة كونه عنصرا أساسيا في تكوين الهوية الذاتية للفرد؛ لأنّه يعبر ” عن الانسان القادر والمستطيع على التذكر وعلى النسيان والصفح والعطاء وتعبيرا جليا وواضحا “(30) عن الذات، أمّا ذكر الأمُّ عند أبي العلاء المعري مرتبطا في ذاته وهذا ما أكده بقوله(31):

سَمِعتُ نعيَّها! صمَّا صَمَامِ           وإنْ قـــال العواذلُ لا همامِ

وأمتَّني إلى الأجــداث أُمٌّ             يَعِزُّ علـــيَّ أن سارتْ أمامي

وأكبر أن يُرثِّيها لسانـــــي            بلــــفظٍ سالك طـــرقَ الطَّعـــام

      تتجسد نظرة المعري من خلال رؤيته الفلسفية للحياة والمرأة بشكل عام وللأم بشكل خاص إذ انطلق من بؤرة مركزية معينة تعبر عن الفقدان والحرمان المتمثل بالأم، فيعترف المعري بوجود أُمَّه سببا رئيسيا في حياته وإن فقدانها سبَّب له ألما هزَّ كيانه ووجوده وقد مثله بقوله (وأمتني إلى الأجداث أم) فتحول البعد الأمومي إلى فراغٍ وجودي عميق، فالشاعر هنا يعيش اغترابا وجوديا نابعا من فقدان الحب، والاغتراب الاجتماعي الذي أبعدته عزلته عن المجتمع ليتحول حزنه إلى تأمل فلسفي في معنى الذات والموت، ولأبن الرومي تجربة خاصة في الاعتراف بالألم واليأس؛ بسبب فقدان زوجته وابنه، فقد رثاهما في قصيدة معبرا فيها عن وجعه وما يقاسيه فيقول(32):

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي        فجودا فقد أودى نظيركُمُا عندي

بُنيَّ الذي أهدته كفَّاي للثرى           فيا عزَّة المُهدى ويا حسرة المُهدي

       لقد ظهر الاعتراف هنا على لسان الشاعر ليوحي من خلاله البوح عن المشاعر الذاتية التي يحملها من فقد ويأس ومعاناة وأسى لفراق ابنه وزوجته ومأساته، فيغدو البكاء فعل اعتراف مزدوج بالعجز والوجع فالشاعر لا يعبر عن مجرد حزن عابر بل عن حاجة ملحة في ذاته تستدعي البكاء كوسيلة للاعتراف الذاتي وكأن الدمع هو اللغة الوحيدة القادرة على منحه الشعور بالراحة واستعادة توازنه المفقود ومن هنا يغدو الحزن عند ابن الرومي فعلا من أفعال التذكر التي تحفظ صورة الأحبة الذين غادروا الدنيا.

      ونلمح ألواناً أخرى من الاعتراف يختلف مسراها باختلاف القضية التي تطرحها كالاعتراف بالمسؤولية وهو الانتقال من حالة الجهل إلى حالة المعرفة سواء أكان ذلك عن طريق المفردات المستعملة أم عن طريق اتخاذ القرارات على مستوى الأفراد القادرين على الاعتراف بمسؤولياتهم(33)، من ذلك ما جاء في قول أبو العتاهية واعترافه بذنبه بعد إدراكه للمعرفة الربانية، يقول(34):

الهــــي لا تُعذِّبنـــي فإنّــــي            مقرٌّ بالـــــذي قـــد كـــان منّـــي

وما لي حيلةٌ إلاّ رجائــــي           وعفوكَ إنْ عفوتَ وحسنُ ظنّي

فكم من زلَّةٍ لي في البرايا          وأنتَ علــــــيَّ ذو فضــــل ومـــنِّ

    يعبر أبو العتاهية هنا عن لحظة ضعف وادراك متأخر إذ تلتقي فيها الذات الإنسانية بالذات الإلهية المطلقة فيتحول الخطاب هنا إلى خطاب اعترافي يتجاوز الإقرار اللفظي إلى لحظة ادراك الوعي الذاتي بالنفس وطلبها الغفران عن طريق الاعتراف بالذنب والتوسل إلى طلب المغفرة للتحرر من عبء الأخطاء الماضية.

