علي بن ماجد بن سعيد بن سالم السلماني،
قسم العربية، كلية الآداب والفنون والإنسانيات، جامعة منوبة، تونس
الملخص
يتناول هذا البحث قضية الاحتجاج بالشواهد الشعرية مجهولة القائل في كتاب سيبويه، إذ تعتبر من القضايا الأصولية التي أثارت جدلًا في الدرس النحوي القديم والحديث؛ لما لها من أثر في تقعيد القواعد النحوية، وينطلق البحث من بيان مفهوم الاحتجاج لغةً واصطلاحًا، ثم بيان مكانته في النحو العربي، مع إبراز الدور المركزي للشاهد الشعري باعتباره أحد أهم مصادر الاستدلال بعد القرآن الكريم والسنة النبوية. يركّز البحث على ظاهرة ورود عدد من الشواهد الشعرية في كتاب سيبويه دون نسبة صريحة إلى قائليها، وهي ظاهرة دفعت بعض النحاة إلى رفض الاحتجاج بها بدعوى جهالة القائل واحتمال ضعف فصاححته، في حين أجاز آخرون الاحتجاج بها إذا وردت عن إمام ثقة واعتمدت على السماع والرواية عن العرب الفصحاء. وقد عالج البحث هذه الإشكالية من خلال عرض آراء الفريقين، ومناقشة أدلتهم، مع تتبع أقوال كبار النحاة كابن الأنباري، والسيوطي، والبغدادي، والزمخشري. واعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي، فسلّط الضوء على منهج سيبويه في توثيق الشواهد، مبيّنًا أنه كان حريصًا على السماع من العرب، أو الاعتماد على شيوخه الثقات، أو نسبة الشاهد إلى قبيلة فصيحة، وإن لم يذكر اسم القائل صراحة، كما قدّم نماذج تطبيقية لشواهد مجهولة القائل في الكتاب، وبيّن وجوه الاحتجاج بها وأثرها في بناء القاعدة النحوية. وخلص البحث إلى أن جهالة القائل لا تُسقط حجية الشاهد إذا توفرت قرائن الثقة والفصاحة، وأن اعتماد سيبويه على هذه الشواهد كان قائمًا على منهج علمي راسخ في عصر الاحتجاج؛ مما يجعل الطعن فيها طعنًا غير مسلّم به علميًا.
الكلمات المفتاحيّة: الاحتجاج، الشاهد، سيبويه، مجهول القائل.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
تمهيد
لا يخفى على كل ذي لبٍّ أن اللغة العربية وعاء العلوم الإنسانية، ولسان الشريعة الإسلامية، لذا كان الاهتمام والاعتناء بها مقصد وغاية نبيلة، لكلِّ من يعيش تحت ظلِّ الإسلام وحماه، فيتعرف من خلالها على كتاب الله وسنة رسول اللهe، ليسلك بعدها الطريق المستقيم والمنهج القويم، الهادي إلى سعادة الدنيا والأخرى.
يمثل النحو قانون العربية ومقياسها، فبه تستقيم الألسن من الاعوجاج، وإن تقعيد قواعده وجمع أصوله يحتاج إلى مزيد عناء وجدٍّ، قام به علماء أفذاذ، لهم قصبة السبق في هذا الميدان، معتمدين في ذلك على الشاهد الشعري، إذ هو الممثل الرئيس للتوثيق والاحتجاج.
يعدُّ الشعر المصدر الثالث بعد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المطهرة، فعن عبدالله بن عباس-t-أنه قال:” إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب”، ويقول الخطيب عن ذلك:” فِي الشِّعْرِ الْحِكَمُ النَّادرةُ، وَالْأَمْثَالُ السَّائِرَةُ، وشواهدُ التَّفْسِيرِ، ودلائلُ التَّأويلِ، فهو ديوانُ العربِ، وَالْمُقَيِّدُ للغاتها ووجوه خطابها، فلزم كَتْبُهُ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ..”(1).
هذا هو الشعر، وهذه هي أهميته إلا أن هنالك بعض الأبيات لم تنسب إلى قائليها في بداية التدوين، وهذه ظاهرة لم يتفطن لها النحاة، فبنوا عليها القواعد، والأصول كذلك، وإن تفطنوا لذلك فالهدف الأساس هو الوصول إلى بؤرة القاعدة، وعدم الحراك عنها، ولا هدف آخر لديهم، وقد وصلوا لذلك، فتفاجؤوا في منتصف طريقهم بذلك –الاستشهاد بالبيت المجهول قائله- فبدأوا بمراجعتها، وتوثيق شواهدها من جديد .
إن الكتاب –كتاب سيبويه- كان من بين الكتب المهمة في النحو، فهو مما لا شك فيه بأنه رمز للنحو كله والنحاة من بعده، إلا أن فيه بعض الأبيات التي لم تنسب إلى قائلها، فقد كان مكتفيا بما ينشده له شيوخه، واعتمد على ذلك اعتمادا كليًّا، وعلى ما سمعه من كلام العرب، وقد سار على منهجه أكثر النحاة، بعد ذلك تطوَّر الأمر فأصبحوا يشيرون إلى قائل البيت وينسبونه إليه، وهذا في الحقيقة أثبت للملكية الفردية.
ولقد اخترت أن يكون عنوان بحثي في الكتاب–كتاب سيبويه- ناقشت من خلاله ( الاحتجاج بمجهول القائل)، فتحدثت فيه بداية عن ماهية الاحتجاج؟ والشواهد الشعرية المجهولة القائل، وموقف الباحثين منها، ومدى حرص سيبويه على معرفة القائل.
وفي المبحث الثاني تناولت حجية الاستشهاد بمجهول القائل وناقشت القضية من جانبين:
*من لا يأخذ بالبيت المجهول قائله.
*من يأخذ به، ويراه حجة يجوز الاحتجاج به.
ثم استشهدت على ذلك بأربعة شواهد مجهولة النسبة في الكتاب، فخرّجْتُها بنسبتها وبلا، وختام البحث عرضت مسألة من اعترض على المسألة ورددت على ذلك.
وفي خاتمة البحث لخَّصت أهمَّ النتائج التي توصلت إليها في البحث.
يعرَّف الاحتجاج في اللغة بأنه: “.. والحجة: البرهان؛ وقيل: الحجة ما دُوفع به الخصم؛ وقال الأزهري: الحجة الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وهو رجل محجاج أي جدل…وحاجه محاجة وحجاجا، نازعه الحجة. وحجه يحجه حجا، غلبه على حجته..”.(2)
وفي الاصطلاح:” هو الاستدلال بأقوال من يحتج بهم في مجال اللغة والنحو -وهو يرادف في هذا الاستشهاد- ويقابله التمثيل.”(3).
والاحتجاج في النحو معناه: الاعتماد على إقامة البراهين من نصوص اللغة شعرا ونثرا.. “(4)
إن استعمال لفظة احتجاج في المصنفات وخاصة النحوية منها، تتطلب المغالبة والجدل من أجل الوصول إلى الحق أو الرأي الصواب، وما كتاب ابن بركات الأنباري ( الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين والبصريين)، وكتاب (المسائل الخلافية في النحو) لأبي البقاء العكبري، إلا دليل على ذلك، فقد ضَمَّنا كتابيهما مسائل الخلاف بين الاتجاهين النحويين؛ من أجل الوصول إلى القول الفصل في المسألة الخلافية.
ولما كان الكلام حول الاحتجاج بالشعر في كتب النحو وقع الخلاف في قائل البيت لجهله وعدم معرفته، علما أن البيت المجهول قائم على قاعدة نحوية بناها النحاة عليه، وبذلك لم يسلم كتاب سيبويه وهو شيخ النحاة، وكتابه قرآن النحو كما قيل عنه ذلك.
إن وجود الاحتجاج في مسألة من المسائل، مرهون بالشاهد عند النحاة، وهذا الشاهد إن لم يكن له مرجعية قائله مجهول- أنى له يتصدر قائمة الشواهد الموثوقة، من المعلوم أنه لا يصل حتى إلى درجة القبول؛ لأن ذلك مدعاة للشك والنظر في المسألة.
ومجهول القائل يعرف بأنه الشواهد غير المنسوبة، وبمعنى آخر لا يُعرف قائلها لا من النحاة السابقين ولا المعاصرين، فأصبحت مدار حديث وشك من حيث مصداقيتها، وحجية الاستدلال والاستشهاد بها، لذا أفردت بحثي لها لإجلاء الغموض والشكوك المثارة حولها وخاصة في كتاب سيبويه (الكتاب).
- أهمية البحث
تكمن أهمية هذا البحث بأنه يتناول قضية أصولية في الدرس النحوي، وهي الاحتجاج بالشواهد الشعرية مجهولة القائل، في كتاب سيبويه” الكتاب” و الذي يُعدّ العمدة في تقعيد النحو العربي، ويمكن إبراز الأهمية في النقاط الآتية:
- إبراز مكانة الشاهد الشعري في بناء القاعدة النحوية، وبيان دوره المحوري في منهج النحاة.
- تسليط الضوء على ظاهرة ورود شواهد شعرية مجهولة القائل في كتاب سيبويه، وما أثارته من جدل قديم وحديث حول حجيتها.
- خدمة الدراسات النحوية والأصولية، ورفدها بدراسة تطبيقية تحليلية تجمع بين التأصيل النظري والاستقراء التطبيقي.
ثانيا: الكلمات المفتاحية: الاحتجاج، الشاهد، سيبويه، مجهول القائل.
- مشكلة البحث
تتمثل مشكلة البحث في الخلاف النحوي القائم حول حجية الاحتجاج بالشواهد الشعرية مجهولة القائل، ولا سيما تلك الواردة في كتاب سيبويه، حيث انقسم العلماء بين:
- فريق يمنع الاحتجاج بها مطلقًا بدعوى جهالة القائل، واحتمال أن يكون من غير الفصحاء أو من المولَّدين.
- وفريق يجيز الاحتجاج بها إذا وردت عن إمام ثقة كسيبويه، واعتمدها في بناء القاعدة.
وتنبثق عن هذه الإشكالية تساؤلات محورية، من أبرزها:
- هل تؤثر جهالة القائل في صحة الشاهد وحجيته النحوية؟
- هل كان سيبويه مهمِلًا لتوثيق الشواهد، أم أن له منهجًا خاصًا في الاعتماد على الرواية والسماع؟
- إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الشاهد المجهول إذا ثبتت فصاحته وشهرته وتداوله بين الثقات؟
وقد سعى البحث إلى معالجة هذه الإشكالية معالجة علمية متوازنة.
- أهداف البحث
يهدف هذا البحث إلى تحقيق جملة من الأهداف، من أهمها:
- بيان مفهوم الاحتجاج في اللغة والاصطلاح، وتحديد مكانته في الدرس النحوي.
- الكشف عن حقيقة الشواهد الشعرية مجهولة القائل في كتاب سيبويه، وبيان عددها وطبيعتها.
- دراسة موقف النحاة والباحثين قديمًا وحديثًا من الاحتجاج بمجهول القائل، مع عرض أدلتهم ومناقشتها.
- إبراز منهج سيبويه في توثيق الشواهد، وحرصه على السماع من العرب والثقات من شيوخه.
- ترجيح الرأي القائل بجواز الاحتجاج بالشاهد المجهول إذا توفرت قرائن الثقة والرواية الصحيحة.
- الرد على الاعتراضات الموجهة إلى سيبويه ومنهجه في هذا الباب ردًا علميًا مؤصَّلًا.
أولا: الشواهد الشعرية مجهولة القائل في الكتاب
- مفهوم الشواهد الشعرية:
الشاهد لغة:”… والشاهد اللسان ،والشاهد: المَلَك. وقد جمعها الأعشى في بيت:
فلا تحسبني كافرا لك نعمة على شاهدِي يا شاهد الله فاشهد
فشاهده : اللسان، وشاهد الله جلَّ ثناؤه، هو الملك ..”(5)، وأما في الاصطلاح فيُعرّف بأنه:” هو قول عربي لقائل موثوق بعربيته يورد للاحتجاج والاستدلال به على قول أو رأي”(6).
ب- مواقف الباحثين من الشواهد الشعرية
اختلف الباحثون في عدد الشواهد الشعرية مجهولة القائل في الكتاب، فذكر أبو عمر الجرمي(7) توثيقه شواهد سيبويه، من ذلك قوله:” نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتا، فأما الألْف فعرفت أسماء قائليها، وأما الخمسون فلم أعرف قائليها..”(8)، إن الناظر في كلام البغدادي يتوهم أن سيبويه لم يسند الشاهد إلى قائله، وهذا بخلاف ذلك؛ لأن أبا عمر الجرمي يقول: فعرفت.. ومعنى ذلك أن ألف بيت وجدها منسوبة إلى قائلها، والخمسين الآخرين لم تنسب إلى قائليها.