        ومما لا شك فيه أنَّ الاعتراف كان نتيجة دوافع أو تأثرات اجتماعية أو سياسية أو دينية ولكن مهما كانت الأسباب والدوافع التي أدت الشعراء إلى الاعتراف ما زالت أغلب الموضوعات التي تقال في نفس الدائرة تنتمي إلى التنشئة الاجتماعية من ذلك ما جاء في قول أبو نواس(35)

أفنيتَ عمــــــركَ والذنوبُ تزيـــدُ              والكاتِبُ المَحصي عليكَ شهيدُ

كم قلتَ: لستُ بعائدٍ في سوأةٍ           ونذرت فيها ثــــمَّ صـــــرت تعــــود

حتى متى لا ترعوي عــن لــــذة           وحسابها يوم الحساب شديــــد؟

وكأنني بك قد آتتك منية               لا شــــــك أن سبيلها مــــردود

     تتجلى لحظة الاعتراف عند أبي نواس عندما يصف نفسه امام الله عزَّ وجل وهي لحظة حاسمة عبر اعتراف صريح بالذنب والتوبة والندم على افعاله الماضية، لكن أبا نواس في البيت التالي يقول ( لست بعائد… ثم صرت تعود) وهنا يظهر الشاعر تناقضا خفيا بين النية والفعل وهو أحد محاور الاعتراف وذلك عن طريق تكرار الفعل والندم عليه لاحقا مما يخلق مشهدا متوترا بين الرغبة في التوبة والعجز عن الثبات عليها لأن الاعتراف بالذنب وسيلة للتحرر من ثقل الذنوب والاعتراف بها يخلص الشاعر نفسه من الشعور بالذنب.

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)

المبحث الثاني: الاعتراف كآلية سلطوية

      يأخذ هذا الصراع أهمية محورية في تشكيل علاقة الوعي بالذات الأخرى عبر وجود علاقة تواصلية من جانب ومن جانب اخر تجد الذات نفسها في الآخر بوصفها جزءاً منها ومن هنا يولد الصراع الذي لا ينتهي بانتصار السيد على العبد ويبقى شرط الحصول على الاعتراف متوقفا على عدم موت احد الطرفين لأن ذلك يعني فقدان الوعي الذاتي لفرصته في الحصول على الاعتراف مما يجعل الاعتراف والبقاء والحضور كمتلازمة شرطية احدهما غاية والآخر نتيجة(36) الذات سواء أكانت خاضعة أم مقاومة تبقى في النهاية ذات إنسانية لها الحق في الاختيار فاعتراف الشاعر بأن لديه الرغبة في امتلاك السلطة وبصريح العبارة يضعه في موقف شك وتساؤل ومحاولة الحد من تصرفاته كما هو الحال عند المتنبي أو اعتراف الشاعر بذنوبه في نهاية حياته والتوبة على ما سلف مثلما نجده عند أبو نواس او الاعتراف بالانتماءات الدينية أو الاجتماعية نتيجة للتقرب من الخلفاء؛ بسبب مواقعهم الاجتماعية  ليس بالضرورة ان يكون اعترافا حقيقيا نابعا من الذات الفردية للأنسان بقدر ما يكون راغبا بالاعتراف به وبرغباته معا، وقد تجلت حقيقة الصراع بين الشاعر والسلطة في شعر المتنبي عندما مدح كافور الاخشيدي بقوله(37):

وفي النفس حاجات وفيكَ فطانةٌ           سكوتي بيانٌ عندها وخِطَاب

……………..                          ………………….

إذا نلت منك الود فالمال هيّنٌ               وكل الذي فوق التراب تراب

      يتجلى في هذا النص الشعري صراعا اجتماعيا فالمتنبي لا يأتي بهجاء كافور الاخشيدي بصورة مباشرة وانما جاء بها عن طريق المدح المبطن بالهجاء وذلك من خلال بنية لغوية مركبة جمعت بين الاثنين (المدح والهجاء) إذ يقول ( في النفس حاجات/ فيك فطانة) وهذا اعتراف مباشر بوجود مطالب مكبوتة في نفس المتنبي لا يعبر عنها بصورة مباشرة وانما تركها للمخاطب –كافور الاخشيدي- بفهم ما يريده وقد عبر عن ذلك المازني بقوله ان المتنبي لم يمدح كافور ” لأنه رآه أهلا لمدحه، بل طمعا في ولاية بعض أملاكه كما هو معروف أما المدح فأنا والله نراه تهكم به، ولم يثنَ عليه” (38)، ويتضح المعنى اكثر عندما يقول المتنبي بوصف كافور( فوق التراب تراب) فمما يلاحظ عليه ان ظاهر هذا الخطاب هو خطاب زهدي الا أن باطنه يقوم على إعادة تعريف للقيمة الإنسانية لكافور وما هو الا ذرة من تراب، فلما خافه كافور ارسل في طريقه بعض الجنود ليقتلوه لكنهم لم يستطيعوا اللحاق به (39) فعاد إلى العراق.