ويذكر الدكتور خالد عبد الكريم جمعه عدد الشواهد المنسوبة وغير المنسوبة إلى قائلها في كتاب سيبويه فيقول:” وقد بلغ عدد الشواهد المنسوبة في كتاب سيبويه إلى قائليها حسب إحصائي سبعمائة وتسعة وثلاثين شاهدا، نصَّ فيها سيبويه على اسم الشاعر، ويمكن أن يضاف إليها ما نسب فيه الشاهد إلى رجل من إحدى القبائل العربية دون ذكر لاسم هذا الرجل، وعدد هذا القسم من الشواهد يبلغ سبعة وأ ربعين شاهدا..”(9).
ولمناقشة هذه القضية يمكن الاستدلال – على إن الشواهد المجهولة القائل إذا أوردها عالم ثقة كسيبويه أو غيره من العلماء الثقات كالمبرد وابن السراج، فالخطيب البغدادي يرى بأن ذلك لايضر الاستشهاد به؛ وذلك لأن الثقة لو لم يعلم أن من شعر من يصح الاستدلال بكلامه لما أنشده..”(10).
ثم قال أيضا ـ والكلام للبغدادي ـ ” وإنّما امتنع سيبويه من تسمية الشعراء لأنّه كره أنْ يذكر الشاعر وبعض الشعر يروى لشاعرين، وبعضه منحول لا يعرف قائله لأنّه قدم العهد به. وفي كتابه شيء مما يروى لشاعرين، فاعتمد على شيوخه ونسب الإنشاد إليهم فيقول: أنشدنا ـ يعني الخليل ـ ويقول: أنشدنا يونس. وكذلك يفعل فيما يحكيه عن أبي الخطاب وغيره ممن أخذ عنه. وربّما قال: ((أنشدنا أعرابي فصيح)).و زعم بعض الذين ينظرون في الشعر أنّ في كتابه أبياتا لا تعرف ، فيقال له: لسنا ننكر أن تكون أنت لا تعرفها ولا أهل زمانك. وقد خرج كتاب سيبويه إلى الناس والعلماء كثير، والعناية بالعلم وتهذيبه أكيدة، ونُظر فيه وفُتش، فما طعن أحد من المتقدمين ]عليه[، ولا أدّعي أنّه أتى بشعر منكر “(11).
ومن جملة ما نقول في هذه المسألة وأضع مقاربات فيها، هو أن من أسباب عدم ذكر سيبويه القائل في هذه الخمسين بيتا من الكتاب ما يلي :
- شهرة قائل البيت بين النحاة والعلماء، ففي نظر سيبويه أنه إذا كان البيت معروفا ومشهورا بينهم فلا داعي لذكر اسمه؛ نظرا لقرب العهد بينه وبين الشاعر نفسه .
- إن اعتذار البغدادي عن أن سيبويه أغفل نسبة الشواهد إلى قائليها؛ لأنه كره أنْ يذكر الشاعر وبعض الشعر يروى لشاعرين، وبعضه منحول لا يعرف قائله، وقد أوردت كلامه سابقا.
- إن العلماء في السابق كانوا على ثقة تامة بما ينقله شيوخهم ويرووه لهم، وهذا ما لحظته عند سيبويه، حينما يروي الشاهد مجهول القائل، حيث يقول: أنشدنا يونس…، وأنشدنا أبو الخطاب وهكذا… .
- إن الطريقة المتبعة في حلقات العلم في ذلك الزمن، كانت أيضًا السبب في ذلك، فقد كان التلميذ ينقل ما يمليه عليه شيخه.
هذه بعض الأسباب التي يمكن لي الاستدلال بها على عدم نسبة سيبويه بعض الشواهد إلى قائليها.
ج- حرص سيبويه على معرفة القائل
إن الناظر في تراث القدماء من علماء اللغة والنحو والكلام، والمقلِّب لتلك الأوراق المائلة إلى الاصفرار، ليقف إجلالا وإكبارا على عظيم الجهد وإخلاص العمل المتفاني في سبيل العلم وأهله، كلُّ ذلك من أجل أن يصل إلينا هذا الكم الهائل من هذه العلوم وغيرها خالصة من كل زيف وريب ودَخَل، ولقد كانت تلك النفوس عظيمة حريصة على إبقاء هذا الإرث الحضاري الفكري نقيًّا سليما من أيدي القادحين والعابثين بصنعته وصبغته، حتى بلغ أشده واستوى على سوقه فوصل إلينا في أبهى حلته وأنقى طراوته.
لقد ردد بعض الكتاب المعاصرين أن النحاة الأوائل لم يهتموا بنسبة الآثار إلى قائليها، فقد كانوا يوردون الشواهد في كتبهم دون إحالات مرجعية للقائل، وهذا بالطبع مع مرور الزمن سينتهي الأمر إلى أن يجهل قائل النص، فقد كانوا يكتفون بذكر: هكذا سُمِعَت عن العرب، والمسموع عن العرب بطبيعة الحال صحيح في نظرهم سواء وافق القاعدة أو خالفها، وبهذا أعفوا أنفسهم عناء البحث في صحة ما يحتجون به من شواهد، ولقد سبب هذا العمل نوعا من الإشكالات في صحة ما يُذكر في كتب النحو، وبدأ التساؤل في الذهن، كيف لأمثال سيبويه وابن جني والمبرد وغيرهم من أئمة النحو يذكرون الشاهد ويقعِّدون له قاعدة يسير عليها السلف من بعدهم؟ ولذا كان يقول الخطيب البغداداي عن سيبويه:” إن سيبويه إذا استشهد ببيت لم يذكر ناظمه، وأما الأبيات المنسوبة في كتابه إلى قائليها فالنسبة حادثة بعده، اعتنى بنسبتها أبو عمر الجرمي”(12).
إنني في هذا المقام لست بصدد الحديث عن سبب امتناع سيبويه عن نسبة الشواهد إلى أصحابها، ولكني يمكن لي أن أشير بأن سيبويه اعتمد على شيوخه في نقله الشواهد، حسب ما ذكر صاحب خزانة الأدب :” أنشدنا يعني الخليل، ويقول: أنشدنا يونس، وكذلك يفعل فيما يحكيه عن أبي الخطاب وغيره ممن أخذ عنه”(13).*، وهذا بطبعه يجعل الشاهد يصل إلى حدِّ مقام الثقة، مادام ثقات قد أنشدوه، وهم شيوخه الذين أخذ منهم العلم وجلس بين أيديهم وسمع منهم، وكان لا يبرح مكانه.
لقد كان سيبويه يقف مواقف شتى في شواهده للتحقق من صحتها وتوثيقها، ولأدلل على قوة هذا التوثيق سأورد السبل والمسالك التي سلكها في الكتاب والتي تبين ذلك:
1- يطلق صراحة أن هذا الشاهد سمعه عن العرب، من ذلك قوله : ” هذا كله سمع من العرب..” وقال في موضع آخر من الجزء الثاني :” فكل هذا سمعناه ممن يرويه من العرب نصبا..”وفي الثالث قال:” فكل هذه البيوت سمعناها من أهل الثقة هكذا..”(14).
2- يذكر جزما أن شيخه سمع نشيد البيت من الشاعر نفسه يقول:” وزعم يونس أنه سمع الفرزدق ينشد..” وقال في موضع آخر من الجزء نفسه:” وزعم يونس أنه سمع رؤبة بن العجاج..” وقال عن أبي الخطاب وهو شيخه كما هو معلوم:” وزعم أبو الخطاب، أنه سمع هذا البيت من أهله هكذا..”(15).
3- ينص أحيانا في الكتاب أن شيوخه سمعوا العرب الموثوق بهم ينشدون البيت، ودليل ما أذكر هو ما سطره في الكتاب حيث نجده يقول:” والحجة … أن أبا الخطاب حدثنا أنه سمع من العرب الموثوق بهم من ينشد هذا البيت رفعا…” ويقول في الجزء الثالث من الكتاب:” وزعم يونس أنه سمع العرب يقولون في بيت الأسود بن يعفر..” (16).
4- أضف إلى ذلك أيضا أنه ينسب البيت إلى قبيلة، اشتهر عنها بين العرب بسلامة القول وفصيح الخطاب، وهي قبيلة بني تميم، يقول في ذلك:” وعلى هذا أنشدت بنو تميم قول النابغة] الذبياني [ :…” (17).
5- ينسب سيبويه الشاهد إلى مكانه أو قبيلته إن لم يعرف اسمه، وهذا إن دلَّ فإنما يدل على حرص سيبويه على توثيق الشاهد، ولندلل على ذلك من الكتاب حيث يقول :” وقال رجل من باهلة..”، وفي موضع آخر :” قال رجل من بجيلة أو خثعم..”، ويقول في غير هذا الجزء:” وقال الزاجر ، وهو من بني الحرماز:…” (18)
هذا هو المنهج الذي وجدته في الكتاب قد سار عليه سيبويه، وهو منهج حسن غفل عنه غيره من النحاة، فنسبوا شواهد لغير أصحابها أو أنهم تعاموا عنها وأهملوها وأراحوا أنفسهم عنها؛ لأنهم أدوا الغرض المطلوب والهدف المنشود، وهو أن يكون الشاهد من كلام العرب لا من غيرهم، فقعَّدوا القواعد على ضوء ذلك، وهذه مسألة تثير الشكوك عند قارئ النحو ودارسه، وهو كيف لنحوي يُرسي قاعدة لم يسمع شاهدها من العرب؟، وهذا التساؤل هو الذي أثار النحاة المعاصرين ومن سبقهم كذلك .
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)
ثانيا: أ- حجية الاستشهاد بمجهول القائل
اختلف العلماء في موقفهم من حجيَّة الشواهد المجهولة النسبة، فقبلها البعض وقسم آخر رفضها، ودليل رفضهم أنه لا يجوز الاحتجاج بشعر ولا نثر لا يعرف قائله، وقد وقفوا على أقدم مخطوط لديهم، وهو سؤال أبي جعفر أبا عثمان المازني يقول : “سألت أبا عثمان المازني عن تأنيث (سكّين) فقال: السكِّين مذكر ولا يؤنثه فصيح، فأنشدته قول الفر اء: وهو من ]الوافر[:
فعيّث في السنام غداة قرِّ بسكِّين موثقةِ النِّصابِ
فقال: لمن هذا؟ ومن صاحبه؟ ما أراه إلا أُخرج من الكُم، وأين صاحب هذا عن أبي ذؤيب، حيث يقول: فذلك سكّين على الحلق حاذق….”(19)
ولما كان سيبويه حريصا على معرفة قائل البيت، ونسبة الشواهد إلى قبائل ولغات عربية، إلا أن ذلك ظل مَثارَ جدل ونقاش واحتجاج في الخمسين بيتا التي لم تنسب إلى قائلها على قول الجرمي وغيره، فاختلف في حجيتها فأوَّل مناقش لها هو أبو البركات الأنباري في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف)(ت577ه)، فقد قرّر أنه لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يعرف قائله، حيث يقول في جواب له عن أحد الشواهد الشعرية حينما سئل عن تأويل الكوفيين له، قال:” وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما البيت الذي أنشدوه فلا حجة لهم فيه من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن هذا البيت* غير معروف، ولا يعرف قائله؛ فلا يكون فيه حجة..”(20) والبيت من]الطويل[ هو:
أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركـــها شنًّا بـــبيداءَ بلــــقَعِ
وقد وقف السيوطي على هذه المسألة وحاول لملمة الشتات فحينما أورد قول الأنباري السابق: ولا يجوز الاحتجاج بشعر ولا نثر لا يعرف قائله؛علل ذلك بقوله:” خوف أن يكون لمولد، أو من لا يوثق بفصاحته. ومن هذا يعلم أنه يحتاج إلى معرفة أسماء شعراء العرب وطبقاتهم”(21).
ومن المعروف أن كلام المولدين لا يحتج بكلامهم، وكذا المحدثين في العربية، فكلامهم ليس حجة، مسألة ناقشها السيوطي أيضا في الاقتراح، ويتبين لي من خلال هذه المسألة أن السيوطي يوافق كلام ابن الأنباري؛ لأنه عقب بقوله:”.. ومن هذا يعلم أنه يحتاج إلى معرفة أسماء شعراء العرب وطبقاتهم” .
نقل البغدادي في خزانة الأدب رأي ابن الأنباري بنصه، وتعليل السيوطي له بمعناه مع تغيير لبعض ألفاظه، وقد سلك مسلك السيوطي نفسه من حيث حجية الشواهد، ولم يضف شيئا على ما قاله السيوطي ووسع فيه في اقتراحه، سوى اجتهاده في تخريج الأبيات، أذكر مما قاله في الخزانة ما نصه:” وعلم مما ذكرنا –من تبيين الطبقات التي يصح الاحتجاج بكلامها- أنه لا يجوز الاحتجاج بشعر أو بنثر لا يعرف قائله، صرّح بذلك ابن الأنباري في كتابه الإنصاف في مسائل الخلاف…ولهذا اجتهدنا في تخريج أبيات الشرح، وفحصنا عن قائليها، حتى عزونا كل بيت إلى قائله-إن أمكننا ذلك- ونسبناه إلى قبيلته أو فصيلته…”(22).