وتستمر علاقة الصراع مع السلطة عند اغلب الشعراء في العصر العباسي فقد مدح الشاعر بشار بن برد إبراهيم بن عبدالله بقصيدة فلما قتل جعلها للمنصور اذ يذكر صاحب الأغاني ان بشار عندما كتب قصيدته إلى إبراهيم بن عبدالله كان يحرضه فيها ويشير عليه فلم تصل اليه حتى قتل ولما سمع بشار بمقتله خاف وجعل القصيدة إلى ابي مسلم والمدح والمشورة لأبي جعفر المنصور(40)، قائلا في مطلعها(41):

أبا مسلم مـــــا طـــول عيشٍ بدائم               ولا سالمٌ عما قليلٍ بسالم

………………..                            ………………….

فأصبحت تجري سادراً في طريقهم              ولا تتّقي أشباه تلك النّقائم

تجردت للإسلام تعفـــــــو سبيلـــــه                وتعري مطاه لليوث الضراغم

       مما يلاحظ على بشار ان قريحته الشعرية قد أسعفته في تغيير مسرى الاحداث في النص الشعري اذ قام بتغيير مسرى المديح من إبراهيم بن عبدالله إلى ابي مسلم وهذا اعتراف صريح من الشاعر بأنه يهاب السلطة العباسية ويخشى هيبتها، وكثيرا ما نجد أن بشار بن برد  يعتمد على ذهنه في توظيف الثقافة البطولية والدينية للخليفة  بما يتناسب مع السياق العام التي تقال فيه، من ذلك ما جاء في قوله في مدح خلفاء بني العباس(42)

ورثتم رسول الله بيت خلافة               عزا على رغم العدو وسؤددا

لكم نجدةُ العباس في كل موطنٍ           ويوم حنين إذْ أشاع وأشهدا

مقيم يذبُّ المشركين بسيفه                حفاظا وقد ولّى الخميس وعرَّدا

بنى لكم العباس في شرق العلى           وفضلُ ابن عباس أغار وأنجدا

       إن خطاب الشاعر جاء بلغة قوية تهيمن عليها لغة الخطاب الديني وذلك من خلال اعتراف الشاعر بأحقية خلفاء بني العباس بالخلافة وأنهم ورثوها من النبي وأنهم أبناء عمومته فيربط الشاعر الخلافة بالقدر وكأنها اختيارا من الله عزّ وجل، فيطرح الشاعر فكرته من منطلق الفكر الديني ممهدا به للوصول إلى الفكرة التي تبغي ان تسمعها الخلافة العباسية.

     ومما لا ريب فيه ان الشعراء في العصر العباسي قد سايروا الركب السياسي للخلافة العباسية فكانت قصائدهم تضج بالخلافة العباسية واتباع اوامرها فالملاحظ عليها أنّها سيطرت على فكر الشعراء واستحوذت على النصوص الأدبية في نشر فكرتها وهيمنتها وهكذا حققت ما تصبو إليه عن طريق الفن الأدبي.

     ومما يلاحظ أن السلطة العباسية قد فرضت قوتها في كل مناحي الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية واستطاعت ان تخضع العقول لقوة حكمها سواء أكان ذلك عن طريق تاريخ السلطة، فقد اورثت العقل خضوع شبه كلي للحكومة بالمعنى المطلق واما عن طريق سلطة التاريخ فقد اورثت العقل خضوعا شبه كلي للماضي مما جعل له تأثيرا على مستوى العقيدة(43) والفكر ولهذا أسس العباسيون ” دولتهم بسياسة ممزوجة بالدين فقد اتخذوا الصبغة الدينية شكلا من أشكال دعوتهم حين أدّعوا انهم يريدون إحياء السنة وحكم العدل وارجاع الخلافة … ورفعوا شعار الدفاع عن الإسلام من الزنادقة”(44) وقد خطب المنصور بالناس قائلا:” يا أيها الناس انما أنا سلطان الله في أرضه … وحارسه على ماله اعمل فيه بمشيئته وارادته”(45) ومن خلال إضفاء الصبغة الدينية يقول أبو دلامة في مدح المنصور(46):