إن المنهج والمسلك الذي سلكه ابن الأنباري في الإنصاف، وتابعه بعد ذلك من جاء بعده من النحاة كالسيوطي والفراء والزمخشري، هو منع الاحتجاج بالشاهد المجهول قائله، ولقد أخذ يكرر ذلك كثيرا، وهذا إن دلَّ فإنما يدل على تمسكه برأيه في ذلك، أذكر بعض المواضع من كتابه للاستشهاد على ما قاله في المسألة، يقول:” ..فنقول هذا الشعر لا يعرف قائله؛ فلا يكون فيه حجة، وعلى أنه إن صح عن العرب فنقول: إنما جمع بينهما لضرورة الشعر..”(23) ، ويقول في موضع آخر، ومسألة مختلفة عن سابقتها:”..وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه فهو مع قلته لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به..” (24).
وإنني ما زلت أتسائل، كيف يستشهد ابن الأنباري ببيت مجهول القائل، ثم يعلق عليه بأنه لا يحتج به ؟، كان عليه الاقتصار على ذكر التأويل لا النظر في جهالة قائل البيت، ولو جعله هكذا سمع عن العرب ولم يعلق عليه، كان ذلك خيرا له من الجزم بعدم حجية البيت .
وقد سبق ابن الأنباري في المسألة الزمخشري في كشافه ، حينما علل قراءة قوله تعالى:) ..ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي..(، قال : ” وقرئ بمصرخيِّ بكسر الياء، وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول:
قال لها: هل لك يا تا فيِّ قالت له: ما أنت بالمرضيِّ
وكأنه قدر ياء الإضافة ساكنة، وقبلها ياء ساكنة، فحركها بالكسر، لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح..”(25).
إن تصريح الزمخشري بجهالة البيت، وعدم الاحتجاج به، واعتباره من احتج به ضعيفا حسبما فهمت من سياق لفظه، إذ كيف له أن يرد بيتا سُمع عن العرب؟، فالعبرة ليست بقائل البيت؟ العبرة بما قيل وما يشير إليه البيت، ثانيا: لقد وافق قول البيت قراءة من القراءات المتواترة، وهي قراءة حمزة أنى له أن يحكم عليها بالضعف؟، كان عليه أن يشير إلى القول ويبدي رأيه في المسألة، دون التعرض على القراءة المتواترة، وقد رد عليه صاحب النشر في القراءات العشر عندما تعرض لقراءة الآية :”واختلفوا في)بمصرخيَّ..( فقرأ حمزة بكسر الياء، وهي لغة بني يربوع، نص على ذلك قطرب، وأجازها هو والفراء وإمام اللغة والنحو والقراءة أبو عمرو بن العلاء، وقال قاسم بن معن النحوي: هي صواب. ولا عبرة بقول الزمخشري وغيره ممن ضعَّفها أو لحنها، فإنها قراءة صحيحة اجتمعت فيها الأركان الثلاثة، وقرأ بها أيضا يحيى بن وثاب، وسليمان بن مهران الأعمش وحمران بن أعين وجماعة من التابعين . وقياسها في النحو صحيح…وهذه اللغة شائعة ذائعة باقية في أفواه أكثر الناس إلى اليوم…”(26).
هذا عرض موجز لأهم الأصوات البارزة التي نادت واعترضت ووقفت في وجه الدليل الذي لا يعرف قائله، إلا أنني وجدت بعضهم يرفضه رفضا وإن كان الذي ذكره إمام من أئمة النحاة الثقات كسيبويه، فهذا أبو العباس المبرد يعترض على سيبويه حول شاهد حذف اللام وبقاء عملها في المضارع تشبيها بعمل(أن) المضمرة، والبيت هو من ] الوافر[ ذكره سيبويه في ما يعمل من الأفعال فيجزمها(27) : محمد تفد نفسك كل نفس *** إذا ما خفت من شيء تبالا
قال أبو العباس:” وأما هذا البيت الأخير فليس بمعروف على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لك”(28)، بل نَقل عنه البغدادي في الخزانة أشدّ مما ذكرت له سابقا:” ..وقال النحاس: سمعت علي بن سليمان، يقول: سمعت محمد بن يزيد ينشد هذا البيت ويُلحِّن قائله، وقال: أنشده الكوفيون، ولا يعرف قائله، ولا يحتج به، ولا يجوز مثله في شعر ولا في غيره…”(29).
هذا شيء من أدلة القائلين بعدم الاحتجاج بالشواهد المجهول قائلها، وأما ما يتعلق بالشواهد مجهولة القائل عند سيبويه، فيجوز الاحتجاج بها وذلك لأن الذي استشهد بها ثقة من الثقات، ولم يعب عليه ذلك، ومن أعاب عليه هم الكوفيون، والسبب في ذلك هو:” وقد كان الكوفيون أقل من البصريين تشددا في رواية الشعر وتوثيقه؛ لأنهم كانوا أصلا من عرب اليمن، الذي لا يحتج بلغتهم البصريون؛ لاختلاطهم بالأحباش والفرس وغيرهم من الأقوام، فكثرت عندهم الأشعار الأصلية النسبة إلى أصحابها الذين لم يحتج بشعرهم البصريون، كما كثرت الأشعار المنحولة إلى غير أصحابها الذين نسبت إليهم أصلا عند البصريين..”(30).
ب. أمثلة على الشواهد مجهولة القائل في الكتاب
يعد الشعر النص الخصب عند العرب، فهو الذي يذكر أمجادهم وسيرهم التأريخية، ويسجل بطولاتهم في المعارك الحربية، فهو ديوان العرب وخزانة الأدب، وعندما أدرك النحاة ذلك، اعتمدوا عليه في تقعيد لغتهم، ولذا نجد أن الشواهد الشعرية في كتبهم أكثر من النصوص الأخرى(الآيات القرآنية الكريمة، والحديث الشريف، وشيء من كلام العرب كالأمثال وغيرها مما سمع عن العرب، وهذا ما لحظناه عند سيبويه، فيكاد لا يعرض مسألة إلا ويسند إليها شاهد شعري، عُرف قائله أو جُهل لا يهمه ذلك، لأنه عاش في عصر الاحتجاج، وكل ما نقل منهم ثقات، وفي زمانه لم يعد الاهتمام بمثل هذه الأمور.
سنقتصر على ذكر أربعة شواهد -اختلف في نسبة قائليها- من كل جزء من أجزاء الكتاب:
1-يذكر سيبويه هذا الشاهد في باب (من اسم الفاعل ]الذي[ جرى مجرى الفعل المضارع في المفعول في المعنى، فإذا أردت فيه من المعنى ما أردت في يَفْعَلُ كان نكرة منونا )، يقول من ذلك:” كأنه قال: وثمَّ سمْرٌ ]ظماء[ وقال(من الكامل):
بادت وغيَّر آيهن مع البِلَى إلا رواكــــدَ جمــــرُهُنَّ هَباءُ
ومُـشجَّجٌ أمــا سواءُ قذالِه فــبدا وغــيّر ســـارَه المــعزاءُ
لأن قوله: إلا رواكد هي في معنى الحديث: بها رواكد، فحمله على شيء لو كان عليه الأول لم ينقض الحديث. والجر في هذا أقوى، يعني: هذا ضاربُ زيدٍ وعمروٍ وعمرًا بالنصب، وقد فعل لأنه اسم وإن كان قد جرى مجرى الفعل بعينه. والنصب في الفصل أقوى، إذا قلت: هذا ضاربُ زيدٍ فيها وعمرًا، كلما طال الكلام كان أقوى؛ وذلك أنك لا تفصل بين الجارِّ وبين ما يعمل فيه، فكذلك صار هذا أقوى..”(31).*
الشاهد في البيتين: (ومُشَجَّجٌ) فقد عُطف (مشجَّج) حملا على المعنى؛ لأنه لما قال إلا رواكد، استثناهن من آي الديار عُلم أنها مُقيمة بها ثابتة، فكأنه قال: بها رواكدُ ومشججٌ.
هذان البيتان لا نسبة لهما في الكتاب ولكن الشاعر معروف عند سيبويه لذا لم يذكره .
2- يورد سيبويه هذا الشاهد في ]باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده[ البيت من ] الطويل[ :
فلا تلْحِني فيها فإن بحبــّها أخاكَ مُصابُ القلبِ جمٌّ بلابِلُهْ
كأنك أردت: إن زيدا راغبٌ، وإن زيدا مأخوذٌ، ولم تذكر فيك ولا بكَ، فألغيتا ههنا كما أُلغيتا في الابتداء. ولو نصبت هذا لقلت إن اليوم زيدا منطلقا، ولكن تقول إن اليوم زيدا منطلق، وتُلغي اليومَ كما ألغيتَه في الابتداء.
وتقول: إن اليوم فيه زيدٌ ذاهبٌ، من قبل أنَّ “إنَّ” عملت في “اليوم”، فصار كقولك: إن عمرا فيه زيدٌ متكلم. ويدلك على أن اليوم قد عملت فيه إن، أنك تقول: اليوم فيه زيدٌ ذاهبٌ، فترفع بالابتداء، فكذلك تنصب بأنَّ.
وتقول: إن زيدا لفيها قائما، وإن شئت ألغيتَ لفيها، كأنك قلت: إن زيدا لقائم فيها. ويدلك على أن لفيها يُلغى أنك تقول إن زيدا لَبك مأخوذ.”(32).*
يحمل البيت معنى عدم ملامة الشاعر في حب المرأة التي ملكت قلبه، وأسرت لبه، واستولى حبَّهُ عليها، فعجز عن الذهاب عنها أو تركها ونسيانها.
الشاهد في البيت: “فإن بحبها أخاك مصاب” حيث قدّم معمول خبر إنَّ ” بحبها” على اسمها” أخاك”، وخبرها ” مصاب” والأصل:” إنَّ أخاك مصابُ القلبِ بحبها” .
3- يستشهد سيبويه بهذا الشاهد في باب] هذا باب الجزاء[: وهو من (البسيط).
هذا سراقَةُ للقرآنِ يَدرُسُهُ والمرءُ عندَ الرُّشَا إنْ يلْقَهَا ذِيبُ
أي: والمرءُ ذئبٌ إنْ يلْقَ الرُّشا. قال الأصمعي : هو قديم، أنشدنيه أبو عمرو.”(33).*
البيت فيه إشارة هجاء إلى أحد القرّاء (قرّاء القرآن الكريم)، ويصفه بالرياء وقبول الرشوة إذا ما جيء إليه في حاجة، ويشبهه حين يلقى الرُّشوةَ بالذئب المفترس .
والشاهد في البيت: أن ” ذيب” ليست جواب شرط، بل خبرًا للمبتدأ (المرء) والجواب مقدَّر، والمبرِّد يجعله على إرادة الفاء، أي: فهو ذيب.
4- استشهد سيبويه بالبيت الآتي على ما أصله واو فقلبت ياء، في باب ] في باب تقلب فيه الياء واوا[:
“..سمعنا من العرب من يقول: تعيَّطت الناقة. وقال: ( من الطويل)
مظاهـــرةً نيًّا عـــتيقًا وعــوطَطًا فقدْ أَحْكَمَا خَلْقًا لها متباينًا
العُوطَطُ فُعْلَلٌ..”(34).*
يشير معنى البيت إلى وصف ناقة وافرة القوة والجسم، ولكنها لا تحمل، وفي ذلك تباين في خلقها يتمثل بصحة جسمها وسمنها وقوتها وبين عدم حملها.
الشاهد في البيت: قلب الياء واوا في كلمة ( عوطط) لسكونها، وانضمام ما قبلها، لأن أصلها عُيْطط؛ لأنها من عاطت الناقة تعيط عياطا، وعُوطَطًا كما قيل في (مُيقن): موقن، ومعروف أنه من اليقين .
هذه بعض الشواهد التي لم ينسب سيبويه البيت إلى قائله، وقد وجدناها احْتُجَّ بها في كتب اللغة والنحو، وهذا دليل على شهرة البيت، وما دام البيت مشهورا فلا عبرة بالقائل من وجهة نظري، فالقائل يذكر من أجل إثبات ملكية فقط.
ثالثا: الاعتراض على مسألة الاحتجاج والرد عليها :
يمكن أن نرد على من اعترض على النقل بجهالة القائل، فمن أهم السبل لذلك ما يلي :
*لإثبات قائل البيت المحتج به، ينبغي علينا البحث والتقصي، قبل إصدار الحكم عليه .
*ذكرت سابقا أن بعض الأبيات التي احتج بها سيبويه، وأخذها من جاء بعده حجة له في القاعدة التي أوردها، أخبرنا سيبويه بأنه أخذها أو سمعها من شيخه أو من قبيلة أو من رجل ثقة وهكذا في أغلب أبياته المجهولة قائلها، من هنا لا يضرّ إذن استبها اسمه .