 يا ابن عم النبي دعوة شيخ                 قد دنـــا هدمُ داره ودمـــــاره

فهو كالماخض التي اعتادها الطلــ           ــق فقــــرت ومــــا يقـــرُّ قراره

لكــــم الأرض كلها فـــــأعيروا                شيخكم ما حوى عليه جداره

      ينطلق الاعتراف في الخطاب الشعري هنا من منطلقين رئيسيين هما الاعتراف بالضعف والعجز هذا من ناحية والاعتراف بشرعية السلطة من ناحية أخرى، إذ يعترف الشاعر بعجزه وانكساره أمام سلطة أعلى منه مما يعري وضعه الطبقي والاجتماعي، ثم ينتقل بعد ذلك إلى فضاء الاعتراف الشرعي بأحقيتها بالخلافة ؛ وذلك لأن المنظومات السياسية هي” أدوات تواصل ومعرفة تشكل بنيات تخضع العالم إلى بنيات تؤدي وظيفتها السياسية من حيث هي أدوات لفرض السيادة واعطائها صفة المشروعية”(47) ومن هنا نلاحظ أن السلطة تحاول ان تعبث بالعقل العربي وتحاول إعادة تشكيله وفق مساراتها السياسية.

    إذن فاللغة هي أداة تواصل بين الشاعر والمتلقي أحيانا ترفع من شأنه وتحط من شأنه في أحيانا أخرى وهذا ما ورد في قول أبو دلامة عندما هجى الخليفة المنصور بعد ان اتهمه بالزندقة(48)، يقول:

ألــــــم تريا أن الخليفة لــــزَّني             بمسجده والقصر ما لي وللقصر

فقد صَدَّني عن مسجدٍ استلذُّه           أعـــــــلّل فيه بالسَّماع وبالخمْـــرِ

يُكلِّفني من بعد ما شبتُ توبةً            يحطُّ بها عنّي المثاقيل من وزري

لقد كان في قومي مساجد جمّةٌ          ولم ينشرح يوماً لغشيانها صدري

      تمثل هذه الابيات الشعرية تبدلا جذريا في موقف الشاعر من المدح إلى الهجاء؛ وذلك نتيجة لاختلال الموقف العلائقي بين الشاعر والخليفة وذلك عبر فضح خبايا القصور بقوله (الم تريا ان الخليفة لزني) ويمكن مقاربة هذا الموقف ضمن النظرية الاجتماعية عند هونيث هو انتهاك الحقوق الاجتماعية وهو اعترافا صريحا ومباشرا لانتهاك الأنماط الاخلاقية في المجتمع وهذا يعكس طغيان السلطة وسعيها لمسك رقاب الشعراء والتحكم بهم.

ولم يقتصر اقصاء الخلفاء للشعراء على السلطة فحسب بل تجاوزوا على الشعراء الذين يتغزلون بأسماء محبوباتهم مما سبب شرخا وخوفا بين السلطة والشعراء من ذلك قول ابو دهمان عندما ضرب المهدي أبا العتاهية مائة سوط نتيجة تغزله بعتبة(49):

لولا الذي أحدث الخليفة للـ          ـعشاق من ضربهم إذا عشقوا

لبحت باسم الذي احب ولـ         ـكني امرؤٌ قــــــد ثنانـــــي الفـــراق

   إن المتتبع للخطاب الشعري في العصر العباسي يلاحظ أنه يسير على طريقين إما مؤيدا للسلطة فيصبح قريبا منها واما بعيدا عنها فيصبح في مرمى شباكها وهذا ما حدث مع ابي العتاهية عندما حاول التغزل بمحبوبته لكن سلطة الخلافة اعتبرت هذا التغزل بجواريها كونها تحمل نفس الاسم فأتخذت من هذا الطريق سبيلا لتبرير افعالها تجاه الشعراء.

     ومن الأمور التي ألحّت عليها نصوص الشعراء في العصر العباسي النصوص الصوفية والدينية التي حاول الشعراء من خلالها الابتعاد عن ملذات الحياة وكذلك بوصفها السلم الاجتماعي الصحيح التي يسيرون عليه ومما لا شك فيه أن العصر العباسي شهد تيارات دينية متعددة ظهرت في خضم التحولات السياسية والاجتماعية والأدبية مما أدى إلى ظهور تيار ديني عزف عن الدنيا وملذاتها وابتدع له نهجا جديدا يسيرون عليه وهو ما يسمى بالشعر الصوفي الذي استند في صياغته الأدبية على معنيين احدهما ظاهر والأخر باطن تحكمهما لغة الإشارة والرمز(50)، يذكر المزني انه دخل على الشافعي في اليوم الذي توفي فيه، فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبدالله؟ فرفع رأسه وقال: ” أصبحت من الدنيا راحلا وبكأس المنية شاربا ولسوء افعالي ملاقيا وعلى الله واردا فلا أدري روحي إلى جنة تصير فأهنيها أو إلى نار فأغريها”(51) وقد جعل من كلامه قائلا(52):

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي            جعلت الرجا مني لعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته                 بعفوك ربي كان عفوك اعظما

فلولاك لم يغو  بابليس عابد             وكيف وقد أغوى صفيّك آدما

      في حين يذكر المرعشي وهو احد الزهاد العابدين من الذين خدموا إبراهيم بن أدهم قال:” بقينا في طريق مكة أياما لم نجد طعاما ثم دخلنا إلى الكوفة فآوينا إلى مسجد خراب فنظر اليَّ إبراهيم وقال: يا حذيفة أرى بك الجوع؟ فقلت هو ما رأى الشيخ :فقال عليَّ بدواة وقرطاس فجئت به فكتبت: بسم الله الرحمن الرحيم: انت المقصود اليه بكل حال”(53)، وقد عبر عن هذا الزهد والتورع إبراهيم بن ادهم بقوله(54)

أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر         أنا جائع أنا ضائع أنا عاري

هي ستة فأنا الضمين لنصفها       فكــــن الضمين لهـــــــــا يـــا بـــاري

مدحي لغيرك وهج نار خفتها        فأجر- فديتك- لا من دخول النار

تتجلى في هذه الابيات لحظة اعتراف صوفي ووجودي يفصح الشاعر فيها عن وعيه العميق بذاته بوصفها كائنا ممتلئا بالذكر والتحميد من جهة وفقيرا ومحتاجا من جهة أخرى، فالاعتراف هنا ليس سردا لخطيئة بل هو اعلان الانصياع للأوامر الربانية وانكشاف الانسان امام خالقه بضعفه وفقره وهذا الاعتراف يرتبط ارتباطا مباشرا بالزهد والتصوف وهو تحويل الوعي الإنساني إلى الامتزاج بالذات الإلهية المطلقة والتسليم الكامل اليها اذا يقول( أنا شاكر، أنا حامد/ أنا جائع أنا عاري) فالشاعر هنا يصف تناقضا بين حالين وانما يعبر عن السمو الروحي الذي لا يكتمل الا بالاعتراف بالنقص الجسدي بقوله( هو الضمين لنصفها) ويترك الباقي للخالق عزَّ وجل، فيتحقق فعل الاعتراف عن طريق الاعتراف بالذنب وتحقيق الخلاص.

ومن ذلك ايضا ما جاء في قول الحلاج في المدح الالهي(55):

أنتَ بين الشغافِ والقلبِ تجري           مثل جري الدُموع من أجفاني

وتحلُّ الضميرَ جوفُ فؤادي              كحلول الأرواحِ فــــي الابدانِ

ليس مـــن ساكنٍ تحرَّك إلاّ              أنـــــت حركتهُ خفـــــيّ المكان

يا هلالاً بــــدا لأربـــــعَ عشرٍ               فثمــــــانِ وأربــعٌ واثنتانِ

     يتجلى الفعل الاعترافي عند الحلاج في نظرية الحلول عند المتصوفة وهي ” نزول الوجود الإلهي الحق في الموجودات الموهومة”(56)، فالصورة تجسد العلاقة بين الحبيب والمحبوب، فيعترف الحلاج بأن الذي يسكن بين الشغاف والقلب هو الحبيب الاسمى الذي تليق به كل صور الجمال،  فحضور الذات الإلهية عند الحلاج ليست مجازا بل حقيقة باطنية وكأن القلب موضع التجلي الإلهي ثم يعمق الوصف بقوله:( تحل الضمير جوف فؤادي) فهو يقر بأن الوجود الإلهي يسكن ضميره كسكون الروح في الجسد ثم يتخذ من الاعتراف شكلا جماليا عندما يصف الذات الإلهية بالقمر وهو في منتصف الشهر إذ أجمل ما يكون خلال هذه الأيام وبهذا يتحول الاعتراف من اعتراف ذاتي إلى اعتراف كوني.