* يمكن الاستدلال بقول البغدادي في خزانة الأدب، ويكون ردا على من اعترض على الاستدلال بمجهول القائل:” الشاهد الذي جهل قائله إن أنشده ثقة كسيبويه وابن السرّاج والمبرِّد ونحوهم، فهو مقبول يُعتمد عليه، ولا يضر جهل قائله، فإن الثقة لو لم يعلم أنه من شعر من يصح الاستدلال بكلامه لما أنشده..”(35). *يتكرر الشاهد عند سيبويه أحيانا، وهذا يدلّ على صحة البيت من وجهة نظري.
– أهم النتائج
تناول هذا البحث (الاحتجاج بمجهول القائل) في كتاب سيبويه، من حيث جواز الأخذ به وعدم الأخذ به على الإطلاق، ويمكن إجمال ما خَلُص إليه البحث من نتائج فيما يأتي:
– الشعر أهم مصدر لدراسة اللغة فقد استخدمه المفسرون في تفسيرهم للقرآن الكريم، كما استخدمه النحويون لتقعيد النحو .
– وجود شواهد مجهولة القائل عند سيبويه لا يعني التشكيك في ذلك وعدم الأخذ بها؛ لأن سيبويه لم يأخذها إلا من رواة ثقات- شيوخه- أو سمعها من العرب أو أنشده شاعر وهكذا، ومن المعلوم أن الثقة يحتج بروايته.
– لم يعتن سيبويه في توثيق بعض الشواهد؛ لأنه لم يكن مهتمًا بذلك ولم يفكر فيه أصلًا، فالبيت في نظره اشتهر به عند العرب وتدوول عند أكثرهم وأغلبهم.
– إن من أنكر على سيبويه استدلاله بمجهول القائل، نجده قد استشهد به هو نفسه في مدونته.
الهوامش
(1) الخطيب البغدادي،أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت(ت463ه)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، خرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: أبو عبدالرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، ( باب القول في كتب الحديث على وجهه وعمومه وذكر الحاجة إلى ذلك في الجمع لأصناف علومه، كتب أشعار المتقدمين)، ج8،ص360.
(2) ابن منظور، لسان العرب (مادة حجج)، دار الحديث-القاهرة، 1423- 2003، ج2، ص328.
(3) اللبدي، محمد، معجم المصطلحات النحوية والصرفية، مؤسسة الرسالة(بيروت)،دار الفرقان(عمَّان)، ط1، 1405- 1985،ص61.
(4) محمد عيد، الاستشهاد والاحتجاج باللغة،(رواية اللغة والاحتجاج بها في ضوء علم اللغة الحديث)، ط ٣، القاهرة: عالم الكتب، 1988 م، ص86.
(5) ابن زكريا، أحمد بن فارس(ت395)، مقاييس اللغة( شهد)، راجعه وعلق عليه أنس محمد الشامي، دار الحديث-القاهرة،1429-2008. ص461.
(6) اللبدي، محمد، معجم المصطلحات النحوية والصرفية، ص119.
(7) هو أبو عمر صالح بن إسحاق البجلي، مولى لهم. نزل في جرم(هو جرم بن ربان بن عمران..)، فنسب إليهم، أخذ عن أبي الحسن الأخفش. قال أبو حاتم: كان الجرمي قد اختلط في آخر أمره، وكان توءما، ولا يزال من خولط في الرحم يصيبه شيء. قال أبو حاتم: قال الجرمي: أنا لم أضع كتابا في النحو؛ إنما اختصرت كتاب سيبويه، فقلت له: وذاك لو كنت تحسن تختصره. يُنظر: الحموي شهاب الدين أبي عبدالله ياقوت بن عبدالله، معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) تح: عمر فاروق الطباع، مؤسسة المعارف بيروت –لبنان، ط1، 1420- 1999، ج4،ص335.
(8) الزبيدي، أبو بكر، طبقات النحويين واللغويين، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، دار المعارف-مصر،ج1، ص75. والبغدادي، خزانة الأدب، تح: عبدالسلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب –ط2-1979، ج1، ص369.
(9) جمعة، خالد عبد الكريم، شواهد الشعر في كتاب سيبويه، الدار الشرقية، ط2، 1409-1989، ص79.
(10) البغدادي، عبدالقادر بن عمر، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، تح: عبدالسلام هارون،ج9/ 317.
(11) المرجع السابق،ج1/369-370.
(12) البغدادي، عبدالقادر بن عمر، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب،تحقيق:عبدالسلام هارون،ج1/ 369.
(13) المرجع السابق،ج1/ 370. *للنظر في الشواهد التي أشرت إليها في المتن، ينظر في الكتاب (ج1/286، 304 ، ج2/ 83، 111، ج3/219، 231).
(14) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، الكتاب كتاب سيبويه، تح وشرح: عبدالسلام هارون(ج1،ص147)، و(ج2،ص152) و( ج3،ص133و137).
(15) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، الكتاب كتاب سيبويه ، ج2،ص72 و153، وج3، 123.
(16) المرجع السابق، ج2،ص329، و ج3، ص135.
(17) المرجع السابق، ج2،ص320.
(18) المرجع السابق، ج1،ص156، 163، و ج2،ص203.
(19) الزجاجي، عبدالرحمن بن إسحاق(ت:340)، مجالس العلماء، تح: عبدالسلام هارون ( مجلس أبي جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري مع أبي عثمان (58))، مطبعة حكومة الكويت، سلسلة تصدرها وزارة الإعلام، ط2، 1984، ص129.
(20) الأنباري، كمال الدين عبدالرحمن بن محمد بن أبي سعيد، الإنصاف في مسائل الخلاف، ت: محيي الدّين عبدالحميد،ج2،ص128.
(21) السيوطي، عبدالرحمن جلال الدين، الاقتراح في علم أصول النحو ،تحقيق: حمدي عبدالفتاح مصطفى خليل، ص127.
(22) البغدادي، عبدالقادر بن عمر، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب ،تحقيق :عبدالسلام هارون،ج1/ 15.
(23) الأنباري، كمال الدين عبدالرحمن بن محمد بن أبي سعيد، الإنصاف في مسائل الخلاف، ت: محيي الدّين عبدالحميد،ج1،ص294.
(24) المرجع السابق، ج2، ص9.
(25) الزمخشري، جار الله محمود بن عمر، الكَشَّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، شرحه وضبطه وراجعه: يوسف الحمادي، مكتبة مصر، ج2،ص536.
(26) ابن الجزري، شمس الدين محمد بن محمد بن محمد(ت833)، النشر في القراءات العشر، دراسة وتحقيق: جمال الدين محمد شرف، دار الصحابة للتراث بطنطا، ط1، 1435-2014، ج3، ص1607، 1608.