الخاتمــــة

1-أعادت نظرية الاعتراف بآلياتها الإجرائية التي وضعها أكسل هونيث الاعتبار الأول والأخير للفرد بأعتباره ذاتا منتجة وفاعلة في الوقت نفسه؛ لأن الفرد لا يوجد بمعزل عن المجتمع ولهذا انطلق الاعتراف في الشعر العباسي من الذات نحو الاخر ليعيد الشاعر من خلاله ترتيب أفكاره ومشاعرة التي يحملها.

2-لقد كشفت النصوص الشعرية وخصوصا السياسية منها صراعا اجتماعيا طبقيا للمجتمع في العصر العباسي، إذ جاء الاعتراف على لسان الشعراء من منطلق الموالاة للخلافة العباسية او مجابهة افعالها التعسفية تجاه بعض الجماعات وخصوصا مما يخالف رأيها.

3-أن اغلب الاعترافات التي جاءت على لسان الشعراء معبرة عن تجربتهم الاجتماعية والثقافية في الحياة.

4-لقد حاول الشعراء ان يرسموا في شعرهم صورة فترة زمنية طويلة ابتدأت من منذ سقوط الدولة الاموية وبداية ظهور الخلافة العباسية التي حاولت ان تسيطر على اللغة الأدبية بكل الوسائل الممكنة.

الهوامش

(1) سورة غافر: 11 .

(2) ينظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابي جعفر محمد بن جرير الطبري، تح: عبدالله التركي،مركز البحوث والدراسات العربية والأسلامية، القاهرة، ط1، 2001: ج20/ 292- 293.

(3) ينظر: كتاب العين، الخليل بن احمد الفراهيدي، تح:مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي:2/ 121

(4) معجم الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، مؤسسة النشر الإسلامي،ايران، ط1 : 65.

(5) م.ن: 65 .

(6) محاورة الذات، القديس اوغسطين، نقله إلى العربية: اسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت،ط1، 2005: 32 .

(7) عزاء الفلسفة، بوئيثوس، تر: عادل مصطفى، القاهرة، ط1، 2008: 86.

(8) ينظر: معجم نقد الرواية، لطيف زيتوني، مكتبة ناشرون، لبنان، ط1، 2002 :23 .

(9) الحلم والواقع، نيكولاس برديائف، تر: فؤاد كامل، الهيئة المصرية للكتاب، 1984: 205 .

(10) ينظر: اللفياثان: توماس هوبز، تر: ديانا حرب وبشرى صعب، دار الفارابي، أبو ظبي، ط1، 2011: 133- 134 .

(11) ينظر: التشيؤ دراسة في نظرية الاعتراف، اكسل هونيث، تر: كمال بومنير، مؤسسة كنوز الحكمة، الجزائر، ط1، 2012 :9.

(12) ينظر: التشيؤ من اجل الاعتراف، هونيث، 13.

(13) ينظر:م.ن : 11.

(14) ينظر:م.ن :12 .

(15) ينظر: الصراع من اجل الاعتراف القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية، أكسل هونيث،بيروت- لبنان، المكتبة الشرقية،ط1، 2015: 64 .

(16) ينظر:الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل دراسة في الفلسفة الاجتماعية،الزواوي بغورة، تقديم فهمي جدعان، دار الطليعة، بيروت- لبنان، ط1، 2012: 202- 205 .

(17) ينظر: النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، كمال بومنير، الدار العربية للعلوم ، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2010: 155- 156.

(18) ينظر: م.ن: 157.

(19) ينظر: م.ن : 157.

(20) ينظر: الاعتراف، الزواوي بغورة: 42 .

(21) ينظر: المعرفة والسلطة مدخل لقراءة فوكو ،جيل دولوز، تر: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 1987: 113-114 .

(22) ديوان أبو فراس الحمداني، شرح: عباس إبراهيم، دار الفكر، بيروت، ط1، 1994 : 68.

(23) ينظر: الاعتراف، الزواوي بغورة: 50 .

(24) ينظر:الاعتراف ،الزواوي بغورة: 55.

(25) ديوان العباس بن الاحنف، تح: عاتكة الخزرجي،مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1954 :40

(26) شعر الحسين المطير الاسدي، حسين عطوان: 162 .

(27) الذات عينها كآخر، بول ريكور، تر: جورج زيناتي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2005: 107 .

(28) ديوان الشريف الرضي، منشورات وزارة الارشاد الإسلامي، ايران، ط1: مج1/ 26.

(29) الذاكرة التاريخ النسيان، بول ريكور، تر: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2009: 55.

(30) الاعتراف، الزواوي بغورة: 61.

(31) سقط الزند، أبو العلاء المعري، بيروت، 1957: 39.

(32) ديوان ابن الرومي، تح: حسين نصار، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2003: 2/ 624.

(33) ينظر: الاعتراف، الزواوي بغورة: 36 .

(34) ديوان أبو العتاهية، شرح: وفاء الباقي قمر، اشراف حنا الفاخوري، دار الجيل، بيروت، ط1، 2003: 229.

(35) ديوان أبو نواس، وضعه: محمود كامل فريد، مطبعة حجازي، القاهرة، 1937: 162.

(36) ينظر: فينومينولوجيا الروح: هيغل، ناجي المونلي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2006: 272.

(37) شرح ديوان المتنبي، وضعه: عبدالرحمن البرقوقي، دار الكتاب الجديد، بيروت- لبنان،ط1 ، 1986: 1/ 324- 327.

(38) ينظر: حصاد الهشيم، إبراهيم المازني، القاهرة، دار المعارف، 1924: 162.

(39) ينظر: وفيات الاعيان وانباء أبناء الزمان، ابن خلكان، تح: احسان عباس، دار صادر، بيروت: مج1/ .122.

(40) ينظر: الأغاني، أبو الفرج الاصفهاني، تح: احسان عباس واخرون، دار صادر،بيروت، ط3، 2008: 3/ 149.

(41) ديوان بشار بن برد، تقديم: محمد الطاهر عاشور، وزارة الثقافة، الجزائر، 2007: 4/ 190- 192.

(42) ديوان بشار بن برد: 3/ 42.

(43) ينظر: السلطة في الإسلام العقل الفقهي بين النص والتاريخ، عبدالجواد ياسين، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط2، 2000: 8.

(44) فتنة السلطة، عواطف العربي شنقارو، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت –لبنان، ط2، 2001: .93

(45) فتنة السلطة: 93.

(46) ديوان أبو دلامة، تح: اميل بديع يعقوب، دار الجيل، بيروت، 2005: 62- 63.

(47) الرمز والسلطة، بيير بورديو، تر: عبدالسلام بنعبد العالي ، دار توبقال، المغرب، ط3، 2007: 51.

(48) ديوان أبو دلامة: 64- 66

(49) زهر الاداب وثمر الالباب، ابي إسحاق القيرواني، تح: زكي مبارك، دار الجيل، بيروت، ط4: 2/381.

(50) ينظر: النص وأزمة التأويل ، ابن عربي،عبدالقادر العربي،مجلة دفاتر مخبر الشعرية الجزائرية، المجلد3، العدد8، 2018: 64.

(51) مختصر تاريخ دمشق، ابن عساكر، تح: سكينة الشهابي، دار الفكر، دمشق، ط1، 1990: 21/ 243.

(52) مختصر تاريخ دمشق:21/ 243.

(53) مختصر تاريخ دمشق: 4/ 30.

(54) مختصر تاريخ دمشق:4/ 30.

(55) شرح ديوان الحلاج، كامل مصطفى الشيبي، منشورات الجمل، بغداد، ط2، 2007: 355 .

(56) عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية ، احمد بن عبدالعزيز القصير، مكتبة الرشد ناشرون، الرياض، السعودية، ط1، 2003: .53 .