(27) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، الكتاب كتاب سيبويه، تح وشرح: عبدالسلام هارون،ج3 ، ص8.
(28) المبرد، أبو العباس محمد بن يزيد(ت285ه)، المقتضب، تح: محمد عبد الخالق عضيمة، جمهورية مصر العربية، وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1415- 1994،ج2، ص131.
(29) البغدادي، عبدالقادر بن عمر، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، تح: عبدالسلام هارون،ج9/ص11، 12.خديج
(30) الحديثي، خديجة، الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه، مطبوعات جامعة الكويت رقم 37، 1394- 1974،ص159.
(31) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، الكتاب كتاب سيبويه، تح وشرح: عبدالسلام هارون،ج1 ، ص173، 174. *- التخريج: البيتان للشماخ بن ضرار في ملحق ديوانه،ص427-428، وفي شرح الكتاب 1،ص396، وبلا نسبة في خزانة الأدب ج5، ص146- 147، و(لسان العرب:شجج) ج5،ص32، وأساس البلاغة: شجج، ص21، وبنسبة في الكتاب نفسه(أساس البلاغة: معز)، ص599.
(32) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، الكتاب كتاب سيبويه،ج2 ، ص133، 134. *التخريج: البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ج1،ص268، خزانة الأدب ج8،ص453،ص455، ومغني اللبيب ج2،ص507، وهمع الهوامع ج1،ص435.
(33) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، الكتاب كتاب سيبويه، تحقيق وشرح: عبدالسلام هارون،ج3 ، ص67. *التخريج: البيت بلا نسبة في خزانة الأدب،ج2،ص3، ج5،ص226، ج9،ص48، ص61، ص547،وكذا في شرح التصريح على التوضيح ج1،ص494، وهمع الهوامع في ج2،ص372 ، والأصول في النحو ج 2،ص193 ، وفي اللسان: سرق، ج4، ص566.
(34) سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، الكتاب كتاب سيبويه ، ج4، ص376. *التخريج: البيت بلا نسبة في لسان العرب في مادة “عيط”ج6،ص547، وفي المنصف ج2، ص12.
(35) البغدادي، عبدالقادر بن عمر، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، تحقيق: عبدالسلام هارون،ج9/ص317.
– المــراجــع والمصادر
– ابن الجزري، شمس الدين محمد بن محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، دراسة وتحقيق: جمال الدين محمد شرف، دار الصحابة للتراث بطنطا، 1435/2014.
– الأزهري، الشيخ خالد بن عبدالله، شرح التصريح على التوضيح أو التصريح بمضمون التوضيح في النحو، إعداد محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، 1421/2000.
– الأنباري، كمال الدين عبدالرحمن بن محمد بن أبي سعيد، الإنصاف في مسائل الخلاف، ت: محيي الدّين عبدالحميد، دار الطلائع للنشر والتوزيع، القاهرة- مصر، بلاتا.
– الأنصاري، ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، قدم له ووضع حواشيه وفهارسه: حسن حمد، وأشرف عليه وراجعه:إميل بديع يعقوب، مكتبة دار الباز، عباس أحمد الباز، مكة المكرمة، دار الكتب العلمية (بيروت- لبنان)، 1418/1998.
– البغدادي، عبدالقادر بن عمر، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، تحقيق: عبدالسلام هارون، ط2، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1979.
– البغدادي، محمد بن سهل بن السرّاج، الأصول في النحو،تحقيق: د. عبدالحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة-بيروت، ط3، 1417/1996.
– الخطيب البغدادي،أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، خرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: أبو عبدالرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1417/ 1996.
– الذبياني، الشماخ بن ضرار ، الديوان، حققه وشرحه: صلاح الدين الهادي، دار المعارف بمصر،(ذخائر العرب42).
– الزبيدي، أبو بكرمحمد بن الحسن ،طبقات النحويين واللغويين، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، دار المعارف-مصر.
– الزجاجي، عبدالرحمن بن إسحاق، مجالس العلماء، تحقيق: عبدالسلام هارون، مطبعة حكومة الكويت، سلسلة تصدرها وزارة الإعلام، ط2، 1984.
– الزمخشري، جار الله محمود بن عمر، أساس البلاغة، دار بيروت للطباعة والنشر-بيروت، 1412/1992.
– السيوطي، عبدالرحمن جلال الدين، الاقتراح في علم أصول النحو ،تحقيق: حمدي عبدالفتاح مصطفى خليل، الحقوق محفوظة للمحقق، ط2، 1422/ 2001.
– السيوطي، عبدالرحمن جلال الدين، الأشباه والنظائر، تحقيق: محمد عبدالقادر الفاضلي، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، 1435-2014.
– السيوطي، عبدالرحمن جلال الدين، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية،ط1، 1418- 1998.
– اللبدي، محمد، معجم المصطلحات النحوية والصرفية، مؤسسة الرسالة(بيروت)،دار الفرقان(عمَّان)، 1405/1985.
– جمعة ،خالد عبد الكريم، شواهد الشعر في كتاب سيبويه، الدار الشرقية، ط2، 1409/1989.
– سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، الكتاب، تحقيق وشرح: عبدالسلام هارون، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة(مطبعة المدني)ط3، 1408/ 1988.
– محمد عيد، الاستشهاد والاحتجاج باللغة (رواية اللغة والاحتجاج بها في ضوء علم اللغة الحديث)، ط ٣، القاهرة:عالم الكتب ، 1988 م.
-ابن زكريا، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، راجعه وعلق عليه أنس محمد الشامي، دار الحديث-القاهرة،1429/2008.
-ابن منظور، لسان العرب، دار الحديث-القاهرة، 1423/ 2003.
-الحديثي، خديجة، الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه، مطبوعات جامعة الكويت رقم 37، 1394/ 1974.
-الحموي شهاب الدين أبي عبدالله ياقوت بن عبدالله، معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) حققه وضبطه: عمر فاروق الطباع، مؤسسة المعارف بيروت –لبنان، 1420/ 1999.
-الزمخشري، جار الله محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، شرحه وضبطه وراجعه: يوسف الحمادي،مكتبة مصر.
-المبرد، أبو العباس محمد بن يزيد، المقتضب، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة، جمهورية مصر العربية، وزارة الأوقاف ، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1415/ 1994.
-عثمان بن جني، المنصف، تحقيق: إبراهيم مصطفى، عبدالله أمين، وزارة المعارف العمومية،إدارة إحياء التراث القديم، الإسكندرية-مصر، 1373/1954.
(لتنزیل ملف كامل هذا البحث بصيغة بي دي اف، اضغط هنا)