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

  1. الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل دراسة في الفلسفة الاجتماعية، الزواوي بغورة، تقديم فهمي جدعان، دار الطليعة، بيروت- لبنان، ط1، 2012.
  2. الأغاني، أبو الفرج الاصفهاني، تح: احسان عباس واخرون، دار صادر، بيروت، ط3، 2008.
  3. التشيؤ دراسة في نظرية الاعتراف، اكسل هونيث، تر: كمال بومنير، مؤسسة كنوز الحكمة، الجزائر، ط1، 2012.
  4. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابي جعفر محمد بن جرير الطبري، تح: عبدالله التركي،مركز البحوث والدراسات العربية والأسلامية، القاهرة، ط1، 2001.
  5. حصاد الهشيم، إبراهيم المازني، القاهرة، دار المعارف، 1924.
  6. الحلم والواقع، نيكولاس برديائف، تر: فؤاد كامل، الهيئة المصرية للكتاب، 1984.
  7. ديوان ابن الرومي، تح: حسين نصار، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2003.
  8. ديوان أبو العتاهية، شرح: وفاء الباقي قمر، اشراف حنا الفاخوري، دار الجيل، بيروت، ط1، 2003.
  9. ديوان أبو دلامة، تح: اميل بديع يعقوب، دار الجيل، بيروت، 2005.
  10. ديوان أبو فراس الحمداني، شرح: عباس إبراهيم، دار الفكر، بيروت، ط1، 1994.
  11. ديوان أبو نواس، وضعه: محمود كامل فريد، مطبعة حجازي، القاهرة، 1937.
  12. ديوان الشريف الرضي، منشورات وزارة الارشاد الإسلامي، ايران، ط1.
  13. ديوان العباس بن الاحنف، تح: عاتكة الخزرجي،مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1954 .
  14. ديوان بشار بن برد، تقديم: محمد الطاهر عاشور، وزارة الثقافة، الجزائر، 2007.
  15. الذات عينها كآخر، بول ريكور، تر: جورج زيناتي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2005.
  16. الذاكرة التاريخ النسيان، بول ريكور، تر: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2009.
  17. الرمز والسلطة، بيير بورديو، تر: عبدالسلام بنعبد العالي ، دار توبقال، المغرب، ط3، 2007.
  18. زهر الاداب وثمر الالباب، ابي إسحاق القيرواني، تح: زكي مبارك، دار الجيل، بيروت، ط4.
  19. سقط الزند، أبو العلاء المعري، بيروت، 1957.
  20. السلطة في الإسلام العقل الفقهي بين النص والتاريخ، عبدالجواد ياسين، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط2، 2000.
  21. شرح ديوان الحلاج، كامل مصطفى الشيبي، منشورات الجمل، بغداد، ط2، 2007.
  22. شرح ديوان المتنبي، وضعه: عبدالرحمن البرقوقي، دار الكتاب الجديد، بيروت- لبنان،ط1 ، 1986.
  23. شعر الحسين المطير الاسدي، حسين عطوان.
  24. الصراع من اجل الاعتراف القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية، أكسل هونيث،بيروت- لبنان، المكتبة الشرقية،ط1، 2015.
  25. عزاء الفلسفة، بوئيثوس، تر: عادل مصطفى، القاهرة، ط1، 2008.
  26. عقيدة الصوفية وحدة الوجود الخفية ، احمد بن عبدالعزيز القصير، مكتبة الرشد ناشرون، الرياض، السعودية، ط1، 2003.
  27. فتنة السلطة، عواطف العربي شنقارو، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت –لبنان، ط2، 2001.
  28. فينومينولوجيا الروح: هيغل، ناجي المونلي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2006.
  29. كتاب العين، الخليل بن احمد الفراهيدي، تح:مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي.
  30. اللفياثان: توماس هوبز، تر: ديانا حرب وبشرى صعب، دار الفارابي، أبو ظبي، ط1، 2011.
  31. محاورة الذات، القديس اوغسطين، نقله إلى العربية: اسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت،ط1، 2005.
  32. مختصر تاريخ دمشق، ابن عساكر، تح: سكينة الشهابي، دار الفكر، دمشق، ط1، 1990.
  33. معجم الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، مؤسسة النشر الإسلامي،ايران، ط1 .
  34. معجم نقد الرواية، لطيف زيتوني، مكتبة ناشرون، لبنان، ط1، 2002 .
  35. المعرفة والسلطة مدخل لقراءة فوكو ،جيل دولوز، تر: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 1987.
  36. النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، كمال بومنير، الدار العربية للعلوم ، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2010.
  37. وفيات الاعيان وانباء أبناء الزمان، ابن خلكان، تح: احسان عباس، دار صادر، بيروت.

 

المجلات والدوريات

النص وأزمة التأويل ، ابن عربي،عبدالقادر العربي،مجلة دفاتر مخبر الشعرية الجزائرية، المجلد3، العدد8، 2018.

 

(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)